الرئيسية / تحليلات تاريخية / الثورات في المستعمرات / الثورة ضد الاستعمار والحرب الأهلية في اليمن الجنوبي

الثورة ضد الاستعمار والحرب الأهلية في اليمن الجنوبي

نعيد هنا نشر مقال كتبه تيد غرانت عام 1986، يحلل فيه الحرب الأهلية التي شهدها اليمن الجنوبي آنذاك، ويوضح السيرورات التي كانت تجري في البلدان المستعمَرة في ذلك الوقت:

لقد ظهرت السيرورات المميزة للثورة ضد الاستعمار، وانحطاط الستالينية والطابع الخاص للبونابرتية البروليتارية، أي الانتقال إلى دكتاتورية عسكرية- بوليسية على أساس ملكية الدولة لوسائل الإنتاج والتوزيع والتبادل، بوضوح خلال مسار الثورة في اليمن الجنوبي بعد عام 1967. وكانت تلك هي الظروف التي أدت، في نهاية المطاف، إلى تقويض الثورة ووضع الأساس للفوضى البربرية التي نراها في البلاد اليوم. [تيد غرانت]


أوضحت الحرب الأهلية في اليمن الجنوبي السيرورات التي تجري في البلدان المستعمَرة اليوم، وسيرورات الثورة ضد الاستعمار. كما تظهر، في الوقت نفسه، انحطاط الستالينية والطابع الخاص للبونابرتية البروليتارية، أي الانتقال إلى الدكتاتورية العسكرية البوليسية على أساس ملكية الدولة لوسائل الإنتاج والتوزيع والتبادل.

وقد تجلت هذه السيرورات بوضوح خلال مسار الثورة في اليمن الجنوبي منذ عام 1967. كانت الإطاحة بالإمبريالية البريطانية، التي اضطرت إلى الانسحاب من عدن واليمن الجنوبي بفعل حركة الجماهير، بمثابة بداية للثورة هناك. لكنه ظهر بوضوح أنه على أساس الديمقراطية البرجوازية، وفي ظل أزمة الرأسمالية العالمية، وخاصة في البلدان المستعمَرة، أن الديمقراطيين البرجوازيين، والبرجوازيين الصغار، غير قادرين على اتخاذ أي إجراءات ضد ملّاك الأراضي ودفع الثورة الديمقراطية البرجوازية إلى نهايتها.

المتظاهرون اليمنيون عام 1967 / الصورة: العمري

وهكذا فقد اضطر الجناح الأكثر ثورية بين القوى الثورية إلى الاستيلاء على السلطة بنفسه. لكن ومن أجل القضاء على الإقطاع و ملاكي الأراضي، اضطر إلى الذهاب إلى أبعد من ذلك والقضاء على الرأسمالية، أو بالأحرى عناصر الرأسمالية التي كانت موجودة في اليمن الجنوبي في ذلك الوقت.

أعلن اليمن الجنوبي نفسه دولة “ماركسية”، أي أنه في الواقع كان دكتاتورية عسكرية بوليسية بونابرتية، تستند إلى اقتصاد مؤمم، لكن بدعم من الأغلبية الساحقة، وخاصة من الجماهير النشيطة. وقد اتخذ الثوريون اليمنيون من مثال كوبا وروسيا، وبالطبع الصين، النموذج المحتذى.

لكن اليمن الجنوبي من أفقر بلدان العالم. وعلى الرغم من أنه يغطي مساحة تعادل مساحة بريطانيا، فإن عدد سكانه لا يتجاوز مليوني نسمة. لديه القليل من الموارد الطبيعية، على الرغم من اكتشاف النفط على طول الحدود بين جنوب وشمال اليمن. وكان من الواضح أنه من غير الممكن حل المشاكل التي تواجه العمال والفلاحين، أي الشعب اليمني، على أساس الاقتصاد اليمني وحده.

عندما بدأت الثورة لم يكن هناك سوى 127 ميلا من الطرق المعبدة في اليمن الجنوبي، وجميعها باستثناء 14 في عدن. وحتى الآن، لا يزيد دخل الفرد في اليمن الجنوبي إلا قليلا عن 350 جنيها إسترلينيا في السنة. يبلغ متوسط العمر المتوقع حوالي 46 عاما وحتى اليوم على الرغم من الجهود الجبارة للقضاء على الأمية، ما يزال أكثر من 60% من السكان أميين.

ومن المشاكل الأخرى لثورة اليمن الجنوبي أنها محاطة بدول شبه إقطاعية مثل المملكة العربية السعودية وعُمان ودول الخليج. كان اليمن في السابق يحتل موقعا استراتيجيا مهما عندما كان نصف نفط المعسكر الرأسمالي يتدفق من الخليج كل يوم. وفي عام 1975، مر 17,5 مليون برميل من النفط، أو 41% من نفط المعسكر الرأسمالي، عبر مضيق هرمز. والآن، أصبحت النسبة تساوي 15% فقط، أو 6,5 مليون برميل من النفط كل يوم. ومع ذلك، فهي ما تزال منطقة استراتيجية مهمة للغاية لأن 56% من احتياطيات النفط العالمية ما تزال في منطقة الخليج.

اعتقال المتظاهرين عام 1967 / الصورة: العمري

لكن حتى على ذلك الأساس الاقتصادي الهزيل لليمن الجنوبي، ومع عدم وجود أي صناعة على الإطلاق، فقد تم إحراز تقدم كبير بفضل القضاء على الاقطاع والرأسمالية. فعلى سبيل المثال، صار اليمن الجنوبي الآن يزرع نصف حاجياته من الغذاء على الرغم من حقيقة أن جزءا كبيرا من اليمن الجنوبي صحراء.

الفرق الذي تحدثه الثورة في منطقة كهذه يمكن أن نراه في حقيقة أن 80% من سكان جيبوتي، والتي يبلغ عدد سكانها 360 ألف نسمة، هم عاطلون عن العمل، في حين أن البطالة في اليمن الجنوبي قد تم القضاء عليها تماما.

ما الذي حصل إذن حتى وقعت حرب أهلية بين فصيلين من الحزب الاشتراكي اليمني (وهو اسم الحزب الستاليني في اليمن)؟ الحقيقة هي أن الرئيس علي ناصر محمد، حاول تصفية أعضاء الفصيل المعارض في اجتماع عُقد خصيصا للمكتب السياسي المكون من أحد عشر عضوا، في 13 يناير من هذا العام. أطلقت مفرزة من الحراس النار مما أدى إلى مقتل علي أحمد ناصر عنتر، نائب الرئيس والمعارض الصريح للرئيس ناصر محمد، ووزير الدفاع، صالح مصلح قاسم، ورئيس لجنة المراقبة، علي شائع هادي. وتم القبض على معارضين آخرين للرئيس وقتل بعضهم. وقد حضر الرئيس ناصر محمد لتصفية معارضيه من خلال إصدار منشورات قبل اجتماع المكتب السياسي، يزعم فيها نجاحه في هزيمة محاولة انقلاب! لكن في 15 و16 يناير، انتقلت الرتب الوسطى من القوات إلى صف المعارضة، مما أدى إلى حسم مصير ناصر محمد. وفي 25 يناير تم تشكيل حكومة جديدة برئاسة حيدر أبو بكر العطاس.

اقتدى أعضاء النخبة الحاكمة في اليمن الجنوبي بمثال الصين وروسيا وكوبا وغيرها من الدول العمالية المشوهة في اقتطاع امتيازات لأنفسهم. لاحظ فريد هاليداي، الذي ألف كتابا عن انهيار السلاطين في اليمن الجنوبي، بعض التغييرات خلال زيارة قام بها في عام 1979. وذكر أن «كبار مسؤولي الحزب في عدن حصلوا على امتيازات مادية متزايدة أخذت شكل حق الوصول إلى متاجر السلع الاستهلاكية المقيدة، وأصبح الجيش أكثر بروزا في حياة اليمنين». كان الرئيس ناصر محمد، قبل الإطاحة به، رئيسا للدولة، والأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني الحاكم، ورئيسا لهيئة رئاسة المجلس الشعبي الأعلى.

على طريق الرأسمالية لا يوجد مخرج. كان المجتمع في اليمن، كما هو الحال في معظم المستعمرات في الوقت الحاضر، في طريق مسدود. وبالتالي تطورت السيرورة في اليمن، وإن في شكل كاريكاتوري، على أساس الثورة الدائمة التي شرحها تروتسكي وأيدها لينين. فقفز اليمن من القبلية إلى “الاشتراكية”. فأسسوا ما يسمى بـ”الحزب الاشتراكي” مع دولة الحزب الواحد الشمولية. فكيف اندلع الصراع إذن؟ في اليمن، ومثلما يحدث في أفغانستان، كانت القيادات القبلية وغيرها من التيارات تتصارع من أجل السيطرة في إطار الحزب القانوني الوحيد، أي الحزب الاشتراكي. وبالإضافة إلى ذلك كانت هناك خلافات حول السياسة التي يتوجب اتباعها. فقد حاول الرئيس السابق، علي ناصر محمد، التوصل إلى اتفاق مع الدولة الرجعية في شمال اليمن وبقية الدول الرأسمالية الإقطاعية في الخليج والمملكة العربية السعودية. وقد تم ذلك بدعم كامل من الستالينيين في موسكو.

يحاول النظام الستاليني في الاتحاد السوفياتي التوصل إلى نوع من التسوية الصعبة مع الإمبريالية الأمريكية ولا يريد حدوث أي تحرك للجماهير في الشرق الأوسط يمكن أن يتسبب له في احتكاك وتعقيدات مع الولايات المتحدة. لذلك فهو يعارض تطور الثورة في شمال اليمن وفي عُمان والمملكة العربية السعودية وفي بلدان الشرق الأوسط الأخرى. لقد حدثت الثورة في اليمن الجنوبي، مثلها في ذلك مثل كل الثورات الأخرى في البلدان المستعمَرة، على الرغم من وجود الأحزاب الشيوعية والبيروقراطية السوفياتية وليس بفضلها.

لذلك كان هناك صراع داخل الحزب الاشتراكي اليمني مع فصيل يعارض محاولات علي ناصر محمد للتوصل إلى اتفاق مع اليمن الشمالي والدول الرجعية الأخرى في المنطقة، ورغبته في التوقف عن دعم الحركة الثورية في تلك البلدان.

لذلك جرب ناصر محمد الأساليب الستالينية الكلاسيكية المتمثلة في إطلاق حملة تطهير بالطريقة الستالينية. عمليات إعدام بدون محاكمة، والتي كانت في الواقع عمليات اغتيال للقيادة العليا للمكتب السياسي. لقد كان فشله في إتمام المهمة، إذ لم يتمكن إلا من القضاء بشكل جزئي على منافسيه، هو الأمر الذي أدى إلى اندلاع حرب أهلية. وهكذا فإنه في الأنظمة الستالينية يجري “النقاش الأخوي” باستعمال الرشاشات الثقيلة والدبابات والبنادق وناقلات الجنود المدرعة والمدفعية من عيار 130 مترا والمدافع والزوارق الحربية والطائرات! إن الدول العمالية المشوهة تسير على طريق البونابرتية بدلا من طريق الديمقراطية العمالية. ومثلما نرى في المعارك الدامية بين روسيا والصين، والصراعات الدموية بين الصين وفيتنام، وبين فيتنام وكمبوديا، فإنها تفضح أوجه القصور القومية والبيروقراطية للأنظمة الستالينية.

كل تلك البلدان “الاشتراكية” تهيمن عليها نخبة بيروقراطية. إنهم تقدميون بقدر ما تم القضاء على الرأسمالية و بقايا الاقطاعية وكبار ملاكي الأراضي، لكنه لا توجد فيها رقابة حقيقية للعمال والفلاحين. وتلك الرقابة العمالية هي وحدها التي يمكن أن تضمن بداية الانتقال في اتجاه الاشتراكية.

يؤدي الحكم البيروقراطي إلى التشوه والفساد والشطط في استعمال السلطة. والمثال الكلاسيكي عن ذلك هو الإرهاب الدموي سيء السمعة الذي شنه جوزيف ستالين في روسيا. وفي غياب الرقابة الديمقراطية العمالية، وحكم العمال والفلاحين، في منطقة مثل اليمن الجنوبي، حيث يسيطر شيوخ القبائل، تتخذ النخبة البيروقراطية إجراءات ضد كل ما يهدد سيطرتها من خلال عمليات تطهير دموية. بهذه الطريقة كان ستالين قد عمل قبل فترة طويلة على إبادة قادة الثورة والحزب البلشفي ومئات الآلاف من العمال الذين قادوا الثورة البلشفية، إلى جانب تنظيمه لمذبحة ضد غالبية كوادر الجيش الروسي. وهو ما مهد الطريق لتلك الانتصارات التي حققها هتلر في المراحل الأولى من حرب الإمبريالية النازية ضد روسيا.

علم الحزب الاشتراكي اليمني / الصورة: MrPenguin20

توجد الآن في اليمن الجنوبي حكومة جديدة برئاسة حيدر أبو بكر العطاس، مع سالم البيض في منصب سكرتير للحزب الاشتراكي اليمني. إنهما الزعيمان القويان الجديدان اللذان يتشدقان بالقيادة الجماعية، في حين أن النظام الجديد سيؤدي بدوره حتما إلى هيمنة “زعيم” أوحد جديد. هذه هي طريقة البونابرتية البروليتارية، تركيز السلطة في يد فرد واحد.

لقد تسببت الأحداث التي شهدها اليمن في خلق اضطراب وإحراج كبيرين للحزب الشيوعي البريطاني والمتشددين المتحلقين حول صحيفة the Morning Star. في 27 يناير، احتوت الصحيفة على مقال يتحدث عن اجتماع للجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني، بعد تعيين الحكومة الجديدة لحيدر أبو بكر، حيث يقول:

«… أعلن “التزام الحزب الاشتراكي اليمني بأفكار الاشتراكية العلمية [!؟] ومبادئ الأممية البروليتارية” ودعا الشعب كذلك إلى “الالتفاف حول الحزب دفاعا عن الاستقلال الوطني للبلاد وسيادتها”».

الستالينيون البريطانيون، إلى جانب أسيادهم في الخارج، لأن موسكو في البداية كانت تدعم ناصر محمد، كانوا في البداية يدعمون الحصان الخطأ. إلا أنهم سرعان ما انتقلوا لدعم الجانب الفائز. لكنهم لم يقدموا ولو كلمة واحدة لشرح كيف يمكن حدوث ذلك، وكيف يمكن أن يحدث ذلك في ظل “الاشتراكية العلمية”.

وتتابع الصحيفة قائلة:

«اتهمت اللجنة المركزية للحزب اليمني علي ناصر محمد بتدبير مؤامرة دموية إجرامية لأجل التصفية الجسدية للقيادة الجماعية للحزب وإقامة نظام ديكتاتوري إرهابي».

وبينما تفرك يديها من الألم بسبب هذا “الخلاف” بين “الرفاق”، استشهدت الصحيفة بتعليقات برافدا في عدد 24 يناير، التي جاء فيها:

«”هذه الأحداث لا يمكن إلا أن تسبب أسفا عميقا، خاصة بالنظر إلى أنها تجري في بلد صديق على رأسه الحزب الاشتراكي اليمني”. وبالنظر إلى “النجاحات الاجتماعية والاقتصادية الكبيرة” التي حققها اليمن الديمقراطي، فإن الحزب الشيوعي السوفياتي يعزو المشاكل الحالية إلى “الوجود التقليدي للعديد من الهياكل الاشتراكية والانقسام القبلي للمجتمع الموروث من العصور الماضية”. كما أنها كانت أيضا نتيجة “العمل التخريبي الذي تقوم به القوى الرجعية والإمبريالية الأجنبية”».

على الرغم من أنه لم يتم شرح كيف كان لتلك العوامل تأثيرها على النظام في عدن.

تعليقا على تلك الأحداث، استعرضت The Morning Star، في عددها ليوم 24 يناير، مقالا كتبه ناصر محمد قبل الحرب الأهلية في طبعة أكتوبر 1985 من مجلة World Marxist Review:

«في مقال مفصل وصريح، نشر في مجلة World Marxist Review، بعنوان: “مشاكل السلام والاشتراكية”، تحدث الرئيس عن “صراعات نخبوية” ومحاولات “التقليل من دور قيادة الحزب”.

وبصفته الأمين العام للجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني ورئيس هيئة رئاسة مجلس الشعب الأعلى، أشار الرئيس إلى وجود صراعات واضحة في الفترة التي تسبق مؤتمر الحزب، الذي يجري التخطيط لعقده في المستقبل القريب».

تواصل الصحيفة قائلة:

«… في الصراع… كان هناك ارتباك حول السبب. تراوحت التكهنات بين الخصومات الشخصية، إلى القبلية، والمركزية مقابل الحكم الذاتي المحلي، والخلافات حول العلاقات بين الحزب والدولة، وكذلك حول العلاقات مع الدول العربية المجاورة… سفارة اليمن الديمقراطي في لندن… قالت … إن “الأسباب تعود إلى إرث التخلف الاجتماعي”، وأضافت إن “الوضع انفجر لأسباب داخلية بحتة”.

يؤكد مقال الرئيس [المخلوع- تيد غرانت] علي ناصر محمد أنه كانت تجري مناقشة خلافات سياسية حادة في البلاد بعد الجلسة العامة للجنة المركزية للحزب… وقال إن وضع الحزب الاشتراكي اليمني يختلف عن الأحزاب البرجوازية الحاكمة، حيث أنه: “إلى جانب سلطة الدولة، لا يمثل أقلية متميزة بل كل الشعب العامل!”».

لقد دحضت الأحداث هذه الحجة بشكل ساحق. تتضمن الديمقراطية العمالية الضوابط والتوازنات الطبيعية التي بموجبها يتم اتخاذ القرارات على أساس الأغلبية من خلال النقاش الديمقراطي داخل تنظيم الحزب الثوري نفسه. كان هذا هو الحال في روسيا قبل انحطاط الثورة. لكن ستالين بعد استيلائه على السلطة، أعلن في أوائل عام 1927 أن «هؤلاء الكوادر [أي البيروقراطيين – تيد غرانت] لا يمكن القضاء عليهم إلا عن طريق الحرب الأهلية…»، وهو البيان الذي انطلق منه لشن حرب أهلية من جانب واحد ضد البلشفية. وما يحصل الآن هو محاولة فصيلين بيروقراطيين في اليمن الجنوبي سحق بعضهما البعض. من المؤكد أن بقايا الماضي، والعداوات الشخصية، والتجمعات القبلية، لديها يد في الصراع. لكن النموذج الذي يهتدي به كلا الفصيلين هو الأنظمة الشمولية في أوروبا الشرقية والصين، ودولة الحزب الواحد وغياب أي ديمقراطية حقيقية. لقد أدى التخلف بالطبع إلى جعل تطوير الصناعة والاقتصاد صعبا للغاية في اليمن الجنوبي. في الاتحاد السوفياتي نشأت عزلة الاشتراكيين الديمقراطيين الحقيقيين، وعزلة الماركسية، من عزلة روسيا وتخلفها بفعل فشل الثورة في البلدان الأخرى. لهذا السبب تعرض الماركسيون، البلاشفة الحقيقيون الذين كانوا يعبرون عن احتياجات ومصالح الطبقة العاملة والفلاحين، ومصالح الاشتراكية العالمية، للهزيمة في الصراع الذي شهده الاتحاد السوفياتي.

أما الصراع الدائر الآن في اليمن الجنوبي فهو صراع بين زمرتين بيروقراطيتين. إن بلدا فقيرا مثل اليمن الجنوبي بعدد سكانه القليل، من الواضح أنه لا يستطيع الوقوف بمفرده دون دعم الدول العمالية المشوهة الأخرى. لكن عناصر التخلف ما تزال تخيم على الاقتصاد والحياة الثقافية. ومما لا شك فيه أن انخفاض مستويات المعيشة والتخلف الثقافي والأمية الفعلية، كل ذلك كان له تأثير. لكن هذه الأمور ليست هي ما يفسر سبب اندلاع الحرب الأهلية في اليمن الجنوبي.

تواصل الصحيفة في هذا المقال الطويل، قائلة:

«وأضاف [الرئيس السابق المخلوع، ناصر محمد- تيد غرانت] “لكن على الرغم من أن بناء جهاز الدولة كان قد اكتمل خلال السنوات القليلة الماضية، فقد كانت هناك نقاط ضعف وجوانب سلبية”. وانتقل إلى الحديث عن “تضخم الموظفين [أي البيروقراطية- تيد غرانت]، وعدم كفاية المعرفة بالمبادئ العلمية للقيادة، والأخطاء في التعامل مع الميول البيروقراطية للكوادر في تصرفات بعض المديرين التنفيذيين وانخفاض مستوى الانضباط التنفيذي».

يا لها من صيغة ستالينية منمقة لتغطية “ميوله البيروقراطية الخاصة”، و”حل” المشاكل عن طريق إطلاق النار على أعضاء المعارضة في المكتب السياسي!

وقال: «بعض التنفيذيين تمت ترقيتهم “ليس على أساس معايير موضوعية، بل على أساس اعتبارات عائلية قبلية وغيرها من الاعتبارات”. وأضاف إن هذه الممارسات تمثل “افرازا للعلاقات الاجتماعية البالية”».

علي ناصر محمد (يمين) / الصورة: أولغا بانديلوا

في الواقع، كانت المحسوبية الكلاسيكية للأنظمة الستالينية في جميع الدول العمالية المشوهة قد وصلت إلى مستويات فاضحة في الاتحاد السوفياتي والصين والدول البونابارتية البروليتارية الأخرى. لقد اعترض ناصر محمد في اليمن الجنوبي على تصرف القادة الآخرين بتلك الطريقة بينما هو يفعل الشيء نفسه عندما يتعلق الأمر بقبيلته!

«كانت المنظمات الحزبية تتصرف في بعض الحالات بدلا من أجهزة الدولة. كما جرت محاولات لاستخدام التدابير الإدارية من أجل التقليل من دور قيادة الحزب. وبدلا من الانسجام والكفاءة كانت هناك صراعات وانعدام للتنسيق».

تمت تسوية تلك الصراعات بواسطة البنادق وذلك بمبادرة من كاتب المقال الذي ظهر في مجلة World Marxist Review!  ولا شك أنه لو تم استبداله لحدثت نفس السيرورة بالنسبة له ولأنصاره في قيادة الحزب الاشتراكي اليمني وفي أوساط البيروقراطية.

«ادعى الرئيس كذلك أن العديد من أعضاء الحزب الاشتراكي اليمني “ما يزالون عرضة لتأثير الأفكار والمفاهيم غير البروليتارية، والتي غالبا ما تكون ما قبل رأسمالية”. وأشار، في هذا السياق، إلى أن عضوية الحزب “نمت بشكل واضح في السنوات الخمس الماضية إلى حوالي 30.000.” لكن… في القطاع العام “ما تزال الوحدة الأكثر تقدما وتنظيما من البروليتاريا -عمال المصانع- صغيرة عدديا”. كما جادل بأن هناك خطر حدوث صراع بين الديمقراطية والمركزية “اللذين ليسا مفهومين مختلفين بل وجهين لمبدأ واحد”. ومضى يحذر من أن تجاهل أي منهما “محفوف بعواقب وخيمة. قد يؤدي التفسير الشكلي للديمقراطية الحزبية إلى ميوعة تنظيمية وأيديولوجية وإهمال وإضعاف كفاحية الحزب من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن المركزية المفرطة تقتل المبادرة، وتعطي العمل الحزبي شكل عمل إداري وتحول التنظيم الحزبي إلى سلطة تنفيذية بحتة”. ويقول الرئيس إنه من الممكن ملاحظة ظواهر من قبيل “النزعة الشكلية والنخبوية في بعض منظمات الحزب الاشتراكي اليمني”… وأكد أنه على الرغم من الوعي الاجتماعي الجديد الذي يتشكل “ما تزال العادات والقيم الرجعية القديمة تحتفظ بنفوذها، مما يعكس التخلف الاجتماعي والاقتصادي والثقافي الموروث من عصر العبودية الاستعمارية”».

ثم تمضي الصحيفة لتقول:

«تشير الأحداث المأساوية التي وقعت في الأسبوعين الماضيين إلى أن الانقسامات حول بعض من هذه الحجج قد تطورت إلى انشقاقات عميقة ومريرة. [!] لكنه لا يمكن معرفة إلى أي مدى يعكس المقال الأسباب الكامنة وراء الصراع إلا عندما يوضح عبد الفتاح إسماعيل [الذي قُتل في الأيام الأولى من هذ الصراع على يد الرئيس المخلوع! –تيد غرانت] موقفه».

إن غمغمة وتلعثم المتشددين في صحيفة the Morning Star، الذين يأخذون توجيهاتهم من موسكو التي دعمت في الأصل الحصان الخطأ ثم عادت لتقف إلى جانب المنتصرين، تظهر مدى بعدهم عن التحليل الماركسي للأحداث. انها تردد صدى الأيام الخوالي لستالين عندما كانت بيروقراطية موسكو تقول لهم “استديروا” فيستديرون 180 درجة. وهذا بسبب التبعية العبودية للأحزاب الشيوعية في العالم تجاه موسكو.

وتمضي الصحيفة لتقول إن “الصراع لن يسعد سوى المعسكر الإمبريالي”. لكنها لم تفسر كيف يمكن حدوث ذلك فيما يسمى بالدولة الديمقراطية التي تتحرك في اتجاه الاشتراكية. إلا أن صحيفة the Observer تعلق في عددها ليوم 19 يناير قائلة:

«يتبع الاتحاد السوفياتي سياسة المصالحة في العالم العربي. لقد شجع اليمن الجنوبي على تحسين علاقاته مع جميع جيرانه والتخلي عن صورته كمصدر خطير للثورة».

تعتبر عدن واليمن الجنوبي مهمان للاتحاد السوفياتي كميناء بسبب موقعهما الاستراتيجي. لقد حل الاتحاد السوفياتي إلى حد كبير محل بريطانيا الاستعمارية، مع اختلاف هو أنه اتفاق طوعي بين البيروقراطية اليمنية الجنوبية والبيروقراطية السوفياتية. ومع ذلك فإن اليمن الجنوبي ما يزال يعتمد بشكل كامل على الاتحاد السوفياتي. لكن هذا لم يمكِّن الاتحاد السوفياتي من منع اندلاع الحرب الأهلية. في البداية كانت البيروقراطية السوفياتية تدعم الرئيس ناصر محمد، الذي كان في الواقع ينفذ سياسة الاتفاقات مع الدول الأخرى بتواطؤ كامل مع موسكو.

العلاقة الغريبة الموجودة بين القوى العظمى هي أنه في حين أن الولايات المتحدة تصدر الثورة المضادة، فإن الثورات -حتى ولو في شكل كاريكاتوري- تتم دون دعم من موسكو. ومن تم فإن الكرملين يضطر إلى قبول الأمر الواقع، كما فعل في حالة كوبا والصين وفيتنام. والإمبريالية تدرك ذلك جيدا، لكنها عندما تتوتر علاقاتها مع موسكو، تعمل على شن هجمات ديماغوجية عليها متهمة إياها بأنها تحاول تصدير الثورة. تريد البيروقراطية، في الواقع، التوصل إلى حل وسط مع الإمبريالية، وبالتالي فإنه ليست لديها أية رغبة في “تصدير الثورة”. لكن ومهما كانت سياسة بيروقراطية موسكو والأحزاب الستالينية في البلدان المستعمَرة، فإنها لن تكون قادرة على منع العواصف الهائلة وضغوط الثورة التي تنفتح في الوقت الحاضر على ثلاث قارات.

ففي كل من آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، سيكون العقد القادم عقدا للثورات. في بعض الأماكن التي لا تمتلك فيها الماركسية الثورية أية قاعدة، من الممكن أن تصل إلى السلطة دول عمالية مشوهة جديدة على غرار كوبا واليمن الجنوبي وإثيوبيا وسوريا وبورما والصين وفيتنام. وستكون مثل هذه الأنظمة تقدمية نسبيا بمعنى أنها ستطور القوى المنتجة بوتيرة أسرع بكثير مما هو ممكن في ظل الرأسمالية. بل إنه في ظل الرأسمالية الآن، تميل القوى المنتجة في العالم المتخلف إلى الركود، أو حتى العودة إلى الوراء.

في الواقع، ستضطر الحكومة “الجديدة” في اليمن الجنوبي إلى اتباع نفس سياسة الحكومة القديمة. من الممكن أن يكون قادة التيار الذين اغتالهم ناصر محمد قد أرادوا توسيع نطاق الثورة إلى عُمان، وقبل كل شيء إلى اليمن الشمالي وحتى إلى المملكة العربية السعودية. لكن الآن وبسبب التدمير الفعلي الذي تعرضت له عدن -بسبب القتال الذي دار فيها من شارع إلى شارع وحتى من نافذة إلى نافذة- والحاجة الملحة، وفقا لصحيفة the Morning Star نفسها، لمليارات الدولارات لغرض إعادة إعمار عدن، فإن الحكومة الجديدة ستعتمد كليا على موسكو وبالتالي فإن سياستها الخارجية ستكون بالضبط مثل سياسة الحكومة القديمة. وسيضطرون إلى محاولة الوصول إلى اتفاق مع اليمن الشمالي وعُمان والمملكة العربية السعودية. لكن هذا لن يعني سوى “سلام” هش بين تلك البلدان. إن التطور الحتمي للثورة في الشرق الأوسط وشبه الجزيرة العربية سيعني أن كل المحاولات من هذا النوع ستذهب سدى. وكما هو الحال مع آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، سيشهد الشرق الأوسط أيضا ثورات هائلة ضد الاستعمار.

على الرغم من الحرب الأهلية والدمار الناتج عنها، فإن ثورة اليمن الجنوبي ستبقى منارة لشعوب شبه الجزيرة العربية ولشعوب الشرق الأوسط أيضا. إن القضاء على الاقطاع والرأسمالية وحكم السلاطين والشيوخ سيكون مثالا يحتذى ستكون له أصداء في جميع أنحاء المنطقة العربية، مهما كانت سياسة حكومة اليمن الجنوبي.

ونتيجة لذلك، فإنه من المحتمل أن يعزز الحكام الجدد في اليمن الجنوبي حكمهم ويكملون بناء دولة شمولية ذات حزب واحد لن تسمح بظهور أي معارضة أخرى في إطار الحزب الحاكم. وبالتالي فإن مصير اليمن الجنوبي هو مصير جميع البلدان التي أقيمت فيها دول عمالية مشوهة -تقدمية من ناحية بفضل القضاء على الاقطاعية والرأسمالية- ولكنها، من ناحية أخرى، رجعية بفعل إقامتها لديكتاتوريات الحزب الواحد وغياب الديمقراطية للعمال والفلاحين. إن المصير النهائي لليمن الجنوبي سوف يتقرر من خلال مصير الثورة في آسيا وأوروبا والبلدان الصناعية في العالم.

تيد غرانت
01 دجنبر 1986

مصدر وعنوان النص الأصلي:

The Colonial Revolution and Civil War in South Yemen