الرئيسية / لينين خلال عام / ما العمل؟ كيف بنى لينين منظمة كفاحية

ما العمل؟ كيف بنى لينين منظمة كفاحية

في عام 1901، نشر لينين كتابه “ما العمل؟“، الذي كان قد طال انتظاره. تعتبر هذه التحفة الأدبية الماركسية مرشد عمل ضروري لأي شخص يريد بناء حزب بلشفي، لأي شخص منخرط بشكل جدي في النضال من أجل الإطاحة بالرأسمالية اليوم. سنوضح في هذه المقالة ما الذي يمنح هذا الكتاب قوته الدائمة، ولماذا يجب على كل شيوعي أن يدرسه بشكل معمق اليوم.


بعد إلقاء القبض على مندوبي المؤتمر الأول لحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي، في عام 1898، صارت الحركة الماركسية في روسيا في حالة من الفوضى. حيث سادت أساليب الهواية والميوعة والافتقار إلى الوضوح السياسي في الحلقات الماركسية الصغيرة المعزولة في كل أنحاء روسيا.

توجه لينين، بعد فراره من المنفى السيبيري، إلى أوروبا الغربية، حيث انضم هو ومارتوف وبوتريسوف إلى قدامى المناضلين في الحركة الماركسية، مثل بليخانوف وزاسوليتش وأكسيلرود. وقاموا معا بإصدار صحيفة جديدة، “إيسكرا”، كأداة لعلاج تلك المشاكل. وشرعوا، من خلال تلك الصحيفة، في جمع كل الخيوط معا، وتوفير التوجيه والوضوح والتنظيم للحزب.

[للحصول على تحليل أكمل لهذا الفصل المهم من حياة لينين، نوصي بقراءة الفصل الخامس من السيرة الجديدة التي كتبها روب سيويل وألان وودز، In Defence of Lenin]

لكن جهودهم لقيت مقاومة من طرف البعض. كان هناك اتجاه داخل الحزب يعتبر الوضع المؤسف، الذي كان الماركسيون يعيشونه آنذاك، فضيلة. لقد كانوا يؤيدون أساليب الهواة المشوشة، ودافعوا عن الطبيعة العفوية البحتة للحركة العمالية، بدلا من محاولة الارتقاء بها إلى مستوى حركة واعية منظمة تحت قيادة شيوعية. كان ذلك الاتجاه يعرف باسم “الاقتصادوية”.

كان من الضروري خوض صراع سياسي حاد للتغلب على ذلك الاتجاه من أجل تمكين الحزب من أن يتجاوز أزمة مراهقته ويدخل مرحلة البلوغ. وكان حقل صراع الأفكار الحاد هو المجال الذي نجد فيه لينين في أفضل حالاته.

جاء هذا الكتيب “ما العمل؟”، ثمرة لهذا الجدل. وتتضمن تحفة الأدب الماركسي هذا الكثير من الدروس التي ما تزال تحتفظ براهنيتها اليوم حول كيفية بناء الحزب الثوري. وتعتبر قراءته ضرورية لكل شيوعي جاد.

إن هذا الكتاب، على حد تعبير ناديجدا كروبسكايا، شريكة لينين ورفيقته مدى الحياة، ينبغي «أن يدرسه كل من يريد أن يصبح لينينيا في الواقع العملي، وليس بالكلمات فقط».

شهدت روسيا، منذ منتصف تسعينيات القرن التاسع عشر، تصاعدا هائلا في النضالات العمالية. اندلعت الإضرابات في جميع المصانع الكبرى. وألقى الماركسيون بأنفسهم في لجة التحريض حول المسائل الاقتصادية. وقد كان يكفي، في كثير من الأحيان، ظهور منشور صادر عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي، يكشف عن بعض الانتهاكات التي تحدث في أحد المصانع، لكي ينخرط العمال في الإضراب.

كانت تلك حركة عفوية وأولية. لقد مثلت أولى بصيص وعي وصحوة الطبقة العاملة. وقد فهم لينين وأنصار إيسكرا أن دور حزب طليعة الطبقة العاملة هو رفع مستوى وعي الطبقة العاملة: تحويل تلك اللمحات الأولى للوعي الطبقي إلى فهم ثوري واضح.

ومع بدء العمال في التحرك ضد أرباب عملهم، كان من الضروري توسيع نظرتهم، من خلال الشرح لهم أن عدوهم ليس مجرد رب عمل واحد، بل أرباب العمل باعتبارهم طبقة، وملاك الأراضي، ونظام الحكم المطلق القيصري برمته.

فلكي ترتفع الطبقة العاملة إلى مستوى القوة المكافحة التي يمكنها مواجهة الحكم المطلق، كان من الضروري تطعيم التحريض الاقتصادي بتحريض ودعاية سياسيين شاملين، أو بعبارة أخرى، رفع تلك الصحوة العفوية وشبه الواعية إلى مستوى حركة ثورية منظمة واعية.

هذا في حين كان الاقتصاديون يمجدون الحركة العفوية للطبقة العاملة. وقد اتهم محررو “رابوتشييه ديلو” لينين وأنصار “إيسكرا” بأنهم يركزون أكثر مما ينبغي على السياسة والنظرية، التي لا تناسب إلا المثقفين والعمال المتقدمين، في حين يهملون النشاط اليومي “العملي” والتحريض على أساس المطالب الاقتصادية البسيطة الذي يستهدف “العامل العادي”.

وزعموا أن الوعي السياسي سوف ينشأ تلقائيا من النضال الاقتصادي: “السياسة تنشأ من الاقتصاد”. ولذلك فإن تدخل الطليعة لرفع ذلك الوعي ليس ضروريا. كل ما كان ضروريا هو أن يشجع الماركسيون بقوة حركة الإضرابات، وسيقوم العمال بالباقي بأنفسهم.

لكن لينين أوضح أن العمال يعرفون أفضل بكثير من الماركسيين أنهم مستغلون اقتصاديا! فإذا حصر الماركسيون تحريضهم على إخبار العمال بما يعرفونه بالفعل، فإنهم سيثيرون ضجر العمال. وما تزال هناك، حتى يومنا هذا، العديد من العصب “الماركسية” المزعومة التي تعتقد، مثلها مثل الاقتصادويين، أن العمال لا يهتمون إلا بالمسائل “العملية”، المتعلقة بالمطالب الخبزية. وصحفهم الباهتة أبعد ما تكون عن صحف النضال الثوري، وأشبه ما تكون ب مؤلفات القراءة الليلية المخصصة لعلاج الأرق.

يعتبر لينين الحقيقي لغزا بالنسبة لهذه العصب المعاصرة، على الرغم من أنهم يقسمون باسمه في كل جملة يقولونها. إنهم يحاولون إيجاد طريق مختصر إلى العمال “المتخلفين” عن طريق ابتذال الأفكار، وهم بذلك يعاملون العمال مثل الأطفال:

«أنتم، أيها السادة، الذين تهتمون كثيرا بـ”العامل العادي”، إنما تهينون العمال، في واقع الأمر، برغبتكم في التحدث إليهم باستخفاف عند مناقشة سياسات الطبقة العاملة وتنظيم الطبقة العاملة. تحدثوا عن الأمور الجدية بطريقة جدية؛ البيداغوجيا مهمة البيداغوجيين، وليس السياسيين والمنظمين!».

اتهم لينين الاقتصادويين بأنهم بحصرهم لأنفسهم في المسائل الاقتصادوية، إنما يقلصون دور عضو الحزب إلى دور سكرتير النقابة.

في حين أن ما نحتاج إليه هو حزب مبني على أساس ثوريين محترفين، مسلحين بالنظرية الماركسية، ويمكنهم أن يقوموا بدور “منابر للشعب”، يشرحون للعمال ويثقفونهم حول القوانين الداخلية للرأسمالية، ويقدمون تقارير وتحاليل حية تساعد العامل على رؤية الصراع الطبقي من جوانبه المتعددة والمتنوعة.

وأوضح أن هناك العديد من أشكال التحريض والدعاية التي يمكنها إثارة وتثقيف الجماهير أكثر من المسائل الاقتصادية وحدها:

«إن “الزيميسكييه ناتشالنيكي”[1] وجلد الفلاحين، وفساد المسؤولين ومعاملة الشرطة لـ “عامة الناس” في المدن، ومحاربة ضحايا المجاعة وقمع تطلعات الشعب نحو التنوير والمعرفة، وجباية الضرائب واضطهاد الطوائف الدينية، والمعاملة المهينة للجنود، واستخدام أساليب الثكنات في معاملة الطلاب والمثقفين الليبراليين… كل هذه المظاهر، وآلاف غيرها من مظاهر الاستبداد المشابهة، وإن لم تكن مرتبطة مباشرة بالنضال “الاقتصادي”، لماذا ينبغي أن تعتبر، بشكل عام، وسائل ومناسبات أقل “قابلية للتطبيق على نطاق واسع” لأجل التحريض السياسي ولجذب الجماهير إلى النضال السياسي؟».

فقط عندما يرتقي العمال إلى مستوى أن يفهموا بأنهم ليسوا في صراع ضد رب عمل واحد فقط، بل أيضا ضد طبقة أرباب العمل، وضد أجهزة الدولة والإعلام ونظام التعليم، عندما يتعلم العمال فهم المعنى الحقيقي لخطابات السياسيين، لكي يروا نقاط القوة ونقاط الضعف في معارضة الفئات غير العمالية، عندها فقط سيصيرون مستعدين لخوض المعركة النهائية من أجل الاشتراكية. إن دور الشيوعيين هو تنظيم الطبقة العاملة وتثقيفها سياسيا، بدءا بفئتها المتقدمة.

لكن الاقتصادويين بدلا من أن يسعوا إلى قيادة العمال ورفع وعيهم السياسي، خفضوا أنفسهم إلى ما تصوروا أنه المستوى الذي وصل إليه وعي العمال.

لقد سخروا من “منظري” الحزب واتهموهم بـ”النخبوية” بسبب حديثهم عن أشياء زعموا أنها خارجة عن اهتمام وفهم “العامل العادي”. وباختصار فإنهم احتفلوا بالتخلف والجهل بين الطبقة العاملة، ولجأوا إلى أسوء الأحكام المسبقة ضد “القادة” والمنظرين، باستعمال عبارات ديماغوجية من قبيل “الجماهير”، و”العمال من أجل العمال”، وما إلى ذلك.

إن هذه النزعة “العمالوية”، كما يسميها الماركسيون، لا تساعد الحركة العمالية على النضج وتجاوز مرحلتها المبكرة، بل تعمل، في الواقع، على الإبقاء، بشكل مصطنع، على الحركة الجماهيرية في مهدها. ومن خلال دعوتها إلى التخلي عن النضال السياسي، تسلم فعليا الطبقة العاملة لنفوذ الليبراليين البرجوازيين.

وقد اتخذ لينين، في كتابه “ما العمل؟”، موقفا متشددا ضد هذا الازدراء للنظرية -الذي تم تبريره بالحاجة إلى التركيز على الممارسات “الصغيرة” و”العملية”- والذي يؤدي حتما، في الماضي كما في الحاضر، إلى التبعية السياسية للبرجوازية الليبرالية. وفي هذا الصدد يقول لينين:

«يمكننا أن نحكم على مدى قلة ذوق “رابوتشييه ديلو” عندما تقتبس، بنبرة الانتصار، عبارة ماركس: “كل خطوة تخطوها الحركة العملية، هي أهم من دستة برامج”. إن تكرار هذه الكلمات في مرحلة الاضطراب النظري، يشبه تهنئة مشيعي جنازة بدوام الأفراح والمسرات.

لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية. إننا لا نبالغ مهما شددنا بقوة على هذه الفكرة في وقت يسير فيه التبشير الشائع بالانتهازية، جنبا إلى جنب مع الافتتان بأضيق أشكال النشاط العملي.

… لا يمكن أن يقوم بدور المناضل الطليعي إلا حزب يسترشد بالنظرية الأكثر تقدما».

ونحن نرى نفس الموقف العمالوي، المتمثل في الاستهزاء بالنظرية، يستخدم اليوم لتبرير الانتهازية الأكثر إثارة للاشمئزاز. ففي مقال نشرته مجلة فانيتي فير عام 2018، قدمت ألكساندريا أوكازيو كورتيز مثالًا فظا على هذا الموقف:

«أعتقد أنه من النخبوي أن ينشأ المرء بأيديولوجية سياسية محددة. يجب أن يكون لديك والدان حاصلان على تعليم جامعي لكي تتمكن من ذلك، مع التوفر على قاموس سياسي. والدتي لا تتوفر حتى على القاموس الإنجليزي! وعندما يقول الناس إنني لست اشتراكية بما فيه الكفاية، أجد ذلك ناتجا عن نظرة طبقية للغاية. إنه مثل القول: “لم أقرأ لك ما يكفي من الكتب يا صديقتي؟”».

إن القول بأن الطبقة العاملة غير مهتمة بالنظرية أو غير قادرة على فهمها افتراء وقح.

إنها، من ناحية، تتباهى بأصولها العمالية للسخرية من الشيوعيين “النخبويين” “المحبين للكتب” الذين يأخذون الأفكار والنظريات على محمل الجد. لكن ما الذي فعلته، من ناحية أخرى؟ لقد استخدمت نفوذها لتوجيه العمال مباشرة إلى أحضان الطبقة السائدة! ففي عام 2019، قامت، هي وساندرز وبقية “الفريق” بأكمله، بدعم بايدن والديمقراطيين بشكل مخزي. وقد أعقب ذلك ما هو أسوأ بكثير، بما في ذلك دعم الحظر الذي فرضه بايدن على إضراب عمال السكك الحديدية، ودعم تقديم مساعدات عسكرية جديدة لإسرائيل منذ 07 أكتوبر.

ألكساندريا أوكازيو كورتيز هي، بالطبع، وصولية محترفة مفضوحة. إن القول بأن الطبقة العاملة غير مهتمة بالنظرية أو غير قادرة على فهمها افتراء وقح. إذا تم شرح النظرية ببساطة وبمهارة وبطريقة حية، وإذا كتب الماركسيون منشورات تحريضية جيدة ومنشورات دعاية جيدة حول أكثر المواضيع تنوعا، فمن المؤكد أن العمال، بدءا من الفئة المتقدمة، سيكونون قادرين على فهمها. تكمن قوة النظرية الماركسية في أنها حقيقية، والحياة تعلم يوميا العمال هذه الحقائق.

إن دور الماركسيين هو على وجه التحديد مساعدة العمال على استخلاص جميع الاستنتاجات الثورية الصحيحة من تجربتهم. لا يمكننا أن نسلم بأن الاستنتاجات السياسية الصحيحة سوف تنبع تلقائيا وعفويا من نضالات العمال الاقتصادية.

لقد أشار لينين إلى مثال بريطانيا -حيث سيطر أنصار الفابيانية، والإصلاحات التدريجية البطيئة، على قيادة حزب العمال- ليوضح كيف يمكن للحركة العمالية من أجل الحصول على تنازلات على المستوى الاقتصادي، أن تقع أيضا تحت التأثير السياسي لليبراليين من الطبقة المتوسطة الذين لا ينظرون إلى أبعد من الإصلاحات التافهة على المستوى البرلماني. ولتجنب ذلك، يجب على الشيوعيين أن يخوضوا صراعا حازما من أجل النفوذ السياسي داخل الحركة العمالية.

وهنا ينبغي أن نشير على الهامش إلى أنه في مواجهة تشويهات الاقتصادويين، كان على لينين أن يلوي القضيب بقوة في الاتجاه الآخر. وقد أدى به ذلك إلى استعمال صيغة في كتاب “ما العمل؟”، استعارها في الواقع من كاوتسكي، لكنه لم يكررها أبدا بعد ذلك، وهي أن الطبقة العاملة «إذا تركت لحالها، لا تستطيع أن تنتج إلا الوعي النقابي فقط».

من الواضح أن هذا خطأ ناتج عن المبالغة. وكما أوضح لينين في الكتاب نفسه، فقد كانت تلك “صيغة مبسطة للغاية” و”فجة”. لكن هذا لم يمنع العديد ممن يسمون بـ “اللينينيين” من تكرار تلك الصيغة. إلا أن التاريخ، في الواقع، مليء بأمثلة لعمال يتوصلون إلى استنتاجات سياسية بعيدة المدى، دون أن تكون تلك الأفكار قد جلبها لهم الماركسيون من الخارج بالضرورة. ويكفي، على سبيل المثال، أن نشير إلى الاستنتاجات السياسية المتقدمة لمذهب “القوة المادية” الشارتية في بريطانيا في ثلاثينيات القرن التاسع عشر.

ومع ذلك، فإن ما كان لينين يرمي إليه بشكل صحيح هو الدور الذي لا غنى عنه للحزب الثوري في شن النضال السياسي، والذي يمكن استقطاب كوادره الأولى من صفوف جميع الطبقات -والتي لم تكن تقتصر في روسيا على ضم العديد من الطلاب فحسب، بل حتى أبناء وبنات الرأسماليين وحتى الأرستقراطيين- والذي يكون بنائه عملية مستقلة إلى حد ما عن نمو الحركة العمالية.

أشار الاقتصادويون إلى جميع المشاكل الحقيقية التي تعاني منها الحركة الماركسية -وخاصة أساليب الهواة ومداهمات الشرطة الناتجة عنها والتي كانت تعطل باستمرار عمل الماركسيين- لكنهم بعد ذلك توصلوا إلى جميع الاستنتاجات الخاطئة.

ألقوا باللوم في هذه المشاكل على حقيقة أن الطلاب قد سيطروا لفترة طويلة على قيادة الحلقات الماركسية. وطالبوا، بدلا من ذلك، بإهمال العمل بين الطلاب لصالح بناء حزب “واسع” من العمال؛ حزب “الجماهير” وليس “القادة”.

إلا أن لينين أوضح أن عكس المنظمة الفضفاضة والهاوية وسيئة القيادة، هو منظمة ممركزة ومنضبطة وذات قيادة جيدة من الثوريين المدربين والمحترفين. لكنه لم يكن يعني بذلك مجرد العاملين في الحزب بدوام كامل، بل وكما قال في افتتاحية العدد الأول من إيسكرا، فإن الثوري المحترف هو الشخص “الذي سيكرس حياته كلها، وليس فقط أمسياته الفارغة، للثورة”. أما مسألة ما إذا كان الثوري المحترف طالبا سابقا أو مثقفا أو عاملا، فهذا أمر غير مهم.

ولتوضيح وجهة نظره، أجرى لينين مقارنة مباشرة بين الحرب الطبقية والحرب التقليدية. ففي كثير من الأحيان في التاريخ، تمكنت قوة صغيرة لكنها منضبطة جيدا وتضم ضباطا جيدين، من هزم جيوش أكبر، مؤلفة من جنود شجعان لكنها بقيادة ضباط سيئين. وينطبق الشيء نفسه على الحرب الطبقية. حيث يجب على أي حزب ثوري، إذا أراد أن يكون فعالا، أن يبنى حول كوادر مدربة ومسلحة سياسيا وتقنيا.

والطريقة الوحيدة التي يستطيع من خلالها مثل هذا الحزب أن يحقق الوضوح السياسي والوحدة في خضم العمل هي المركزية الديمقراطية. أي أوسع وأعمق نقاش ديمقراطي في صفوف الحزب قبل اتخاذ القرار، من أجل تحقيق الوضوح ورفع مستوى الفهم. لكن بعد اتخاذ القرار، تصير الوحدة الصارمة في العمل ضرورية للغاية.

لم يكن هذا شيئا اخترعه لينين. فهو، في الواقع، اتخذ نموذجه من الحركة الماركسية بأكملها من قبله، وخاصة مثال الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، الذي كان في ذلك الوقت ما يزال يطلق على نفسه اسم منظمة ماركسية، وكان يُعتبر على أنه النموذج على المستوى الأممي.

واليوم، هناك العديد ممن يسمون باليساريين، الذين يسخرون من المركزية الديمقراطية، بعد أن صدقوا أكاذيب المؤرخين البرجوازيين الذين يشوهون اسم لينين من خلال ربطه بالستالينية، ويساوون بشكل زائف بين المركزية الديمقراطية وبين المركزية البيروقراطية الوحشية لديكتاتورية ستالين.

يقتنع هؤلاء اليساريون بهذا الافتراء، معتقدين أنهم اكتشفوا شيئا أكثر “ديمقراطية” بكثير في تلك الشبكات “الواسعة” والفضفاضة، بدلا من العلاقات الحزبية المركزية. إلا أن “ابتكاراتهم” في الديمقراطية تؤدي دائما إلى ظهور طغمة بيروقراطية من قيادة غير منتخبة وغير خاضعة للمساءلة، وفي النهاية إلى الكارثة. وهذا بالضبط ما كان لينين يهدف إلى تفادي حدوثه.

ولإعطاء مثال عن ذلك نشير إلى أنه بعد وقت قصير من انتخاب كوربين زعيما لحزب العمال في عام 2015، عندما تدفق مئات الآلاف من العمال العاديين والشباب على الحزب، جرت محاولة لإعطاء الحركة الكوربينية تعبيرا منظما. في الأيام الأولى ظهرت المئات من المجموعات الكوربينية في جميع أنحاء البلاد، وانجذب عشرات الآلاف من الأشخاص إلى رايتها.

وادعى قادتها، مثل جون لانسمان، أنهم بصدد بناء “حركة شعبية واسعة النطاق”. وقد بدا الأمر برمته لطيفا للغاية، و”ديمقراطيا” للغاية. لكن ما الذي كان يعنيه ذلك في الممارسة العملية؟ فبدلا من مؤتمرات المندوبين الديمقراطية التي يمكن خلالها مناقشة الأفكار السياسية، ورفع مستوى الفهم، وتطوير برنامج عمل قادر على دفع الثورة داخل حزب العمال إلى الاكتمال، أقاموا واجهة للديمقراطية الشكلية من خلال اعتماد التصويت الرقمي بين الحين والآخر.

كان نموذجهم هو مثال حزب بوديموس، الذي يعقد العديد من المناقشات و”المشاورات”، التي تبدو ديمقراطية للغاية، عبر الإنترنت. وحيث لا يتمكن من المشاركة سوى أولئك الذين لديهم الوقت الكافي لتكريسه للمناقشات عبر الإنترنت. وفي ظل غياب القنوات الداخلية المناسبة، انتهى الأمر بالأغلبية إلى العزلة عن السيرورة برمتها، وتحولهم إلى موقف السلبية.

في الواقع، كان قادة الحركة الكوربينية وبوديموس خائفين من أن يؤدي إعطاء المبادرة للقواعد إلى فقدان السيطرة على المنظمة. وبدلا من ذلك، تم التعامل مع الأعضاء وكأنهم جنود بدون رأي داخل آلة انتخابية يمكن تشغيلها وإيقافها مثل الصنبور.

في الواقع، كان قادة الحركة الكوربينية وبوديموس خائفين من أن يؤدي إعطاء المبادرة للقواعد إلى فقدان السيطرة على المنظمة.

وفي النهاية، أصبح بوديموس شريكا صغيرا في حكومة يمينية يقودها الحزب الاشتراكي الديمقراطي. وفي الوقت نفسه، قاد زعماء الحركة الكوربينية الحركة إلى هزيمة ساحقة، ولم تعد الآن سوى حركة ميتة، وهو المصير الذي تستحقه عن جدارة.

لم يكن لدى قادة الحركة الكوربينية أي ادعاء بأنهم ماركسيين. لكن الوضع ليس أفضل بكثير بالنسبة للعديد من المجموعات العصبوية التي تطلق على نفسها اسم “الماركسية” وحتى “اللينينية”.

فقادة الحزب الاشتراكي في بريطانيا بعد أن عبروا عن رفضهم للمنظمات العمالية الجماهيرية القائمة باعتبارهم لها فاسدة وبيروقراطية، حاولوا مرارا أن يعلنوا عن قيام حزب عمالي جماهيري جديد “واسع”. لينتهي بهم الأمر ببساطة، من الناحية العملية، إلى تمييع صورتهم الثورية، مثلما فعل الاقتصادويون، حيث اتخذوا صبغة إصلاحية، وصاروا يتحدثون حصريا عن المسائل “الخبزية”، وأهدروا الكثير من الوقت للحفاظ بشكل مصطنع على “جبهتهم العريضة” التي لا حياة فيها.

كل تلك المحاولات، بدون استثناء، تفشل دائما.

بالنسبة لنا، باعتبارنا شيوعيين ثوريين جديين، إن بناء منظمة محكمة ومنضبطة من الثوريين المحترفين المرتكزين بقوة على النظرية الماركسية ليس ضربا من الخيال. إنه الشرط الأساسي الذي لا غنى عنه على الإطلاق لبناء حزب ثوري مناضل قادر على التنافس على القيادة السياسية للطبقة العاملة. لقد أثبتت ثورة أكتوبر بشكل لا يقبل الجدل صحة مفهوم لينين. ولذلك يبقى كتاب ما العمل؟ مرشد عمل لنا بينما نمضي قدما نحو تأسيس الأممية الشيوعية الثورية.

بمجرد أن يتم فهم الحاجة إلى حزب من الثوريين المحترفين، والاتفاق على ذلك، يُطرح سؤال الخطة التي يتوجب اتباعها لبناءه. كيف لنا أن نفعل ذلك؟ كان جواب لينين واضحا: الحركة الثورية تحتاج إلى صحيفة ماركسية لعموم روسيا.

كان الاقتصادويون في حيرة من أمرهم. فبالنسبة لهم كانت مسألة الخطة خارج نطاق آفاقهم، وبدت خطة لينين لهم “أستاذية” إلى حد كبير. فكان ردهم هو كلا، نحن لا نحتاج سوى إلى القيام بشيء ما: القيام بمزيد من النشاط “العملي”، و”بناء الحركة”، وجمع المال لصندوق الإضراب، وما إلى ذلك.

لكن الثوريين في جميع أنحاء روسيا كانوا يقومون بالفعل بقدر هائل من النشاط! وكانت المشكلة أن ذلك النشاط كان يفتقر إلى التنسيق. ولم تكن المجموعات المشتتة في أنحاء البلد قادرة على التعلم من تجارب بعضها البعض. وكانت أخبار الإضرابات في جبال الأورال والمجازر في الريف، وما إلى ذلك، تحدث دون أن يلاحظها أحد في أي مكان آخر. لم تكن الأدبيات النظرية ذات النوعية الجيدة تصل إلى المجموعات المحلية إلا بشكل ضئيل، وكانت الاتصالات مع القيادة الوطنية غير مكتملة في أحسن الأحوال. وكان هناك تبذير هائل للجهود مع ظهور الصحف المحلية في كل مكان، والتي كانت تتعرض للحظر بعد موجة من الاعتقالات على يد الأوخرانا (الشرطة السرية القيصرية).

كان من شأن إصدار صحيفة وطنية أن تسمح للحزب بمعالجة كل تلك القضايا في وقت واحد. كان من شأن مثل تلك الصحيفة أن تكثف وتوجه انتباه جميع قرائها إلى النقاط السياسية الرئيسية، والدروس الأساسية، والأحداث الرئيسية في الصراع الطبقي وطنيا وأمميا والتي يجب أن تركز عليها عقول العمال.

لكن الأهم من ذلك، هو أنه حتى الإعداد الفني للجريدة من شأنه أن يقوي المنظمة ويعزز الانضباط داخلها. لقد شرح لينين دور الجريدة باستخدام تشبيه رائع لخيط الإرشاد الذي يستخدمه عمال البناء:

«يجب أن يكون تأسيس جريدة سياسية لعامة روسيا هو الخيط الأساسي الذي يمكننا من خلاله أن نطور ونعمق ونوسع باستمرار هذه المنظمة (أي المنظمة الثورية المستعدة على الدوام لتأييد كل احتجاج وكل غليان). قولوا لي من فضلكم: عندما يضع البناؤون اللبنات في أماكن مختلفة لتشييد بناية كبيرة وواسعة بشكل غير مسبوق، هل يعتبر عملا “ورقيا بحثا” من جانبهم عندما يمدون خيطا يساعدهم على العثور على المكان المناسب لوضع اللبنات، ويشير لهم إلى الهدف النهائي للعمل بأكمله، ويسمح لهم ليس فقط بوضع كل حجر في مكانه، بل أيضا كل قطعة من الحجر، والتي بعد أن يتم لصقها بالقطعة التي تسبقها وتلك التي تليها، ستعطي المدماك النهائي والكامل؟ ألسنا نجتاز اليوم هذه المرحلة بالضبط في حياتنا الحزبية حيث توجد لدينا اللبنات ويوجد لدينا البناؤون، لكننا نفتقر إلى ذلك الخيط الذي يستطيع الجميع أن يروه وأن يتمسكوا به؟


[…] لو توفر لدينا طاقم من البنائين ذوي الخبرة، الذين تعلموا العمل معا بشكل جيد بحيث أصبح في إمكانهم وضع اللبنات بالشكل المطلوب بالضبط دون الاستعانة بخيط إرشادي (وهو الشيء الذي ليس مستحيلا بأي حال من الأحوال، إذا تكلمنا بصورة مجردة)، فربما يمكننا الحصول على رابط آخر. لكن المصيبة هي أنه ليس لدينا حتى الآن عمال بناء ذوو خبرة ومدربون على العمل الجماعي، وأنه في كثير من الأحيان يتم وضع اللبنات كيفما اتفق، دون أي اكتراث بالخيط العام، بل توضع مبعثرة لدرجة أن العدو يكفيه أن ينفخ عليها لتتناثر وكأنها مصنوعة من الرمل وليس من الحجارة».

ومثلما يساعد خيط الإرشاد في تنسيق العمل المشترك، فإن الجريدة تعمل على توجيه العمل المشترك للحزب. من شأنها أن تطور الاتصال والمراسلات المنتظمة بين المناطق وبين المركز. وسيتطلب الأمر شبكة من الموزعين، وجمع الأموال لتمويل التنظيم الثوري، وتطوير شبكة موثوقة من الاتصالات داخل المصانع.

إن نفس الاتصالات التي أقامتها إيسكرا ومختلف صحف الحزب البلشفي فيما بعد بين الجماهير الروسية كانت بمثابة شبكة عصبية يمكن استعمالها عندما يأتي اليوم للتحضير للانتفاضة.

واستمرارا لهذه الأساليب المجربة والفعالة، أصدر رفاقنا مؤخرا، خلال هذه الفترة التي تسبق إعلان الأممية الشيوعية الثورية، أو أعادوا، خلال الأشهر القليلة الماضية، إصدار الصحف الشيوعية في عدد من البلدان، بما في ذلك بريطانيا وكندا وألمانيا والولايات المتحدة والسلفادور والبرتغال والسويد وسويسرا والمجر، بينما يتم التحضير لإصدار جرائد جديدة في سلسلة كاملة من البلدان الأخرى.

واليوم ما يزال هناك العديد من اليساريين المزعومين (بمن في ذلك العديد ممن يعتبرون أنفسهم تلاميذا للينين!) الذين يواصلون السخرية من اللينينيين الحقيقيين لإصرارهم على الاستمرار في نشر الصحيفة. ويشيرون إلى وجود أشكال جديدة من وسائل الإعلام الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي. وفعلا فإنه مع وجود المدونات الالكترونية، يمكن لأي فرد يجلس وراء شاشة حاسوبه أن يقول ما يريد.

لكن إصدار صحيفة يتطلب تنظيما احترافيا شاملا. فهو يتطلب خطا تحريريا واضحا، وشبكة قوية من المراسلين المدربين وجيدي التكوين النظري. إن الذين ينتقدون الصحافة الثورية يفشلون في فهم أن ما نقوم ببنائه في الواقع ليس الجريدة: نحن نبني جنين منظمة ثورية.

وعلى الرغم من أن لينين كان قائدا ماركسيا روسيا، فإن نظرته لم تكن غلى الاطلاق نظرة وطنية بحتة. لقد أدرك على الفور الأهمية الشاملة للاقتصادوية باعتبارها مجرد الشكل الروسي للاتجاه الانتهازي العام الذي ظهر داخل الحركة العمالية العالمية.

حيث بدأ يتطور في كل مكان انقسام واضح داخل الأممية الاشتراكية بين الجناح الثوري والجناح الانتهازي.

ففي ألمانيا، على سبيل المثال، كانت الحركة العمالية، ما تزال ملتزمة بالماركسية، بالأقوال، لكن بيروقراطية خائنة من الوصوليين المرفهين كانت ترسخ نفوذها على نحو متزايد، وخاصة في المراكز العليا للحزب والنقابات العمالية. إن فترة طويلة من الازدهار استمرت حتى عام 1914، والتي منحت خلالها الطبقة السائدة تنازلات مهمة دون معارك طبقية جدية، زرعت الوهم بين الطبقة العاملة بأن الأمور ستستمر في التحسن.

كان إدوارد بيرنشتاين أول من حاول تقديم تبرير نظري لهذه الانتهازية

وكان إدوارد بيرنشتاين أول من حاول تقديم تبرير نظري لهذه الانتهازية من خلال محاولته مراجعة الماركسية. زعم أن الرأسمالية تسير على طريق حل تناقضاتها الداخلية. وأن التطور السلمي سوف يستمر إلى ما لا نهاية. واعتبر أن الإصلاحات التدريجية والمجزأة يمكنها أن تغني عن الحاجة إلى الثورة، حيث أن كل ما كان على الحزب الاشتراكي الديمقراطي أن يفعله هو زيادة حجم كتلته البرلمانية، والضغط من أجل إصلاحات صغيرة، والضغط من أجل الحصول على تنازلات اقتصادية تدريجية. قامت روزا لوكسمبورغ بالرد على هذه المزاعم في كتيبها الرائع الذي صدر عام 1899 تحت عنوان “إصلاح أم ثورة”.

كل مزاعم برنشتاين حول تمكن الرأسمالية من التخلص من تناقضاتها، تحطمت لاحقا في عام 1914 مع اندلاع الحرب العالمية الأولى.

وعلى عكس ألمانيا، كان على الشيوعيين الروس أن يعملوا تحت الأرض. لم يكن هناك سوى عدد قليل من السبل القانونية المتاحة للحزب. كل ما كان يمكن للحزب أن يقدمه لأعضائه هو حياة الخطر والتضحيات. ولم يكن ينجذب إلى الحركة إلا أولئك الذين تحركهم أنبل النوايا. لم يكن للوصوليين الساعين لخدمة أنفسهم أي شيء ليجدوه هناك. ومع ذلك فقد عبر نفس الاتجاه الانتهازي عن نفسه، لكن بشكل أكثر مراوغة. إلا أن مخاطر وصعوبات العمل الثوري في روسيا، وإجبار جيل كامل على العيش في المنفى حيث تعلموا من دروس الحركة الأممية، قد شحذت عقول الآلاف من الثوريين الشباب.

ليس هناك أي شيء عرضي في هذا الانقسام داخل الحركة العمالية بين الجناح الانتهازي والجناح الثوري. إنها سمة للعصر الذي نعيشه. فمع انتقال الرأسمالية من أزمة إلى أخرى، يتبخر الحيز المتاح لإجراء إصلاحات جادة وطويلة الأمد. لقد ولت تلك الأيام التي كان من الممكن فيها تحقيق إصلاحات جادة، مع الاستمرار في التشدق بالثورة الاشتراكية المستقبلية، والتي كانت تبدو وكأنها أفق بعيد المنال. إن مسألة الإطاحة الثورية بالرأسمالية على يد الطبقة العاملة تلوح في الأفق بشكل جلي. وفي هذه الأيام، سرعان ما تنتهي الإصلاحية إلى الخيانة والاستسلام التام أمام الطبقة السائدة. وتشكل جثث حزب سيريزا وحركة كوربين وساندرز تذكيرا صارخا بهذه الحقيقة.

إن النضال من أجل جمع كل الشيوعيين الثوريين في حزب يكافح من أجل كسر تأثير الانتهازية الإصلاحية على قطاعات واسعة من الطبقة العاملة هو النضال الحاسم في عصرنا. إذ أنه قبل أن نتمكن نحن الشيوعيون من الاستيلاء على السلطة، يجب علينا أن نتمكن أولا من كسب الطبقة العاملة إلى رايتنا.

وبهذا المعنى فإن “ما العمل؟” لم يفقد شيئا من راهنيته اليوم. فالإصلاحيون والعصبويون واللاسلطويون في جميع أنحاء العالم يرددون بانتظام حجج الاقتصادويين.

إنهم ينمطون الطبقة العاملة. يقولون لنا إن “وعي الطبقة العاملة منخفض للغاية” مما يمنعها من فهم التحريض الثوري. ويقولون إنه بدلا من ذلك يجب علينا أن نقتصر على الأعمال الصغيرة. علينا أن نحصر تركيزنا على أشياء مثل النقابية الصرفة والبسيطة، و”المساعدات المتبادلة” والمسائل “الخبزية”؛ علينا أن نجعل أنفسنا جديرين بأن ننتخب من قبل الجماهير العريضة، بدلا من رفع أنظار الجماهير إلى المهام التاريخية الواسعة التي هي خارج نطاق إدراكهم.

إنهم يعاملون العمال مثل الأطفال، وفي الواقع، يلصقون تخلفهم هم ومستوى وعيهم المنخفض بالعمال. إنهم يرفضون فكرة وجود حزب لطليعة الطبقة العاملة مبني على أساس ثوريين محترفين ويعتبرون ذلك “نزعة نخبوية”. وبدلا من ذلك، ينظر الإصلاحيون إلى الحزب باعتباره مجرد آلة انتخابية تمكنهم من الوصول إلى البرلمان؛ في حين أن اللاسلطويين يقدسون العمل العفوي للطبقة العاملة، مما يعفيهم من أي حاجة للتحرك على الإطلاق، باستثناء ربما إعطاء دفعة للعمال من خلال “العمل المباشر”.

لقد أجاب لينين على كل هذا منذ فترة طويلة، بأسلوب جدالي حاد، في كتابه “ما العمل؟” ويجب على الشيوعيين أن يعودوا ويقرأوا هذا الكتاب ويعيدوا قراءته من أجل الاستعداد للفترة المقبلة.


إن العمل الصبور الذي قام به لينين والإيسكريون، من خلال نصوص مثل “بم نبدأ؟”، و”ما العمل؟”، وفي صفحات إيسكرا، حقق انتصارا سياسيا مذهلا ضد “الاقتصادوية”. وهو الشيء الذي وضع الأساس للمؤتمر الثاني للحزب في عام 1903. والذي كان، في الواقع، أول مؤتمر حقيقي لحزب ناضج.

لكن وبعد وقت قصير من افتتاح المؤتمر، ظهر انقسام جديد اكتسب أهمية تاريخية. لقد تفاجأ جميع المشاركين في المؤتمر بذلك الانقسام، وأصبح محررو إيسكرا أنفسهم منقسمين: بين بلشفيكي (Bolshevikii ) ومنشفيكي (Menshevikii )، وهي الكلمات التي اكتسبت في السنوات التالية أهمية هائلة باعتبارها دلالة على الجناحين الثوري والانتهازي داخل الحزب.

في الأسبوع المقبل، سنلقي نظرة على عمل لينين المهم لعام 1904، “خطوة إلى الأمام، خطوتان إلى الوراء”، والذي قدم فيه أول تقييم دقيق لذلك الانقسام الجديد في الحركة العمالية الروسية.

[1] : وظيفة أحدثتها الحكومة القيصرية، سنة 1889، لتعزيز سلطة الملاكين العقاريين على الفلاحين، وكان المعينون فيها يمتلكون سلطة واسعة على الفلاحين بما في ذلك اعتقالهم وفرض العقوبات الجسدية عليهم. المترجم، اعتمادا على إشارة (رقم 68، ص: 603) في المجلد 6 من مختارات لينين في 10 مجلدات.

عنوان ومصدر النص الأصلي:

What is to be Done? How Lenin built a battle organisation