الرئيسية / دول العالم / أوروبا / بريطانيا / بريطانيا: المساعدات الخارجية -الوجه المبتسم للإمبريالية

بريطانيا: المساعدات الخارجية -الوجه المبتسم للإمبريالية

لقد أثار تحرك حزب المحافظين لخفض ميزانية المساعدات الخارجية البريطانية ضجة داخل المؤسسة الرسمية. لكن ما يكمن في الواقع خلف “قلقهم على الفقراء” هو قلقهم على أرباحهم.

لقد استقبل الإعلان الأخير لمستشار الخزينة ريشي سوناك بأن المساعدات الخارجية البريطانية ستخفض بمقدار 05 مليارات جنيه إسترليني – من 0,7% إلى 0,5% من الناتج المحلي الإجمالي- بضجة كبيرة داخل المؤسسة. لكن بينما يذرف الإمبرياليون دموع التماسيح على فقراء العالم، فإن سبب قلقهم الحقيقي هو أن هذه التخفيضات ستضر بمصالحهم المالية.

أوضح رئيس أساقفة كانتربري، في جريدة الفاينانشيال تايمز، أن «الوعد للفقراء مقدس بشكل خاص […] وتقليص التزامنا بالمساعدات الخارجية في هذا الوقت الحرج يعد أمرا خاطئا من الناحية الأخلاقية»، وأضاف أنه كان «حماقة سياسية وعمل من أعمال إيذاء الذات الوطنية».

لكن ليس فقط “أصدقاء الفقراء”، من أمثال المدير التنفيذي السابق لشركة النفط ورئيس الأساقفة الحالي، جاستن ويلبي، وحدهم من عارضوا هذه التخفيضات، بل حتى وزيرة الخارجية المسؤولة عن “التنمية المستدامة”، البارونة سوغ، قد استقالت احتجاجا.

وقد أضاف نجما حزب المحافظين: ديفيد كاميرون وجون ميجور، أصواتهما إلى جوقة الغاضبين، مثلهما مثل “بطل المظلومين”، توني بلير. بل قيل إنه حتى تيريزا ماي قد أعربت عن معارضتها لهذه التخفيضات، رغم أنها فعلت ذلك “في تصريح خاص”.

ويعتقد أن العشرات من نواب حزب المحافظين قد يصوتون ضد التخفيضات. ليت أن هؤلاء الناس وقفوا بنفس الجرأة ضد تخفيضات ميزانيات المجالس المحلية والخدمات الصحية العمومية!

الإمبريالية

IMPERIALISM CARTOON, 1882. 'The Devilfish in Egyptian Waters.' An American cartoon from 1882 depicting John Bull (England) as the octopus of imperialism grabbing land on every continent.

ما هو موضوع المساعدات الخارجية ولماذا يهتم ممثلو رأس المال بقطعها؟ لا تتخذ الحكومة البريطانية قراراتها لخدمة مصالح العمال والفقراء، سواء في بريطانيا أو على الصعيد العالمي- ولم تفعل ذلك أبدا.

لا يوجد شيء مجاني في ظل الرأسمالية، فالإمبرياليون يطالبون بشيء مقابل “كرمهم” و”دعمهم”.

تُستخدم المساعدات الخارجية كرافعة لتشجيع “تحرير التجارة”. وهذا يعني بالطبع تسهيل وصول الشركات إلى الأسواق المربحة. وتعترف الولايات المتحدة وحدها بإنفاق 06 ملايير دولار منذ عام 2001 على برامج المساعدة “من أجل التجارة”. إلا أن الرقم الحقيقي أعلى بكثير من ذلك، حيث يوجد دائما شيء متوقع مقابل مثل ذلك الإنفاق.

والعوائد رائعة، حيث سجل التدفق الصافي للثروة من البلدان “النامية” إلى البلدان “المتقدمة” عام 2012 ما لا يقل عن 03 تريليون دولار، أي 24 ضعف كل مخصصات المساعدات الخارجية للعالم بأسره. ويتكون هذا المبلغ بشكل أساسي من إعادة ترحيل الأرباح من قبل الشركات متعددة الجنسيات وخدمة الديون المستحقة للبنوك الغربية.

نادرا جدا ما يتم توضيح المقايضة التي تقوم عليها المساعدات الخارجية، بل يتم اتخاذ إجراءات كثيرة لإخفاء مثل هذه الأشياء. ومن بين الأمثلة الشائنة التي ظهرت بالفعل هناك فضيحة سد بيرجاو في التسعينيات.

كانت حكومة مارغريت تاتشر قد وافقت على إنفاق 243 مليون جنيه إسترليني، من الأموال العامة، في “المساعدة” على تمويل بناء سد في ماليزيا (من طرف مقاولين بريطانيين بالطبع). لكن ذلك المبلغ لم يقدم إلا بشرط واحد وهو أن توافق الحكومة الماليزية على توقيع صفقة أسلحة كبيرة مع شركات تصنيع بريطانية تبلغ قيمتها أكثر من مليار جنيه إسترليني.

يظهر لنا هنا مثال صارخ عن وظيفة المساعدة التي تقدمها الإمبريالية البريطانية: نحن نحك لك ظهرك، وأنت تحك لنا ظهرنا.

وعلاوة على الدوافع الشائنة التي تقف وراء المساعدات الخارجية، لدينا أيضا مجموعة من الطفيليات الذين يتدخلون لملء جيوبهم بها قبل حتى أن يراها فقراء العالم. فجزء كبير من مساعدات التنمية لا يصل أبدا لمن يحتاجون إليها، بل تذهب لملء جيوب مديري المنظمات غير الحكومية والسياسيين الفاسدين. وتشير التقديرات إلى أن سدس “مساعدات التنمية” ينتهي بها المطاف في الملاذات الضريبية مثل سويسرا.

“القوة الناعمة”

سيكون لخفض المساعدات الخارجية عواقب وخيمة على بعض أفقر بلدان العالم -على الأقل تلك التي كانت تنتظر فعلا تلقي بعض هذه المساعدات. ووفقا لصحيفة الغارديان، يمكن أن تؤدي التخفيضات إلى «فقدان ما يقرب من ثلاثة ملايين امرأة وطفل للغذاء الضروري لإنقاذ الحياة وترك 5,6 مليون طفل دون تلقيح، مما سيتسبب في حدوث ما يصل إلى 100.000 حالة وفاة».

هذا غير مهم بالنسبة لجونسون وسوناك. إلا أن أولئك الذين يدافعون عن ميزانية المساعدة لا يهتمون ولو ذرة واحدة بفقراء العالم، إن المساعدات الخارجية، بالنسبة لهم، مجرد أداة لممارسة “القوة الناعمة” للإمبريالية البريطانية.

تم الكشف عن هذه الحقيقة في رسالة إلى صحيفة فاينانشيال تايمز، موقعة من قبل مجموعات الشركات الكبرى بما في ذلك كونفدرالية الصناعة البريطانية وغرف التجارة الدولية. وقد ذكروا فيها أن تخفيض ميزانية المساعدات من شأنه أن “يقلل من مصداقية المملكة المتحدة” (على الصعيد العالمي)، و«يعيق المكاسب التي تحققت في مجال التنمية الاجتماعية والاقتصادية، والتي تعد من المتطلبات الأساسية للتجارة» (خط التشديد من عندنا).

أي بعبارة أخرى، إذا تراجعت أكثر مكانة بريطانيا الدبلوماسية على الصعيد العالمي، فإن النتائج النهائية هي أن هؤلاء السادة سيتضررون!

كما أن رئيس أساقفة كانتربري أوضح في رسالته إلى الفاينانشيال تايمز أن:

«إن جهود المساعدات البريطانية تزيد من القوة الناعمة للمملكة المتحدة. إنها تعمل على استقرار الناس ودعمهم في مناطق عدم الاستقرار. إنها تعزز النظام الدولي القائم على القواعد». أي أنها بعبارة أخرى تقوي مصالح الإمبريالية البريطانية.

وهذا ما يفسر دموع التماسيح التي يذرفها الآن ممثلو الطبقة الرأسمالية الأكثر نباهة. إنهم إنهم ليسوا قلقين بشأن الأطفال الذين سيجوعون وسيحرمون من التعليم. إنهم قلقون لأن ريشي سوناك وبوريس جونسون يتصرفان بطريقة قصيرة النظر، دون الاهتمام بالمصالح طويلة الأمد للرأسمالية البريطانية.

يخشى قسم من الطبقة السائدة من أن تحويل الأموال من إمبريالية “القوة الناعمة” إلى الإنفاق العسكري المباشر على “قوة الإكراه”، سيضر مصالحهم التجارية على المدى البعيد. أما مسألة ما إذا كان بعض أموال المساعدة سيتم استخدامها لإطعام الجياع أم لا، فإنها لا تشكل أي فرق بالنسبة لهم.

الأممية

إننا نعارض التصريحات المنافقة للرأسماليين “المحترمين”، بالأممية البروليتارية.

تبين كوبا -التي هي نفسها بلد فقير، لكن مع اقتصاد مؤمم مخطط- ما هو ممكن القيام به. يقوم الكوبيون بتدريب آلاف الأطباء وإرسالهم للمساعدة في مكافحة الأمراض في جميع أنحاء العالم “النامي”.

يمكن لدولة اشتراكية ذات موارد أكبر -قائمة على التخطيط الاقتصادي والديمقراطية العمالية الحقيقية- أن تنفذ مشاريع مثل هذه والكثير غيرها.

والأهم من ذلك هو أن الثروة اللازمة لانتشال الملايين من براثن الفقر موجودة بالفعل. إنها تخلق من قبل العمال في نفس تلك البلدان التي تستهدفها “المساعدات الأجنبية”، ثم يتم شفطها بكميات ضخمة من طرف مجموعة من الشركات متعددة الجنسيات. إن أفضل “مساعدة” يمكننا تقديمها لأولئك الذين استغلتهم الإمبريالية هي النضال من أجل الإطاحة بالرأسمالية في بريطانيا وفي جميع أنحاء العالم.

أنتوني أوكلاند
10 دجنبر 2020

مترجم عن موقع الفرع البريطاني للتيار الماركسي الأممي “النداء الاشتراكي”

Britain: foreign aid – the smiling face of imperialism

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *