الرئيسية / قضايا نظرية / الإمبريالية / الثورة والثورة المضادة في ليبيا بعد وفاة القذافي

الثورة والثورة المضادة في ليبيا بعد وفاة القذافي

لقد غطت وسائل الإعلام عملية اعتقال وقتل العقيد القذافي بكل تفاصيلها الدامية. ومع مقتل القذافي والاستيلاء على سرت بدأ المجلس الوطني الانتقالي يتحدث عن تشكيل حكومة انتقالية. المجلس الوطني الانتقالي معترف به من قبل القوى الامبريالية التي يمثل مصالحها. ومع ذلك، فإن هناك العديد من الليبيين العاديين الذين ينظرون بعدم ثقة مبررة إلى المجلس الوطني الانتقالي ومسانديه الامبرياليين.

على الرغم من اعتقال القذافي على قيد الحياة فإنه قتل دون محاكمة. لكن ليس من الصعب أن نفهم السبب وراء عدم تقديمه للمحاكمة. إذ لو تمت محاكمته كان سيفضح كل معاملاته السابقة مع أمثال بلير وساركوزي وبرلسكوني. وهذا يفسر لماذا راهنوا كثيرا على وفاته. إن رائحة نفاقهم تلوث الأجواء، لأنهم وقعوا العديد من الصفقات المربحة مع القذافي في الماضي، بما فيها تسليم بعض الأشخاص إلى نظامه، والذين تعرضوا للتعذيب.

إن مقتل القذافي والانهيار النهائي لنظام حكمه طوى صفحة واحدة. لكن هذا لا يمثل سوى نقطة انعطاف واحدة في الأوضاع. والآن بعد السقوط النهائي للنظام القديم، سوف يندلع صراع حول تحديد مستقبل ليبيا. وفي هذا الصراع سوف نرى قوات كل من الثورة والثورة المضادة وهي تحاول الحصول على اليد العليا في الأحداث. لشرح هذه الأحداث وتوضيح موقف الماركسيين منها ننشر فيما يلي تحليلا لآلان وودز.


احتفال المتمردين الليبين

تيهان اليسار

لقد أبان اليسار عن تيهان كبير فيما يتعلق بالموقف من الأحداث في ليبيا. فمن جهة استسلم بعض الناس للامبريالية إلى حد دعم التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي. إن هذا الموقف ساذج ورجعي في نفس الآن. إن سماح المرء لجوقة النفاق بين وسائل الإعلام بالتأثير على أحكامه وابتلاع الأكاذيب حول ما يسمى بالتدخل “الإنساني” لـ “حماية المدنيين” تعبير عن الغباء المطلق.

لم يكن تدخل حلف شمال الأطلسي مدفوعا على الإطلاق بأغراض إنسانية أو لحماية المدنيين. لقد أملته حسابات باردة وكلبية. إذ ليس من حق نفس هؤلاء الأشخاص الذين سبق لهم أن أقاموا علاقة حميمية مع القذافي والذين زودوه بالسلاح، وأرسلوا السجناء السياسيين إلى ليبيا لتعذيبهم على أيدي بوليسه السري، أن يزعموا الدفاع عن المبادئ “الإنسانية”. إنهم لم يبدوا نفس المشاعر الطيبة اتجاه معاناة شعب البحرين.

إن تحرر الشعب الليبي هو هَمّ الشعب الليبي وحده. ولا يمكن أن يعهد به إلى الإمبرياليين، الذين دعموا كل الأنظمة الدكتاتورية الدموية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط طيلة عقود. إن مطلبنا الأول هو وضع حد لجميع أشكال التدخل الأجنبي في ليبيا. دعوا الشعب الليبي يحل مشاكله بطريقته الخاصة!

لكن التصور الآخر بين صفوف اليسار ليس أفضل حالا. حيث تطرف أصحابه في الاتجاه الآخر ودعموا القذافي، الذي رسموه بألوان وردية بكونه “تقدميا”، و”معاديا للامبريالية” بل وحتى “اشتراكيا”. ليست هناك أية ذرة من الحقيقة في هذه المزاعم. صحيح أنه كان للنظام الليبي (والنظام السوري أيضا) طابع مختلف عن أنظمة تونس ومصر. لكن ذلك لا يغير من حيث الجوهر من طبيعة القمعية، أو يؤهله ليكون نظاما معاديا حقا للامبريالية.

من أجل تسليط الضوء على السيرورات الحقيقية التي تحدث في الواقع لا يكفي وضع علامة زائد أو ناقص ضد هذين الموقفين الغير الصحيحين. يجب علينا أن نرى الصورة كاملة وليس مجرد تقديم عرض أحادي الجانب.

يجب علينا أن لا نرسم الوضع بألوان وردية. لكن الخطأ الأكثر خطورة، من وجهة نظر الماركسية، هو إنكار العناصر الثورية الموجودة بالقوة أو بالفعل في المعادلة. إن ما هو ضروري هو القيام بتحليل شامل ومتوازن يأخذ كل العناصر في الاعتبار، ويبين كيف يمكن حل التناقضات. إن المشكلة الرئيسية في ليبيا – كما هو الحال في مصر – هي عدم وجود قيادة ثورية.

إن التاريخ مليء بأمثلة عن الثورات التي تعرضت للهزيمة، أو أحبطت أو سرقت من قبل قوى طبقية أخرى. وليبيا ليست استثناء عن هذه القاعدة. فمجرد اندلاع ثورة شعبية لا يعني بأي حال من الأحوال أن النجاح مضمون في نهاية المطاف. لكن هذه الملاحظة العامة تنطبق على تونس ومصر مثلما تنطبق على ليبيا.

كان في اسبانيا خلال الثلاثينات من القرن الماضي منظمات عمالية قوية، وكانت كل الظروف الموضوعية لانتصار الثورة الاشتراكية ناضجة سنوات 1931-1937. وقد سبق لتروتسكي أن أو ضح أن الطبقة العاملة الإسبانية كانت قادرة على صنع ليس ثورة واحدة فحسب بل عشر ثورات. لكن وبالرغم من ذلك فإن الثورة الإسبانية سرقت على يد عناصر برجوازية ومن ثم تعرضت للهزيمة، ونتيجة لذلك فرض على الشعب الاسباني أن يعاني من أربعة عقود من الفاشية. طبعا إن الظروف مختلفة جدا، بمعنى أنه كانت في إسبانيا منظمات عمالية قوية، لكن رغم ذلك فقد سرقت الثورة الاسبانية من طرف قوى دمرتها. نفس الشيء كان سيحدث في روسيا سنة 1917. دعونا نتذكر أنه بدون حزب البلشفي، تحت قيادة لينين وتروتسكي، كانت الثورة الروسية ستنتهي أيضا بالهزيمة.

خصائص نظام القذافي

رسم كاريكاتوري للقدافي بمدينة البيظاء

كان لنظام القذافي طابع خاص جدا. ففي البداية، كانت للقذافي جماهيرية كبيرة نتيجة تصريحاته المعادية للإمبريالية. وقد قام النظام، الذي تظاهر بأنه “اشتراكي”، بتأميم غالبية الاقتصاد، وبفضل امتلاكه لاحتياطيات هائلة من النفط ووجود عدد قليل من السكان، كان قادرا على تقديم مستوى عال نسبيا من الصحة، والتعليم والمعيشة بالنسبة لغالبية الشعب. شكل هذا عامل استقرار كبير لنظامه طيلة فترة طويلة. وهذا ما يفسر أيضا لماذا استمر القذافي، بعد اندلاع الانتفاضة ضده، وعلى الرغم من كل شيء، قادرا على حشد دعم كاف لمواصلة المقاومة لعدة شهور ولم يسقط فورا.

ومع ذلك، فقد كان نظاما ركز جميع السلطات في يد فرد واحد، ومنع بشكل فعال أي تطور لأية مؤسسات سياسية أو حتى أجهزة الدولة. لم يكن هناك أي حزب حاكم (كانت الأحزاب السياسية محظورة)، وكانت هناك بيروقراطية صغيرة جدا وجيش ضعيف ومنقسم. تمكن القذافي من البقاء في السلطة من خلال نظام معقد من التحالفات مع زعماء القبائل وشبكة من العلاقات غير الرسمية.

على مدى السنوات العشرين الماضية – ولا سيما خلال العقد الأخير – بدأ نظام القذافي في تخفيف سيطرة الدولة على الاقتصاد، وصار يحاول التوصل إلى اتفاقات مع الإمبريالية، وبدأ يفتح أسواقه ويعتمد اقتصاد “السوق الحرة ” والسياسات الليبرالية الجديدة. عمل على إدخال بعض الإصلاحات الموجهة نحو السوق، بما في ذلك محاولة الحصول على عضوية منظمة التجارة العالمية، والحد من الإعانات الاجتماعية والإعلان عن خطط للخصخصة. منذ عام 2003 تمت خصخصة أكثر من 100شركة عمومية في قطاع الصناعة، بما في ذلك تكرير النفط والسياحة والعقارات، حيث 29 شركة من بينها صارت مملوكة 100 ٪ لمستثمرين أجانب.

أدى هذا التحرك نحو اقتصاد السوق إلى انخفاض مستويات المعيشة لكثير من الليبيين وإثراء أقلية صغيرة، على رأسها عائلة القذافي. كان هذا أحد الأسباب الرئيسية للاستياء الشعبي الذي أدى إلى اندلاع الانتفاضة. خلال الفترة الأخيرة من حكم القذافي صارت حياة المواطنين العاديين أكثر فأكثر عسرا. وكانت مستويات الفقر تتزايد باضطراد نتيجة اعتماد السياسات الليبرالية الجديدة. وبعد عام 1999 تحول النظام بحدة نحو اقتصاديات السوق وتطبيق الليبرالية الجديدة. لكن هذا لم يخدم إلا مصلحة نخبة ضيقة تتكون أساسا من عائلة القذافي، وبعض القبائل وأعضاء الأجهزة الأمنية.

هذا ما يفسر جزئيا الانشقاقات التي حدثت داخل صفوف الطبقة الحاكمة، مع انقلاب عدد من الجنرالات السابقين والوزراء ورجال الأعمال البارزين ضد الأخ القائد وقفزهم من السفينة الغارقة، ساعين في الوقت نفسه إلى سرقة الحركة الثورية الحقيقية التي اندلعت من أسفل.

هل هناك ثورة في ليبيا؟

جاءت الحركة في ليبيا جزءا من النهوض الثوري العام الذي اجتاح العالم العربي بعد الانتفاضات في تونس ومصر. بدأت مع الانتفاضة الشعبية في بنغازي. كان نهوضا عفويا بدون قيادة وبدون أهداف واضحة ومحددة سوى الرغبة في الإطاحة بالنظام الممقوت. لقد كانت لهذه الحركة طبيعة تقدمية وإمكانيات ثورية لا يمكن إنكارها.

كانت القوة المحركة الرئيسية للانتفاضة هي الشعب الثوري: جماهير فقراء المدن والعمال والفئات الدنيا من البرجوازية الصغيرة. كما نهض عدد كبير من أبناء الطبقة المتوسطة (الأطباء والمحامين وغيرهم) ضد القذافي. نقطة الضعف الرئيسية هي أن الطبقة العاملة ليست منظمة – أقل تنظيما بكثير مما كانت عليه في مصر وتونس. فهي تتركز في قطاع النفط، الذي هو بدوره يعتمد اعتمادا كبيرا على العمالة الأجنبية. وبالتالي كانت البروليتاريا غير قادرة على وضع بصمتها على الحركة.

كما هو الحال بالنسبة لتونس ومصر، لم يكن لحركة الجماهير الثورية في ليبيا قيادة متماسكة. علاوة على ذلك، كان الوضع في ليبيا معقدا بعدد من العوامل القومية والإقليمية والقبلية، وبسبب الدور الهامشي الذي لعبته الطبقة العاملة، وهذا ما حدد تطور الأحداث.

تاريخيا كانت منطقة ليبيا تتألف من ثلاثة أقاليم (أو دول)، طرابلس في شمال غرب البلاد، وبرقة في الشرق، وفزان في الجنوب الغربي. وقد تم توحيد هذه المناطق تحت قبضة الامبريالية الايطالية، التي قسمت ليبيا عام 1934 إلى أربع أقاليم: طرابلس، مصراتة وبنغازي والبيضاء والصحراء الليبية. ومن أجل توطيد أركان حكمه حاول القذافي تأليب العرب ضد الأمازيغ، والشرق ضد الغرب، والقبائل ضد بعضها. جعلت العداوات المحلية والتحالفات القبلية الوضع أكثر تعقيدا وساهمت في الانحدار السريع نحو الحرب الأهلية.

الطبيعة تكره الفراغ. وفي ظل غياب القيادة، جاءت العناصر البرجوازية إلى الواجهة. قامت بتنظيم ما يسمى بالمجلس الوطني الانتقالي. أعضاءه نصبوا أنفسهم بأنفسهم، لم ينتخبهم أي أحد وليسو مسؤولين أمام أحد. فرضوا أنفسهم في الصدارة، وهمشوا الجماهير الثورية، المشكلة من الشباب أساسا والذين تحملوا كل أعباء القتال.

انتفاضة بنغازي

صور لضحايا مذبحة ابوسليم

كما كان الحال في مصر، نظمت أولى الاحتجاجات في بنغازي بالاعتماد على الفيسبوك. وتم تحديد يوم 17 فبراير موعدا لانطلاق المظاهرات. وفي محاولة لمنع احتجاجات 17 فبراير، قام نظام القذافي بإلقاء القبض على المحامي المعارض فتحي تربل يوم 15 فبراير. وكان تربل منسق أسر ضحايا سجن أبوسليم، حيث قتل 1200 سجين بريء في عام 1996 بناء على أوامر القذافي.

كان للقبض على تربل تأثير معاكس، حيث خرجت أسر السجناء الذين قتلوا في ذلك السجن إلى الشوارع للاحتجاج على اعتقاله في 15 فبراير، وهم يهتفون “استيقظي يا بنغازي، فاليوم الذي كنت تنتظرينه قد جاء”. خرج الناس إلى الشوارع للاحتجاج. وانضم جزء كبير من شرق ليبيا إلى الاحتجاجات، في المرج، والبيضاء، ودرنة، وشحات وطبرق وكذلك اجدابيا.

ورد القذافي من خلال إرسال قوات الجيش، بما في ذلك المرتزقة، ضد الشعب، فضلا عن ميليشيات بقيادة أبنائه. واستخدمت الأسلحة الثقيلة ضد الشعب الأعزل. وقتل العديد من المتظاهرين، واستمر هذا حتى استولى المتظاهرون على قيادة ثكنة عسكرية تابعة له في بنغازي. هذا الوضع دفع على الفور في اتجاه اندلاع حرب أهلية.

يمكن تشبيه الانتفاضة البطولية للجماهير في بنغازي بانتفاضة عمال برشلونة، سنة 1936، الذين هاجموا الجيش الفاشي بأيديهم العارية. اضطر المتظاهرون العزل للدفاع عن أنفسهم بالعصي والحجارة وزجاجات مملوءة بالبنزين ألقوا بها على الثكنات العسكرية. قام أحد المتظاهرين بتحميل سيارته بقنينات غاز المطبخ وهاجم إحدى الثكنات، ودمر جدارين.

استغرق الأمر من المتمردين أياما للاستيلاء على ثكنات بنغازي. وتحت ضغط الشعب الثوري، بدأ الجيش في التفكك. فانضمت كتيبة بنغازي تحت قيادة الجنرال يونس عبد الفتاح إلى الانتفاضة، مما أدى إلى سقوط الثكنات. عندما دخل سكان بنغازي مباني الثكنات، عثروا على جثث العديد من الجنود الذين قتلوا رميا بالرصاص بسبب رفضهم تنفيذ الأوامر بإطلاق النار على شعبهم.

في النهاية، امتدت الثورة التي بدأت بوصفها ثورة في المناطق الشرقية حصريا، إلى المدن الغربية. اندلعت مظاهرات في مدينة الزاوية، ومصراتة، فضلا عن بعض المناطق في العاصمة. جاء رد فعل القذافي فوريا ووحشيا إلى أقصى الحدود. استعمل المرتزقة من أجل سحق كل تحرك وأرسل طائرات مقاتلة وسفن حربية من أجل مهاجمة الشرق. فر العديد من الطيارين وطلبوا اللجوء السياسي في مالطا ومصر.

تم استخدام القمع الشديد لخنق الحركة في طرابلس، حيث اندلعت الاحتجاجات في بداية الانتفاضة. قتل الكثير من الناس، وتم خطف وتعذيب الكثير. منعت كل التجمعات ونظمت دوريات في شوارع العاصمة على أيدي المرتزقة. تم وضع المكالمات الهاتفية تحت المراقبة. ونجح النظام القمعي في إسكات صوت الحركة في طرابلس لبعض الوقت، إلى أن اندلعت مرة أخرى في شهر غشت.

كان النظام يقوم بإعداد هجوم مضاد لسحق كل أشكال المقاومة في الشرق. فصل نهر من الدماء النظام عن الشعب. وأشار القذافي إلى انه لن يتوقف عند أي شيء في سبيل سحق الثورة وإغراق بنغازي في الدماء. وقد حولت المرارة الناتجة عن سلوكات النظام بسرعة الانتفاضة الشعبية إلى حرب أهلية دامية.

دور حلف شمال الأطلسي

دعا المجلس الوطني الانتقالي في بنغازي حلف شمال الأطلسي إلى التدخل. خلال كل التحركات الثورية التي شهدها الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ظل الامبرياليون عاجزين عن التدخل. لكنهم فهموا الآن أنه لديهم فرصة للعب دور في هذا الوضع. دخل الأميركيون والفرنسيون والبريطانيون في اتصال مع المجلس الوطني الانتقالي، الذي هو ائتلاف من العناصر البورجوازية وبعض الوزراء السابقين في نظام القذافي. يدل هذا الفعل على الطبيعة الرجعية تماما لهذا المجلس.

لكن سيكون من الخطأ المبالغة في دور المجلس الوطني الانتقالي، أو أن نصدق أنه يمتلك السيطرة الكاملة. على العكس من ذلك، لم يكن للمجلس الوطني الانتقالي أية سلطة حقيقية على القوات المسلحة، التي نظرت إليه منذ البداية بعين الشك والعداء. وقد اتضح هذا من خلال الحادث الذي وقع في شهر مارس الماضي، عندما اعتقلت القوات المسلحة عناصر من الاستخبارات البريطانية بينما كانوا يحاولون دخول بنغازي للاتصال بقادة المجلس الوطني الانتقالي. كان هذا محرجا جدا لحكومة لندن، التي لم تتمكن من تفسير وجود هذه القوات داخل ليبيا.

الشيء الذي غير موقف المتمردين كان هو خطر هجوم شامل وشيك من القذافي على بنغازي. سبق لسيف الإسلام القذافي أن قال في بداية النزاع إن: “ليبيا ليست تونس، وليست مصر… سوف تندلع حرب أهلية. وستسفك الدماء في الشوارع”. بينما هدد القذافي بتعقب المتمردين مثل الجرذان: “بيت بيت، زنقة زنقة”.

خلق الخوف من وقوع مذبحة، والذي غذته خطابات القذافي، مناخا مكن مطالب المجلس الوطني الانتقالي بالتدخل الأجنبي المسلح من الحصول على قاعدة دعم حتى بين أو ساط الجماهير، وبين أولئك الذين عارضوه أصلا في البداية. قدمت الجوقة الصاخبة لصالح التدخل “الإنساني” للامبرياليين ذريعة جيدة للتدخل. كان السياسيون في لندن وباريس بشكل خاص حريصون على التدخل. تقرر هذا التدخل جزئيا بدافع اعتبارات قصيرة الأمد: هبوط شعبية كل من ساركوزي في فرنسا، وائتلاف المحافظين واللبراليين الديمقراطيين في بريطانيا. ومرة أخرى، كشفت الأمم المتحدة نفسها كواجهة للامبريالية، وأعطت الدعم بكلبية للتدخل “الإنساني” المزعوم. لكن الأسباب الرئيسية كانت ذات طابع اقتصادي واستراتيجي. وغني عن القول إن الرغبة في إنقاذ حياة الليبيين لم تلعب أي دور على الإطلاق.

لفرنسا على وجه الخصوص أجندتها ومصالحها الخاصة. ساركوزي حريص بشكل خاص على إعادة بناء مصداقيته في العالم العربي، بعد أن دعم الدكتاتور المخلوع بن علي في تونس. لقد اعتبرت فرنسا أفريقيا دائما (وخاصة شمال إفريقيا) والشرق الأوسط منطقة ضمن نطاق نفوذها. ومن ثم فليس من قبيل المصادفة أن تكون القوات الفرنسية وراء الانقلاب العسكري في ساحل العاج والذي استبدل غباغبو بعميل الغرب (فرنسا) واتارا.

في السابق أقام توني بلير علاقة حميمة مع القذافي. والآن أمر كاميرون سلاح الجو الملكي البريطاني بقصفه. ومع ذلك، لم يكن هناك أي تغيير حقيقي في السياسة الامبريالية البريطانية. إن عيون البريطانيين مركزة دائما على الثروة النفطية الليبية، مع القذافي أو بدونه. إن الحرب، كما أو ضح كلاوزفيتز، ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى.

حلف شمال الأطلسي والحرب الأهلية

على عكس الفرنسيين والبريطانيين كان الأميركيون أكثر حذرا. فبعد أن أحرقوا أصابعهم بشدة في العراق وأفغانستان، صاروا يخشون من التورط في حرب جوية في ليبيا يمكنها أن تنتهي بسهولة إلى حرب أخرى على الأرض. لم يوافقوا على المشاركة إلا تحت الضغط من جانب لندن وباريس، وشريطة أن يترأس الحملة حلف شمال الأطلسي، وليس أميركا.

أعرب عدد من الجنرالات الأميركيين عن شكوك كبيرة بشأن هذه المهمة. لقد كانوا يعلمون أنه من المستحيل كسب الحرب بالقوة الجوية وحدها. ففي أفغانستان يعتمدون على قوات التحالف الشمالي، وفي كوسوفو اعتمدوا على جيش تحرير كوسوفو للقيام بمهمة القتال على الأرض. وفي ليبيا، فعلى الرغم من أن هجمات حلف شمال الأطلسي الجوية لعبت دورا واضحا في تدمير قدرات القذافي العسكرية، فإنه كان يجب خوض الحرب وكسبها على الأرض. وقد اتضح أن هذا ليس سهلا كما كان الامبرياليون يفترضون.

في الحرب الأهلية تلعب السياسة دورا أكثر حسما مما تلعبه في حرب عادية. فعدم وجود سياسة ثورية حقيقية جعل من الصعب كسب الناس من الجانب الآخر. والعامل الآخر كان هو الانقسامات بين زعماء القوات المسلحة، ودور بعض الضباط السابقين الذين كان يشتبه فيهم (عن حق على الأرجح) السعي إلى عقد صفقة مع الأخ القائد. لوتم خوض الحرب بالطرق العسكرية “العادية”، لكانت لقوات القذافي أفضلية الجيش المحترف المجهز بأسلحة متفوقة وجنود مدربين.

لهذه الأسباب كلها، طال أمد الحرب الأهلية واتخذت طابعا دمويا. كانت قوات المتمردين مشكلة من مدنيين غير مدربين ومسلحين بشكل سيئ. وقد أعرب جنرالات حلف شمال الأطلسي عن ازدراءهم العلني لجيش المتمردين. حيث نقلت صحيفة ليكونوميست عن أحدهم قوله: “إنهم ليسوا مستعدين حقا للحرب، ولا يبدو أنهم يريدون القتال حقا. إنهم يستعرضون فقط”.

على الرغم من أن القوة الجوية يمكنها أن تلعب دورا رئيسيا في تدمير الأسلحة على الأرض، فإنه من البديهي في العلوم العسكرية أن الحروب لا تكسب بالقوة الجوية وحدها. وقد أثبتت التجربة الأخيرة في ليبيا مرة أخرى هذا. غارات حلف شمال الأطلسي الجوية ساعدت على وقف تقدم القذافي على بنغازي مما سمح للمتمردين بشن هجوم مضاد. لكن الغارات الجوية في حد ذاتها لم تكن كافية لضمان انتصار عسكري حاسم. في الواقع، وبعد شهور من القصف الجوي المكثف بدا كما لو أن الحرب على الأرض قد وصلت إلى طريق مسدود.

ارتفعت أصوات من لندن وباريس معبرة عن قلقها من أن الصراع في ليبيا قد يطول، ليس لشهور بل لسنوات. كانت الحملة الليبية تكلف الكثير من المال: بحلول شهر أكتوبر كانت الحكومة البريطانية قد أنفقت ما لا يقل عن 1.75 مليار جنيه، في حين أن الولايات المتحدة أنفقت 1. 1 مليار دولار على الأقل. كان من الصعب تبرير هذا الإنفاق في ظل تطبيق سياسة التقشف، وتسجيل عجز في الميزانية، وانخفاض مستويات المعيشة. أدلى وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ بتصريحات متشائمة لإعداد الرأي العام لحرب طويلة في ليبيا.

كان الفرنسيون أكثر قلقا. كانت الطائرات الفرنسية المقاتلة مسؤولة عن حوالي ثلث جميع الضربات الجوية للناتو. وقد اشتكت صحيفة لوموند في عنوان رئيسي على صفحتها الأولى من أن: “فرنسا لم تعد تمتلك الوسائل العسكرية لخدمة طموحاتها السياسية. “. يوم 11 ماي قدم قائد الأركان الفرنسي الأميرال إدوارد غييو اعترافا مدهشا: “إن القوات المسلحة [الفرنسية] اليوم هشة وضعيفة. ينبغي للمرء ألا ينكر أو يموه هذه الحقيقة. نحن في وضع صعب “.

تركيا، عضو حلف شمال الأطلسي، وضعت بدورها في موقف صعب للغاية. فبعد أن أقامت روابط وثيقة مع نظام القذافي وحصلت في المقابل على عقود مربحة للشركات التركية، حاولت مقاومة رغبة بريطانيا وفرنسا في التدخل. وبمجرد ما أدركت أن التيار ينقلب ضد القذافي، عمل اردوغان بسرعة على تغيير موقفه في محاولة لإيجاد دور لتركيا في ليبيا بعد السقوط الحتمي للنظام.

ومع ذلك، حتى حملة القصف المحدود سرعان ما كشفت محدودية شديدة في القدرات العسكرية لحلف شمال الأطلسي. فقد ظهرت الانقسامات في صفوفه. لم يكن للألمان أية علاقة بالشأن الليبي، في حين قدم آخرون، مثل إيطاليا، مساهمة ضئيلة في القتال. اشتكى البريطانيون والفرنسيون بمرارة من أن “حلفائهم” في الناتو لم يقوموا بما فيه الكفاية، وأشاروا بأصابع الاتهام إلى ألمانيا وايطاليا على سبيل المثال.

سقوط طرابلس

أخيرا حسمت المسألة بسقوط طرابلس في شهر غشت. هل كان سقوط طرابلس بفضل قصف الناتو؟ إن حقيقة كون سقوط طرابلس قد أخذ حلف شمال الأطلسي على حين غرة تماما مؤشر على أن ذلك لم يكن بمساعدته. حتى تلك اللحظة كان القادة يسعون إلى تهيئة الرأي العام لحملة عسكرية طويلة. كل الحديث كان يدور عن الجمود. لكن عندما سقطت طرابلس أخيرا أحدث ذلك مفاجأة عامة. لم يكن الامبرياليون والمجلس الوطني الانتقالي مهيئين تماما لذلك. بل حتى قادة القوات المسلحة تفاجئوا بذلك كما يشير باتريك كوكبرن، في تقرير له:

“قادة الميليشيات المحلية أنفسهم تفاجئوا بهذا. فحتى في منطقة مثل أبوسليم، حيث يفترض وجود عدد هائل من أنصار القذافي، لم يكن هناك قتال يذكر. وقال خالد، وهو محاسب في أحد البنوك المحلية، يحمل بندقية هجومية: “لقد اعتقدنا أنهم أقوياء، لكن القتال لم يستمر سوى بضع ساعات. تحول الكثير من الناس إلى الجانب الآخر في آخر لحظة. “(كاونتر بانش، 05 شتنبر 2011)

ويواصل التقرير نفسه قائلا: “الجميع تقريبا في طرابلس يدعون الآن أنهم كانوا يعملون علنا أو سرا إلى جانب المتمردين. ربما كل المدن المحتلة على مر العصور شهدت مثل هذه المزاعم. لكن جميع الأدلة تؤكد أنه في الوقت الذي اخترق المتمردون الزاوية في شهر غشت، وجدوا الطريق إلى العاصمة مفتوحا وغير محمي، لأن الروح المعنوية للقوات الموالية للقذافي كانت قد انهارت.

“ووصف أحد الجنود السابقين كيف انه تخلى عن دبابته في الزاوية عندما طلب منه التراجع في مواجهة هجوم المتمردين من جبال نافوسة، والانتفاضة في الزاوية نفسها، وقيام طائرات الناتو بتحطيم مواقع القذافي الدفاعية بلا هوادة. لقد قرر ببساطة أن اللعبة قد انتهت، وأنه ليس هناك معنى في انتظار أن يتم حرقه داخل دبابته. فخلع بزته العسكرية وركض.

“داخل طرابلس، قرر أنصار النظام بالمثل أنه لا يوجد أي سبب للموت من أجل قضية فاشلة. وقال عصام، وهو أصولي صاحب شاحنة مسؤول عن حي في سوق الجمعة، إن رجاله كانوا يمتلكون أسلحة قليلة في البداية، لكنهم حصلوا على المزيد منها من خلال زيارة البيوت “بيتا بيتا يطلبون من الناس الموالين للقذافي تسليم أسلحتهم والبقاء في منازلهم”. ولم يرفض احد تسليم سلاحه. وقال خالد أبو سليم إنه يعتقد أن نقطة التحول في الحرب وقعت عندما فشل القذافي في الاستيلاء على مصراتة في بداية الصيف، وقام حلف شمال الأطلسي بتكثيف القصف. بعد ذلك، بدأ رجال القذافي في التراجع وصار من السهل معرفة الفائز في نهاية المطاف. ”

في النهاية انهار النظام مثل بيت من الورق. انهارت دفاعات طرابلس لأن جنود القذافي لم يروا سببا للقتال والموت من أجل قضية خاسرة.

ما هي القوات التي شاركت؟

الميليشيا الموالية للقذافي بطرابلس، صورة: عمار عبد ربه

لعبت الانتفاضة المسلحة في طرابلس دورا أساسيا في انهيار مقاومة القوات الموالية للقذافي في المدينة. يؤكد هذا عدد من المصادر، بما في ذلك مقال كتبه نيكولاس بيلهام بعنوان: Libya: How They Did It (ليبيا: كيف فعلوا ذلك).

نجد في ذلك المقال وصفا مهما للوضع في طرابلس بعد دخول المتمردين:

” فقط عندما وصلت سوق الجمعة، بالضاحية الشرقية لطرابلس والتي يقطنها 400000 نسمة، بعد ثلاثة أيام من دخول المتمردين إلى المدينة في 21 غشت، شعرت بأنني في مكان محرر من نير معمر القذافي. وعلى النقيض من باقي الشوارع الأخرى المهجورة والمغلقة في العاصمة، كانت الأزقة وراء المتاريس المأهولة خلية نحل نشطة. كان الأطفال يلعبون في الأزقة حتى ما بعد منتصف الليل. كانت النساء تقدن السيارات. والمساجد تبث التكبير والأناشيد الاحتفالية المخصصة للعيد ونهاية شهر رمضان، الله أكبر، أكبر حتى من العقيد. (…)

“كان سوق الجمعة أو ل حي في طرابلس يساند ثورة القذافي في عام 1969، وأول من انقلب ضد قبل 39 عاما (…)

“استجابت العديد من الضواحي لنداء المساجد عندما بدأ المؤمنون الإفطار بعد غروب شمس يوم 20 غشت، لكن تنظيم وحجم انتفاضة سوق الجمعة لم يكن لهما مثيل. في غضون دقائق صار الحي بأكمله محميا بمتاريس من الثلاجات القديمة، والسيارات المحترقة، وغيرها من مخلفات الحرب، يتمركز رجال مسلحون على أبوابها. دارت الشاحنات عبر الشوارع لتوزيع زجاجات المولوتوف محلية الصنع وقنابل تدعى جيلاتين، ولاحقا بنادق اشتروها في الأشهر الستة السابقة بمبلغ 3000 دينار للقطعة الواحدة. وبالاعتماد على قائمة معدة مسبقا اقتحموا مجموعة من المنازل حيث يقطن مخبرون موالون للنظام، والاستحواذ على أسلحتهم وطردهم “.

ويضيف التقرير نفسه:

“المجلس الوطني الانتقالي الذي حصل على الشرعية في الخارج، وجد في أيامه الأولى صعوبة في فرض نفسه داخل عاصمته. وعلى عكس ما حدث من تغيير للنظام بالقوة في العراق، فإن النظام الليبي سقط بقوى داخلية. حكام ليبيا الجدد هم الليبيون، وليس الأجانب، وعلى الرغم من أن حلف شمال الأطلسي دعم المتمردين من السماء، فإن الليبيين هم من حرروا أنفسهم على الأرض. “(التشديد من عندي آلان وودز).

يوم 20 شتنبر 2011 نشرت منظمة العامل الاشتراكي (Socialist Worker) رسالة هامة تصف فيها سقوط طرابلس ومختلف القوى المشاركة في معسكر المتمردين. كان عنوان الرسالة معبرا: ثورة شعبية جذرية. جاءت هذه الرسالة المكتوبة من قبل شخص موجود في طرابلس، ردا على مقال افتتاحي في صحيفة العامل الاشتراكي، تحت عنوان: (“Who really won in Libya“) “من فاز فعلا في ليبيا”، الذي قال إن حلف شمال الأطلسي هو الذي أنجح الثورة في ليبيا، وليس للشعب الليبي. ويرد مؤلف الرسالة على النحو التالي:

“من هنا في طرابلس، يبدو أن هذا الحكم متسرع. هناك عدد من النقاط التي ينبغي أن تفهم عن الوضع على الأرض:

“1- لقد كانت هذه الثورة شعبية جذرية. لم تتحرر طرابلس بفضل متمردين قادمين من الخارج. بل اندلعت انتفاضة شعبية من الداخل، في 20 غشت، في عدد من أحياء المدينة. وبحلول منتصف نهار يوم 21 غشت، كانت أجهزة أمن الدولة قد هزمت تماما في عدد من الأحياء، وكانت على وشك الانهيار في مناطق أخرى. وبحلول مساء يوم 21 غشت، وصلت أولى كتائب المتمردين إلى المدينة، وحاربوا المعاقل المتبقية.

“لقد كانت القوة الدافعة للثورة في كل منعطف حاسم هي المشاركة الجماهيرية، سواء في الانتفاضات الأولى في بنغازي وغرب مدينة الزنتان، أو في طرابلس وحولها.

وأضاف: “اليوم، شوارع طرابلس مراقبة من قبل المواطنين العاديين. كل حي لديه لجنة شعبية، تتألف من السكان المحليين المسلحين. يسيطرون على نقاط الدخول والخروج إلى حيهم، ويعملون على التحقق من السيارات، واشتغلوا في ظل غياب قوات الشرطة (التي بدأت لتوها في العودة) بمثابة سلطة الأمر الواقع على مستوى الشارع.

“وكما قال لي صديق ليبي: ” لقد انقلب كل شيء رأسا على عقب الآن”. استولى السكان المحليون على معظم المراكز القديمة لسلطة الطبقة الحاكمة، بدءا من مكاتب الأمن إلى قصور القذافي. يمكنك أن تقضي فترة بعد الظهر في التمشي داخل فيلات القذافي والتنقيب في الأوراق داخل مقرات الاستخبارات. استولى السكان المحليون على بعض منازل القذافي والسجون وحولوها إلى ما يشبه المتاحف. وقد تحول حمام السباحة الضخم في بيت عائشة القذافي، الذي بني بأموال الشعب الليبي، إلى مسبح عمومي. في بعض الأحياء، استولى السكان على الفنادق والمطاعم، وطردوا أصحابها الموالين للقذافي وعملوا على تشغيلها بأنفسهم.

“نجد هنا نفس الشعور بالقوة، والرغبة في المستحيل، التي عمت مصر بعد ثورتها”

إن هذا الوصف الذي كتبه أحد شهود العيان في طرابلس، مثير للاهتمام. إنه يؤكد على عنصر واحد في المعادلة: حقيقة أن القوة المحركة الرئيسية للانتفاضة ضد القذافي كانت هي حركة الجماهير. ويعتبر هذا وجهة النظر الماركسية المعطى الأكثر أهمية. لكنه، بالطبع، لا يغني بأي حال عن دراسة مسألة الطبيعة الطبقية الدقيقة للانتفاضة، أو الطريقة التي ستتطور بها الأحداث ابتداء من اليوم.

ويسرد الكاتب العناصر المكونة للمسلحين في طرابلس على النحو التالي:

“1- قادة الثورة في طرابلس الذين قاموا بقيادة الحركة هناك منذ اليوم الأول، في شهر فبراير، غالبا بدون أي اتصال مباشر مع منظمة حلف شمال الأطلسي؛ 2- ثوار من طرابلس يقيمون في الخارج في بنغازي وتونس أو في غيرهما، والذين عادوا؛ 3- التيارات الإسلامية، التي يقودها رجال دين بارزون ؛ 4- المجلس الوطني الانتقالي، الذي مقره بنغازي، والمدعوم من طرف الولايات المتحدة وخاصة لجنته التنفيذية؛ 5- قوات طرابلس العسكرية، انقسمت بدورها إلى فصيلين، فصيل تحت قيادة الإسلامي السابق عبد الحكيم بلحاج، والآخر تحت سيطرة رجالات القذافي السابقين. يمتلك بلحاج، الذي سجن وعذب بسبب تواطؤ الولايات المتحدة مع القذافي، بعض التأييد الشعبي في شرق ليبيا، ويعتقد أنه مدعوم من طرف قطر؛ 6- إضافة إلى 40 كتيبة من المتمردين، أو الألوية، في مختلف أنحاء البلاد “.

من هذا التقرير، المفصل إلى حد ما، يمكننا أن نرى التعقيد الهائل في الوضع بليبيا، الذي يحتوي على العديد من العناصر المتناقضة. من الواضح جدا (بالاعتماد أيضا على تقارير أخرى) أن المجلس الوطني الانتقالي لا يسيطر على الوضع. هناك العديد من اللجان المحلية والميليشيات المسلحة التي تسيطر على الوضع في أرض الواقع.

النسور تحلق

النسور الامريكية والاوربية، صورة: كارلوس لاتوف

بينما نحن نكتب هذه السطور كان آخر ما تبقى من معاقل القذافي قد انهارت. وقد تم القبض على العقيد القذافي نفسه وقتله. وقد كانت تهديدات القذافي بالقتال في “حرب طويلة” مجرد عبارات فارغة، على الرغم من أن بعض مؤيديه قد يلجئون إلى أساليب الإرهاب وحرب العصابات بهدف زعزعة استقرار النظام الجديد.

حتى قبل وفاته كان الامبرياليون قد بدأوا يتحركون. فقد عملت الولايات المتحدة على إعادة فتح سفارتها رسميا في ليبيا مؤخرا، وبدأ السفير العائد يعد العدة لمساعدة الشركات الأميركية على الاستفادة من الفرص التجارية في البلاد. وقد زارت كلينتون البلاد، باحثة بدون شك عن عقود مربحة للشركات الأمريكية.

إن الحكام الجدد في ليبيا أكثر حرصا على رمي أنفسهم في أحضان الإمبريالية. قال مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس الوطني الانتقالي، والقائد المدني المزعوم للمتمردين، في مؤتمر صحفي عقده في ليبيا الأسبوع الماضي، إن الحكومة الجديدة ستعطي مؤيديها الغربيين بعض “الأولوية” في الحصول على صفقات في ليبيا.

وقال إنه ليست هناك أي وعود لمن أيدهم من الغربيين، لكن ” الشعب الليبي كشعب مسلم سيقدر هذه الجهود وسيعطي لهم الأولوية في إطار من الشفافية. ”

في حين أكدت الحكومة المؤقتة أنها ستحترم “كل العقود والمواثيق التي تعود إلى فترة القذافي طالما كانت مشروعة”، أكدت على أن أي عقد يشوبه فساد مالي سيكون عرضه للمراجعة القانونية

وقال إن رائحة الفساد أصابت كل شيء قام به نظام القذافي فيما يخص الوحدات التجارية. وأن البيروقراطية كانت متعايشة معه لأن تلك هي طريقة اشتغالها، وكانت الأسرة الحاكمة في القمة. وأن كل صفقة كانت تتضمن مكافأة لعائلة القذافي.

ومع قوله كل هذا أخفى بكل راحة ضمير حقيقة أن العديد من قادة المجلس الوطني الانتقالي ينحدرون من نظام القذافي وشاركوا بأنفسهم في كل هذا. كان عبد الجليل في الواقع عضوا في اللجنة الشعبية العامة، لكنه فهم بسرعة الاتجاه الذي ستميل إليه الرياح فقفز من السفينة في وقت مبكر من الثورة، وأظهر نفسه بذلك وكأنه واحد من “زعماءها”.

وتابع تصريحه مؤكدا على أن قادة ليبيا الجدد “على استعداد للانضمام إلى المعايير الدولية للشفافية والمحاسبة، وأعتقد أن هذا أمر جيد”.

ساركوزي، الذي كان على علاقة ودية جدا مع القذافي، تحدث مؤخرا في تظاهرة حاشدة في مدينة بنغازي، معربا عن تضامن فرنسا مع النظام الليبي الجديد. وإلى جانبه وقف رئيس الوزراء البريطاني، عن حزب المحافظين، ديفيد كاميرون، الذي قال نفس الشيء.

قال دبلوماسي كبير للمديرين التنفيذيين البريطانيين يوم الثلاثاء الماضي إن”مساعدة بريطانيا في الإطاحة بمعمر القذافي لن تنسى أبدا، ويمكن للشركات البريطانية أن تتوقع لعب دور أساسي في إعادة بناء ليبيا”، وقال القائم بالأعمال في سفارة بلاده في لندن خلال الاجتماع الذي حضره حوالي 100 من المديرين التنفيذيين: ” يمكنني أن أؤكد لكم أن للشركات البريطانية دورا تلعبه، ونأمل أن تعملوا معنا لبناء ليبيا المستقبل”. كان الاجتماع مغلقا في وجه وسائل الإعلام ما عدا رويترز. إذ بطبيعة الحال، لا يرغب هؤلاء السادة أن يعرف العالم كيف تتبع التجارة راية “الديمقراطية”.

وقد أعرب القادة الغربيون عن قلقهم إزاء احتمال وصول الإسلاميين المتشددين، أو المعادين للغرب، إلى السلطة. إلا أن الإسلاميين يبذلون قصارى جهدهم لتأكيد إيمانهم بـ”الاعتدال والديمقراطية والتعددية”. إنهم مستعدون تماما لبيع كل ما في ليبيا لمن يدفع أكثر. شارك السفير جين كريتز في مؤتمر لوزارة الخارجية مع حوالي 150 شركة أمريكية تأمل في القيام بأعمال تجارية مع ليبيا:

وقال: ” نحن نعرف أن النفط هو جوهرة تاج الموارد الطبيعية الليبية، ولكن حتى في زمن القذافي كانوا يقومون بكل شيء فيما يتعلق بالبنية التحتية وغيرها من الأمور” بعد أن بدأ البلد في الانفتاح على الغرب قبل ست سنوات”. وأضاف: “إذا تمكنا من الحصول على موقع قدم للشركات الأميركية هنا على نطاق كبير نسبيا، وهو ما سنحاول أن نفعل كل ما في وسعنا لتحقيقه، فإن هذا سيساعد على تحسين الوضع في الولايات المتحدة”.

وأصر السيد كريتز على أن النفط لم يكن أبدا “السبب الأساسي” للتدخل الأميركي. ولكن تعليقاته كشفت حرص الأميركيين على اصطياد أية أرباح محتملة. إن ملاحظاته اعتراف واضح بالأهداف الاقتصادية للولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى في ليبيا. إنهم مهتمون ليس فقط بالموارد النفطية في ليبيا، بل أيضا بالسلع والخدمات التي يمكن لتلك الموارد أن تمكن من شراءها منهم. ففي خضم الأزمة، ومع شح الأسواق، تصير هذه فرصة أثمن من أن تفوت.

إن تدخل الامبرياليين سيفجر تناقضات جديدة. كان زعماء المتمردين يقاتلون مثل قطط داخل كيس. وعبد الفتاح يونس، القائد العسكري السابق في جيش القذافي، الذي انضم إلى المتمردين، قتل في ظروف غامضة شهر يوليوز الماضي. أشارت العديد من أصابع الاتهام إلى الإسلاميين، لكن لم يتم توضيح هذه القضية أبدا. بعد سقوط معقل القذافي في باب العزيزية في نهاية شهر غشت، حاول الإسلامي عبد الحكيم بلحاج (المعروف أيضا باسمه الحركي أبو عبد الله الصادق) القيام بانقلاب، للسيطرة على القيادة العسكرية لمدينة طرابلس.

تسبب هذا في حدوث اشتباك مع عدة قادة متنافسين عدة مثل عبد الله ناكر، الذي قال لشبكة CNN: “من هو عبد الحكيم بلحاج ومن عينه؟ نحن لا نعرفه. نحن هم القادة، نحن الثوار، ونحن نعرف كل شيء”. من عين بلحاج سؤال جيد جدا. لكن يمكن طرح السؤال نفسه على عبد الله ناكر أو على المجلس الوطني الانتقالي بأكمله. وقد حاول رئيس المجلس الوطني الانتقالي عبد الجليل الحد من الخلافات المتصاعدة. فبعد اجتماع له مع قادة الفصائل المسلحة، صار الجو ساخنا حتى انه اضطر إلى الاجتماع في اليوم التالي مع قادة الفصائل كل منهم على حدة.

بلحاج متهم بكونه أداة في يد القطريين الذين أرسلوا له المال لشراء الأسلحة. تتدخل قطر في ليبيا كجزء من حلفاء الناتو، وهي مثلها مثل البريطانيين والأميركيين والفرنسيين والايطاليين، تصارع بنشاط من أجل مصالحها من خلال مساعدة وكلاء وعملاء محليين. إن هذا التدخل الأجنبي سيؤدي إلى تفاقم الانقسامات في معسكر المتمردين ويمكن أن يهدد حتى وحدة ليبيا.

لكن وعلى الرغم من مظاهرات “الصداقة” في بنغازي، فإن الجماهير الليبية تكره الامبرياليين ولا تثق فيهم. إنهم يعرفون أن الثورة الليبية تمكنت من جمع الدعم الغربي لأن أرضهم غنية جدا بالنفط، وأن البريطانيين والفرنسيين والأميركيين يرغبون فقط في نهب الموارد الطبيعية للبلاد. إن الوضع مشابه جدا لذلك الذي ساد في بغداد عام 2003، لكن مع فارق واحد مهم جدا: ففي ليبيا لا توجد قوات أمريكية على الأرض.

يعرف الليبيون أن هؤلاء السادة في لندن وباريس كانوا طيلة عقود على علاقة حميمة مع القذافي. إنهم يعرفون أن نيكولا ساركوزي احتضن القذافي عام 2007 ثم قام بقصفه بعد أقل من أربع سنوات دون أن يرف له جفن. إنهم يعرفون أن توني بلير ذهب إلى طرابلس للتذلل أمام القذافي من أجل الحصول على عقود النفط المربحة.

وهم يعرفون أيضا أن هؤلاء الديمقراطيين المزيفين قد بعثوا السجناء السياسيين الليبيين إلى طرابلس للتحقيق معهم في غرف التعذيب من طرف شرطته السرية. سوف يضع سكان طرابلس قريبا أيديهم على ملفات وزارتي النفط والخارجية في زمن القذافي ويعرفون أسرار الصفقات التجارية بلير وساركوزي وبرلوسكوني مع القذافي – إلا إذا تمكنت المخابرات البريطانية والفرنسية من وضع أيديها عليها أو لا.

من الذي سوف ينتصر؟

عند تحليل أية ظاهرة يجب علينا أن نميز بدقة بين الاتجاهات المختلفة، ونفصل ما هو تقدمي عما هو رجعي. وفي حالة ليبيا، هذا ليس سهلا دائما. إن الحركة في ليبيا تحتوي بشكل واضح على عناصر عديدة ومختلفة، عناصر رجعية وإمكانيات ثورية. هناك عدد من القوى تتنافس على قيادة الثورة. هذا الصراع لم يحسم بعد ويمكن أن يذهب في عدد من الاتجاهات المختلفة، كما سبق لي أن أشرت في مقالي خلال شهر غشت الماضي.

إنه وضع ملتبس ومتناقض، ونتيجته غير واضحة حتى الآن. فمن ناحية، تضغط الحركة الجماهيرية، بما في ذلك الطبقة العاملة، من أجل مطالبها الخاصة. ومن ناحية أخرى، تناور العناصر البرجوازية مع الامبريالية للسيطرة على الوضع. إن القوة المحركة الرئيسية للثورة هي المقاتلون الشباب الصادقون والشجعان، لكنهم أيضا التائهون، والذين يمكن التلاعب بهم من قبل الأصوليين وغيرهم من الديماغوجيين. مؤخرا بدأت الطبقة العاملة في التحرك والتعبير عن مطالبها الطبقية المستقلة، لكنها ضعيفة عدديا وتفتقر إلى القيادة المناسبة.

ليس من الواضح حتى الآن أي من هذه القوى سوف تنتصر في النهاية. والمجلس الوطني الانتقالي المدعوم من طرف الولايات المتحدة ضعيف جدا ويمتلك دعما شعبيا محدودا. وقد اندلعت المظاهرات ضده بالفعل في عدد من المدن، بما في ذلك بنغازي. حتى حلول منتصف شهر شتنبر، كان المجلس الوطني الانتقالي ما يزال يتنافس مع مجموعة واسعة من الجماعات المتمردة والفصائل السياسية من أجل السيطرة على البلاد. ليست هناك من ضمانة بأن المجلس الوطني الانتقالي يمكنه إقامة نظام قادر على البقاء. ويظهر ضعف المجلس الوطني الانتقالي من حقيقة أنه حتى بعد سقوط طرابلس، بقي في بنغازي، خائفا كما يبدو واضحا من دخول العاصمة التي تم الاستيلاء عليها من قبل الميليشيات المسلحة.

كتب نيكولاس بيلهام في نيويورك ريفيو أوف بوكس قائلا: “قام الجميع بتمثيل مظاهر الوحدة عندما وصل أو ل ممثل سامي للمجلس الوطني الانتقالي، وزير المالية علي الطرهوني، إلى طرابلس من قاعدة المتمردين في بنغازي. لكن بمجرد ما انضموا إليه فوق المنصة لعقد مؤتمر صحفي حتى ظهرت الانشقاقات مجددا. تحت ثريات صالة الفندق، نسي الطرهوني شكر الطرابلسيين عند سرد قائمته الطويلة من أولئك الذين ساهموا في الداخل والخارج في طرد القذافي من المدينة. وقال عضو غاضب في مجلس طرابلس الجديد: “إنه لم يقدر الدور الذي قامت به الانتفاضة”.، وتراجع إلى الخلف في القاعة التي كان الطرهوني يتحدث داخلها.

” وأضاف عضو المجلس: “إذا كان يعتقد انه يمكن أن يطلب من الناس الذين حرروا مدينتهم إلقاء أسلحتهم، فسوف يرسل في صندوق”، وهو ما زاد من الشكوك في إمكانية سعي شرق ليبيا إلى منافسة الغرب”.

كتب باتريك كوكبرن: “لقد تباطأ أعضاء المجلس الوطني الانتقالي في الوصول إلى طرابلس وتباطئوا أكثر في أخذ زمام الأمور عندما وصلوا إلى هناك. وقال لي عضو المجلس الوطني الانتقالي، عبد الرحمن الكيب، إنه يعتقد أن السياسيين، وبالرغم من كل تصريحاتهم السابقة الواثقة في النصر، كانوا “غير منظمين لأنهم لم يكونوا يعتقدون أن انهيار القذافي سيكون سريعا جدا. لم يكن جيشه بالقوة التي كنا نظن. ”

ظهرت الانقسامات حول من سيكون له الحق في السيطرة على مليارات ليبيا المجمدة. ظهر العرابون المحليون. المشكلة هي أن الكثير من الليبيين موالون للأسرة والقبيلة والقرية والبلدة قبل الوطن.

ويتابع باتريك كوكبرن: “من الناحية السياسية، يبدو المجلس الوطني الانتقالي ضعيفا ومفككا وغير مستعد لتولي الحكومة. وعلى النقيض من ذلك، تظهر اللجان المحلية التي تحفظ الأمن في شوارع طرابلس قدرة عالية. ورغم أن هناك نقصا في المياه والغذاء والوقود وكل شيء آخر تقريبا في المحلات التجارية، فإن اللجان تقول إن لديها مخزونات كافية راكمتها على مدى الأشهر الستة الماضية لدرء حدوث أزمة إنسانية. لكن القيادة السياسية تبدو ضعيفة، ومن غير المرجح أن تعمل الميليشيات على حل نفسها بشكل كامل. يمكن ألا تكون الدولة الليبية الجديدة قادرة على تحمل الكثير من الضغوط، لكنها، من ناحية أخرى، وعلى عكس العراق وأفغانستان، قد لا تكون مجبرة على ذلك”.

في ظل غياب قيادة ثورية حقيقية، من الممكن أن ينجح البرجوازيون في السيطرة على الوضع، لكن يواجهون مشاكل خطيرة. إنهم يواجهون، في المقام الأول، شعبا ثائرا مسلحا. وبالتالي فإن المهمة الأولى سوف تكون نزع سلاح الشعب. إلا أن قول هذا أسهل من تطبيقه. سرد السفير الأميركي كريتز عدة عوامل للقلق، بما في ذلك نزع سلاح السكان المسلحين والميليشيات المستقلة الكثيرة.

دعا إسماعيل صلابي، قائد المجلس العسكري في بنغازي، المجلس الوطني الانتقالي إلى الاستقالة، واصفا أعضائه بـ “بقايا عهد القذافي” و”حفنة من الليبراليين بدون أي امتداد في المجتمع الليبي”.

يصر العديد من المقاتلين، مثل صلابي، على أنهم لعبوا دورا رئيسيا في إسقاط القذافي. ويذهب البعض ابعد من ذلك قائلا إن استيلائهم السريع على طرابلس أخذ المجلس الوطني الانتقالي على حين غرة، وأنهم هزموا ما يزعمون أنه الخطة الحقيقية لحلف شمال الأطلسي لهذا البلد، أي: تقسيمه إلى شرق وغرب. كانت إستراتيجية حلف شمال الأطلسي، كما يقولون، تجميد الصراع في الغرب، وتحويل البريقة فعليا إلى خط فاصل بين الشرق المحرر والغرب حيث القذافي.

وقد سبق لسمية الغنوشي أن كتبت بعض التعليقات المثيرة للاهتمام في هذا الشأن، على الرغم من أنه يجب علينا أن تأخذ في الاعتبار حقيقة أنها ابنة الغنوشي، زعيم حزب النهضة الإسلامي في تونس. إن ما كتبته مثير جدا للاهتمام من حيث أنه يكشف عن وجود انقسامات بين صفوف المتمردين وأعضاء المجلس الانتقالي. كتبت تقول:

“يدور هذا الصراع بطرق مختلفة في جميع أنحاء المنطقة. وفي كل حالة تبقى الديناميات الداخلية لمختلف الثورات مهددة بمنطق القوى الأجنبية القائم على الاحتواء والسيطرة. إن الأمر الذي يوجد على المحك هو ما إذا كان الربيع العربي سيؤدي إلى تغيير محسوب، محدود، ومتحكم فيه، حيث يحل لاعبون جدد محل القدامى في حين تبقى قواعد اللعبة على حالها، وحيث تخاض الحروب بالوكالة عن طريق نخب المحلية موالية من أجل إعادة تدوير[رسكلة] النظام القديم وتحويله إلى نظام جديد. هذا ما ترغب قوى أجنبية عديدة في رؤيته.

“لقد ذهب القذافي، لكنه يتم الآن تعيين ليبيا لتكون مسرحا لمعارك متعددة: ليس فقط مواجهات بين رجال الناتو والمقاتلين على الأرض، لكن أيضا بين القوات الأجنبية التي استثمرت في الحرب: الفرنسيون، الذين عقدوا العزم على أن تكون لهم اليد العليا سياسيا واقتصاديا؛ والايطاليون، الذين يعتبرون ليبيا حديقتهم الخلفية؛ والبريطانيون، الذين يريدون الحفاظ على عقودهم؛ والأتراك، الذين يحرصون على إحياء نفوذهم في المستعمرة العثمانية القديمة؛ وبطبيعة الحال الخاسران الأكبران في النظام الناشئ، هم: الصينيون والروس” . (Libya is now set to be a scene of multiple battles)

دور الطبقة العاملة

الثورة الليبية مسرحية تراجيدية لم تكتمل بعد ولا يشكل فيها سقوط القذافي سوى الفصل الأول. وسيتم تحديد المستقبل من خلال صراع القوى الحية. والنتيجة النهائية ليست محسومة بعد. هناك احتمالات مختلفة ممكنة – سواء منها الثورية أو المضادة للثورة. وسيتم تحديد التطورات المستقبلية بفعل الأحداث سواء داخل ليبيا أو على النطاق الأممي. من الضروري طرح السؤال بشكل ملموس: هل كان إسقاط القذافي انتصارا للثورة أم للثورة المضادة؟

لقد قدمت الثورة، من خلال إزالتها لعقبة ضخمة من طريق الطبقة العاملة، إمكانيات جديدة. كما أنها خلقت مخاطر جديدة. لقد كان انعدام وجود طبقة عاملة قوية هو السبب في تحول الصراع إلى حرب أهلية دامية. انضم الشباب المتمرد إلى الجماعات الثورية. وهي الجماعات التي غالبا ما تستند على الولاءات القبلية أو المحلية. لقد تم تسليحهم وتمويلهم من قبل رجال أعمال قدموا لهم السلاح والمركبات. ونظرا لعدم وجود أي منظمة عمالية مستقلة، ناهيك عن حزب ماركسي ثوري حقيقي، فإن المنظورات السياسية للمتمردين ستقتصر فقط على البحث عن بديل ضمن حدود الرأسمالية، أي في حدود شكل من أشكال الديمقراطية البرجوازية. كل هذه العوامل تضع علامة استفهام كبيرة حول التطور المستقبلي للحركة.

هل سينجح الامبرياليون في فرض حكمهم وإخضاع الثورة الليبية لمصالحهم؟ لا يمكن حسم هذه المسألة بيقين مطلق مسبقا. هناك قوى جبارة تدفع في هذا الاتجاه. لكن لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه. إن حقيقة كون بعض الناس يلوحون بالأعلام الفرنسية والبريطانية (والمصرية والجزائرية والقطرية) لا يعني بالضرورة أن الشعب الليبي سيكون مستعدا لرؤية بلدهم وثروتها النفطية وهي تباع لمن يدفع أكثر.

هناك فرق بين التعبير عن الامتنان لهذه البلدان لإسقاطها القنابل على دبابات القذافي. وبين قبول عودة الحكم الاستعماري إلى ليبيا. من المعبر أنه على الرغم من موقفها الذليل اتجاه الغرب، اضطرت قيادة المجلس الوطني الانتقالي مؤخرا إلى الوقوف ضد تواجد قوات الأمم المتحدة على الأرض، مما يعكس الضغوط الشعبية الموجودة. هذا يدل على أن الجماهير الثورية ترتاب في المجلس الوطني الانتقالي وتعارض السماح للقوى الامبريالية بدخول ليبيا.

قال شاهد العيان من طرابلس الذي استشهدنا به أعلاه: “ما تزال الولايات المتحدة وحلفائها يحاولون إخضاع الثورة لمصالحهم. لقد ساندوا قسما من المتمردين الذين يبدو أنهم لا يمتلكون قاعدة وطنية، في محاولة للسيطرة على مجرى الثورات العربية. إنهم ليسوا مهتمين بإقامة ديمقراطية حقيقية، بل بتشييد ديمقراطية محدودة ومتحكم فيها وخاضعة لاحتياجاتهم “.

وخلص إلى القول: “على الرغم من الطابع الشعبي للثورة، فإن ضعف البنى السياسية في ليبيا يعني أن احتمالات نشوء يسار منها قاتمة للغاية. لكنها مع ذلك، كانت أكثر قتامة في ظل القذافي، والثورة تعطي المجتمع الليبي مساحة لإمكانية تطور مثل هذه الأشياء. قد لا يحدث هذا عاجلا – إنه يتطلب إعادة هيكلة الاقتصاد، ونمو الطبقة العاملة وما إلى ذلك- لكن وللمرة الأولى في تاريخها، سيكون لليبيا فرصة في حدوث ذلك. لهذا السبب وحده، ينبغي دعم الثورة. وعلاوة على ذلك، فإن النصر نفخ حياة جديدة في الانتفاضات في جميع أنحاء العالم العربي، ولا سيما في سوريا واليمن.

“انه من المبكر جدا تحديد من سيكون الفائز النهائي في الثورة في ليبيا، لكننا نعرف من سيحاول تحديد النتيجة”.

إن هذا تحليل متوازن جدا. صحيح أن الطبقة العاملة الليبية أضعف بكثير مما هي عليه البروليتاريا المصرية، على سبيل المثال. فهي غير قادرة لحد الآن على وضع بصمتها على الثورة. واليسار ضعيف جدا بشكل عام، ويمكن للضغط من جانب العناصر البرجوازية والإمبريالية أن يدفع ليبيا في اتجاه مختلف. لكن وعلى الرغم من ذلك، فإن الإطاحة بالقذافي خلقت مزيدا من الظروف المواتية لتطوير الصراع الطبقي داخل ليبيا.

إن تجربة كيف تطورت الثورة الليبية، بقيادة برجوازية استولت على الحركة، ومع قادة كانوا جزءا من النظام القديم ألبسوا أنفسهم زي الديمقراطيين، هي أيضا درس ثمين للحركات الجارية في سورية واليمن. وهذا الدرس هو ما يلي: إذا تمت الإطاحة بالنظام بمساعدة القوى الاستعمارية، فإن الجماهير ستضطر لدفع الثمن. وبدلا من تغيير حقيقي سينتهي الأمر إلى نظام يتضمن الكثير من عناصر النظام القديم بعد إعادة تدويرها لتصير وكأنها جديدة، وعدم إعطاء أي حل لأي من القضايا الاجتماعية الملحة. وبالتالي فإنه على الجماهير التحضير لثورة الثانية جذرية لإكمال المهمة التي وضعتها في البداية على كاهلها.

الظروف المادية في ليبيا حاسمة على المدى الطويل. حالة الجماهير بائسة. لقد تعطلت إمدادات الكهرباء والماء. هناك أيضا نقص حاد في البنزين. لا يمكن للعمال أن يعيشوا إلى الأبد على نظام غذائي مشكل من الخطب والشعارات “الديمقراطية”. إن لديهم احتياجات ملحة يجب الاهتمام بها. والآن بعد أن مات القذافي، وانتهاء القتال سوف يحدث تقاطب داخل معسكر المتمردين على أسس طبقية.

إن العمال هم بالفعل ساخطون على المجلس الوطني الانتقالي وبدءوا الاحتجاج ضد الإبقاء على المدراء القدامى في صناعة نفط. لقد تظاهر أكثر من مئة من عمال شركة النفط الوطنية الليبية (NOC) يوم الثلاثاء 27 شتنبر أمام مقر الشركة في طرابلس ضد عدم قيام المديرين بالقطع جذريا مع الماضي:

قالت هيفاء محمد، التي تعمل في الشركة في قسم التنمية المستدامة: “هذا عصر جديد، وثورة جديدة. لقد دفعنا الكثير من الدماء. نحن نطمح إلى تغيير كبير. لقد كنا نتوقع هذا التغيير أن يحدث. لكن ما نراه هو نفس الوجوه القديمة ما زالت موجودة، ونفس الأشخاص الفاسدين، ونفس المديرين”.

هذه ليست حالة معزولة. ساقت صحيفة الايكونومست في 09 أبريل تقريرا عن احتجاج من قبل عمال النفط في بنغازي أمام مقر شركة نفط الخليج العربي (AGOCO)، أكبر شركة للنفط في ليبيا، للمطالبة بإحداث تغييرات في الإدارة. واضطرت الشركة إلى الإبقاء على رئيس اللجنة الذي انتخب من قبل العمال. وقد حقق العمال هذا الانتصار رغم معارضة المجلس الوطني الانتقالي. ونقل التقرير عن مسئول نقابي قوله: “العرابون المحليون يحاولون تقسيم البلاد بطريقة أسرع من اللاعبين الأجانب”.

نسمع هنا الصوت الحقيقي للثورة الليبية: صوت الطبقة العاملة التي هزت الديكتاتورية ولا تريد أن يحل محلها نوع جديد من الدكتاتورية: ديكتاتورية رأس المال والنير الإمبريالي. هذا يدل على أن الطبقة العاملة قد بدأت تتحرك. يجب علينا أن نفعل كل ما في وسعنا لدعم وتشجيع كل خطوة في اتجاه نشوء حركة مستقلة للطبقة العاملة في ليبيا.

إن الوضع معقد للغاية، وهناك ميولات تدفع في اتجاهات مختلفة. من البديهي القول إن الماركسيين يجب عليهم دائما أن يعتمدوا على الطبقة العاملة والعناصر الأكثر ثورية بين الشباب، حتى عندما يكونون أقلية صغيرة. إننا نعتمد على ما هو تقدمي ونناضل ضد ما هو رجعي.

قبل كل شيء، إن سقوط القذافي هو حلقة في سلسلة من الزلازل التي تنتشر عبر العالم العربي. لقد ذهب بن علي ومبارك، وصالح معلق بخيط رفيع. والآن ها قد تمت الإطاحة بالقذافي. هذا يضع الأسد في سوريا في خطر أكبر. وما زال عبد الله عاهل الأردن يواجه معارضة. شعب البحرين يرزح تحت نير النظام الملكي السني، الذي يمثل أقلية مدعومة من طرف السعودية. لكن كم من الوقت يمكن لهذه الأنظمة أن تستمر؟ إن الجماهير السعودية، التي تجلس على قمة ثروات هائلة، لن تتحمل إلى الأبد سيادة نظام ملكي فاسد ومنحط وعاجز. إن الأحداث التي وقعت في ليبيا هي جزء من ثورة عربية كبرى، لم تنته بعد.

آلان وودز
الجمعة: 21 أكتوبر 2011

عنوان النص بالإنجليزية:

After the death of Gaddafi: Revolution and counterrevolution in Libya

2 تعليقات

  1. هذا المقال لا يختلف عن ما يقوله الإعلام الإمبريالي وتقوله الرجعية البرجوازية المتعفنة . لا يختلف لا النص ولا المفردة ولا المضمون عن خطاب إعلام الغرب الإمبريالي .
    انتم تفتقدون خريطة ليبيا فأغلب ما تناوله هذا التقرير يشبه الهذيان والهرطقة المشوبة بابضباب والسراب في ليبيا جذريا لا توجد طبقة عمالية اساسا لا توجد ضمن البنية الاقتصادية والاجتماعية . أنتم تغلطون أنفسكم إلا إذا هذا الخطب موجه لليبيين فهم ادري ويعرفون تماما كل شي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *