قلما نجد شخصيات في التاريخ تعرض إرثها للتشويه والهجوم بقدر ما تعرض له إرث لينين وتروتسكي. وهذا صحيح اليوم كما كان عام 1969، حين كتب آلان وودز وتيد غرانت كتاب «لينين وتروتسكي: ما هي مواقفهما الحقيقية؟» لإعادة الحقيقة إلى نصابها.

ننشر أدناه مقدمة آلان وودز للطبعة الجديدة كليا من هذا الدفاع البارع عن أعظم ثوريين في القرن العشرين. حمل نسختك مجانا الآن من هنا.
تأتي إعادة نشر كتاب «لينين وتروتسكي: ما هي مواقفهما الحقيقية؟» في وقت مناسب جدا.
صدر هذا الكتاب، الذي كتبته بتعاون وثيق مع صديقي العظيم ورفيقي ومعلمي الراحل تيد غرانت، لأول مرة بالإنجليزية عام 1969، ولقي ترحيبا كبيرا.
وظهر منذ ذلك الحين بلغات عديدة، منها الإسبانية والروسية واليونانية والدنماركية والهولندية والإندونيسية.
أما مسوغات الكتاب فقد تناولتها بما يكفي الملاحظات التمهيدية الأصلية التي كتبناها أنا وتيد، ولا أرى فائدة في تكرارها هنا.
وأعتقد أن الكتاب أدى غرضه في توضيح السجل التاريخي. وكانت هذه المهمة ضرورية للغاية بالنظر إلى سيل الافتراءات والتشويهات التي تعرض لها هذان الثوريان العظيمان، ليس من الأعداء العلنيين للشيوعية والاشتراكية فحسب، بل أيضا من جحافل التحريفيين عديمي المبادئ من معسكري الستالينية والعصوبية معا.
غير أن أكثر من نصف قرن مر على صدور الكتاب، ووقعت أحداث درامية عديدة أكدت بشكل لافت التحليل الذي قدمناه حينها.
اليوم، يشهد الاهتمام بالشيوعية انتعاشا لافتا، لاسيما بين الشباب. وهذا ليس مصادفة. ومهما قال المرء عن الثورة البلشفية، فلا يمكنه إنكار أنها خلفت أثرا عميقا على مستوى العالم. فقد غيرت مجرى التاريخ العالمي بأسره أكثر من أي حدث منفرد آخر.
فللمرة الأولى وصلت الطبقة العاملة إلى السلطة وتمسكت بها وهي تقاتل ضد صعاب هائلة. وفي التحليل الأخير ما كان لذلك الحدث العظيم أن يتحقق لولا عمل شخصين استثنائيين: فلاديمير لينين وليون تروتسكي.
ومن ثمّ، ورغم حملة التزييف الوحشية التي تعرض لها لينين عقودا، تقف سمعة هذا الثوري العظيم اليوم أعلى من أي وقت مضى، بينما شهدت سمعة تروتسكي أيضا تعافيا مرحبا به خلال العقود الأخيرة.
لذلك يبدو من الضروري والملائم أن نعيد عرض بعض الأفكار الرئيسية الواردة في كتابنا، وأن نعلق على الأحداث التي وقعت منذ صدوره.
من كان تروتسكي؟
تعلمنا المادية التاريخية أن ننظر إلى ما وراء الأفراد الذين يظهرون على مسرح التاريخ، وأن نبحث عن الأسباب الأعمق للأحداث التاريخية الكبرى.
لكن هذا لا ينكر دور الفرد في التاريخ، ولا ينتقص منه. ففي لحظات معينة قد يكون دور رجل أو امرأة واحدة حاسما. فالطبقة العاملة تحتاج إلى حزب كي تغير المجتمع. وإن لم يوجد حزب ثوري قادر على منح الطاقة الثورية للطبقة قيادة واعية يمكن أن تُهدر هذه الطاقة، كما يتبدد البخار إن لم تكن هناك آلة تستخدم قوته.
كان ليف دافيدوفيتش برونشتاين (المعروف في التاريخ باسم ليون تروتسكي) أحد أعظم الماركسيين في القرن العشرين، إلى جانب لينين. وقد كرس حياته كلها لقضية الطبقة العاملة والنضال من أجل الاشتراكية الأممية.
كان دور تروتسكي خلال ثورة أكتوبر وبعدها محوريا. وبالفعل كان يُعترف به عالميا بأنه الرجل الثاني في قيادة الحزب بعد لينين.
ويكفي أن نشير إلى أن الجماهير وأعداء الثورة على السواء كانوا يسمون الحزب البلشفي في ذلك الوقت «حزب لينين وتروتسكي».
ومع ذلك لا يستطيع الأفراد أداء مثل هذا الدور إلا حين تتوافر كل الظروف الأخرى. فتضافر الظروف عام 1917 هو ما مكن لينين وتروتسكي من أداء دور حاسم.
لكن الرجلين نفسيهما كانا حاضرين لأكثر من عقدين قبل ذلك ولم يستطيعا أداء الدور ذاته. وبالمثل، حين انحسرت الثورة، لم يتمكن لينين وتروتسكي، رغم قدرتهما الشخصية الهائلة، من منع الانحطاط البيروقراطي للحزب البلشفي. فقد كان ذلك ناجما عن قوى موضوعية لم يكن بوسع أعظم القادة مقاومتها.
الثورة والثورة المضادة
إن المشاركة الفعالة للجماهير هي القوة المحركة دائما في كل ثورة عظيمة في التاريخ. ونرى هذه السيرورة بوضوح شديد في الثورة الفرنسية الكبرى 1789-1793.
فالشرائح المضطهَدة التي كانت متخلفة وخاملة تنهض ضد مضطهِديها. وتكتشف مخزونا هائلا من الثقة المجهولة بقوتها، وتندفع إلى الأمام بروح ثورية لا تُقهر، تقتحم كل متراس وتتغلب على كل عقبة.
لكن، كما أشار تروتسكي، الثورات ملتهمات عظيمة للطاقة البشرية. فبعد فترة أولية من النضالات والتضحيات الهائلة، يبدأ مزاج من الإرهاق بالظهور، بدء بالعناصر الأكثر تخلفا.
وإذ ينهك الجماهير ما بذلته من جهود وتضحيات خارقة، تنزلق تدريجيا إلى مزاج من الإحباط واللامبالاة، وتغرق شيئا فشيئا في السلبية القديمة.
وفي هذه الخلفية، تبدأ الطبقات المضادة للثورة باستعادة رباطة جأشها المحطمة. وتتحرك في البداية بحذر شديد، فتزيح الثوريين جانبا ببطء وتتسلل إلى مواقع السلطة والنفوذ في الدولة.
غير أن عملاء الثورة المضادة مضطرون إلى التنكر، متقنّعين بقناع زائف كمدافعين عن الثورة.
هذا ما حدث في فرنسا، سواء مع رجعيي «الثيرميدور» الذين استولوا على السلطة بعد إعدام روبسبير (ومعظمهم كانوا في صفوف اليعاقبة) أو مع نابليون بونابرت الذي قدم نفسه بوصفه الممثل الأول للثورة الفرنسية بينما كان يدوس بالأقدام كل مبادئها الأساسية.
تميزت سنوات الصعود الثوري ببروز شخصيات استثنائية، أما فترة الرجعية فتتطلب أناسا أقل مقاما بكثير.
فقد أنجبت الثورة الفرنسية الكبرى 1789-1793 سلسلة من الخطباء والساسة العظام وممثلي الجماهير الثورية الشجعان. حيث يحظى ميرابو ودانتون وروبسبير بقبول متحفظ حتى من النقاد المعاصرين للثورة، في حين ما يزال ماراة وهيبير، أكثر قادة الجماهير اتساقا، يُعاملان كالكلاب الميتة إن ذُكروا أصلا.
لكن فترة «الثيرميدور» التي تلتها أنجبت شخصيات من طراز مختلف تماما. كان عصر الانتهازي عديم المبادئ والمتماهي مع السائد والمرتد الجبان. فصمت زئير الأسد أمام نعيق «ضفادع المستنقع» الأجش في المؤتمر الوطني. وخلف عصر الأقزام عصر العمالقة.
ونرى سيرورات مماثلة في روسيا بعد وفاة لينين. فإنهاك الجماهير بعد سنوات الحرب والثورة والحرب الأهلية، إضافة إلى عزلة الثورة في ظروف من التخلف والفقر المروعين، أدى إلى صعود بيروقراطية متميزة ارتفعت تدريجيا فوق الطبقة العاملة، بل فوق الحزب الشيوعي الحاكم نفسه.
وهذا ما لاحظه لينين، وحذر منه مرارا.
صعود ستالين
في ظل هذه الظروف لم تعد هناك حاجة إلى رؤيويين وقادة بقامة لينين وتروتسكي. بل احتاجت البيروقراطية إلى رجل على صورتها. وكان ذلك الرجل هو جوزيف دجوغاشفيلي، المعروف أيضا باسم ستالين.
ففي فترة الثورة المضادة تسود الرداءة، وكان ستالين قمة الرداءة. كان سياسيا إقليميا فحسب بكل معنى الكلمة. فبينما كان قادة بلاشفة آخرون يتحدثون لغات أجنبية بطلاقة، لم يكن ستالين يتحدث، إلى جانب لغته الچورچية الأم، سوى الروسية، وبلكنة چورچية قوية. وكان لقوميته الضيقة أن تلعب لاحقا دورا قاتلا في تعامله مع المسألة القومية في الاتحاد السوفيتي.
كان يفتقر إلى أي رؤية واسعة، ورجلا قليل أو منعدم الثقافة، وما يمكن وصفه بـ«العملي»، أي رجلا ينحصر اهتمامه الرئيسي في التنظيم بأضيق معاني الكلمة. وكان ميدانه الطبيعي هو الجهاز.
بالطبع هذا التعريف لا يستنفد صفاته. فقد امتلك أيضا إرادة حديدية وتصميما، وتعطشا عنيدا لا يلين إلى السلطة والترقي الشخصي، ومهارة فطرية في التلاعب بالناس والمناورة والتآمر.
لكنه لم يتنبأ بشيء، واكتفى باتباع السيرورات التي تدفقت موضوعيا من انحسار الحركة بعد الثورة الروسية.
اكتسب الجانب التنظيمي من العمل أهمية أكبر بكثير بالضرورة بعد الثورة. فقد صار على البلاشفة مسؤولية إدارة جهاز دولة ضخم، من إطعام السكان وتشغيل نظام النقل وغير ذلك، بينما كانت حرب أهلية وحشية مستعرة. وقد استوعب هذا العمل بطبيعة الحال جزء كبيرا من كوادر الحزب.
وكانت هناك مخاطر واضحة في هذا الوضع، وكان لينين بوجه خاص قلقا من أن يحتفظ الحزب بسيطرة سياسية صارمة على هذا العمل.
وقد أدى سفيردلوف، بصفته أمينا عاما للحزب، هذه المهمة بامتياز. لم يكن منظّرا، لكنه كان منظما رائعا، نزيها، خاليا تماما من الطموح الشخصي، ومكرسا بالكامل لقضية الثورة والحزب.
وحين توفي سفيردلوف عام 1919، عُينت هيئة من ثلاثة أشخاص للقيام بعمله. ومن الدال أن ستالين لم يكن بينهم. وحين أُنشئ منصب الأمين العام عام 1922، كان زينوفييف وحلفاؤه هم من ضغطوا لترشيح ستالين، بدون مواربة أن هذا كان في سياق الصراع ضد تروتسكي. ورغم أن لينين قدر صلابة ستالين في الشؤون الإدارية، فقد كان قلقا جدا من تعيينه. وحين أُخبر بذلك قال: «هذا الطباخ لن يُعد إلا أطباقا حارة». لكن بما أن المنصب اعتُبر إداريا بحتا، لم يمضِ لينين في اعتراضه. واستخدم ستالين موقعه في جهاز الحزب والدولة (اللذين كانا يتماهيان معا بشكل متزايد) لترقية أتباعه وتركيز السلطة في يديه.
وحين أدرك لينين ما يحدث فتح على الفور صراعا ضد ستالين. لكنه خشي أيضا أن تتطور الخلافات في القيادة إلى انقسام على أسس طبقية، مما يضعف ديكتاتورية البروليتاريا ويؤدي إلى ثورة مضادة رأسمالية.
ولهذا السبب اضطر لينين إلى التقدم بحذر شديد. ومع ذلك استند، في لحظة الخطر هذه، إلى التحالف مع الرجل الوحيد في القيادة الذي كان يمكنه الوثوق به لمواصلة النضال ضد ستالين والبيروقراطية: تروتسكي.
يقول لينين في «وصيته» إن تروتسكي:
«… يتميز ليس فقط بقدرة استثنائية. فهو شخصيا ربما أقدر رجل في اللجنة المركزية الحالية.»[1]
وعن ستالين كتب:
«الرفيق ستالين، بعد أن أصبح أمينا عاما، تركزت في يديه سلطة غير محدودة، ولست متأكدا من أنه سيكون قادرا دائما على استخدام هذه السلطة بما يكفي من الحذر.»[2]
كان لينين هنا يعبر عن نفسه بلغة حذرة جدا. لكنه أضاف بعد أسابيع قليلة ملحقا يصف فيه ستالين بأنه فظ وغير وفي، ويدعو إلى عزله من منصب الأمين العام.
لم تُطبق نصحية لينين. فبدعم تكتلي من زينوفييف وكامينيف، وكثير من المناورات خلف الكواليس، استمر ستالين في منصبه أمينا عاما، واستخدمه لشن صراع شرس وعديم الضمير ضد تروتسكي.
وبعد وفاة لينين في يناير 1924، تولى تروتسكي قيادة النضال ضد الانحطاط البيروقراطي للدولة السوفيتية، وهو نضال كان لينين قد بدأه من فراش موته.
حدود التماثل التاريخي
يمكن للمقارنات التاريخية أن تكون مفيدة للغاية، لكن لها حدودها. وهذا أصدق في حالة المقارنة بين الأفراد.
وصف تروتسكي الديكتاتورية الستالينية بأنها نظام «بونابرتية سوفيتية»، أي نظام أُطيحت فيه الرأسمالية لكن البروليتاريا حُرمت من السلطة السياسية. واستخدم تيد غرانت مصطلح «البونابرتية البروليتارية» للدلالة على الظاهرة نفسها. وهذا التعريف علمي لا غبار عليه، لكن له، كأي تعريف، حدوده.
قد يُستنتج أننا نعقد مقارنة بين ستالين ونابليون بونابرت حين نستخدم عبارة «البونابرتية البروليتارية». وقد تكون المقارنة صحيحة إلى حد ما، لكن فقط إن قصدنا أن كلا الرجلين كان حفاري قبور ثورين عظيمين.
غير أن هذه الحدود تستنفد كل مضمون أي مقارنة حقيقية. فمهما رأي المرء عن نابليون في المجال العسكري، فقد أظهر بلا شك صفات استثنائية. ولا يمكن قول ذلك عن جوزيف دجوغاشفيلي!
وإذ كان ستالين يفتقر إلى أي قدرة على إلهام الجماهير، سواء باعتباره خطيبا ثوريا أو في ساحة المعركة، فقد انحصر ميدان عمله الحقيقي بين جدران مكتبه وهاتفه وقدرته التي لا تنتهي على التآمر والتلاعب والمناورة.
إن الأقرب شبها بستالين هو جوزيف فوشيه ليس نابليون بونابرت، الذي كان مثل ستالين رجلا بلا أي مبدأ، وبيروقراطيا بارعا ومتآمرا، تحركه طموحات جارفة وتعطش للسلطة.
وكان فوشيه بلا شك الشخصية الأكثر تمثيلا للرجعية الثيرميدورية.
بعد الثيرميدور، تحرك عقرب الرجعية أكثر فأكثر نحو اليمين، من الإدارة إلى ديكتاتورية بونابرت، وبعد هزيمة نابليون في واترلو انتهت باستعادة الملكية البوربونية.
وقد رافقت هذه التغيرات المتشنجة حتما صعود القادة السياسيين وسقوطهم. لكن رجلا واحدا نجح طوال الوقت، لا في الحفاظ على موقعه فحسب، بل في تركيز سلطة هائلة في يديه.

بدأ فوشيه مسيرته مؤيدا متعطشا للدماء لإرهاب اليعاقبة، فاستحق لقب «جلاد ليون». لكنه، كالحرباء، تمكن لاحقا من تحويل نفسه إلى عميل بارع للرجعية. فأصبح الثوري الإرهابي اليعقوبي السابق رئيسا للشرطة، أولا في خدمة نابليون ثم في خدمة الملكية المستعادة.
أما «الثيرميدور» السوفيتي بقيادة ستالين فلم ينتهِ بالإطاحة بالحزب الشيوعي والاستعادة الكاملة للرأسمالية، رغم أن ذلك كان احتمالا قائما بوضوح في أواخر العشرينيات القرن الماضي. وكما كتب تروتسكي:
«لا شك أن الثيرميدور الروسي كان سيفتتح عهدا جديدا من الحكم البرجوازي، لو لم يكن هذا الحكم قد أصبح باليا على مستوى العالم. وعلى أي حال، لم يتمكن الصراع ضد المساواة وإقامة فروق اجتماعية عميقة جدا حتى الآن من القضاء على الوعي الاشتراكي للجماهير أو على تأميم وسائل الإنتاج والأرض التي كانت المكتسبات الاشتراكية الأساسية للثورة…
ورغم أن البيروقراطية تقوض هذه المكتسبات، فإنها لم تجرؤ بعد على اللجوء إلى استعادة الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج.»[3]
وفي النهاية بقيت ثورة أكتوبر، لكن فقط كصورة كاريكاتورية مشوهة بشكل وحشي، بيروقراطية وشمولية، لدولة عمالية.
إرهاب ستالين
رد ستالين والبيروقراطية على حجج تروتسكي السياسية بقبضة القمع الحديدية. فقد فُصل أعضاء المعارضة اليسارية الروسية من وظائفهم وتم التضييق عليهم، ثم اعتُقلوا وسُجنوا لاحقا. لكن هذه الأساليب لم تكن كافية.
ولترسيخ سلطتها، كان على مغتصبي أكتوبر البيروقراطيين أن يستأصلوا تماما تقاليد البلشفية والثورة الروسية. وتطلب ذلك الإبادة الجسدية لحزب لينين، وهو ما أُنجز بمحاكمات التطهير الوحشية.
وصف تروتسكي التطهيرات بأنها حرب أهلية من طرف واحد، شنها ستالين والبيروقراطية ضد الحزب البلشفي. وقد لفق ستالين التهم وعذب وقتل جميع قادة حزب لينين.
رجل واحد ضد العالم كله
من منفاه في المكسيك، شهد تروتسكي مذبحة أصدقائه ومعاونيه داخل الاتحاد السوفيتي وخارجه، وتدمير المكاسب السياسية لثورة أكتوبر.
وامتدت رغبة ستالين في الانتقام حتى إلى عائلات ضحاياه. فشاهد تروتسكي مقتل أبنائه وأفراد آخرين من أسرته واحدا بعد الآخر. ومع ذلك ظل متحديا: رجل واحد ضد العالم كله.
وفي وجه الثورة المضادة الستالينية الشرسة، واصل الدفاع عن تقاليد أكتوبر الثورية والديمقراطية والأممية.
استمر في الجهر بالحق بشجاعة وبلا خوف، منددا بجرائم ستالين. لكنه في الوقت نفسه ظل مدافعا صلبا عن الاتحاد السوفيتي ومكاسب ثورة أكتوبر، وهو موقف تمسك به حتى نهاية حياته.

وقد تنبأ تروتسكي، مع بداية الحرب العالمية الثانية، بأن ألمانيا النازية ستهاجم الاتحاد السوفيتي حتما، وطرح شعار الدفاع غير المشروط عن الاتحاد السوفيتي.
وأوضح أن من واجب جميع العمال التكاتف دفاعا عنه. لكنه حذر أيضا من أن أكبر خطر على مستقبل الاتحاد السوفيتي لا يأتي من التدخل العسكري الأجنبي، بل من التناقضات التي لا تُحتمل والناجمة حتما عن وجود النظام البيروقراطي الستاليني.
وقد أثبت التاريخ اللاحق أنه كان محقا.
اغتيال تروتسكي
كان زينوفييف وكامينيف قد حذرا تروتسكي منذ عشرينيات القرن الماضي: «تظن أن ستالين سيرد على أفكارك. لكن ستالين سيضرب رأسك!».
وقد تحول ذلك التحذير النبوئي إلى حقيقة مأساوية في 20 أغسطس 1940، حين نجح عميل لوزارة الداخلية والشرطة السرية للاتحاد السوفيتي، رامون ميركادير، المعروف باسم «جاكسون»، في التسلل إلى منزل تروتسكي تحت ذرائع كاذبة.
أقنعه بقراءة مقال كتبه، وبينما كان تروتسكي يقرأ وقف ميركادير خلفه ورفع ذراعه وهوى بها بكل قوته، فغرس معول ثلج في جمجمة هذا الرجل الأعزل. قاوم تروتسكي بشجاعة وتغلب الحراس على المعتدي. لكن عمل القاتل الدموي كان قد أُنجز.
والرجل الذي قاد، مع لينين، العمال الروس إلى الاستيلاء على السلطة، وبنى الجيش الأحمر وهزم القوى المتحدة للثورة المضادة، مات في اليوم التالي في مستشفى مكسيكي.
من المؤكد أن ستالين كان راضيا جدا عن نفسه حين سمع الخبر. فقد حل هذه المشكلة كما حل أي مشكلة أخرى: باستخدام القوة الغاشمة.
لم يكن الأمر صعبا في الواقع. نحن البشر مخلوقات ضعيفة. فأي شيء يمكن أن يقطع الخيط الهش الذي يربطنا بالحياة: رصاصة أو سكين أو معول ثلج. من السهل قتل رجل أو امرأة. لكن لا يمكن قتل فكرة حان وقتها.
الاتحاد السوفيتي في الحرب
من بين كل الأساطير الكثيرة عن ستالين، تبقى أكثرها عنادا وأشدها كذبا أسطورة ستالين «القائد العظيم في الحرب». وهي لا تصمد أمام أدنى فحص.
فقد أدت تطهيرات ستالين إلى تدمير شامل للكوادر القيادية للجيش الأحمر، مما أضعف بشدة دفاع الاتحاد السوفيتي.
وحين اعترض جنرالات هتلر على مهاجمة الاتحاد السوفيتي، أجابهم هتلر بأنه ليس قوة جدية لأنه «ليس لديهم جنرالات جيدون». وادعى أن الاتحاد السوفيتي صرح متعفن، وأن ركلة جيدة واحدة ستُسقطه.
أما ستالين فقد علق كل آماله على اتفاقية عدم الاعتداء التي وقعها مع هتلر عام 1939. حتى إنه حين بدأ هتلر الغزو في صيف 1941 رفض تصديق ذلك، وخشي من استفزازه، فأمر الجيش بعدم المقاومة. فكانت النتيجة كارثة.
دُمر سلاح الجو السوفيتي وهو على الأرض، وحوصر ملايين الجنود من الجيش الأحمر وأُسروا إلى معسكرات الموت حيث هلك معظمهم.
ونتيجة لذلك توغل الجيش الألماني عميقا في الأراضي السوفيتية دون أن يواجه في البداية أي مقاومة فعالة. وعمت الفوضى بين القادة السوفييت. وأصيب ستالين في البداية بالذعر واختبأ. وكانت أفعاله استسلاما مهينا.
وقد كشف خروتشوف الحقيقة لاحقا حين كتب:
«سيكون من الخطأ أن ننسى أن ستالين، بعد الكارثة والهزيمة الشديدتين الأوليين على الجبهة، ظن أن هذه هي النهاية. فقال في أحد خطاباته في تلك الأيام: كل ما خلقه لينين فقدناه إلى الأبد.»
كان الاتحاد السوفيتي في خطر مميت. لكن الجماهير السوفيتية أظهرت تضحيات خارقة وإرادة هائلة وولاء راسخا لثورة أكتوبر.
كما أثبت النصر المجيد للجيش الأحمر حيوية علاقات الملكية الجديدة التي أرستها ثورة أكتوبر. فبفضل التفوق الهائل للاقتصاد المؤمم المخطط تمكن الاتحاد السوفيتي من النجاة من الكوارث الأولى للحرب وإعادة تنظيم الإنتاج وراء الأورال.
كان الاقتصاد يتعافى بسرعة بحلول 1942. وبحلول 1943 كان السوفييت يتفوقون على العدو في الإنتاج، فينتجون معدات وأسلحة من الطراز الأول، وغالبا أفضل مما كان يستخدمه الألمان والبريطانيون والأمريكيون. وهذا هو سر نجاحهم، ويكذب الادعاء المتكرر بأن الاقتصاد المؤمم المخطط عاجز عن إنتاج سلع عالية الجودة.
فالحقيقة أنه، رغم كل مشاكل الاتحاد السوفيتي في ظل ستالين، تحول اقتصاد متخلف شبه إقطاعي في بضعة عقود قصيرة إلى دولة صناعية حديثة قوية، أثبتت حيويتها بهزيمة قوات ألمانيا الهتلرية في الحرب العالمية الثانية.

في الواقع انتصر الاتحاد السوفيتي على هتلر بمفرده. وكان البريطانيون والأمريكيون مجرد متفرجين في معركة جبارة بين الاتحاد السوفيتي وألمانيا الهتلرية التي كانت قوى إنتاج أوروبا مجتمعة وراءها.
لكن العمال والفلاحين السوفييت هم من كسبوا الحرب، لا بفضل النظام الستاليني بل رغما عنه.
دفع الاتحاد السوفيتي ثمنا باهظا: 27 مليون قتيل، ودمارا شاملا لقوى الإنتاج في رقعة واسعة من أراضيه. ومع ذلك، ورغم الدمار الهائل الذي لحق به، تعافى بسرعة بعد الحرب. واستطاع الاقتصاد المؤمم المخطط أن يصنع ثاني أعظم قوة على الأرض في غضون عقدين.
لماذا انهار الاتحاد السوفيتي؟
حقق الاتحاد السوفيتي معجزات في مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، متغلبا بسرعة على التخلف الشديد الذي ورثه من الماضي.
لكن لا بد من طرح السؤال: بعد كل هذه الإنجازات العظيمة، فشل الاتحاد السوفيتي في النهاية وانهار. فهل فشل لأن الاشتراكية لا يمكن أن تنجح؟
لقد كرر المدافعون عن الرأسمالية هذه الحجة بلا انقطاع لتبرير استمرار وجود نظامهم الاجتماعي الاقتصادي المتهالك المفلس.
لكن هذه الحجة يناقضها كل تاريخ الاتحاد السوفيتي بعد ثورة أكتوبر. فلم يشهد التاريخ قط تحولا هائلا كهذا.
ونجاحات الاقتصاد المخطط لا تقبل التشكيك الجاد. فقد تجلت ببراعة في النجاحات الباهرة للبرنامج الفضائي السوفيتي، الذي أطلق أول قمر صناعي عام 1957، وبعد فترة وجيزة نجح في إرسال أول إنسان إلى الفضاء. وحتى ثمانينيات القرن الماضي أقرت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بأن البرنامج الفضائي السوفيتي متقدم بعقود على نظيره الأمريكي.
ما فشل في الاتحاد السوفيتي لم يكن الاشتراكية، بأي معنى كان ماركس أو لينين سيفهمه، بل كاريكاتيرا بيروقراطيا وحشيا خنق كل مبادرة إبداعية، وألغى في النهاية مزايا الاقتصاد المؤمم المخطط، وبالتالي كان انهيار النظام بأكمله حتميا.
قبضة البيروقراطية الخانقة
أشار تروتسكي إلى أن الاقتصاد المؤمم المخطط يحتاج إلى الديمقراطية كما يحتاج جسم الإنسان إلى الأكسجين.
يعرف كل عامل أنه لا يوجد نقص في سوء الإدارة والتخبط والغش والفساد في الشركات الخاصة. لكن إن بالغت مؤسسة ما في ذلك فإنها ستفلس في النهاية.
أي أن آلية السوق تعمل في ظل الرأسمالية باعتبارها «رقابة» تقريبية. وهي مسرفة ومدمرة للغاية، لكنها تضع حدا للمؤسسات غير المنتجة.
أما في الاقتصاد المؤمم المخطط فلا تنطبق آلية السوق، أو تنطبق في نطاق محدود جدا. والطريقة الوحيدة لكبح الممارسات الفاسدة وغير المنتجة هي المشاركة الواعية والرقابة من الطبقة العاملة نفسها.
ودون المشاركة الفعالة للطبقة العاملة عبر الرقابة العمالية وإدارة الصناعة، سيظل مستوى عدم الكفاءة والفساد وسوء الإدارة البيروقراطي حتما عبئا دائما لا يُحتمل يثقل كاهل التطور اللاحق لقوى الإنتاج.
يمكن للرقابة البيروقراطية أن تنجح لبعض الوقت في اقتصاد بدائي، حيث تعتمد مهام إعادة الإعمار أساسا على بناء الصناعة الثقيلة. وهكذا كان الحال في الاتحاد السوفيتي في ثلاثينيات القرن الماضي.
وحتى في ذلك الوقت كان للتخبط وسوء الإدارة والغش والفساد في القمة بلا شك أثر سلبي، لكنه لم يمنع الاتحاد السوفيتي من تحقيق معدلات نمو عالية خلال الخطط الخمسية الأولى.
لكن مع تطور الاتحاد السوفيتي إلى اقتصاد حديث، حيث تصبح العلاقات بين فروع الإنتاج المختلفة ومهمة الإدارة أكثر تعقيدا وتطورا، دخل الاقتصاد المخطط في صراع متزايد مع قبضة البيروقراطية الخانقة.
وتحول وجود طبقة بيروقراطية متميزة، متحررة من أي رقابة من الأسفل، من قيد نسبي إلى قيد مطلق على تطور قوى الإنتاج.
حين كنت طالبا في جامعة موسكو الحكومية عام 1970، كانت الصحافة السوفيتية تمتلئ كل يوم بتقارير عن أفدح حالات إساءة استخدام الموارد وسوء الإدارة والهدر الهائل الذي كان يمثل استنزافا خطيرا جدا للاقتصاد.
ويتجلى هذا الواقع بوضوح في تباطؤ معدل النمو، من حوالي 20% قبل الحرب العالمية الثانية، إلى 10% بعدها، ثم تراجعه إلى نحو 6% في عهد خروتشوف عام 1960، ثم اقترابه من الصفر في سنوات الركود بعد عشر سنوات.
حيث اتسعت الفجوة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة أكثر فأكثر في سنوات الركود في عهد بريجنيف. لم يعد الاتحاد السوفيتي قادرا على تحقيق نتائج أفضل من الغرب الرأسمالي، حتى من حيث معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي.
وحين بلغ الوضع هذه المرحلة، كفت البيروقراطية عن أداء الدور التقدمي نسبيا الذي أدته في الماضي. وهذا ما حسم مصيرها في النهاية. وكان تيد غرانت الماركسي الوحيد الذي استخلص النتيجة اللازمة من ذلك في حينه. فقد تنبأ بأن سقوط الستالينية حتمي منذ عام 1972.
كل ما هو واقعي عقلاني
بمحض الصدفة، أعمل وقت إعداد هذه المقدمة على كتابة كتاب جديد عن المادية الجدلية.
وعلى خطى لينين، درست بعناية تحفة هيغل الجدلية العظيمة «علم المنطق»، التي نقرأ فيها:
«لكل شيء سببه الكافي.»[4]
فإذا كان شيء ما موجودا فذلك لضرورة. لكن بالمثل، إذا فقد شيء ما «أساسه» فسيزول حتما.

في كتابه لودفيغ فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية، يتناول إنجلز عبارة هيغل: «كل ما هو واقعي عقلاني، وكل ما هو عقلاني واقعي».[5] وهذه العبارة صحيحة بقدر ما، لكنها حين تُؤخذ خارج سياقها وتقدم تبريرا للنظام القائم في كل الأوقات، تصبح أحادية الجانب وبالتالي خاطئة.
وكما يوضح إنجلز:
«والآن، وفقا لهيغل، لا يمكن اعتبار الواقعية بأي حال صفة تُنسب إلى أي وضع اجتماعي أو سياسي معين في جميع الظروف وفي كل الأوقات.»[6]
فحين تكون دولة ما أو مؤسساتها قد استنفدت دورها تفقد «أساسها» ولا يعود لها مبرر للوجود. فالمثال لم يعد يطابق الواقع. وكما قال هيغل:
«إن كليات مثل الدولة والكنيسة تزول حين تنحل وحدة مفهومها وواقعها.»[7]
فالأشياء التي كانت ذات معنى كامل في السابق لم يعد لها أي معنى. ولنقتبس من «فاوست» لغوته: «يصبح العقل لا عقلا».[8]
فالنظرية لم تعد تطابق الممارسة. والكلمات لا تتفق مع الأفعال. وتتهاوى المعتقدات القديمة وتذوب في العدم، ومعها تبدأ أسس الدولة نفسها بالتزعزع.
فما قيمة الأفكار إن لم تتطابق مع الواقع الموضوعي؟ لا يتبقى سوى قشرة فارغة ونفاق وتظاهر، وهذا ما لا بد أن يُكنس.
وهذا بالضبط هو الوضع الذي كان قائما في الاتحاد السوفيتي عشية انهياره. فقد فقدت البيروقراطية الستالينية كل حق في الحكم، واستنفدت كل السلطة التي اغتصبتها من ثورة أكتوبر وحولتها إلى كاريكاتير بيروقراطي، وكان الصرح العفن بأكمله يترنح نحو السقوط.
الخيانة العظمى
كان تروتسكي يأمل أن تُطاح بالستالينية على يد الطبقة العاملة في ثورة سياسية، مع الحفاظ على الاقتصاد المؤمم المخطط. لكنه طرح أيضا احتمال أن تؤدي عملية الثورة المضادة البيروقراطية إلى استعادة الرأسمالية في مرحلة معينة.
وقد قدم القادة الستالينيون القدامى لما يسمى «الحزب الشيوعي» للاتحاد السوفيتي في مرحلته الأخيرة صورة مثيرة للشفقة من التدهور والعجز.
وفي النهاية لم يقف إلى جانبه سوى عصابة من قادة الجيش السكارى، فسقط من بين أصابعهم المرتجفة. لقد انهار صرح يبدو قوياً وصلباً ومتراصاً كبيت من ورق في لحظة الحقيقة، رغم كل قوته العسكرية ونفوذه.
تقع المسؤولية الرئيسية على الستالينيين أنفسهم. وهذه حقيقة يصعب على الستالينيين الحاليين قبولها، لكنها حقيقة مع ذلك.
كيف يمكن تفسير انهيار الاتحاد السوفيتي والخيانة الوحشية من جميع قادة ما يسمى الحزب الشيوعي تقريبا؟
هل أصيبوا جميعا فجأة بخلل عقلي غامض حولهم في لحظة إلى عصابة مضادة للثورة، مستعدة لخيانة كل ما تدعي الدفاع عنه؟
إن أفكارا كهذه، تقترب من الغيبية، لا علاقة لها بالمنهج العلمي للماركسية، الذي يستند إلى الوقائع لا إلى الخيالات المريحة.
كلا! لم يكن هذا خللا مفاجئا، بل النتيجة الحتمية لعقود من التراجع وخيانة الأفكار اللينينية الأصيلة للبلشفية، والتي انتهت حتما إلى الانحطاط الكامل للستالينيين الروس. وكان لذلك بدوره أساس مادي.
فقد اعتمدت الزمرة المتضخمة من الملايين من الموظفين، مع زوجاتهم وأطفالهم وأتباعهم، على الاقتصاد المؤمم المخطط ما دام مصدر ثروتهم وامتيازاتهم.
لكن حين لم يعد ذلك مضمونا بحثوا حتما عن بديل. وكما تنبأ تروتسكي، فإن البيروقراطية، حفاظا على امتيازاتها، «يجب حتما في المراحل المقبلة أن تبحث عن دعم لنفسها في علاقات الملكية [الرأسمالية]».[9] وقد أثبت التاريخ أنه كان محقا.
وكما تنبأ تروتسكي تماما، لم تكتفِ البيروقراطية بالثروة الهائلة والامتيازات التي حصلت عليها بنهب الدولة السوفيتية.
فرجال مثل بوريس يلتسين وإدوارد شيڤرنادزه، الذين مجدوا الاشتراكية والشيوعية عقودا وشغلوا مناصب قيادية في ما يسمى الحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي، أصبحوا فورا معتنقين متحمسين للرأسمالية.
وانتقلوا إلى معسكر استعادة الرأسمالية، محولين أنفسهم من زمرة طفيلية إلى طبقة سائدة دون أن يرف لهم جفن. ولم يشمل ذلك الشريحة الإدارية والذين أصبحوا مليارديرات فحسب، بل أيضا غالبية قمة الجيش والشرطة وبيروقراطية الدولة.
إن المشهد المقزز لقادة الحزب الشيوعي القدامى ومديريه ومسؤوليه وهم يتحولون فجأة إلى رواد أعمال» رأسماليين، بنفس السهولة التي ينتقل بها رجل من مقصورة قطار إلى أخرى، يُظهر إلى أي مدى كان النظام الستاليني بعيدا عن الاشتراكية الحقيقية.
وهذا تعليق مدمر على عفن البيروقراطية الستالينية. لكن الستالينيين اليوم يتجاوزون كل ذلك بصمت محرج. وهذا الصمت ليس سوى قناع منافق لإخفاء تواطئهم في جريمة تاريخية وحشية.
دور الحزب الشيوعي للاتحاد الروسي (CPRF)
تخبرنا قوانين الميكانيكا أن لكل فعل رد فعل مساويا له في القوة ومعاكسا له في الاتجاه. وينطبق القانون نفسه على المجتمع والصراع الطبقي.
ومع تزايد وضوح حقائق همجية الطبقية، حدث رد فعل حتمي ضد النظام الجديد القائم على السرقة الشاملة لممتلكات الدولة على يد عصابة جشعة من الأوليغارشيين الطفيليين.
خلال أزمة 1998، فقدت شرائح واسعة من البرجوازية الصغيرة وظائفها ومصدر رزقها، وأخذت تتحول ضد الرأسمالية. وحدثت إضرابات واحتجاجات جماهيرية للعمال. ولو كان «الحزب الشيوعي» يريد قيادة حركة للعودة إلى الاقتصاد المؤمم المخطط لكانت تلك هي اللحظة المناسبة.
وكان يمكن أن يكون ذلك أساسا لمعارضة شيوعية قوية في روسيا، تؤدي إلى الإطاحة بالنظام الجديد البغيض. لكن ذلك لم يحدث.
لا يكمن السبب في الطبقة العاملة الروسية، بل في العفن الكامل للقادة الستالينيين لما يسمى الحزب الشيوعي.
فقد ظل الحزب قوة كبيرة ذات قاعدة جماهيرية. لكن بدلا من تعبئة الطبقة العاملة ضد استعادة الرأسمالية، أمضى زيوغانوف والقادة الآخرون كل وقتهم في المناورة والتآمر مع النخبة الحاكمة والأوليغارشية.

وقصروا نشاط الحزب طوال الوقت على أسوأ أنواع البرلمانية. فنوابه مهتمين بالحفاظ على مناصبهم ورواتبهم وامتيازاتهم أكثر من النضال من أجل الطبقة العاملة.
لم يبذل زيوغانوف وقادة الحزب أي محاولة لدعم إعادة التأميم. فلكي يخوضوا نضالا جادا ضد استعادة الرأسمالية كان عليهم تعبئة العمال.
لكن هؤلاء «الشيوعيين» المزعومين كانوا مرعوبين من أي حركة للطبقة العاملة. وأظهروا أنهم عاجزون حتى عن النضال من أجل العودة إلى النظام البيروقراطي القديم، وهو ما كان معظم الناس سيؤيدونه على الأرجح في ذلك الوقت. لقد عقدوا سلامهم مع الرأسمالية.
في ذلك الوقت كان تيد غرانت مقتنعا بأنه من الممكن أن يحدث مثل هذا التراجع، وأن التحرك نحو الرأسمالية يمكن إيقافه. لكنه قلل كثيرا من درجة انحطاط أولئك القادة.
وأتذكر جيدا كيف كان تيد يدخل المكتب صباحا حاملا نسخة من صحيفة «مورنينغ ستار»، صحيفة الحزب الشيوعي البريطاني اليومية، وبالكاد يستطيع كبح ذهوله وسخطه من سلوك قادة الحزب الشيوعي الروسي. كان يصيح: «هذا لا يصدق! انظروا ماذا يفعلون!».
لكنه لم يكن غير قابل للتصديق إطلاقا، بل كان مجرد النتيجة الحتمية لعقود من الانحطاط والتراجع والتخلي المنهجي عن كل مبدأ وفكرة من أفكار لينين.
مرت اللحظة الحاسمة للعمل الحازم. وبدأ الاقتصاد يتعافى من الانهيار. ولأن الجماهير لم تجد بديلاً، عادت وغرقت في حالة من السلبية، وتمكن نظام بوتين من ترسيخ نفسه.
التروتسكية الروسية
توقع تروتسكي في ثلاثينيات القرن الماضي أن تعبر أزمة الستالينية عن نفسها باستقطاب بين الجناح المؤيد للرأسمالية علنا في البيروقراطية، الذي سماه فصيل بوتينكو، وجناح يساري سماه فصيل رايس (نسبة إلى إغناس رايس، ضابط في الشرطة الداخلية والسرية الروسية قطع علاقته بستالين وأعلن ولاءه لتروتسكي قبل أن يُغتال).
وقبيل انهيار الاتحاد السوفيتي، ظهر بوضوح متزايد وجود تيار قوي مؤيد للرأسمالية في الصفوف العليا للبيروقراطية، وجد ناطقه الرئيسي في شخص بوريس يلتسين.
لكن لا يمكن الحديث عن أي شيء يشبه فصيل رايس، رغم وجود بعض الحالات المعزولة لأشخاص كانوا يسمون أنفسهم أحيانا (دون أساس حقيقي كبير) «تروتسكيين».
أثرت ثلاثة أجيال من الستالينية في وعي الطبقة العاملة. ونتيجة لذلك جاءت الأمور مختلفة عما توقعنا.
فقد نجح ستالين، أكثر مما كان يتوقع، في تدمير آخر بقايا التقليد الحقيقي للبلشفية. ونتيجة للارتباك العام، وجدت أعداد صغيرة من الشباب المتعاطفين مع التروتسكية صعوبة في تكوين فكرة واضحة عما دافع عنه تروتسكي حقا.
بالطبع كان هناك عدد كبير من الشباب يسعون بإخلاص إلى استعادة التقاليد الحقيقية للبلشفية واللينينية. لكن المجموعات التروتسكية، الصغيرة العدد والمرتبكة أيديولوجيا، تأثرت كثيرا بأفكار وأساليب أناركية.
وكانت السمة الأبرز لكثير من هذه المجموعات في روسيا هي العداء العميق للستالينية، الذي يقترب من الكراهية الصريحة. قد يكون ذلك مفهوما بالنظر إلى التاريخ الطويل لجرائم ستالين. لكن تروتسكي نفسه أصر دائما على أن يحاول أتباعه بكل الوسائل الاقتراب من العمال والشباب الشيوعيين الواقعين تحت تأثير الستالينية.
وكان دائما معارضا للخطاب الهستيري للعصبويين اليساريين المتطرفين. وكان شعار تروتسكي دائما شعار لينين: اشرح بصبر.

في الفترة التي نتحدث عنها، كان هناك عدد من الأحزاب الستالينية التي نشأت نتيجة انشقاقات عديدة في الحزب الشيوعي للاتحاد الروسي. وتوجه كثير من العمال والشباب، الباحثين عن تنظيم كفاحي لقيادة النضال، بشكل طبيعي إلى التنظيمات الشيوعية التي كانت لها قاعدة معينة في الطبقة العاملة.
والجماهير عموما لا تفهم التنظيمات الصغيرة. ولم تكن العصب التروتسكية الصغيرة جدا تستطيع تقديم بديل جاد، حتى لو لاحظ هؤلاء العمال والشباب وجودها.
في ظل هذه الظروف، لا شك أن تروتسكي لو كان حيا لأصر على أن يعرض أتباعه في روسيا جبهة متحدة على الستالينيين لنضال مشترك ضد استعادة الرأسمالية.
وكانت هناك آفاق جيدة، شرط أن يعمل التروتسكيون بشكل صحيح ولا يرتكبوا أخطاء كثيرة. لكنهم للأسف ارتكبوا كل خطأ يمكن تخيله، وأخطاء كثيرة لا يمكن تخيلها.
أتذكر حادثة تركتني مذهولا تماما. كانت هناك مظاهرة ستالينية كبيرة في سانت بطرسبرغ. كان ذلك حين كانت الثورة المضادة الرأسمالية في أوجها. لكن المجموعة الصغيرة من التروتسكيين الموجودة في سانت بطرسبرغ قررت الحضور إلى هذه المظاهرة بلافتة ضخمة تحمل الشعار: “ستالين هو حفار قبر الثورة الاشتراكية”.
ومهما كان رأي المرء في مضمون هذا الشعار، فلا بد من الاعتراف بأنه لم يكن أفضل طريقة لإقامة علاقات رفاقية مع قاعدة حزب ستاليني!
وللأسف كان هذا النوع من الأفعال شائعا جدا من جانب كثيرين ممن عرفوا أنفسهم زورا بأنهم أتباع تروتسكي.
ولنتأمل تماثلا ممكنا. تخيلوا أن أنصار لاهوت التحرير دعوا إلى مظاهرة احتجاجا على قتل العمال والفلاحين والكهنة اليساريين، فحضرنا بلافتة تعلن: الدين أفيون الشعوب.
بتصرف هكذا سنضمن أن نُعزل تماما عن قاعدة الحركة. ولا علاقة لهذه الأساليب بأساليب ليون تروتسكي والبلشفية اللينينية الحقيقية.
لا يفعل «التروتسكيون» المزعومون بهذه الوسائل سوى الإساءة إلى فكرة التروتسكية ذاتها، ويضمنون أن يبقوا إلى الأبد معزولين كعصب لا أهمية لها.
من الضروري أن يعمل أتباع تروتسكي الحقيقيون بصبر لإقناع القاعدة العادية في التنظيمات الشيوعية بأن التروتسكية مرادفة للبلشفية، وبأن من حقنا تماما أن نُعتبر تيارا أصيلا في الحركة الشيوعية.
نهاية التاريخ؟
أثار سقوط جدار برلين وانهيار الستالينية في روسيا وأوروبا الشرقية موجة من النشوة في الغرب.
واعتقد أعداء الشيوعية أنهم نجحوا في طرد أشباح أكتوبر. وبدا انهيار الاتحاد السوفيتي وكأنه يؤكد شكوكهم في أن الشيوعية ماتت ودُفنت. قالوا مبتهجين: «انتهت الحرب الباردة، وقد ربحناها».
وفي نشوة أوهام النجاح، تحدث المدافعون عن الرأسمالية عن نهاية الشيوعية ونهاية الاشتراكية، بل تحدث فرانسيس فوكوياما عن «نهاية التاريخ». لكن لا يمكن التخلص من التاريخ بهذه السهولة.
فالأزمة التي تضرب الاقتصاد العالمي بأسره الآن هزت النظام الرأسمالي من أسسه.
وكان القادة السوفييت يتحدثون عن الاشتراكية والشيوعية بالطريقة نفسها التي يتحدث بها الرأسماليون ومبرروهم الآن عن الديمقراطية. لكن هذه الكلمة تبدو فارغة وبلا معنى بشكل متزايد. لم يعد أحد يصدقها.
إن طبقة المليارديرات تحدق في مستقبلها كما في مرآة. فمثل الاتحاد السوفيتي عشية انهياره، يجد النظام الرأسمالي نفسه في أزمة وجودية، قشرة فارغة خالية من أي مضمون حقيقي، فقدت منذ زمن بعيد أي سبب لاستمرار وجودها، وهي محكوم عليها بأن تُكنس إلى مزبلة التاريخ.
إفلاس «اليسار»
من المفارقات العميقة أنه خلال أعمق أزمة منذ 200 عام، تخلت أحزاب «اليسار» المزعومة تماما عن الاشتراكية وتتشبث بأذيال البرجوازية.
فالإصلاحيون وبيروقراطيو النقابات يخافون من النضال الثوري للطبقة العاملة كما يخاف الشيطان من الماء المقدس. وينطبق هذا أيضا (وربما أكثر) على بعض «اليساريين» الذين يختبئون خلف عبارات اشتراكية راديكالية أو حتى شيوعية، لكنهم في الواقع لا يمثلون سوى الجناح الأيسر لتيار بيروقراطي محافظ في الحركة العمالية.
وكرههم «للتروتسكية» لا يحركه خوفهم على مناصبهم ووظائفهم ورواتبهم فحسب، بل أيضا عجزهم عن الرد على الماركسيين بالحجج السياسية. وكما هو الحال دائما، يكره الرجل ذو الأفكار المشوشة الرجل ذا الرأس الصافي.
والأمور أسوأ مع «الشيوعيين» السابقين الذين ألقوا بأفكار لينين والماركسية في البحر واستسلموا لأحزاب الطبقة السائدة.
فتحت ستار «الجبهة الشعبية» و«أهون الشرين» يحاولون إيقاع الطبقة العاملة في تحالف تعاون طبقي مع أعدائها، الليبراليين البرجوازيين. وكانت النتيجة واحدة في كل مكان: الهزيمة والإحباط.
وتتبع الأحزاب الشيوعية الستالينية السياسة الخاطئة نفسها تحت لافتة «عالم متعدد الأقطاب»، التي تحاول بها إخضاع الطبقة العاملة العالمية لمناورات هذه المجموعة أو تلك من الدول الإمبريالية.
وهي بذلك تكشف عن انعدام تام لثقتها بالطبقة العاملة، وتشككها السام، وتخليها التام عن النضال الثوري من أجل الاشتراكية. فقد كان الستالينيون القدامى على الأقل كاريكاتير للأصل الحقيقي. أما الآن فهم مجرد نسخة باهتة من الإصلاحية.
إرث لا يُقدر بثمن
اليوم، وبعد أكثر من ثلاثين عاما على «موت» الشيوعية الذي احتفى به كثيرا، يضخ ممثلي البرجوازية في السياسة والصحافة والأوساط الأكاديمية سيلا من الدعاية المعادية للشيوعية. والسبب ليس صعب الفهم. فالأزمة العالمية للرأسمالية تولد تساؤلا عاما حول النظام القائم.
هناك إحياء للاهتمام بفكرة الشيوعية يثير قلق البرجوازية. وحملة الافتراءات الجديدة ليست انعكاسا للثقة بل للخوف.
يدخل جيل جديد طريق الصراع الطبقي، ويتجه غريزيا نحو الشيوعية بحثا عن الطريق إلى الأمام. وهذه حقيقة ذات أهمية تقدمية هائلة.
وأمام هذا الجيل الجديد من المناضلين، تقدم أفكار ماركس وإنجلز ولينين وتروتسكي إرثا لا يُقدر بثمن: دليلا وبوصلة سوف يحتاجون إليها ليجدوا طريقهم إلى الدرب المؤدي إلى الاشتراكية، الدرب الثوري.
وآمل أن يمدهم نشر هذا الكتاب بالذخيرة الأيديولوجية التي يحتاجونها لمواصلة النضال حتى النصر النهائي.
لندن، 1 يوليو 2026
ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:
Lenin and Trotsky: ideas for a new generation of fighters
المراجع:
[1] VI Lenin, ‘Letter to the Congress’, Lenin Collected Works, Vol. 36, Progress Publishers, 1977, p. 595.
[2] Ibid., p. 594.
[3] Trotsky, Stalin, Wellred Books, 2016, p. 692.
[4] GWF Hegel, Science of Logic, George Allen and Unwin, 1929, p. 73.
[5] Engels, Ludwig Feuerbach and the End of German Classical Philosophy, Progress Publishers, 1973, p. 12.
[6] Ibid., p. 13.
[7] Hegel, Science of Logic, p. 397.
[8] JW Goethe, Faust, Reclam, 2023, p. 55, our translation.
[9] Trotsky, The Revolution Betrayed, Wellred Books, 2022, p. 182.
ماركسي موقع الأممية الشيوعية الثورية الناطق بالعربية