ما تزال نظرية الثورة الدائمة، التي وضعها ليون تروتسكي في القرن العشرين، من أهم الأفكار وأكثرها تعرضا لسوء الفهم في التراث الماركسي. في هذه المقالة، يتعمق الرفيق جو أتارد في أصول أفكار تروتسكي، وكيف تشكلت بفعل أحداث ثورة 1905 في روسيا.

[نُشر هذ المقال في الأصل ضمن العدد 51 من مجلة “الدفاع عن الماركسية” – وهي مجلة نظرية فصلية تصدرها الأممية الشيوعية الثورية. احصل على نسختك من هنا]
انفجرت الثورة الروسية عام 1905 كقنبلة مدوية، وبددت كل الشكوك حول الإمكانات الكفاحية للجماهير الروسية الكادحة، التي كانت ترزح تحت وطأة الاستبداد القيصري. ورغم أن العمال سُحقوا في نهاية المطاف بعد عام من الصراع المفتوح مع القيصرية، فإنهم وضعوا الأسس لمعارك أعظم قادمة.
كان ليون تروتسكي هو الوحيد تقريبا الذي أدرك الأهمية الحقيقية لثورة عام 1905، والتي سرعت تبلور الأفكار التي كان قد بدأ بتطويرها بالفعل لتصبح أعظم إسهاماته النظرية: الثورة الدائمة.
ثمة علاقة ديالكتيكية بين الأفراد والأفكار والأحداث. انخرط ليف دافيدوفيتش برونشتاين (الاسم الحقيقي لـ”ليون تروتسكي”) في النشاط الثوري في سن المراهقة. لكن شخصية “تروتسكي” الناضجة لم تتبلور إلا بعد ثورة 1905، والتي قاد خلالها شخصيا سوفييت سان بيترسبورغ.
كان عام 1905 أيضا هو العام الذي دخلت خلاله الطبقة العاملة الروسية الشابة بشكل حاسم إلى مسرح التاريخ. وبمعنى ما فقد حقق تروتسكي والبروليتاريا الروسية قفزتهما الكبرى الأولى معا. بعد اثنتي عشرة سنة، عادت السيرورة التي أطلقتها “الثورة التمهيدية” لتنطلق من مستوى أعلى.
وكما كتب تروتسكي لاحقا فإنه:
“في عام 1905، كانت الطبقة العاملة ما تزال أضعف من أن تستولي على السلطة؛ لكن الأحداث اللاحقة أجبرتها على اكتساب النضج والقوة. […] لقد وصلت البروليتاريا إلى السلطة عام 1917 مستفيدة من الخبرة التي اكتسبها جيلها الأكبر سنا عام 1905”[1].
ليف برونشتاين
نظرية الثورة الدائمة لم تنبثق ببساطة من ذهن تروتسكي عام 1905، بل تأثرت بتجاربه الحياتية والظروف الموضوعية المحيطة به.
وُلد ليف برونشتاين عام 1879 لعائلة من المزارعين اليهود الميسورين في قرية يانوفكا الأوكرانية (التي كانت آنذاك جزءا من الإمبراطورية الروسية، والتي تسمى اليوم بيريسلافكا). كان الريف الروسي بيئة قاسية، حيث كانت عائلة برونشتاين تُصنّف ضمن “الشريحة المتوسطة”. شهد ليف بأم عينيه قسوة الحياة الريفية، وتعاطف مع جماهير الفلاحين المضطهَدة. كما أنه اكتسب، في الوقت نفسه، تقييما موضوعيا وغير رومانسي للفلاحين. وتلقى تعليمه في مدينة أوديسا وفقا للمناهج الأوروبية الحديثة، مما أبرز التخلف المريع ليانوفكا، وفتح آفاقه على عالم أوسع.
لم تكن لليف في صغره آراء سياسية تُذكر، باستثناء نفور مبهم من القيصرية. ويعود ذلك جزئيا إلى غياب أي مرجعية سياسية، إذ كانت ثمانينيات القرن التاسع عشر فترة ردة رجعية. ومع ذلك فإن الحكم الاستبدادي كان قد صار قيدا هائلا على تطور المجتمع، وأصبحت أيامه معدودة.
لم يشهد الإنتاج الزراعي أي تطور يُذكر منذ العصور الوسطى، وكان قد دخل في أزمة عميقة نتيجة ضغط السوق العالمية التي لم يستطع المنافسة فيها. ورغم أن الفلاحين كانوا قد تحرروا رسميا من نظام القنانة عام 1861، فإنهم استمروا في التعرض للنهب من قبل كبار ملاك الأراضي. وبينما كان القرن التاسع عشر يقترب من نهايته شهدت انتفاضات الأرياف ارتفاعا في عددها وقوتها. ودفع تأثير المنافسة والاستثمارات من طرف الاقتصادات الأكثر تقدما إلى حدوث تصنيع سريع، مع هجرة جماعية من الأرياف إلى المدن، مما أدى إلى ظهور بروليتاريا حضرية واسعة.
وخلال تسعينيات القرن التاسع عشر تسببت كل تلك التطورات، بالإضافة إلى نقص المحاصيل وانتشار المجاعة، في جعل المجتمع يغلي. وكتب تروتسكي لاحقا: “يمثل عام 1891 […] التاريخ الرسمي لنقطة التحول السياسي في البلاد”[2].
وإلى جانب الاضطرابات في الأرياف ومطالبات المثقفين الليبراليين بالإصلاح الديمقراطي، كانت الطبقة العاملة الروسية الشابة قد بدأت تعلن عن نفسها بموجة من الإضرابات منذ منتصف ذلك العقد.
مع وفاة ألكسندر الثالث عام 1894، تبددت آمال الليبراليين في القيصر الجديد نيكولا الثاني عندما أكد تمسكه بعقيدة “الأرثوذكسية، والحكم الأوتوقراطي، والقومية”، ورفض التطلعات الديمقراطية ووصفها بأنها “أوهام لا معنى لها”[3].
في ذلك الوقت كان ليف برونشتاين يعيش في أوديسا، والتي هي مدينة ساحلية نابضة بالحياة، ذات طابع عمالي، وجو نضالي. كانت الأحداث تؤثر في ذلك المراهق الألمعي، وإن لم يكن ذلك التأثير يسير في خط مستقيم. فبعد فترة وجيزة من النزعة المحافظة، اتجه نحو نزعة يسارية متطرفة. وفي عام 1896، انتقل إلى بلدة نيكولايف الساحلية، حيث بدأ نشاطه السياسي. ترك دراسته في العام التالي، وعاش في مسكن جماعي بائس بين مجموعة صغيرة من الطلاب النارودنيين (حركة شعبوية كانت تنظر إلى الفلاحين باعتبارهم المؤهلين لقيادة الثورة).
لم ينجذب ليف إلى الماركسية الروسية، التي وصفها بأنها “ظلت أسيرة المزاج المحافظ في ثمانينيات القرن التاسع عشر […] كانت تؤجل الثورة إلى أجل غير مسمى، وتميل عموما إلى اعتبار الاشتراكية مهمة مؤجلة إلى قرون من التطور التدريجي”[4]. استخدمت المجموعة التي كانت تسمى بالماركسيين الشرعيين، بقيادة بيتر ستروف، لغة شبه ماركسية للدفاع عن الرأسمالية الروسية وتشجيعها، مفضلين المساومة على الصراع الطبقي. ولاقت تلك الأفكار رواجا بين المثقفين الليبراليين، وتوافق مع نظرتهم الطبقية.
كانت أولى محاولات ليف في الكتابة السياسية مقالا ضد الماركسية، رفضته مجلة شعبوية (أي نارودنية) في أوديسا.

استمر نمو البروليتاريا الروسية بوتيرة متسارعة. تضخم عدد سكان المدن بنسبة 97% بين عامي 1863 و1897. وانتشرت المصانع الكبرى، بما في ذلك مصنعان في نيكولايف كانا يشغلان 8000 عامل مجتمعين.
في نهاية عام 1895، رفض طلاب سان بيترسبورغ وموسكو وكييف، بشكل جماعي، أداء قسم الولاء للقيصر الجديد. وتصاعدت حدة الإضرابات وازدادت راديكالية. وبلغت ذروتها بعد تتويج نيكولا الثاني سنة 1896، عندما أدى تدافع تسببت فيه الشرطة في مقتل وإصابة الآلاف. وردا على ذلك، اندلع إضراب في سان بيترسبورغ شارك فيه 30 ألف عامل، وكان الأكبر في تاريخ روسيا. كانت الأفكار الراديكالية تنتشر بسرعة بين المثقفين وجزء من الطبقة العاملة.
كان اتحاد النضال من أجل تحرر الطبقة العاملة، الذي أسسه لينين ويوليوس مارتوف وبليخانوف وألكسندر بوتريسوف، قد بدأ يكتسب حلقة صغيرة من الأنصار. كان ذلك الأمر مجهولا بالنسبة لليف برونشتاين، الذي ساعد في تأسيس مجموعة صغيرة تُدعى اتحاد عمال جنوب روسيا، على أسس ذات طابع “اشتراكي ديمقراطي” (أي ماركسي)، مما يظهر مساره أمام التأثير المتزايد للطبقة العاملة. تعرضت المنظمة لضربة ساحقة بفعل الاعتقالات التي طالتها سنة 1898، وحُكم على ليف بالنفي إلى سيبيريا لمدة أربع سنوات.
ليون تروتسكي
خلال فترة ستة أشهر قضاها في سجن ترحيل بموسكو، كرس ليف أخيرا نفسه لدراسة جدية للماركسية، بما في ذلك كتاب “المنظور الواحدي للتاريخ” (The Monist View of History)، لجورجي بليخانوف، وكتاب لينين الجديد “تطور الرأسمالية في روسيا”. وبحلول الوقت الذي وصل فيه ليف وزوجته ألكسندرا لفوفنا وابنتهما الرضيعة إلى قرية إيركوتسك الريفية الموبوءة بالبعوض في سيبيريا سنة 1900، “كانت الماركسية قد أصبحت بلا شك أساس فلسفته”[5].
قال لاحقا إن هجومه على الماركسية صقل فهمه لها في نهاية المطاف: “لا يدوم إلا ما يُكتسب بالنضال”[6]. وفور وصوله إلى إيركوتسك، بدأ على الفور بكتابة مقالات ثورية تحت اسم مستعار “أنتيد أوتو”، مستوحى من قاموس إيطالي، مع تعليق ساخر مفاده أنه يريد أن يكون “الترياق الماركسي” ضد الصحافة البرجوازية.
ومع ازدياد الإضرابات والاحتجاجات الطلابية والاعتقالات، نما مجتمع المنفيين الراديكاليين. شكّل ذلك بيئة مهمة للتوضيح السياسي، حيث ناضل ليف ضد الأفكار اللاسلطوية والإصلاحية وأفكار الإرهاب الفردي. وتوصل، بشكل مستقل، إلى نفس استنتاج لينين حول ضرورة بناء حزب من الثوريين المحترفين، وعرض حججه في مقال أثار جدلا واسعا في سيبيريا.
عندما علم ليف بصحيفة “إيسكرا” -الصحيفة الروسية الجديدة التي يرأسها لينين- وحصل على نسخة من كراسه “ما العمل؟”، قرر، بدعم من زوجته، ضرورة التواصل مع مجموعة لينين وبليخانوف. وباستخدام جواز سفر مزور باسم تروتسكي (اسم سجان في أوديسا) فرّ متخفيا تحت المعاطف في عربة فلاحين. ثم أمضى بعض الوقت مع أنصار “إيسكرا” المحليين في سامارا، يكتب تحت اسم “بيرو” (القلم): دلالة على غزارة إنتاجه.
عام 1903 سافر تروتسكي، كما صار يُعرف آنذاك، عبر النمسا إلى لندن، حيث كان لينين يعيش في المنفى. وقد أثار الشاب الموهوب القادم من سيبيريا إعجاب لينين، الذي دعا إلى ضمه إلى هيئة تحرير صحيفة “إيسكرا”. عارض بليخانوف ذلك الاقتراح بشدة. كان الأب الروحي للماركسية الروسية قد بدأ يشعر في ذلك الوقت بأن الأحداث تتجاوزه، ودفعه شعوره بعدم الأمان إلى العدوانية. كان ينظر إلى الثوري الشاب النشيط القادم من سيبيريا كتهديد.
في تلك الأثناء، أقام تروتسكي في لندن مع مارتوف وفيرا زاسوليتش، وأصبح مقربا منهما. كان هذان الزعيمان المنشفيان المستقبليان، قد بدءا يُظهران حتى في عام 1903، علامات على اللين تجاه الليبراليين والانتهازيين البرجوازيين الصغار الذين يدورون في فلك الماركسيين الروس.
لقد أريق الكثير من الحبر عن المؤتمر الثاني لحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي [7]عام 1903. ونحن لا نعتزم الخوض في تفاصيل ذلك الحدث، لكن تروتسكي انتهى به الأمر إلى معارضة لينين بشأن مسألة عضوية الحزب، واقتراحه بإقصاء “القادة القدامى” الخاملين من هيئة تحرير صحيفة “إيسكرا”.
ورغم محاولات لينين الدؤوبة لشرح وجهة نظره في المؤتمر، فإن تروتسكي لم يقتنع، وهو ما عزاه لاحقا إلى سذاجة شبابه (كان يبلغ من العمر 23 عاما آنذاك)، فضلا عن قربه الشخصي من مارتوف وزاسوليتش وأكسلرود، الذين كانوا جميعا قادة الأقلية (“المناشفة” بالروسية). لكنه أقر لاحقا بأن ما اعتبره في البداية استيلاء دكتاتوريا على السلطة لم يكن سوى خطوة ضرورية من جانب لينين لصهر الماركسيين الروس في حزب موحد ومنضبط من الثوريين المحترفين.
بعد المؤتمر، شنّ تروتسكي عدة هجمات لاذعة على لينين، مما أدى إلى ابتعاده عن صفوف الأغلبية (البلاشفة). ورغم أن تروتسكي قد انحاز إلى المناشفة في المؤتمر الثاني، فإنه كان دائما أقرب إلى لينين بخصوص نقطة الخلاف الجوهرية بين الفصيلين، ألا وهي موقفهم من الليبراليين، الذين قال تروتسكي (محقا) إنهم يخشون العمال والفلاحين الروس أكثر من خشيتهم من القيصر.
في مارس، رفضت هيئة تحرير صحيفة “إيسكرا”، التي صارت خاضعة لسيطرة المناشفة، نشر مقال تروتسكي عن الحرب الروسية اليابانية، والذي شن فيه هجوما لاذعا على الليبرالية الروسية. انفصل تروتسكي رسميا عن المناشفة في شتنبر عبر “رسالة مفتوحة إلى الرفاق”، أرسلها إلى صحيفة “إيسكرا” للنشر، لكنها لم تُنشر قط. وبقي خارج كلا الفصيلين (اللذين انفصلا كحزبين مستقلين عام 1912) حتى عام 1917.
وبينما أقرّ بخطئه في معارضة لينين في المؤتمر الثاني، فقد عبّر لاحقا عن عدم ندمه على ذلك، ولا على فترة ابتعاده عن لينين التي تلت ذلك.
كتب قائلا:
“لقد جئت إلى لينين للمرة الثانية متأخرا عن كثيرين غيري، لكنني جئت بطريقتي الخاصة، بعد أن خضت غمار تجربة الثورة والثورة المضادة والحرب الإمبريالية، وتأملت فيها مليا. ونتيجة لذلك فقد جئت أكثر يقينا وجدية من أولئك “الأتباع” الذين رددوا، خلال حياة المعلم، كلماته وإيماءاته -ليس دائما في الوقت المناسب- لكنهم ظهروا، بعد وفاته، على أنهم ليسوا سوى أتباع عاجزين وأدوات غير واعية في أيدي قوى معادية”[8].
حدود الليبراليين
الانقسامات بين “المتشددين” و”اللينين”، كما كان يُطلق على البلاشفة والمناشفة، لم تزد إلا اتساعا مع تسارع الأحداث. اندلع إضراب قويٌ في روستوف في نوفمبر 1902، واجتاحت موجة من الإضرابات جنوب روسيا بالتزامن مع انعقاد المؤتمر الثاني للحزب.
ازدادت الاضطرابات الاجتماعية حدة مع اندلاع الحرب الروسية اليابانية، التي سرعان ما تحولت إلى كارثة مذلة لروسيا القيصرية. أدت الحرب إلى حدوث تحول هائل في الوعي، كما لاحظ تروتسكي في مقال رائع عام 1904:
“الجماهير، التي كانت غير متطورة سياسيا بالأمس، صارت تواجه اليوم أحداثا هائلة. يجب عليها أن تسعى لفهمها. لقد تسبب طول أمد الحرب في ظهور رغبة في التفكير، وفي التساؤل عن معنى كل ذلك. وهكذا، فإن الحرب، بينما أعاقت لفترة من الزمن المبادرة الثورية لآلاف الناس، فقد أيقظت الفكر السياسي للملايين”[9].
بدأ الليبراليون بتنظيم أنفسهم في مجالس الزيمستفو (المجالس المحلية) للمطالبة بالإصلاح السياسي، وأطلقوا سلسلة من الاجتماعات السياسية تحت ستار “مآدب” للالتفاف على القيود القيصرية المفروضة على حق التجمع.

في يوليو، تعرض وزير الداخلية بليفه، الذي كان قد حظر مجالس الزيمستفو، للاغتيال. فقام خليفته، سفاتوبولك ميرسكي، بالسماح لمجالس الزيمستفو بعقد مؤتمر وطني في نوفمبر 1904 كصمام أمان لمزاج المعارضة لدى المثقفين.
صاغ ذلك المؤتمر قائمة تضم 11 مطلبا، من بينها حرية التعبير، وحرية التجمع، وبرلمان، إلا أنه توقف بخنوع قبل المطالبة بدستور. أثار ذلك التطور حماس المناشفة، انطلاقا من منظورهم الميكانيكي القائل بأن البرجوازية الليبرالية هي من سيطيح بالنظام القيصري وتضع أسس دولة ديمقراطية برجوازية، والتي من المفترض أنها الخطوة التالية في التطور السياسي لروسيا.
في خريف سنة 1904 امتنعت صحيفة “إيسكرا” عن نشر سلسلة مقالات لتروتسكي، نُشرت لاحقا في كتيب بعنوان “حتى التاسع من يناير”، التي هاجم فيها بشدة كلا من مجالس الزيمستفو الليبرالية والماركسيين الشرعيين على حد سواء، لاقتصارهم على تقديم توسلات خاضعة للقيصر من أجل الحقوق الديمقراطية. وأكد أن الحكم الاستبدادي لا يمكنه أن يتعايش، ولن يتعايش، مع الديمقراطية، وأن أي تنازلات تُمنح اليوم ستُنتزع غدا. واستنادا إلى موجة الإضرابات الأخيرة، جادل تروتسكي بأن الطبقة العاملة، وليس مجالس الزيمستفو، هي من ستُطلق تلك الثورة الديمقراطية وتقودها، جاذبة وراءها الفلاحين الفقراء وقسما من المثقفين الراديكاليين:
“يجب على الطليعة القيادية أن تُوقظ كل شرائح المجتمع، وأن تُرسخ وجودها في كل مكان، وأن تُثير مباشرة قضايا النضال السياسي. عليها أن تُطلق النداء، وأن تفضح منافقي الديمقراطية. عليها أن تكشف كلا من الديمقراطيين والليبراليين. عليها أن توقظ، وتناشد، وتفضح، وأن تُطالب مرارا وتكرارا بإجابة على سؤال: “ماذا بعد؟”. ودون أن تتراجع أبدا، عليها أن تُجبر الليبراليين الشرعيين على الاعتراف بعجزهم؛ عليها أن تفصل أي عناصر ديمقراطية عن الليبراليين وتُوجهها نحو الثورة”[10].
يتشابه هذا الموقف مع ما كان لينين قد طرحه قبل عقد من الزمن في كتابه “من هم “أصدقاء الشعب” وكيف يحاربون الاشتراكيين الديمقراطيين”. لكن تروتسكي كان قد ذهب أبعد من ذلك، متوقعا أن الدور القيادي للطبقة العاملة يعني أن الثورة الوشيكة ستبدأ على الأرجح بـ”إضراب سياسي جماهيري، ليس إضرابا محليا، بل إضرابا على مستوى روسيا بأكملها”[11]. وأنه من شأن ذلك الإضراب أن يحطم وحدة الجيش، ويستقطب أفضل فئات المثقفين، وبالتزامن مع الاضطرابات في الريف، سيجذب الفلاحين إلى صفوف العمال. كانت تلك فكرة جديدة، فمع أن إمكانية حدوث مثل ذلك التطور قد لوحظت في بعض الأحيان في البلدان الرأسمالية المتقدمة، فإنه لم يُرَ شيء من ذلك القبيل في روسيا من قبل.
لكن وبحلول شهر يناير، تحول إضراب في مصانع بوتيلوف (بدأته نقابة أسسها البوليس القيصري) إلى موجة إضرابات شارك فيها 140 ألف عامل.
الأحد الدامي
في التاسع من يناير (جميع التواريخ حسب التقويم الروسي القديم)، تعرضت مسيرة سلمية للعمال والفلاحين، كانوا يحاولون تقديم عريضة إلى القيصر في القصر الشتوي، لإطلاق نار من قبل قوزاق مسلحين، مما أسفر عن مقتل المئات. أثار “الأحد الدامي”، كما صار يعرف لاحقا، موجة إضرابات واسعة النطاق امتدت إلى 122 مدينة ومقاطعة. كما انتفض الطلاب، وتحولت الجامعات الكبرى في سان بيترسبورغ وكييف إلى ساحات مفتوحة للتنظيم الثوري.
كان تروتسكي في جنيف عندما تلقى نبأ اندلاع ثورة 1905، بإضراب عام في جميع أنحاء روسيا، مثلما كان قد توقع. لكن ماذا سيحدث بعد ذلك؟ بالنسبة لتروتسكي يجب على العمال الذين أشعلوا فتيل الثورة أن يقودوا أي حكومة ثورية بعد سقوط النظام القيصري. قال:
“لا يمكن تحقيق انتصار الانتفاضة وانتصار الثورة إلا على يد البروليتاريا […]
“لذلك فإن تشكيل الحكومة المؤقتة سيعتمد أساسا على البروليتاريا. وبعبارة أدق، إذا حققت الانتفاضة نصرا حاسما، فسيتم منح السلطة لأولئك الذين قادوا البروليتاريا“[12]. [أي الحزب الاشتراكي الديمقراطي، التأكيد من عندنا]
في مقدمة كتاب “قبل التاسع من يناير”، التي كتبها ألكسندر هيلفاند، المعروف أيضا باسم بارفوس، في يناير 1905، ذكر أن البروليتاريا، بعد تصفية الحكم الاستبدادي والاستيلاء على السلطة، ستتوقع من الاشتراكية الديمقراطية إجراء إصلاحات تصب في مصلحتها. وأضاف أن مثل ذلك النظام “سيدفع بالتغيير الثوري إلى حدود أقصى من تلك التي تتوافق مع الملكية الخاصة والديمقراطية البرجوازية”[13]. وعند تلك النقطة، سينقلب “حلفاء” العمال الليبراليون الديمقراطيون عليهم، مما يعني أنه “سيكون من الضروري النضال أولا ضد الحكم الاستبدادي ثم ضد البرجوازية”[14].
كان تروتسكي وبارفوس شبه وحيدين في الاشتراكية الديمقراطية بهذا المنظور.

اتفق لينين مع تروتسكي وبارفوس حول أن البرجوازية الروسية الضعيفة والجبانة عاجزة عن إنجاز الثورة الديمقراطية. ومع ذلك فقد رأى أن تصورهما لم يُراع الفلاحين بالقدر الكافي. وبينما لا ندري على وجه اليقين ما إذا كان قد قرأ كتاب “قبل التاسع من يناير” كاملا، فقد وصف مؤلفه في مارس 1905 بأنه “ثرثار”، ووصف محتواه بأنه “مطنب بشكل مُبالغ فيه”، وخص مقدمة بارفوس بانتقاد لاذع[15].
كما اعترض على الشعار المبتذل “لا قيصر، بل حكومة عمالية!” الذي ظهر عام 1905 -والذي نُسب زورا إلى تروتسكي، ويُرجّح أنه من بارفوس- وذلك مرة أخرى بسبب استبعاده الفلاحين.
بدأ لينين، كعادته دائما، بتحليل موضوعي دقيق للوضع الراهن. رأى أن فكرة حكومة ديمقراطية ثورية لا تعكس التركيبة الطبقية لبلد ذي أغلبية فلاحية هي فكرة متناقضة في حد ذاتها. وطيلة عام 1905، عمل تروتسكي على صقل رؤيته للعلاقة بين الطبقة العاملة وجماهير الفلاحين.
تروتسكي وبارفوس
كان بارفوس آنذاك منظرا بارزا في الحركة الماركسية، وقد عاش تروتسكي وعمل معه بشكل وثيق في المنفى. كان ينتمي إلى يسار الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، إلى جانب روزا لوكسمبورغ. وبالاستناد بشكل كبير إلى أعمال المؤرخ الليبرالي بافل ميليوكوف، تنبأ باندلاع سيرورة من الحرب والثورات على مستوى أوروبا: نتيجة لمقاومة الرأسمالية لقيود الدولة القومية. وقال إنها ستبدأ في روسيا.
جادل بأن الدولة القيصرية تطورت كجهاز بيروقراطي عسكري يعتمد على جيشه الضخم لمقاومة ضغوط الاقتصادات الأوروبية الأكثر تقدما. وقد اضطرت إلى الاستثمار في الصناعة للحفاظ على قوتها العسكرية، تاركة بقية المجتمع في حالة تخلف. وبذلك اعتمدت على الرأسمال الأجنبي. وقد وصف روسيا بأنها “متلق للإعانات من البورصة الفرنسية”[16].
قال بارفوس إن القيصر مضطر إلى نهب جواره لتعزيز استقلاله في وجه دائنيه وإثارة الحماس الوطني لصرف الأنظار عن الفساد المستشري في الداخل. لكن وبسبب فساد القيصرية تحديدا، من المحتم أن تخسر روسيا تلك الحروب الجديدة، مما يخلق أزمة ثورية وطنية، والتي ستؤدي، إلى جانب أخطائها العسكرية، إلى زعزعة استقرار القارة بأكملها. وفي فبراير 1904، كتب بارفوس مقالا يجادل فيه بأن الحرب الروسية اليابانية والأزمة الناتجة عنها كانت بداية تلك السيرورة:
“إن سيرورة التطور الرأسمالي العالمية تؤدي إلى اضطراب سياسي في روسيا. وهذا بدوره لا بد أن يكون له تأثيره على التطور السياسي لجميع البلدان الرأسمالية. ستهز الثورة الروسية العالم البرجوازي. […] وقد تلعب البروليتاريا الروسية دور طليعة الثورة الاجتماعية“[17]. [التشديد من عندنا]
خلال الحرب العالمية الأولى، انحدر بارفوس إلى شوفيني قومي ألماني وتاجر أسلحة. لكن بعد سنوات، أشار تروتسكي إلى تأثيره على نظرية الثورة الدائمة، وقال إن أفكارهما في بداية عام 1905 كانت “متقاربة للغاية”[18].
ومع ذلك فبينما انطلقا من موقف مماثل، فقد ذهب تروتسكي في نهاية المطاف إلى أبعد من ذلك بكثير. إذ أن بارفوس رأى أن الطابع المتخلف وشبه الإقطاعي لروسيا لا يمكن أن يؤدي إلا إلى حزب اشتراكي ديمقراطي يعمل كجزء من حكومة مؤقتة برجوازية، على غرار حزب العمال الأسترالي آنذاك. وتحدث عن تولي العمال السلطة “مؤقتا”، ونضالهم ضد نظام الملكية الخاصة لكن دون القطيعة معه.
كانت توقعات تروتسكي بشأن مدى قدرة العمال على التقدم غير واضحة في يناير 1905، لكن الأحداث صقلتها.
الفصل الأول من الثورة
وصل تروتسكي إلى كييف في فبراير 1905، مستخدما جواز سفر باسم عريف متقاعد. ثم شق طريقه إلى مركز حركة الإضرابات المتنامية، سان بيترسبورغ، وسرعان ما اكتسب نفوذا كبيرا بين العمال المضربين بفضل خطاباته ومقالاته. لكن وبعد وشاية من عميل مندس في صفوف المناشفة، اضطر إلى الفرار مجددا إلى فنلندا.

تطورت ثورة 1905 على مراحل. بلغت الموجة الأولى من الإضرابات ذروتها بموافقة القيصر على “دستور بوليغين” في 6 أغسطس، والذي وعد بتشكيل مجلس الدوما – برلمان منتخب.
لاقى دستور بوليغين ترحيبا من بافل ميليوكوف، زعيم الحزب الديمقراطي الدستوري الليبرالي (الكاديت). فكتب تروتسكي رسالة مفتوحة إلى ميليوكوف في أغسطس 1905، هاجم فيها الليبراليين لثقتهم بالنظام الاستبدادي ليمنحهم الحقوق الديمقراطية بدلا من النضال من أجل انتزاعها، وهي مهمة تقع بالتالي على عاتق العمال والفلاحين:
“أنتم تصوّرون المهام التالية على أنها تعميق منطقي للدستور وتعزيز له على أساس شرعيته؛ بينما تتمثل المهام في انتزاع المقومات المادية للسلطة من أيدي الاستبداد من خلال انتصار الثورة. […] كم ستكون الحرية الروسية بائسة لو كانت رهنا بكم!”[19].
وفي يوليو، كتب تروتسكي مقالا حول خطاب شهير ألقاه الاشتراكي الألماني فرديناند لاسال عام 1862، وضع فيه الأحداث في روسيا ضمن سياق عالمي:
“إن التحرر السياسي، بقيادة الطبقة العاملة الروسية، يرتقي بها إلى مستويات غير مسبوقة تاريخيا، ويزودها بوسائل وموارد هائلة، ويجعلها المحرك الرئيسي لتصفية الرأسمالية عالميا، وهو أمر هيأ له التاريخ جميع الشروط الموضوعية المسبقة“[20]. [التشديد من عندنا]
أي، بمعنى آخر، أن تروتسكي رأى الثورة في روسيا بداية لسيرورة ستنتهي بإسقاط الرأسمالية على الصعيد العالمي.
وفي الشهر نفسه، كتب لينين كتاب “خطتا الاشتراكية الديمقراطية في الثورة الديمقراطية”، والذي أكد فيه أن العمال وحدهم القادرون على دحر القيصرية، وتحقيق نصر من شأنه أن “ينقل لهيب الثورة إلى أوروبا”[21]. كانت الأحداث تُشير بالفعل إلى وجود تقارب بين الرجلين.
سوفييت سان بيترسبورغ
بعد فترة من الهدوء، اندلعت حركة إضرابات جديدة في شتنبر، بدأت بإضراب عمال الطباعة في موسكو الذين كانوا يطالبون بزيادة أجر القطعة لكل ألف حرف مطبوع، بما في ذلك علامات الترقيم، وتقليص ساعات العمل.
وانتشرت إضرابات التضامن في جميع أنحاء البلاد بحلول أكتوبر. توقفت المصانع والسكك الحديدية والبنوك ومحطات توليد الطاقة والمكاتب الحكومية عن العمل. داهم العمال المضربون متاجر الأسلحة وأقاموا متاريس للدفاع عن أنفسهم ضد الدرك والقوزاق. حضر جنود متعاطفون اجتماعات العمال، مؤكدين أن ثلث الجيش “يقف إلى جانب”.
كانت الأرياف بدورها في حالة تمرد. تعرضت أكثر من ألفي إقطاعية للتدمير والإحراق. عقد الفلاحون الأكثر تقدما سياسيا المؤتمر الأول لاتحاد الفلاحين لعموم روسيا في غشت 1905، وآخر في موسكو في نوفمبر، ودعوا إلى خوض نضال مشترك وإضراب زراعي عام يُحسم “بالاتفاق مع الطبقة العاملة”[22].
عاد تروتسكي إلى سان بيترسبورغ، في أكتوبر، في ذروة الإضراب العام، حاملا معه خطة لإنشاء منظمة منتخبة غير حزبية، تضم مندوبين، لتمثيل العمال. كان المناشفة في سان بيترسبورغ قد أطلقوا بالفعل مثل تلك الدعوة. لكن العمال لم يكونوا بحاجة إلى من يدعوهم.
بدأ سوفييت سان بيترسبورغ بنواة من عمال 50 مطبعة، وسرعان ما تطور ليصبح معقل الإضراب العام. ونشأت سوفييتات أخرى في مدن وبلدات أخرى.
في البداية، تبنت اللجنة المركزية البلشفية وقادتها في سان بيترسبورغ موقفا عصبويا مفاده أنه على السوفييت تبني البرنامج البلشفي كشرط مسبق لكي ينضموا إليه. إلا أنه عندما عاد لينين إلى روسيا في نوفمبر، قام بتصحيح ذلك الخطأ، الذي كانت القواعد البلشفية قد تجاهلته على أي حال.
وكما أوضح تروتسكي لاحقا فإنه:
“يمكن للمرء أن يكتب فصلا مفيدا عن اللينينيين دون لينين. […] فهم عندما ينفصلون عن لينين في اللحظات الحرجة، يذهلون المرء بعجزهم التام”[23].
ألقى تروتسكي خطابه الأول أمام سوفييت سان بيترسبورغ في 16 أكتوبر في معهد التكنولوجيا. حضر ذلك الاجتماع نحو 100 مندوب منتخبين من طرف 200 ألف عامل، أي ما يقارب 50% من سكان العاصمة من الطبقة العاملة. برز تروتسكي باعتباره الزعيم السياسي للسوفييت، ثم رئيسا منتخبا له. كما أنه كتب جميع بياناته وقراراته، وحرر صحيفته “إزفستيا” (أخبار).
تعاون كلا فصيلي الحزب الاشتراكي الديمقراطي العمالي الروسي داخل السوفييت، إلى جانب الحزب الاشتراكي الثوري (الخلفاء السياسيين للنارودنيين). لم يُبد لينين أي اعتراض على أي من قرارات السوفييت، التي كان تروتسكي هو من كتبها جميعها، على الرغم من العداء السابق بينهما. وقد روى لوناتشارسكي في مذكراته حادثة دالة:
“أتذكر أن أحدهم قال في حضرة لينين: ‘[…] الرجل القوي داخل السوفييت هو تروتسكي’. للحظة بدا على وجه لينين شيء من الكآبة، ثم قال: ‘حسنا، لقد حقق تروتسكي ذلك بفضل عمله الدؤوب والمؤثر’.”[24].
وأمام القوة الهائلة للإضراب العام ونفوذ السوفييت، اضطر الحكم المطلق إلى التراجع. ففي 17 أكتوبر، اضطر القيصر إلى تقديم بيان (كتبه الليبرالي سيرجي وايت، أول رئيس لمجلس الوزراء) يعد فيه بتنظيم اقتراع عام وتقديم الحريات المدنية والدستور. وفي نوفمبر، حاول تهدئة الفلاحين ببيان يعلن إلغاء أداء التعويضات عن الأراضي المخصصة لهم وتوسيع صناديق بنوك الفلاحين.
في ذلك السياق قال تروتسكي ساخرا: “الإضراب الذي بدأ بسبب علامات الترقيم […] انتهى بإسقاط الاستبداد”[25]. تلك التنازلات الديمقراطية أكدت عمليا صحة فرضية تروتسكي:
“كان للانتصار الجزئي لإضراب أكتوبر، بالنسبة لي، أهمية نظرية وسياسية هائلة. لم تكن معارضة البرجوازية الليبرالية، ولا الانتفاضات الشعبية للفلاحين، ولا الأعمال الإرهابية للمثقفين، بل إضراب العمال هو الذي أخضع القيصرية للمرة الأولى”[26].
ومع ذلك فقد دعا تروتسكي إلى عدم التفاؤل المفرط. حيث ألقى خطابا من شرفة جامعة سان بيترسبورغ مزق خلاله نسخة من بيان أكتوبر، محذرا من أنه لا قيمة له، إذ يمكن إلغاؤه في أي وقت ما دام الحكم الاستبدادي قائما.
الثورة تبلغ ذروتها
لكن وعد الدستور أدى إلى حدوث انقسامات داخل صفوف الثورة، حيث شعرت الفئات المحافظة أن الأمور قد ذهبت أبعد مما ينبغي. وقد تساءل تروتسكي لاحقا: “ماذا كان على الكاديت، هؤلاء السياسيين ذوي المعاطف الطويلة، قادة المجالس الريفية هؤلاء، أن يفعلوا في مثل هذا الوضع؟ لقد انتظروا بصمت حتى بدأت الأمور الدستورية تتضح”[27]. كما صوتوا لصالح خطة الحكومة للتجنيد في صفوف الجيش، ووعدوا بالتصويت لصالح ميزانية الإمبراطورية.

استغل القيصر الانقسامات وأطلق العنان لهجمات عصابات “المئات السوداء” الفاشية ضد العمال والفلاحين. قام هؤلاء البلطجية “الوطنيون” بقتل ما بين 3500 و4000 شخص، وشوهوا ما يصل إلى 10.000 في 100 مدينة. “وهكذا انتقم النظام القديم من الإذلال الذي تعرض له!”[28]، كما كتب تروتسكي.
وبينما استسلم الليبراليون، فقد كان هناك ضغط من جانب أكثر العناصر راديكالية في صفوف السوفييتات لأجل المضي قدما. في 26 أكتوبر، قرر مندوبون من إحدى مناطق سان بيترسبورغ بشكل عفوي تطبيق نظام الثماني ساعات عمل في اليوم في مصانعهم بوسائل ثورية. وعلى خطاهم، دعا السوفييت جميع المصانع والمنشآت إلى تطبيق نظام الثماني ساعات عمل يوميا بأي وسيلة ممكنة. لقد كان العمال يتقدمون بمطالبهم بشكل عفوي.
وفي اليوم نفسه اندلع تمرد ثوري في قاعدة كرونشتادت البحرية، والذي تم قمعه سريعا بعد إعلان الأحكام العرفية. وتم تهديد قادة التمرد بالإعدام.
بولندا، التي استولت عليها، شهدت إضرابات واسعة النطاق ونضالات عمالية طوال العام، من بينها انتفاضة في لوودج (Łódź) تعرضت لقمع دموي في يونيو. تم وضع القسم الروسي لبولندا بالكامل تحت الأحكام العرفية في 28 أكتوبر. وفي 29 أكتوبر، نُفذ الإجراء نفسه في مقاطعات تشيرنيغوف وساراتوف وتامبوف، التي كانت قد شهدت تمردات للفلاحين.
عُقدت اجتماعات حاشدة للعمال على الفور للمطالبة باتخاذ إجراءات صارمة من طرف سوفييت سان بيترسبورغ. وفي 2 نوفمبر، انطلق إضراب عام بالإجماع في المدينة للمطالبة بإلغاء حكم الإعدام عن جنود البحرية المعتقلين، ورفع الأحكام العرفية في بولندا وفي جميع أنحاء روسيا. وأمام ذلك الضغط الهائل، تراجعت الحكومة مرة أخرى، وانتهى الإضراب المنتصر في 7 نوفمبر.
وبينما كان عمال سان بيترسبورغ يحتفلون بنجاحهم، كانت الثورة قد بلغت ذروتها. وكان مطلب يوم العمل من ثماني ساعات يُهيئ الظروف لاندلاع مواجهة حاسمة. ومع حلول نوفمبر، كان العمال في جميع أنحاء سان بيترسبورغ قد بدأوا بمغادرة مصانعهم وشركاتهم بشكل جماعي بعد انتهاء ثماني ساعات عمل. وفي بعض الحالات فرضوا يوم العمل من ثماني ساعات من خلال “الاستيلاء” على أماكن عملهم، وانتزاع السيطرة عليها من يد أرباب العمل. كان ذلك تصعيدا هائلا.
وتأكيدا لتحذيرات تروتسكي ولينين بعدم الثقة بها، أدانت البرجوازية الليبرالية في صحافتها حركة المطالبة بيوم عمل من ثماني ساعات. ووقف البروليتاريا وحيدة في وجه قوى الرجعية التي ازدادت تعنتا.
مرحلة الجزر
كان الرأسماليون يستفيقون من الصدمة القوية التي أحدثتها إضرابات أكتوبر ونوفمبر. بدأ أرباب العمل في سان بيترسبورغ بهجوم مضاد بدءا بموظفي القطاع العمومي والشركات المملوكة للدولة، حيث فرضوا إغلاقا شاملا، ما أدى إلى نزول آلاف العمال إلى الشوارع.
وبصفته رئيسا لمجلس سوفييت سان بيترسبورغ، أدرك تروتسكي أن العمال قد استنفذوا تكتيكات الإضرابات والاعتصامات إلى أقصى حد. عند تلك النقطة صارت الانتفاضة وحدها القادرة على تحقيق نظام الثماني ساعات عمل، وهو ما كان سيدفع الثورة حتما نحو غايتها المنطقية: الاستيلاء على السلطة. لكن ذلك الأمر انطوى على عدد من الصعوبات.
إذ أن الأمر يتطلب أولا الحصول على السلاح، وهو ما يستلزم الحصول على دعم شريحة واسعة من القوات المسلحة، أي الفلاحين بالزي العسكري. لم يتحقق ذلك الأمر، على الرغم من تعاطف شريحة كبيرة من الجنود مع الثورة، لا سيما قوات البحرية. وصارت القوات الموالية للنظام تُنشر بشراسة لفض اجتماعات العمال.
كانت المشكلة الأساسية تكمن في أنه بينما كانت سلطة مجلس السوفييت هائلة في سان بيترسبورغ، فإنه لم يكن ذلك هو الحال في بقية أنحاء روسيا. لم تنطلق الحركة الحقيقية للفلاحين إلا في عام 1906، حين كانت الثورة قد مُنيت بالهزيمة في المدن. وبذلك بقي العمال يخوضون معركة يوم العمل من الثماني ساعات (والتي هي في الواقع معركة على سلطة الدولة) دون دعم بقية البلد. وكان من شأن ذلك أن يؤدي إلى هزيمة ساحقة، تُوجه ضربة مُحبطة للطبقة العاملة الروسية بأكملها.
وهكذا ففي 12 نوفمبر، وبعد نقاش دام أربع ساعات، قرر مجلس السوفييت تعليق النضال من أجل يوم العمل من ثماني ساعات. قوبل القرار بغضب شديد من طرف العديد من العمال، الذين كانوا على أهبة الاستعداد للقتال حتى النهاية. وحدها السلطة الهائلة لمجلس السوفييت ما سمح بالانسحاب المنظم والمهيب، مما حافظ على قوى الثورة وتجنب الهزيمة الساحقة. وقد لخصت اللجنة التنفيذية الحملة بالكلمات التالية:
“ربما لم ننتصر في النضال من أجل يوم العمل من ثماني ساعات للجماهير، لكننا بالتأكيد انتصرنا في كسب الجماهير لأجل يوم العمل من ثماني ساعات. ومن الآن فصاعدا ستبقى صيحة الحرب: “ثماني ساعات وبندقية!”، خالدة في قلب كل عامل في سان بيترسبورغ”[29].

وقد تجلت حكمة ذلك الانسحاب المنظم، وعدم نضج الظروف للقيام بانتفاضة ناجحة، بشكل مأساوي في دجنبر.
وفي محاولة أخيرة لاستعادة زمام المبادرة السياسية، نشر سوفييت سان بيترسبورغ “بيانا ماليا” كتبه بارفوس، يدعو إلى مقاطعة مالية، وينتقد فساد النظام، ويطالبه بالكشف عن حساباته. كان ذلك بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير: فقد قرر النظام الاستبدادي القضاء على الثورة، واعتقل قيادة السوفييت بأكملها في 3 دجنبر.
ردّ عمال سان بيترسبورغ على الاعتقالات ونشر البيان المالي بإضراب عام في 8 دجنبر. لكنه كان أضعف بكثير من إضراب نوفمبر، إذ لم يشارك فيه سوى ثلثا عمال المدينة، وانهار بعد أربعة أيام. ومع وجود القيادة رهن الاعتقال وانحسار موجة الإضرابات، بات من الواضح أن الثورة قد تلقت ضربة قاضية.
بلغت الأحداث ذروتها عندما سمع مجلس سوفييت موسكو نبأ اعتقال قيادة سوفييت سان بيترسبورغ، فدعا إلى إضراب عام في 7 دجنبر، سرعان ما تحول الإضراب إلى انتفاضة. وبعد عشرة أيام من القتال في الشوارع، ومحاولات فاشلة للتآخي مع الجنود الموالين الذين تم نشرهم النظام ضدهم، تم سحق العمال المعزولين.
نتائج وتوقعات
أمضى تروتسكي الأشهر الخمسة عشر التالية في السجن، كتب خلالها، من بين أشياء أخرى، كتاب “نتائج وتوقعات”، وروايته عن ثورة 1905. وعلى عكس فترات سجنه السابقة، حيث كان ما يزال دارسا للماركسية، فقد كان قد أصبح معلما لها.
في كتابه “نتائج وتوقعات” صاغ أخيرا نظريته عن الثورة الدائمة، التي صقلتها أتون الثورة. وكما كتب لاحقا فإنه:
“خلال الفترة الفاصلة بين 9 يناير وإضراب أكتوبر 1905، تبلورت في ذهن المؤلف تلك الآراء التي أصبحت تُعرف بنظرية “الثورة الدائمة”.”[30].
جوهر كتاب “نتائج وتوقعات” هو الدفاع عن المادية الديالكتيكية، التي هي المنهج الفلسفي للماركسية، بالاستناد إلى تجربة تروتسكي المباشرة في ثورة 1905. ويفضح فيه الاشتراكيين الديمقراطيين الذين استشهدوا بشكل ميكانيكي بأجزاء من تحليل ماركس وإنجلز لثورات 1848 “لإثبات” أن الثورة الاشتراكية في روسيا “مستحيلة”. وقد ركزوا، على وجه الخصوص، على فقرة من كتيب إنجلز، “الثورة والثورة المضادة في ألمانيا” (الذي نُشر في الأصل باسم ماركس بإذن منه)، والذي اقتبسه تروتسكي في كتابه “نتائج وتوقعات”، يقول:
“إن الطبقة العاملة في ألمانيا، في تطورها الاجتماعي والسياسي، متخلفة عن نظيرتها في إنجلترا وفرنسا بقدر تخلف البرجوازية الألمانية عن برجوازية هاذين البلدين. فالعامل مثل رب العمل. […] إن حركة الطبقة العاملة نفسها لا تكون مستقلة أبدا، ولا تكون ذات طابع بروليتاري خالص حتى تستولي جميع فصائل الطبقة الوسطى المختلفة، ولا سيما فصيلها الأكثر تقدمية، كبار الصناعيين، على السلطة السياسية، وتعيد تشكيل الدولة وفقا لاحتياجاتها”[31].
اعترض تروتسكي على هذا القول، معتبرا أنه “أُسيء استخدامه بشكل كبير من قِبل الماركسيين النصوصيين”، فبزعمهم أنه بما أن الرأسماليين الروس (مثل نظرائهم الألمان عام 1848) لم يستولوا بعد على السلطة ويعيدوا تشكيل الدولة على صورتهم، فإنه على العمال ببساطة أن يصطفوا وينتظروا دورهم. أي أنهم باختصار اختزلوا أفكار ماركس وإنجلز إلى “صيغة” جامدة وآلية للتطور التاريخي تصوره على شكل مراحل منفصلة ومتطابقة. لكن هؤلاء السكولاستيكيين كانوا يفتقرون إلى أي فهم للمنهج الماركسي.
وكما أوضح تروتسكي فإن:
“الماركسية هي قبل كل شيء منهج تحليل، ليس تحليلا للنصوص، بل تحليلا للعلاقات الاجتماعية. هل صحيح أنه، بالنسبة لروسيا، لا يمكن أن تكون هناك حركة عمالية مستقلة حتى تستولي البرجوازية على السلطة؟ يكفي فقط طرح هذه الأسئلة لنرى النظرة الصورية البئيسة التي تكمن وراء محاولة تحويل ملاحظة نسبية تاريخيا لماركس إلى مبدأ فوق- تاريخي”[32].
يتضح جليا من جميع أعمال ماركس وإنجلز أن منهجهما الحقيقي كان غريبا تماما عن منهج “الماركسيين النصوصيين”. في الواقع لقد تحدث ماركس وإنجلز، في أعقاب أحداث عام 1848، عن استنفاذ البرجوازية لدورها التاريخي التقدمي. بل إن إنجلز، في نفس الكتاب الذي استشهد به المناشفة، استبعد الحكم البرجوازي باعتباره “مستحيلا إلى الأبد في ألمانيا”.
ليس من قبيل المصادفة أن تروتسكي اقتبس مصطلح “الثورة الدائمة” من خطاب ماركس عام 1850 أمام الرابطة الشيوعية، حيث تحدث عن ضرورة جعل الثورة “دائمة” حتى يستولي العمال على وسائل الإنتاج في جميع قطاعات الاقتصاد الرئيسية.
وفيما يتعلق بروسيا، فقد اقترح ماركس وإنجلز أنه بدلا من المرور بمرحلة التطور الرأسمالي، يمكن للكومونة الفلاحية الروسية أن تنتقل مباشرة إلى “الشكل الأعلى للملكية الشيوعية”، بشرط انتصار ثورة بروليتارية في الغرب[33].
تطوير النظرية
استندت نظرية الثورة الدائمة عند ماركس إلى تحليله لثورات عام 1848، ولا سيما ثورتي فرنسا وألمانيا، حيث اعتمدت البرجوازية الأوروبية المفلسة سياسيا على الجماهير في نضالها ضد بقايا الإقطاع، لكن لتتحد لاحقا مع قوى “النظام” لسحقها. لم يكن لا العمال ولا البرجوازية الصغيرة الحضرية قادرين على التخلص من “الجثة السياسية” للبرجوازية في اللحظة الحاسمة، وكانت البروليتاريا أضعف من أن تحقق ذلك بمفردها، إذ كانت ما تزال في مهدها.

لكن الأوضاع في روسيا عام 1905 كانت مختلفة. فقد طور تروتسكي كتابات لينين وبارفوس حول خصوصيات الاقتصاد والدولة الروسيين بمفهوم التطور المركب وغير المتكافئ. وجادل بأن الصناعة الروسية، تحت ضغط السوق العالمية، اضطرت إلى التطور إلى مستوى عال في المراكز الحضرية.
جادل تروتسكي بأنه، على عكس الغرب، لم تنشأ البرجوازية الروسية الأصلية من الاتحادات المهنية الحضرية لتشكل طبقة ذات مصالح مستقلة لتطوير الرأسمالية الروسية. بل تم تمويل الصناعة بالرأسمال الأجنبي، الذي حمى النظام الاستبدادي استثماراته، مستخدما جهاز الدولة القمعي الوحشي:
“وهكذا حقق الرأسمال الضخم الهيمنة الاقتصادية دون صراع. لكن الدور الهائل الذي لعبه الرأسمال الأجنبي في تلك السيرورة كان ضربة قاتلة لنفوذ البرجوازية الروسية السياسي”[34].
ونتيجة لذلك لم تستطع البرجوازية الروسية، الضعيفة والطفيلية منذ البداية، إنجاز مهامها التاريخية بشكل مستقل. وقد شعرت البرجوازية، في ظهرها، بتهديد البروليتاريا الصناعية القوية، أي تلك الطبقة الحضرية التي وقعت على عاتقها مهمة قيادة الثورة الديمقراطية في روسيا.
ورغم أن العمال الروس كانوا أقلية، فإن دورهم الاقتصادي الهائل وهياكلهم التنظيمية منحتهم قوة ونفوذا يفوقان عددهم بكثير. وفي عام 1905، أزاحوا البرجوازية، وأسسوا السوفييتات، ودخلوا في صراع ضد الحكم المطلق، وانتزعوا بمفردهم تنازلات ديمقراطية. وقد شرح تروتسكي طبيعة الثورة على النحو التالي:
“فيما يتعلق بمهامها المباشرة وغير المباشرة، تُعد الثورة الروسية ثورة برجوازية لأنها تسعى لتحرير المجتمع البرجوازي من قيود الاستبداد والملكية الإقطاعية. لكن القوة الدافعة الرئيسية للثورة الروسية هي البروليتاريا، ولذلك فإنها، من حيث طابعها، ثورة بروليتارية”[35].
أي، بعبارة أخرى، كان تخلف روسيا هو ما أجبر الطبقة العاملة على لعب الدور الحاسم في الثورة. لكن بعد انتزاع المكاسب الديمقراطية، كما قال تروتسكي، لن “يلتزم” العمال الصيغ التاريخية ولن يسلموا السلطة للبرجوازيين الليبراليين، بل سيعملون على تقديم مصالح طبقتهم. وهو الشيء الذي بدوره سيدفع الليبراليين إلى معسكر الثورة المضادة. وقد قدّمت ثورة 1905 والمعركة من أجل يوم العمل من ثماني ساعات لمحة عن ذلك.
منطق الثورة
جادل تروتسكي بأن المطالب “الدنيا”، مثل يوم العمل من ثماني ساعات، ستُقابل حتما بمقاومة شديدة من جانب أصحاب العمل، الذين لا يستطيعون تقديم مثل تلك التنازلات في ظل رأسمالية روسية متخلفة. وقد اتضح ذلك مجددا في إضراب نوفمبر. وبالمثل فإن أي محاولة جادة لحل المسألة الزراعية ستثير رد فعل عنيف من جانب الرأسماليين وملاك الأراضي شبه الإقطاعيين، اللذين كانا كلاهما يستفيدان من الوضع القائم. بل إن العديد من الرأسماليين كانوا هم أنفسهم ملاكي أراض.

لذا فإنه سيتعين على البروليتاريا -الطبقة التي قادت الثورة- أن تستولي على السلطة بنفسها. وعندما تقوم بذلك سيتحقق تطوير الصناعة وحل مسألة الأرض من خلال إدارة ديمقراطية للاقتصاد من قِبل العمال والفلاحين الفقراء. وهكذا سوف تتحول الثورة من ثورة برجوازية إلى ثورة اشتراكية في سيرورة ثورية “دائمة”.
وجادل تروتسكي أنه علاوة على ذلك لن يقتصر تأثير الثورة على حدود روسيا، بل ستغدو شرارة لثورة أوروبية شاملة:
“إن تأثير الثورة الروسية على البروليتاريا الأوروبية هائل. فإلى جانب تدميرها للاستبداد الروسي، الذي هو المعقل الرئيسي للرجعية في أوروبا، ستخلق المقومات اللازمة للثورة في وعي الطبقة العاملة الأوروبية ومزاجها النضالي”[36].
وقد تأكد توقع تروتسكي بشكل كامل بعد ثورة أكتوبر عام 1917، والتي أعقبتها انتفاضات ثورية في المجر وألمانيا وإيطاليا وغيرها.
لم يكن انتشار الثورة على الصعيد العالمي مجرد احتمال، بل ضرورة حتمية لبقائها. أكد تروتسكي أنه في حين أن الظروف الموضوعية للثورة الاشتراكية كانت متوفرة على الساحة العالمية، والمتطلبات السياسية لاستيلاء العمال والفلاحين على السلطة متوفرة في روسيا، فإن قيام نظام بروليتاري فتي على قاعدة ظروف اقتصادية متخلفة لن يتمكن من البقاء طويلا ولن يبني الاشتراكية. وبالتالي فإنه:
“لن يكون أمام البروليتاريا خيار سوى ربط مصير حكمها السياسي، وبالتالي مصير الثورة الروسية برمتها، بمصير الثورة الاشتراكية في أوروبا”[37].
دور الفلاحين
في كتابه نتائج وتوقعات، سلط تروتسكي الضوء على الإمكانات الثورية للجماهير الفلاحية وضرورة كسبها إلى جانب العمال من خلال برنامج لمصادرة أراضي ملاكي الأراضي، وإنهاء عبء الضرائب عن فقراء الريف، والاعتراف بجميع عمليات المصادرة الثورية للأراضي. واتفق كل من تروتسكي ولينين على أن الثورة المنتصرة ستنتهي باستيلاء البروليتاريا على السلطة بالتحالف مع الفلاحين، مع وجود اختلاف دقيق ولكنه مهم في تصوراتهما.
في النصف الأول من عام 1905، جادل لينين (معارضا المناشفة) بأنه على الحزب الاشتراكي الديمقراطي العمالي الروسي المشاركة في أي حكومة ثورية تلي سقوط الحكم المطلق، والسعي لبناء “ديكتاتورية ديمقراطية للبروليتاريا والفلاحين”. قال إن مسار التاريخ “يفرض على البروليتاريا الروسية مهمة تنفيذ الثورة البرجوازية الديمقراطية”، وهي مهمة “تواجه الشعب ككل، أي كامل كتلة البرجوازية الصغيرة والفلاحين”[38].
إن ديكتاتورية ثورية للبروليتاريا والفلاحين لن تمثل فقط التطلعات الديمقراطية لأغلبية الشعب، بل ستضع أيضا أفضل الأسس لتطوير الاشتراكية. وأوضح في كتابه “خطتا الاشتراكية الديمقراطية” أنه:
“مع التسليم بالطبيعة البرجوازية للثورة، التي لا يمكنها تجاوز حدود الثورة الديمقراطية، فإن شعارنا يدفع بهذه الثورة تحديدا، ويسعى إلى صياغتها في أشكال تحقق أكبر فائدة للبروليتاريا؛ وبالتالي، يسعى إلى كسب أقصى استفادة من الثورة الديمقراطية لتحقيق أكبر نجاح في نضال البروليتاريا من أجل الاشتراكية”[39].
ومرة أخرى فقد كان لينين، في رؤيته للثورة الديمقراطية، يحاول مراعاة التركيبة السكانية لروسيا، بأغلبيتها الساحقة من الفلاحين. أما تروتسكي، من جانبه، فقد فسر شعار “الديكتاتورية الديمقراطية” على أنه غامض و”حسابي” بشكل مقصود[40]، ويقبل باحتمالية أن يفوق عدد الفلاحين عدد العمال في الحكومة الثورية. وهذا بدوره حجب مسألة مَن مِن الطبقتين ستقود ذلك النظام.
كان تروتسكي أكثر حسما إذ أكد أنه يجب على العمال قيادة الفلاحين، الذين لم يسبق لهم في التاريخ أن لعبوا دورا مستقلا، والذين ستكسب ولائهم الطبقة التي ستحررهم من الإقطاع وتتمكن من تحديث الريف. فإذا لم يتحقق ذلك، سيصبح الفلاحون قاعدة للثورة المضادة، كما تجلى ذلك في الانتفاضة التي تم قمعها في موسكو. بحلول ربيع عام 1917، تخلى لينين عن شعاره القديم لصالح “كل السلطة للسوفييتات”، والذي كان في جوهره مطابقا بشكل كامل لموقف تروتسكي.
الإرث
بعد سنوات، لخص تروتسكي نظرية الثورة الدائمة على النحو التالي:
“لا يُمكن تصور النصر الكامل للثورة الديمقراطية في روسيا إلا في صورة دكتاتورية البروليتاريا المستندة إلى الفلاحين. دكتاتورية البروليتاريا، التي ستضع حتما على جدول أعمالها ليس فقط المهام الديمقراطية بل والاشتراكية أيضا، ستوفر في الوقت نفسه دفعة قوية للثورة الاشتراكية العالمية. ووحده انتصار البروليتاريا في الغرب الذي سيحمي روسيا من عودة البرجوازية ويضمن لها إمكانية إتمام البناء الاشتراكي”[41].
بعد ثورة 1905، ورغم أن الحكم المطلق بدا منتصرا ظاهريا، فإن الأمور كانت قد تغيرت. فبالرغم من فترة من الرجعية القاتمة، فإن الجماهير اكتسبت خبرة مباشرة في النضال الثوري. لقد تعلمت أساليب جديدة للنضال وبدأت في إنتاج قادة. ومن خلال تعميم دروس ذلك العام وتطوير نظرية الثورة الدائمة، قدم تروتسكي دليلا أساسيا للعمل.
لا يمكننا الجزم في ما إذا كان تحليل تروتسكي قد أقنع لينين، أو ما إذا كان لينين قد توصل إلى استنتاجاته بشكل مستقل. لكن المؤكد هو أن تروتسكي كان أول من استخلص الاستنتاجات الصحيحة من ثورة 1905، والتي عكست المنطق الموضوعي للسيرورة الثورية في روسيا. ولولا نضال لينين لإعادة تسليح برنامج البلاشفة وفقا لجوهر هذه النظرية في أبريل 1917، لما استطاعوا حسم السلطة. وقد تأكد ذلك من خلال تجربة المناشفة بعد فبراير 1917، الذين ربطوا مصيرهم بالحكومة المؤقتة البرجوازية لكيرنسكي، وكادوا أن يقضوا على الثورة.
استخدم تروتسكي براعته النظرية وخبرته في قيادة الجماهير الثورية ليقطع بشكل حاسم مع النزعة التخطيطية، مؤكدا على الجوهر الحقيقي للمادية الديالكتيكية باعتبارها منهجا لفهم الثورة ككائن حي وتحديد مهامها الحقيقية. شكل ذلك إنجازا خالدا، يرثه الماركسيون اليوم كأداة أساسية لفهم ديناميات النضال الثوري. ولذلك تُعد دروس ثورة 1905 مفتاحا لانتصار الطبقة العاملة في نهاية المطاف في الثورة الاشتراكية العالمية المستقبلية.
المقال باللغة الإنجليزية:
Trotsky, 1905 and the Permanent Revolution
المصادر:
[1] L Trotsky, 1905, Penguin Books, 1973, pg 9
[2] L Trotsky, My Life, Wellred Books, 2018, pg 80
[3] Quoted in ibid.
[4] ibid. pg 82
[5] L Trotsky, My Life, Wellred Books, 2018, pg 110
[6] bid. pg 83
[7] R Sewell & A Woods, ‘In Defence of Lenin’, Vol. 1, Wellred Books, 2024
[8] L Trotsky, My Life, Wellred Books, 2018, pg 143
[9] L Trotsky, ‘The Proletariat and the Revolution’, Our Revolution, Henry Holt and Company, 1918, pg 39
[10] R B Day, D Gaido (ed., trans.), ‘Up to the Ninth of January’, Witnesses to Permanent Revolution: The Documentary Record, Haymarket Books, 2009, pg 324
[11] ibid. pg 331
[12] L Trotsky, O Gluschenko (trans.), ‘Political Letter II’, Iskra, No. 93, 17 March 1905, Marxist Internet Archive,
[13] R B Day, D Gaido (ed., trans.), ‘Up to the Ninth of January’, Witnesses to Permanent Revolution: The Documentary Record, Haymarket Books, 2009, pg 255
[14] ibid. pg 267
[15] V I Lenin, ‘Social-Democracy and the Provisional Revolutionary Government’, Collected Works, Vol. 8, Progress Publishers, 1977, pg 289
[16] I Deutscher, The Prophet Armed, Verso, 2004, pg 104
[17] I Deutscher, The Prophet Armed, Oxford University Press, 1945, pg 112
[18] L Trotsky, The Permanent Revolution and Results and Prospects, Wellred Books, 2020, pg 66
[19] L Trotsky, ‘Open Letter to Professor P.N. Miliukov’, Revolutionary Russia, Vol. 3, No. 2, 1990, pg 236
[20] R B Day, D Gaido (ed., trans.), ‘Introduction to Ferdinand Lessalle’s Speech to the Jury’, Witnesses to Permanent Revolution: The Documentary Record, Haymarket Books, 2009, pg 455
[21] V I Lenin, ‘Two Tactics of Social-Democracy in the Democratic Revolution’, Collected Works, Vol. 9, Progress Publishers, 1977, pg 57
[22] L Trotsky, 1905, Penguin Books, 1973, pg 210
[23] L Trotsky, My Life, Wellred Books, 2018, pg 156
[24] A Lunacharsky, Revolutionary Silhouettes, Hill and Wang, 1968, pg 60
[25] L Trotsky, 1905, Penguin Books, 1973, pg 102
[26] L Trotsky, My Life, Wellred Books, 2018, pg 159
[27] L Trotsky, 1905, Penguin Books, 1973, pg 176
[28] ibid. pg 153
[29] L Trotsky, 1905, Penguin Books, 1973, pg 201
[30] ibid. pg 8
[31] K Marx, ‘Germany: Revolution and Counter-Revolution’, Selected Works of Karl Marx, Vol. 2, Progress Publishers, 1942, pg 46
[32] L Trotsky, The Permanent Revolution and Results and Prospects, Wellred Books, 2020, pg 209
[33] K Marx, F Engels, ‘Preface to the Second Russian Edition of the Manifesto of the Communist Party’, Collected Works, Vol. 24, Progress Publishers, 2010, pg 426
[34] L Trotsky, 1905, Penguin Books, 1973, pg 56
[35] ibid. pg 66
[36] L Trotsky, The Permanent Revolution and Results and Prospects, Wellred Books, 2020, pg 262 37 ibid. pg 263
[37] ibid. pg 263
[38] V I Lenin, ‘The Revolutionary-Democratic Dictatorship of the Proletariat and the Peasantry’, Collected Works, Vol. 8, Progress Publishers, 1977, pg 298
[39] V I Lenin, ‘Two Tactics of Social-Democracy in the Democratic Revolution’, Collected Works, Vol. 9, Progress Publishers, 1977, pg 87
[40] L Trotsky, The Permanent Revolution and Results and Prospects, Wellred Books, 2020, pg 164
[41] L Trotsky, ‘The Character of the Russian Revolution’, Fourth International, Vol. 3, No. 11, November 1942, pg 333
ماركسي موقع الأممية الشيوعية الثورية الناطق بالعربية
