الرئيسية / دول العالم / أوروبا / ألمانيا / ألمانيا: كيف أسهمت سياسة “إنقاذ الديمقراطية” في صعود الفاشية

ألمانيا: كيف أسهمت سياسة “إنقاذ الديمقراطية” في صعود الفاشية

تصل نسبة تأييد حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) في استطلاعات الرأي حاليا إلى نحو 27%. ويحذر الكثيرون من أننا على بعد “خمس دقائق من عام 1933”. وتخوض الأحزاب التقليدية حملاتها الانتخابية تحت شعار “إنقاذ الديمقراطية” لاستعادة الناخبين المنفضين عنها، والذين ينبذونها نتيجة عقود من الاقتطاعات والهجمات.

حيث يريد حزب اليسار (Die Linke) أن يكون “مُنقذ” هذه الديمقراطية فيدعم ميرتس. بل إنه يناقش جهارا في انتخابات الولايات القادمة في زاكسن-أنهالت إمكانية التساهل مع حكومة من حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي لمواجهة حزب البديل من أجل ألمانيا.

تحمل أزمة جمهورية فايمار دروسا ذات صلة بأحداث اليوم، وأهم تلك الدروس أن سياسة “إنقاذ الديمقراطية” هي بالذات ما جعل صعود الفاشية وانتصارها ممكنا في المقام الأول. ورغم أن حزب البديل من أجل ألمانيا الرجعي ليس حزبا فاشيا فإنه يتقوى هو الآخر بفضل سياسة “أهون الشرين” هذه.

في ذلك الوقت، كان السؤال المطروح: الفاشية أم الاشتراكية؟ غير أن قيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي الإصلاحية ظلت أسيرة الماضي. إذ كانت ترنو إلى أزمنة استطاعت فيها إبقاء الصراع الطبقي عند مستويات محتملة عن طريق تقديم فتات المكتسبات للطبقة العاملة، وتلقي المكافأة من البرجوازية لقاء هذا الدور. لقد حاولت التعاون مع البورجوازية “التقدمية”، لكن لم تعد البرجوازية قادرة على تحمل التكلفة المالية لهذا المساومة الطبقية في أعقاب أزمة عام 1929 وما تلاها.

واستمرارا في التقيد بعهد المساومة الطبقية البائد، واصل الحزب الاشتراكي الديمقراطي محاولاته للتعاون مع البرجوازية، وسعى إلى إبقاء العمال في حالة من السلبية. وعلى هذا النحو، برز حزب النازيين للبرجوازية الصغيرة المفقرة باعتباره الحزب الوحيد الذي يملك حلا.

وفي الوقت نفسه، كانت الطبقة السائدة على دراية تامة بأن الإصلاحيين عاجزون عن كبح جماح الصراع الطبقي على المدى الطويل. ومن منظورها، كان ثمة احتياج إلى حل يجهض الثورة البروليتارية الوشيكة: الفاشية.

ولادة جمهورية فايمار

نشأت الديمقراطية البرجوازية لجمهورية فايمار بوصفها مساومة طبقية في أعقاب ثورة نوفمبر 1918. لقد أنهى العمال والجنود الألمان الحرب العالمية الأولى، وأطاحوا بالقيصر، وشكلوا المجالس العمالية (التي كانت في واقع الأمر سوفيتات). كانت الثورة الاشتراكية مطروحة على جدول الأعمال.

وكانت قيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي والنقابات العمالية قد بنت سلطة أدبية هائلة بين صفوف الطبقة العاملة في الفترة التي سبقت ذلك. حيث تمكنت هذه القيادة من النضال لانتزاع التنازلات ورفع مستويات المعيشة استنادا إلى الانتعاش الاقتصادي. غير أنه عقب الثورة، استغلت القيادة الإصلاحية هذه السلطة الأدبية لتنفيذ ثورة مضادة بعباءة ديمقراطية. فتباهت بنضالها من أجل الديمقراطية، ويوم العمل المحدد بثماني ساعات، والمجالس العمالية في المصانع، وحرية تأسيس النقابات والانضمام إليها، ومشاركة الحزب الاشتراكي الديمقراطي في الحكومة، وما إلى ذلك، بيد أنها فعلت كل هذا بعد أن خانت قضية الاشتراكية.

وكان على الطبقة السائدة قبول هذه المساومة الطبقية في ذلك الوقت. فعلى سبيل المثال، إبان انقلاب كاب عام 1920، عندما حاولت طغمة تأسيس ديكتاتورية عسكرية رد 12 مليون عامل بأكبر إضراب عام في تاريخ ألمانيا. فسقط الانقلاب عقب أربعة أيام.

فكان على البرجوازية الكبيرة التوصل إلى تفاهمات مع القيادة الإصلاحية. إذ لم تكن سوى أقلية ضئيلة العدد، فاضطروا، عبر البيروقراطية الإصلاحية للتنظيمات العمالية، إلى حشد ملايين العمال والبرجوازية الصغيرة خلف برنامجهم. وتعد الديمقراطية البرجوازية التعبير المؤسسي لهذه المساومة الطبقية.

تصدعات في الأسس الاقتصادية

احتلت فرنسا منطقة الرور في يناير 1923، بعد تعثر جمهورية فايمار عن سداد التزامات التعويضات. فزاد التضخم الجامح وتصاعدت الإضرابات الاحتجاجية. وقد ازدادت قوة الحزب الشيوعي، غير أنه أخفق في تحويل الوضع إلى ثورة ناجحة.

أصدر الرئيس فريدريش إيبرت مراسيم طوارئ، وحظر الحزب الشيوعي، ودعم الحكومة البرجوازية.

وقفت قيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي بثبات إلى جانب الملكية الخاصة. فأصدر الرئيس فريدريش إيبرت مراسيم طوارئ، وحظر الحزب الشيوعي، ودعم الحكومة البرجوازية التي ألقت بعبء الأزمة على كاهل الجماهير. وقدم هذا القمع للنهوض الثوري عام 1923 اللبنات الأولى للتعافي الاقتصادي اعتبارا من عام 1924 وما تلاه.

نُفذ إصلاح نقدي لمكافحة التضخم، مما أدى إلى مزيد من إعادة توزيع الثروة من القاعدة إلى القمة. وأُلغي يوم العمل المحدد بثماني ساعات، وتخفضت الضرائب على الأثرياء. وإضافة إلى ذلك، قُدمت قروض أمريكية للمساعدة في إنعاش الاقتصاد مؤقتا.

تعافى الاقتصاد مؤقتا، ووصل الإنتاج الصناعي إلى مستويات ما قبل الحرب بحلول عام 1929. وفي أعقاب ذلك، ظهرت احتكارات هائلة. حيث استحوذت شركة (Vereinigte Stahlwerke AG) على 50% من إنتاج الفحم والحديد في ألمانيا، و40% من إنتاج الصلب. وفي عام 1929، وحدت شركة (IG Farben) قواها مع تكتلات أوروبية أخرى لتشكيل اتحاد احتكاري للأصباغ، ينتج 80% من أصباغ العالم.

لكن في الوقت نفسه، ارتفعت معدلات البطالة. إذ اعتمد الانتعاش الاقتصادي بالأساس على “العقلنة”، أي الاستغلال الأشد قسوة للعمال. وبحلول بداية الكساد الكبير، كان عدد العاطلين عن العمل في ألمانيا قد ارتفع إلى زهاء مليوني شخص. وكانت إعانات البطالة تلتهم نسبة تتسع باستمرار من الميزانية الوطنية.

وقد ظهرت البوادر الأولى للركود في ألمانيا في وقت مبكر يعود إلى عام 1927. وعُولج لبعض الوقت عن طريق الطلب في السوق العالمية. بيد أنه مع اصطدام رأس المال بدرجة متزايدة بحدود السوق الوطنية سعى إلى أسواق جديدة كانت القوى الإمبريالية الأخرى تسد المنافذ إليها. وهكذا برزت من جديد المعضلة التي سعت ألمانيا إلى حلها عبر الحرب العالمية الأولى.

وأطلق انهيار بورصة نيويورك عام 1929 صافرة بداية فصل جديد في التاريخ العالمي. فانهارت السوق العالمية، وأُقيمت الحواجز الجمركية في كل مكان، وسُحبت القروض الأجنبية، وتساقطت البنوك كأحجار الدومينو. وارتفعت البطالة في ألمانيا إلى أكثر من ستة ملايين شخص بحلول عام 1932، وأُجبر ملايين آخرون على قبول ساعات عمل أقصر وأجور اقل.

تصاعد عدم الاستقرار السياسي، فأضحت دوائر السلطة بحاجة إلى خادم سياسي يستطيع تطبيق برنامج يلقي بعبء الأزمة على كاهل الجماهير، ويمهد للحرب القادمة، ويحول دون إطاحة الطبقة العاملة بالرأسمالية.

مولر: قبطان سفينة غارقة

أضحى الحزب الاشتراكي الديمقراطي أقوى حزب بنحو 30% من الأصوات في انتخابات الرايخستاغ (البرلمان) في مايو 1928. وعقب أربع سنوات في المعارضة، وعلى وقع ركوب موجة الأزمة المتشكلة، دخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي ثانية في ائتلاف مع الأحزاب البرجوازية، تحت قيادة المستشار هيرمان مولر.

واجه الإصلاحيون معضلة: لقد اعتمدوا على الطبقة العاملة، بينما سعوا في الوقت نفسه إلى خدمة أسيادهم الرأسماليين على نحو جيد. وأدى ذلك إلى صراعات مستمرة واستنزاف متزايد لقاعدتهم الاجتماعية.

كان الحزب الاشتراكي الديمقراطي قد خاض حملته الانتخابية في انتخابات عام 1928 بشعار “طعام الأطفال لا الطرادات المدرعة” (Kinderspeisung statt Panzerkreuzer)، من بين شعارات أخرى. غير أنه فور توليه السلطة، وافق وزراء الحزب الاشتراكي الديمقراطي في نهاية المطاف على توسيع البحرية الألمانية عقب تهديد شركائهم في الائتلاف بإسقاط الحكومة. فازداد السخط داخل صفوف الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وهو ما استفاد منه الحزب الشيوعي.

هز إضراب كبير  خاضه عمال الحديد والصلب منطقة الرور في نهاية عام 1928. ولما انهارت المفاوضات الجماعية، عينت حكومة مولر حكما عن الدولة للتدخل، والذي أوصى بزيادة الأجور وتخفيض ساعات العمل. وكان هذا أمرا غير مقبول بالنسبة لأرباب العمل، فرد الرأسماليون بإغلاق المصانع في وجه أكثر من 200 ألف عامل. وردا على ذلك، سارعت الحكومة إلى تعديل قرارها ليكون أكثر محاباة لأرباب العمل.

وكانت قد بدأت بوادر حرب أهلية وشيكة بالظهور إبان حكومة مولر. فقد اكتسب حزب العمال القومي الاشتراكي (NSDAP) —الذي كان هامشيا فيما مضى— تأييدا اعتبارا من عام 1928 وما تلاه. وتصاعدت الصدامات بين المنظمة الإرهابية الفاشية الآخذة في النمو، كتائب العاصفة (SA)، وبين رابطة مقاتلي الجبهة الحمراء التابعة للحزب الشيوعي.

وأصدر وزير الداخلية البروسي التابع للحزب الاشتراكي الديمقراطي حظرا على التظاهر عام 1929 بذريعة الرغبة في منع مثل هذه الحوادث. ولكن الحزب الشيوعي نظم مسيرات في عيد العمال في تحدٍ لهذا الحظر. في البداية ضربت الشرطة المتظاهرين، ثم فتحت النار عليهم. حيث قتلت الشرطة 33 شخصا فيما يُعرف الآن بـ”مايو الدموي”، من بينهم أعضاء في الحزب الاشتراكي الديمقراطي.

كان لدى الحزب الشيوعي القدرة الكافية لزيادة شعبيته على نحو هائل استنادا إلى السياسات المناهضة للعمال التي نفذتها قيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي. ورغم أن الحزب الشيوعي كان ينمو بانتظام إلا أن نموه كان بطيئا. واعتبارا من عام 1929 وما تلاه، اعتنق الحزب الشيوعي نظرية “الفاشية الاجتماعية”، وهي الفكرة القائلة بأن الاشتراكيين الديمقراطيين هم الفاشيون الحقيقيون. وبدت أحداث مثل “مايو الدموي” تأكيدا لهذه الفكرة، بيد أن هذه النظرية لم تكن تحليلا علميا. وأدت هذه الممارسة إلى إدانة كافة الاشتراكيين الديمقراطيين، وهو ما حال دون إقناع العمال المؤيدين للحزب الاشتراكي الديمقراطي بالبرنامج الشيوعي.

وفي الوقت نفسه، اتجهت البرجوازية الصغيرة بدرجة متزايدة نحو النازيين، الذين حققوا أولى نجاحاتهم الكبرى في انتخابات الولايات عام 1929. وكانت البرجوازية الصغيرة قد أضحت مفقرة تماما عقب الحرب. ورغم أن الانتعاش الاقتصادي كان قد حقق استقرارا للوضع، إلا أنه لم يؤدِ إلى تعافٍ كامل. وكان الفلاحون، على وجه الخصوص، يغرقون بدرجة أعمق في الديون، إذ لم يكن بمقدورهم التنافس مع الإنتاج الموسع، وكانت مزارعهم تُباع في المزاد العلني القسري.

كانت البرجوازية الصغيرة قد أضحت مفقرة تماما عقب الحرب.

ومع التراجع الاقتصادي اعتبارا من عام 1927 وما تلاه، ثم الكساد الكبير، وجد الأطباء والمحامون والتجار الصغار وأصحاب المراكز المماثلة أنفسهم دون زبائن قادرين على الدفع. وتخفضت رواتب موظفي الخدمة المدنية من أجل تحقيق الاستقرار في الإنفاق العام. ومع وجود ملايين العاطلين عن العمل، لم يكن بمقدور البرجوازية الصغيرة المطحونة الانضمام ببساطة إلى الطبقة العاملة. فكان طريقها الوحيد هو الانحدار نحو الفقر المدقع.

أدت سياسات الحزب الاشتراكي الديمقراطي والحزب الشيوعي والأحزاب البرجوازية التقليدية إلى تنفير البرجوازية الصغيرة. ولم يقدم الحزب الاشتراكي الديمقراطي، على وجه الخصوص، أي مخرج لهم من الأزمة، بل تصرف مجرد مدير لها. وجعل إقرار حكومة مولر لخطة يونغ، وهي خطة تهدف إلى ضمان سداد ألمانيا لكافة تعويضات الحرب، هذا الأمر جليا للبرجوازية الصغيرة بوجه خاص. إذ أضحى يتوجب الآن حتى على أحفادهم وأحفاد أحفادهم دفع هذه التعويضات. وبرز النازيون باعتبارهم القوة الوحيدة التي لم تُختبر بعد.

فقد شن النازيون حملة ضد خطة يونغ بمساعدة الإمبراطورية الإعلامية لهوغنبرغ. وحصدت عرائضهم المطالبة بإجراء استفتاء عام على خطة يونغ زهاء ستة ملايين توقيع. وكان هذا هو الشرارة التي أشعلت صعود النازيين. إذ أتاح هذا للعديد من الناس التعرف على برنامجهم للمرة الأولى.

كانت نهاية حكومة مولر تقترب في عام 1930. فقد طالب اتحاد الصناعات الألمانية بإجراءات أشد قسوة: إعفاءات ضريبية لأصحاب الأعمال، وإلغاء التحكيم الإجباري، واقتطاعات من الإنفاق الحكومي، وتوفير في التأمين ضد البطالة، وما إلى ذلك. وعندما فشل الحزب الاشتراكي الديمقراطي في الامتثال لمطالب القطاع الصناعي بشأن التأمين ضد البطالة، وصلت الحكومة الائتلافية إلى نقطة الانفجار.

مأزق برونينغ

عين الرئيس هيندنبرغ هاينريش برونينغ مستشارا في مارس 1930. وكانت هذه الحكومة “مناهضة للماركسية” صراحة، أي أنها وُجهت ضد الحزب الاشتراكي الديمقراطي والنقابات العمالية والحزب الشيوعي. ونُفذت أجندة النخبة السائدة بواسطة حكومة الأقلية هذه عبر مراسيم الطوارئ.

عارض الحزب الاشتراكي الديمقراطي هذه الحكومة في البداية، بيد أن ذلك تغير مع نتائج الانتخابات في سبتمبر 1930. ففي غضون عامين، رفع حزب العمال القومي الاشتراكي حصته من الأصوات من 2.6% إلى 18.3%، ليضحى ثاني أقوى حزب بعد الحزب الاشتراكي الديمقراطي. وساهمت إجراءات برونينغ غير الشعبية  في هذا الصعود، من قبيل زيادة الضرائب على البيرة والبنزين، فضلا عن الاقتطاعات من إعانات البطالة.

غير أنه في واقع الأمر، كان مجموع أصوات الحزب الاشتراكي الديمقراطي والحزب الشيوعي لا يزال يمثل القوة الأكبر، بأكثر من 37% من الأصوات. يُضاف إلى ذلك النقابات العمالية القوية والمجموعات شبه العسكرية والتنظيمات العمالية الموالية للحزب الاشتراكي الديمقراطي أو الحزب الشيوعي. لقد حجب المشهد المشوه للتكوين البرلماني الحقيقة: كان بمقدور الحركة العمالية دحر الخطر الفاشي المتنامي بسهولة.

وبدلا من ذلك، قبلت قيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي برونينغ باعتباره “أهون الشرين”. لم يصوتوا لصالح قوانينه، لكنهم لم يصوتوا ضد مراسيم الطوارئ التي أصدرها أيضا، وذلك لمنع سقوط الحكومة.

وكان برونينغ قد عقد العزم على الحكم دون الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وضده. والآن وجدت الحكومة نفسها أمام مأزق: لم يكن بمقدورها تنفيذ الهجمات الضرورية بوجود الحزب الاشتراكي الديمقراطي، ولا كان بمقدورها فعل ذلك دونه.

أنظمة مأزومة ومؤقتة

لم تحظ حكومة برونينغ سوى بتأييد أخذ في التضاؤل باستمرار، وكذلك الحكومات البونابرتية التالية لها بقيادة بابن وشلايشر اعتبارا من عام 1932 وما تلاه. إذ كان بمقدور البرلمان تعليق مراسيم الطوارئ، بينما كانت المعارضة على أطراف الطيف السياسي تزداد قوة مع كل انتخابات.

لقد كان نظما غير مستقر للغاية، اعتمد على العداء القائم بين معسكرين: الحركة العمالية والفاشيين. ولو أن طغمة برونينغ نشرت أجهزة الدولة ضد النازيين لأدى ذلك إلى انقسامات، نظرا لأن العديد من ضباط الشرطة والجنود كانوا يتعاطفون مع النازيين.

وعلاوة على ذلك، لولا خطر النازيين لما تسامح الحزب الاشتراكي الديمقراطي مع حكومة برونينغ باعتبارها “أهون الشرين”. لقد كان برونينغ بحاجة إلى النازيين لمواجهة التنظيمات العمالية القوية، بيد أنه لولا هذه التنظيمات العمالية لما أوقف النازيين شيء. لم يتمكن برونينغ وبابن وشلايشر من الحكم إلا لأن المواجهة الحقيقية بين النازيين والحركة العمالية لم تكن قد وقعت بعد.

وكانت البرجوازية الكبيرة لا تزال منقسمة بشأن طبيعة الحل. وقد أوضح تروتسكي ذلك قائلا: “إن العلاج الاشتراكي الديمقراطي ينفر جزء من البرجوازية الكبيرة بسبب عدم يقينية نتائجه، وخطر الاقتطاعات الكبيرة للغاية (الضرائب، التشريعات الاجتماعية، الأجور). بينما يبدو التدخل الجراحي للفاشية للجزء الآخر غير مبرر بالنسبة للوضع ومحفوفا بالمخاطر للغاية”. إذ حمل الاعتماد على النازيين خطر إشعال حرب أهلية، كان يمكن أن تؤدي أيضا إلى انتصار الثورة الاشتراكية.

كانت هذه الأنظمة المؤقتة محاولة لإيجاد مسار يتجنب تكاليف الاشتراكية الديمقراطية من جهة، وخطر الحرب الأهلية الممتدة من جهة أخرى.

كانت هذه الأنظمة المؤقتة محاولة لإيجاد مسار يتجنب تكاليف الاشتراكية الديمقراطية من جهة، وخطر الحرب الأهلية الممتدة من جهة أخرى.

استمر الحزب الاشتراكي الديمقراطي في التمسك باستراتيجية “أهون الشرين”. ففي الانتخابات الرئاسية في ربيع عام 1932، دعم هيندنبرغ شديد الرجعية ضد هتلر. رغم أنه في عام 1925 كان يجادل بأن هيندنبرغ هو “الشر الأكبر”، أما الآن فقد جادل بأنه مخلص للدستور وسيسد الطريق أمام هتلر.

فقد برونينغ حظوته في يونيو 1932، ليحل محله بابن. واتخذ بابن موقفا أكثر علانية في عدائه للحركة العمالية، ففي يوليو أطاح بالحكومة التابعة للحزب الاشتراكي الديمقراطي في بروسيا. لكن الحزب الاشتراكي الديمقراطي ظل سلبيا رغم الضغوط الممارسة من عليه من طرف أعضائه. وحاول الحزب الشيوعي التواصل مع عمال الحزب الاشتراكي الديمقراطي عبر الدعوة إلى إضراب عام. بيد أن ذلك لم يكلل بالنجاح، إذ لم يكن بمقدوره تجاوز الأضرار الناجمة عن سياسة “الفاشية الاجتماعية”.

أضحى خطر الحرب الأهلية يلوح في الأفق بوضوح أكبر، وازداد الخوف من البلشفية بين الطبقات السائدة حول العالم. وضغط بابن، ولاحقا شلايشر، لإجراء تعديل دستوري يمنحهما مزيدا من السيطرة على البلاد. بيد أن الرايخسفير (الجيش الألماني بعد معاهدة فرساي) قدر، عبر مناورة حرب، عدم قدرته على احتواء الاضطرابات التي قد يطلقها مثل هذا التحرك.

وخشيت الطبقة السائدة من عدم قدرة الحزب الاشتراكي الديمقراطي على كبح جماح قواعده لفترة أطول، والتي بدأت تتحرك بسبب صعود النازيين، وتنشق للانضمام إلى الحزب الشيوعي بمعدل يدعو للقلق. فإلى متى سيستمر هذا الانقسام بين الحزب الاشتراكي الديمقراطي والحزب الشيوعي؟

عُين شلايشر مستشارا في ديسمبر 1932. وحاول التعاون مع النقابات العمالية والعناصر “اليسارية” في الحزب النازي، من قبيل غريغور شتراسر، لاستعادة النظام، غير أنه أخفق في نهاية المطاف.

لقد كان المسار الذي سلكه برونينغ وبابن وشلايشر والحزب الاشتراكي الديمقراطي نفسه طريقا مسدودا. فقد علقت هذه الأطراف جميعها آمالها على أن يجلب التحسن الاقتصادي الاستقرار، وعندما تبدد هذا التوقع وجدوا أنفسهم مكشوفين تماما.

انتقال السلطة إلى هتلر

بالنسبة للبرجوازية الكبيرة ككل، أضحى المخرج الوحيد جليا بدرجة متزايدة: لقد كانت بحاجة إلى قوة تحظى بتأييد جماهيري تضمن حسم الحرب الأهلية الوشيكة لصالحها، وقوة قادرة على سحق التنظيمات العمالية.

وهذا بالظبط ما وعدتها به الحركة الفاشية بقيادة هتلر. إذ أقنعها بأنه يصون مبدأ الملكية الخاصة بثبات، وأن “الاشتراكية” القومية ليست سوى ذريعة. وقد برهن نظام موسوليني على أن هذه الخطة قابلة للتنفيذ.

في نهاية المطاف، أقنعت مجموعة من الصناعيين هيندنبرغ بتعيين هتلر مستشارا في يناير 1933. قدم هذا الانتقال القانوني للسلطة الغطاء المثالي للانقلاب الفاشي. فاستغل النازيون موقعهم داخل أجهزة الدولة بمهارة لدمج كتائب العاصفة (SA) في الدولة، والبطش بالحزب الشيوعي والحزب الاشتراكي الديمقراطي. استسلمت قيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي دون قتال، لأنها كانت تخشى دائما تعبئة الجماهير العمالية وفقدان السيطرة عليها.

تعد البرلمانية البرجوازية والفاشية أشكالا للحكم الرأسمالي. ورغم أن الطبقة السائدة تنازلت عن سلطتها السياسية لهتلر، إلا أنه كان أكثر فاعلية في تنفيذ مصالح الإمبريالية الألمانية. فقد تمكن الرأسماليون من تنفيذ برنامج التقشف الخاص بهم وإطلاق حرب إمبريالية جديدة دون عوائق بتدميره التنظيمات العمالية وقتل عدد لا يُحصى من الاشتراكيين والشيوعيين. لتتوالى عقب ذلك فظائع لا تُحصى.

وحدهم من يقاتلون يستطيعون الانتصار

اعتمدت قيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي باستمرار على المساومة الطبقية لجمهورية فايمار بدلا من تعبئة قوى الطبقة العاملة: “سنهدئ العمال، وفي المقابل سيمنح الرأسماليون الإصلاحات”. وفي نضالها ضد النازيين، علقت آمالها على الدولة والقانون والجيش والشرطة. فلم ترغب في استفزاز النازيين أو إحداث مزيد من التزعزع في الوضع عبر التعبئة الجماهيرية.

اعتقدت قيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي أن الطبقة العاملة ضعيفة للغاية. بيد أنه في واقع الأمر، كان العمال متخبطين ومثبطي الهمم نتيجة ضعف قيادتهم الإصلاحية.

لقد خشي الإصلاحيون الحرب الأهلية، غير أنها كانت قائمة بالفعل في صورتها الجنينية في كل هجوم شنته كتائب العاصفة (SA) وقوات الحماية (SS). وكان بمقدور الحزب الاشتراكي الديمقراطي، بالتعاون مع الحزب الشيوعي، سحق العصابات النازية ماديا.

كانت العقبة الرئيسية في النضال ضد الفاشية هي القيادة الإصلاحية المشلولة. وكان ينبغي أن تكون مهمة الحزب الشيوعي هي تجاوز تلك العقبة. فمن خلال سياسة للجبهة المتحدة تنفذ على نحو صحيح، كان بمقدوره أن يوضح لعمال الحزب الاشتراكي الديمقراطي مدى ضعف قيادتهم. لكن بدلا من ذلك، دعمت قيادة الحزب الشيوعي قيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي من الموقع اليساري. لأن سياستها الخاصة بـ”الفاشية الاجتماعية” ساهمت في تقسيم الحركة العمالية.

ولو أن الحزب الاشتراكي الديمقراطي والحزب الشيوعي قاما بتعبئة العمال لأدركت الطبقة العاملة قوتها الحقيقية، ولسارت بخطى حثيثة نحو الثورة الاشتراكية. لقد كان ذلك هو المخرج التقدمي الوحيد من أزمة جمهورية فايمار.

واليوم، ونظرا لأن الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب اليسار قد دعما باستمرار هجمات رأس المال الكبير فلم يتمكنا من منع صعود حزب البديل من أجل ألمانيا. والآن، بعد أن أضحى حزب البديل من أجل ألمانيا قوة ملحوظة يريدان الاستمرار في السياسات نفسها تحت راية “الدفاع عن الديمقراطية”.

إن كل من يريد النضال ضد حزب البديل من أجل ألمانيا بحاجة إلى خوض الصراع الطبقي. تظل الإصلاحية هي العقبة الرئيسية اليوم. فلأن الديمقراطية الرأسمالية لا تقدم للطبقة العاملة سوى البؤس يتوجب علينا تعبئة الحركة العمالية ببرنامج طبقي مستقل للاستعاضة عنها بالاشتراكية.

14 يوليو/تموز 2026

ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:

Germany: how ‘saving democracy’ assisted the rise of fascism