أثارت أوبرا موزارت “زواج فيجارو” عاصفة عند عرضها الأول عام 1786. في هذا المقال، يفسر آلان وودز الطبيعة التمردية للأوبرا، وكيفية إحداثها ثورة في الشكل الفني. والأهم، أنه يُظهر كيف عبرت عن الغليان الاجتماعي المتصاعد، الذي بلغ ذروته بالثورة الفرنسية بعد سنوات قليلة فقط.

يُعتبر فولفغانغ أماديوس موزارت في نظر الكثيرين أعظم موسيقي على مر العصور. لقد كان ثوريًا بأكثر من معنى. ومن بين أبرز إنجازاته ما قدمه في مجال الأوبرا.
فقد كانت الأوبرا قبل موزارت تُعتبر شكلاً فنياً حِكراً على الطبقات العليا. وهذا ينطبق ليس فقط على مشاهديها، بل أيضاً على شخصياتها الدرامية – أي الشخصيات التي تُعرَض على المَسْرَح، وخصوصاً أبطالها. ولكن مع “زواج فيجارو” (والتي تحمل عنوانها الإيطالي الأصلي Le Nozze di Figaro) في عام 1786، تغير كل ذلك. فهذه حكاية خادمٍ يَتَحَدّى سيدَه ويتفوق عليه بِذَكائِهِ.
كانت نقطة الانطلاق هذه الأوبرا ذاتها عملًا تخريبيًا. فمسرحية بومارشيه، التي استلهم منها موزارت أوبراه، صورت الطبقة الأرستقراطية باعتبارها طبقة منحلة وفاسدة وشهواني. كان ذلك يعتبر ثوريًا وخطيرًا في ذلك الوقت. ففي أحد خطاباته، تجرأ بطل المسرحية، الخادم فيجارو، على القول بأنه لا يُقَلُّ مَكانةً عن سيده. وكان هذا الكلام، في السَّنوات التي سَبَقَت الثورة الفرنسية، مزلزلًا! لدرجة أن لويس السادس عشر اعتبر المسرحية خطيرة للغاية وحاول في البداية حظرها.
وفي النهاية، عُرِضَت المسرحية، وكان العرض الأول لها في باريس مكتظًا بالجمهور لدرجة أن ثلاثة أشخاص لقوا حتفهم دهسًا بين الحشود. وهذه الحادثة البسيطة تُعَدُّ مؤشرًا واضحًا على الغليان الذي كان يتراكم في المجتمع الفرنسي في تلك الفترة.
بعد خمس سنوات فقط، اقتُحم الباستيل. وكثير من رعاة الفنون الأثرياء الذين حضروا العرض الأول لمسرحية بومارشيه عام 1784، والذين ضحكوا أو استهجنوا حسب توجهاتهم الفنية أو السياسية، انتهى بهم المطاف إلَى مِقَصلةِ الجِيلْوتِين. هكذا كان المصير التاريخي لمسرحية وصفها نابليون لاحقًا بـ “الثورة مجسدة على المسرح”.[1]
ابن لعصره
من المؤكد أن هناك دائمًا خطر المبالغة في تحميل الأعمال الفنية المكتوبة قبيل الثورة الفرنسية، أو أي حدث مماثل، أكثر مما تتحمل. لكن الدلالات هنا واضحة جدًا بحيث لا يُمكن اعتبارها وليدة الصدفة. فالفنان العظيم، حتى عندما يكون فهمه للسياسة ضئيلا، قادر أحيانًا على استشعار مزاج عام معين يتشكل في المجتمع، فيمنحه أصدق وأعمق تعبير، حتى قبل أن يعيه الفاعلون المباشرون في العملية التاريخية.
لم يكن موزارت ثوريًا بالمعنى السياسي. لكنه كان ابنٌ لعصره، ونتاج عصر التنوير، الذي استطاع أن يعكس ببراعة المناخ العام للعصر الذي عاش فيه. لقد أسرته روح التمرد التي كانت ملائمة تمامًا لطباعه. وهذا بدوره لم يكن محض صدفة، بل نتيجة لتجاربه الحياتية التي أورثته كراهية عميقة للظلم وتعاطفًا مع المستضعفين الذين يناضلون من أجل حقوقهم وحريتهم وكرامتهم الإنسانية.
كان موزارت، الذي عاش في فيينا أواخر القرن الثامن عشر، مدركًا تمامًا لطبيعة الإقطاع والطبقة الأرستقراطية السائدة. ولم يكن غافلًا عن الرسالة الثورية في مسرحية بومارشيه، التي حظرها جوزيف الثاني شقيق ماري أنطوانيت.
كان جوزيف يعتبر ملكًا تقدميًا نسبيًا في تلك الفترة (على غرار فريدريك الأكبر ملك بروسيا وكاترين العظمى ملكة روسيا). فقد ألغى القنانة في أراضيه، وأَذِن بحرية التعبير (نسبيًا)، وحتى حاول إلغاء امتيازات النبلاء. بل كان من المعتاد أن يُجبر الأرستقراطيون على كنس شوارع فيينا كعقوبة على مخالفة بسيطة. كما تدخل حتى في أبسط تفاصيل الحياة، كما حدث عندما أصدر قانونًا يمنع النساء من ارتداء مشدّات الخصر (corsets) في المناسبات العامة.
كان موزارت قد حاول دمقرطة الأوبرا بكتابتها باللغة الألمانية بدلًا من الإيطالية، كما في أوبراه “الاختطاف من السراي” (Die Entführung aus dem Serail). لكن تأثير اللغة الإيطالية كان هائلًا (وكانت الأوبرا الكوميدية الإيطالية رائجة آنذاك)، فقرر أن يكتب أوبراه الجديدة بالإيطالية (كانت لغة العمل الأصلي، بالطبع، الفرنسية). وقد سبق وأن حولت تحفة بومارشيه الأخرى، “حلاق إشبيلية”، بالفعل إلى أوبرا إيطالية، وحظيت بإقبال كبير. فقرر موزارت أن يحذو حذوه، بمسرحية كان من الممكن تسميتها “عودة فيجارو”.
اختار موزارت كاتب النص الأوبرالي غير المألوف: لورينزو دا بونتي، الذي كان من أصل يهودي، ومفكرا حرا، ومستهتر، وصديق لكازانوفا. على الرغم من أنه لم يكن كاتب نصوص أوبرا متمرسًا، إلا انه أنجز نصًا استثنائيًا في ستة أسابيع فقط. ولم ينجح دا بونتي فقط في الحفاظ على القوة السياسية الكاملة للعمل الأصلي، بل أثري الشخصيات وأضاف لها عمقًا دراميًا.
التحدي
تتجلى روح العمل من المقاطع الأولى الافتتاحية – عمل مفعم بالحياة والطاقة. تنقل الموسيقى بدقة فائقة التغيرات المتقلبة في أفكار ومشاعر الشخصيات.
وبأسلوب درامي جديد، يلقي بنا مباشرة في قلب الأحداث منذ المشهد الافتتاحي. ها هنا، ولأول مرة، لا يتراءى لنا آلهة أو إلَهات، ولا أبطال كلاسيكيون، أو حوريات أو رعاة، بل رجال ونساء عاديون: خدم المنازل. ندخل مساكنهم ونرى كيف يعيشون، ويفكرون، ويشعرون. كانت هذه أول مرة تعرض فيها مثل هذه الأمور على المسرح.
في هذا المشهد الافتتاحي، يقيس فيجارو سرير. وهذا يدخلنا مباشرة في الموضوع الرئيسي، فالسرير المقصود هو سرير زواج فيجارو. والموضوع هو الجنس. فالسيد الكونت المحلي ينوي ممارسة الحق الإقطاعي المسمى “حق الليلة الأولى” أي حق السيد في ممارسة الجنس مع امرأة تحت سلطته في ليلة زفافها. لكن فيجارو عازم على منعه.
هنا يصطدم حق السيد مباشرة مع حق الخادم. إنه صراع إرادات ينتصر فيه الخادم في النهاية. والمستهدف بالتحدي هنا هو السلطة التعسفية للأرستقراطية الإقطاعية. يتحدى فيجارو الكونت في الآريا الشهيرة “Se vuol ballare, signor contino” في الفصل الأول، والتي يمكن ترجمتها تقريبًا إلى:
«أيها الكونت! إن أردت رقصا،
فأنا من يعزف اللحن،
هلم إلى مدرستي،
أعلمك كيف تنط بأمري!»
الآريا تبدو وكأنها رقصة مينويت بلاطية من القرن الثامن عشر. لكن جوهر الموسيقى يختلف تمامًا عن رقة المينويت التقليدية. إنها عبارة عن بيان عدواني مفعم بالتهديد والتحدي. إنها إعلان حرب من الخادم على سيده.
في هذا الصراع، لا شك في انتماءات موزارت. كان مجتمعًا إقطاعيًا تهيمن عليه شرائح تلو شرائح من النبلاء، بدءً من كبار أسياد الأرض وصولًا إلى صغار ملاك الأراضي المحليين. وقد مارس جميعهم طغيانهم على عامة الشعب، وليس فقط على الفلاحين الذين يزرعون أراضيهم. لقد تصرف هؤلاء النبلاء باعتبارهم عرق مختلف.
كان موزارت نفسه من الطبقة المتوسطة المحترمة. ومع ذلك، كان مجرد خادم آخر لأسياده الأرستقراطيين: خادم من نوعٍ رفيع، ولكنه خادم في نهاية المطاف. وعندما كان في خدمة رئيس أساقفة سالزبورغ، كان يفرض عليه تناول الطعام في الطابق السفلي مع الخدم. كان مكانه محددًا بوضوح – فوق الطهاة ولكن تحت خدام رئيس الأساقفة.
وحين قرر موزارت الانتقال إلى فيينا وترك خدمة رئيس الأساقفة، أقدم الكونت أركو، أحد حاشية رئيس الأساقفة وكان من المفترض أنه صديق موزارت، على ركله في مؤخرته لإظهار ولائه لسيده. كان ذلك المشهد تجسيدًا حيًا للعلاقة بين الفنان والطبقة الثرية التي تشتري خدماته كما تشتري كلبًا ثمينًا للصيد. فحتى الكلب باهظ الثمن يجب أن يُركل إذا لم يمتثل لرغبات صاحبه. ومن هنا، كان من الطبيعي أن يُفتن موزارت بفكرة أن خادمًا مثل فيجارو يعلو على سيده.
عمل تقويضي
في فيينا، نال موزارت شهرة وشعبية واسعة. وبلغ في ذروة مسيرته الفنية درجة معينة من الرفاهية والهيبة. لكن شبح الفقر والدَّيْن لم يفارقه أبدًا.
احتاج موزارت إلى نجاح “فيجارو”، وكان محظوظًا بموافقة جوزيف الثاني على عرضها. كان موزارت ودا بونتي دخيلان على زمرة الأوبرا الرسمية في البلاط، تلك التي صورها ببراعة بيتر شافر في مسرحيته “أماديوس” عام 1979. لقد بذل البيروقراطيون الصغار وموظفو البلاط العاديون قصارى جهدهم لعرقلة الأوبرا، لكنها وصلت في النهاية إلى المسرح في مايو 1786.

ربما كان لقرار جوزيف بالسماح بعرض أوبرا موزارت بُعد سياسي أيضًا. فقد كان في صراع مع النبلاء حول الضرائب وأمور أخرى، وكان من مصلحته إظهار الطبقة الأرستقراطية في صورة سيئة. في النهاية، لاقت الأوبرا استحسانًا كبيرًا من الجمهور الفييني إلى حد أن الإمبراطور اضطر، بحلول العرض الثالث، إلى وضع حد لعدد مرات إعادة العرض. ومع ذلك، لم تُعرض سوى تسع عروض. من الواضح أن السلطات أدركت المعنى التقويضي الكامن في العمل.
“فيجارو” مسرحية كوميدية، لكن برسالة جدية. فيها كوميديا رفيعة فيه وفَصل هزلي (Farce) ساخر، وأيضًا لحظات من الجمال والعطف، كما في آريا الكونتيسة في مطلع الفصل الثاني، “Porgi amor…” حيث ترثي ضياع حب زوجها. أما الكونت نفسه، فيصور على أنه طاغية، وإن كان في هذه المناسبة عاجزا عن ممارسة طغيانه. إذ يكون هذا الطغيان اجتماعيا وشخصيا في آنٍ واحد، يتجلى في استبداد الكونت بالنساء.
إن السبب الذي يجعل طغيان الكونت يخذله، كما يلمح العمل بذلك، هو أنه تعسفي إلى حد كبير: فهو لا يستند على المنطق او العقل، وبالتالي لا حق له في الوجود، كما كان هيغل ليقول. ولكن هذه الحجة ذاتها يمكن توجيهها ضد النظام القديم بأكمله. فالنظام الاجتماعي الذي تجاوز صلاحيته، وصار في صراع مع ذاته، لا مبرر لوجوده ويجب إسقاطه. تلك كانت حجة فلاسفة مثل هيغل، وكانت أيضا المنطق الكامن وراء الثورة الفرنسية ومبررها. وهي أيضًا حاضرة دائمًا في صفحات “زواج فيجارو”.
ومثلما نعرف، توجد عدة طرق لمحاربة الطغاة. إحداها – كما حدث في فترة 1789-1793 – كانت قطع رؤوسهم. لكن، حيثما لا تتوفر مثل هذه الحلول الجذرية، يمكن استخدام سلاح السخرية، وهو ما فعله بومارشيه وموزارت ببراعة كبيرة.
في النهاية، سُمح للخدم بدخول قاعة الاستقبال والرقص في حفل زفاف فيجارو. هنا، تتغير الأجواء. تظهر الجماهير أبطالًا منتصرين – ليسوا مجرد ظلال باهتة في الخلفية، بل أفراد حقيقيون أحياء لهم عقولهم وشخصياتهم ومشاعرهم وتطلعاتهم الخاصة. إن مشهد هؤلاء الرجال والنساء يرقصون منتصرين في قاعة استقبال الأرستقراطي يحمل في طياته دلالة تاريخية. إنه رمز واستباق موسيقي لأحداث أصبحت واقعًا بعد ثلاث سنوات فقط.
لقد حققت أوبرا “زواج فيجارو”، بألحانها الجذابة وروحها المرحة وموضوعها المثير للجدل، نجاحًا باهرًا. واليوم، حيث ينظر إلى الأوبرا على أنها فن للنخبة، يصعب إدراك مدى شعبيتها آنذاك. كانت بمثابة موسيقى البوب في زمنها. ومن لم يكن بمقدوره حضور العروض كان يحصل عليها في نسخ مكيّفة للفرق الموسيقية.
وبعد ستة أشهر من عرضها الأول في فيينا، في ديسمبر 1786، عُرضت في براغ، حيث لاقت نجاحًا أكبر. دُعي موزارت ليرى بنفسه كيف أصبحت هذه الموسيقى رائجة – ليس فقط في دار الأوبرا، بل موسيقى في قاعات الرقص. وقد كتب مبتهجًا إلى صديقه: «هنا لا يتحدثون إلا عن “فيجارو”. لا شيء يُعزف أو يُغنى أو يُصفر إلا “فيجارو”. لا أوبرا تضاهي “فيجارو”. لا شيء، لا شيء سوى “فيجارو”.»[2]
دون جيوفاني
أما تحفة موزارت الأوبرالية الأخرى “دون جيوفاني”، التي كتبها دا بونتي أيضًا، فتستند إلى موضوع دون خوان الإسباني، الذي ظهر بأشكال متعددة في الأدب منذ ظهوره الأول في مسرحية “مخادِع إشبيلية” (El Burlador de Sevilla) لتيرسو دي مولينا، في عام 1630. هنا يعالج الموضوع نفسه الذي وجدناه في “فيجارو” بألوان أكثر قتامة، وبعمق وتعقيد أكبر.
تتجلى الألوان القاتمة لهذا العمل بوضوح منذ المقدمة الولى ذات النغمات الثقيلة والمهددة. فدون جيوفاني، مثل الكونت، مستهتر، لكنه أكثر من ذلك: إنه أيضًا متمرد يرفض كل الأعراف الاجتماعية والأخلاقية. وثمة عنصر فوضوي ينساب عبر هذه الأوبرا، وهو شعور بانهيار النظام الاجتماعي والأخلاقي القائم.
من الجدير بالذكر أن الآرْيَا الأولى من الفصل الأول غناها ليبوريللو، خادم دون جيوفاني، الذي يلعن حظه بينما ينتظر في البرد، بينما يطارد سيده امرأة في الداخل. إن رسالة آريا ليبوريللو هي عمل تقويضيّ سياسي – أي دعوة لقلب النظام الاجتماعي:
«(Notte e giorno faticar,
Per chi nulla sa gradir,
Piove e vento sopportar,
Mangiar male e mai dormir,
Voglio far il gentiluomo
E non voglio più servir.
Oh che caro galantuomo!
Voi star dentro colla bella,
Ed io far la sentinella!)»
«ليلًا نهارًا أُسخَّرُ
لمن لا يقدّرُ.
أحتملُ الريحَ والمطرَ،
آكل رديئا، ولا أنام أبدا،
أريد أن أكون سيّد نفسي
لا خادمًا بعد اليوم.
آه، ما أكرم هذا “النبيل”!
أنتَ بالداخل مع الحسناء،
وأنا واقف.. حارس عند الباب!»
وهكذا، أُُعطي ليبوريللو، الخادم الكوميدي النمطي، موضوعًا جادًا. فنقده لأسلوب حياة سيده الفاسد (وبالتالي الأرستقراطية عمومًا) يستمرفي الآريا الشهيرة المسماة “أَريا الفهرس”، حيث يُعدد بسخرية فتوحات دون جيوفاني الغرامية.
وقد شُبِّه دور ليبوريللو، صوت عامة الناس، بالمزيج الشكسبيري بين كوميديا الطبقة الدنيا والدراما الأرستقراطية، كما في مسرحية “هنري الرابع، الجزء الأول” على سبيل المثال. فهذا الدور ليس ثانويًا على الإطلاق، بل محوري في الأوبرا. وفي النهاية، يعيش ليبوريللو أكثر من سيده، الذي يُنقل أخيرًا إلى نيران الجحيم بمساعدة ضيف حجري غامض.
فبعد أن قدم موزارت ودا بونتي دون جيوفاني للعدالة المطلقة وحكما عليه بالهلاك الأبدي، أزالا أبخرة الكبريت بسداسية نابضة بالحياة. هنا، يُشير الناجون إلى العبرة ويتأملون في مستقبلهم، حين يختتم ليبوريللو الذي لا يُقهر: “سأذهب إلى الحانة لأجد سيدًا أفضل”.
في القرن التاسع عشر، بما اتسم به من تحفظ فيكتوري منافق، اعتُبر التفاؤل البهيج في هذه السداسية الأخيرة ذوقًا سيئًا، وكثيرًا ما أُهمل. لكن روحًا من البهجة لا تُقهر تميز دائمًا نظرة الجماهير، حتى في أشد الصراعات جدية، وقد أظهر موزارت إحساسًا لا يخطئ بالطبيعة البشرية عندما أنهى بهذه النغمة.
شخصية معقدة
يبدأ الفصل الأول بمشهد الخادم ليبوريللو وهو يقترح، في الواقع، قلب العالم رأسًا على عقب. وفي نهاية الفصل نفسه، يقدم دون جيوفاني نفسه نخبًا محكمًا للحرية، حيث يُجسد بدقة روح العصر.

شخصية دون جيوفاني ذاتها معقدة ومتناقضة. إنه شخصية أكثر إثارة للاهتمام من الكونت في “فيجارو”. مغامر ومنحل منغمس في الملذات وأرستقراطي معتاد على التلاعب بالناس وفقًا لأهوائه، وفي الوقت نفسه يتمتع بشجاعة شخصية. في نهاية الفصل الأول، عندما ثار العالم أجمع ضده، أجاب بتحد:
«(E’ un orribile tempesta
Minacciando, o Dio, mi va.
Ma non manca in me coraggio,
Non mi perdo o mi confondo.
Se cadesse ancora il mondo,
Nulla mai temer mi fa.)»
«عاصفة هوجاء، يا رب، تهددني
لكن الشجاعة فيّ لا تنف
لا أضيع، لا أرتبك أبدا.
ولو انهدم العالم بأسره،
فلا شيء يريعني.»
في النهاية، يكون مستعدًا لمقاومة قدره وضد الموت نفسه. كان هناك عدد كبير من أفراد هذه الطبقة الأرستقراطية من نفس نوعيته. بعضهم – مغامرون رجعيون – قاتلوا في صف النظام القديم، وساروا بفرح إلى المقصلة. أما آخرون، أقل عددًا وأكثر تفكيرًا، فانفصلوا عن طبقتهم وانضموا إلى الثورة، حيث قاتلوا وماتوا بشجاعة مماثلة. لو عاش دون جيوفاني ليشهد الثورة الفرنسية، لكان قد انتهى به المطاف كأحد هذين النوعين.
الطريق إلى الثورة
في جانب ما، يغادر “زواج فيجارو” التاريخ والحياة الواقعية، ولكن بشكل نسبي. ففي خاتمة الفصل الرابع، يتصالح الكونت والكونتيسة، حيث يتوب الكونت عن خطاياه. ثم يتصالح الجميع ويغنون بانسجام، وهكذا ينتهي العمل بنهاية سعيدة. لكن جوهر الكوميديا أن تنتهي بنهاية سعيدة، وإلا لما كانت كوميديا. والجميع يعلم أن مثل هذه النهايات لا تمت بصلة للحياة الواقعية. فالمصالحة المؤقتة بين الطبقات المتناحرة لا تدوم، تمامًا كما نعلم أن الكونت سيواصل مطاردة الخادمات في أقرب فرصة.
لكل صراع لحظات هدوء مؤقتة، كما أن كل حرب تعرف وقفًا مؤقتًا لإطلاق نار. وفي بدايات الثورة الفرنسية – مثل كل ثورة – ساد شعور عام بالنشوة، وتآخٍ بين جميع الطبقات، حيث ارتدى الملك والملكة شعار الثورة ثلاثي الألوان. سيطر وهم الأخوة الشاملة، الذي يتجاوز جميع الفوارق الطبقية للحظة وجيزة، على عقول المجتمع بأسره.
لكن كما كل الأحلام، سرعان ما تبدد هذا الحلم تحت قسوة الواقع. فقد بدأت الثورة الفرنسية من حيث انتهى “فيجارو”، لكنها لم تتوقف هناك. ومع اتساع أحداث الدرامية خلال سنوات 1789-1793، تراجعت كل الأوهام إلى الخلف، حيث انهار العالم القديم، ودُفنت نفايات القرون المتراكمة في مزبلة التاريخ.
فقد مهدت محاولات الإصلاح الطريق إلى الثورة. تتكرر هذه الظاهرة كثيرًا في تاريخ الثورات، وقد وثقها ألكسيس دي توكفيل جيدًا في كتابه الشهير “النظام القديم والثورة الفرنسية”. حيث حاول جوزيف الثاني، راعي موزارت، إجراء إصلاح كهذا من الأعلى لمنع الثورة من الأسفل. ومثل كل هذه المحاولات، حكم عليها بالفشل.
على قبر جوزيف، نقش مؤسف كتبه بنفسه: «هنا يرقد الأمير صاحب النوايا الطيبة، الذي لم يحالفه الحظ فرأى كل خططه تنهار». توفي موزارت عام 1791، على الأرجح نتيجة وباء، ودفن، وفقًا لأحد قرارات جوزيف الكثيرة التافهة، خارج أسوار المدينة في قبر بلا علامة، لم يتمكن أحد من تحديد هويته. لكن اسم موزارت ظل خالدًا ومبجلًا من ملايين الناس، بينما طوى النسيان أسماء أسياده الأرستقراطيين منذ زمن طويل.
مصادر ومراجع:
[1] : Quoted in E Las Cases, Memoirs of the Life, Exile, and Conversations of the Emperor Napoleon, Vol. 3, Redfield, 1855, pg 55
[2] : E Anderson (ed.), ‘Mozart to Baron Gottfried von Jacquin, Vienna’, The Letters of Mozart and his Family, W W Norton, 1989, pg 544
ماركسي موقع الأممية الشيوعية الثورية الناطق بالعربية