الرئيسية / قضايا نظرية / ثقافة وفن / فاوست لجيته: في البدء كان الفعل

فاوست لجيته: في البدء كان الفعل

تعتبر مسرحية فاوست، وهي الملحمة التي كتبها جيته، واحدة من أعظم الأعمال الفنية في التاريخ. لقد ألهمت أجيالا من مختلف أنحاء العالم وستستمر كذلك للأجيال القادمة. في هذه المقالة، يستكشف جوش هولرويد بعض الموضوعات الرئيسية لهذه التحفة الديالكتيكية، بما في ذلك الطبيعة البشرية، والصراع من أجل المعرفة، والعلاقة بين الخير والشر.

[نُشرت هذه المقالة في الأصل ضمن العدد 48 من مجلة “الدفاع عن الماركسية، المجلة النظرية الفصلية التي تصدرها الأممية الشيوعية الثورية.]


هناك بعض الأعمال الفنية والأدبية التي تسمو عاليا فوق متطلبات الحياة اليومية لدرجة أنها تغير المشهد الثقافي بشكل دائم، وتؤطر آفاقنا إلى حد أنها تجعل من قممها منارة نسترشد بها دون حتى معرفة أسمائها.

وعلى سبيل المثال، فقد تم استخدام مؤلفات هوميروس كمصدر إلهام لمعظم الأفكار الدينية والثقافية اليونانية الرومانية بعد أكثر من ألف عام من وفاته، في حين شكلت أعمال شكسبير الهوية الوطنية الإنجليزية إلى الأبد.

قد يبدو هذا للوهلة الأولى وكأنه يتناقض مع الفهم المادي للتاريخ. ففي نهاية المطاف، لا يمكن للفن أن يوجد بشكل مستقل عن المجتمع، وذلك تماما مثلما لا يمكن للعقل أن يوجد بدون الجسد. كيف إذن يستطيع الفن أن يشكل المجتمع؟

إن الفن في نهاية المطاف يعكس الحياة، لكنه من خلال رفعه لمرآة تظهر للناس حقيقتهم وما يريدون أن يكونوا عليه، يستطيع أن يتفاعل مع المجتمع ويؤثر على مسار التاريخ.

بل إن الفنون العظيمة قادرة على أن تفعل أكثر من ذلك. فلو كان كل ما فعلته فنون العصور الغابرة هو أن تعكس عصرها الخاص، لما كانت لتلك الفنون سوى أهمية تاريخية بحتة. لكن من الواضح أن هذا ليس هو الحال. إن أعظم الأعمال الفنية ما تزال تلقى صدى لها لأنها تقدم لمحة عن شيء أكثر شمولية، وحقيقة أعمق تشكل فهمنا لما يعنيه أن نكون بشرا.

إن مسرحية فاوست: مأساة في جزأين، وهي مسرحية ملحمية ألفها يوهان فولفغانغ فون جيته، يمكن وضعها ضمن فئة الفن العظيم حقا. تأثير جيته على الثقافة الألمانية يشبه تأثير شكسبير على الثقافة الإنجليزية. ومن بين كل أعماله، كان تأثير فاوست هو الأكثر انتشارا واستمرارا. فقد ألهمت أعمالا فنية لا حصر لها، والموسيقى والأدب، والأفلام في مختلف أنحاء العالم.

إن محاولة تناول كل ما ورد في هذه المسرحية غير القابلة للتمثيل” مهمة ميؤوس منها. لكن إذا كان استكشاف بعض الأفكار الأكثر قوة الواردة في تحفة جيته قادرا على تشجيع القراء على الغوص في النص بأنفسهم، فسيكون مقالنا قد خدم غرضا يستحق العناء فعلا.

ولد جيته، في غشت 1749، في فرانكفورت، التي كانت آنذاك مدينة إمبراطورية حرة” تابعة للإمبراطورية الرومانية المقدسة. ونشأ في عالم كان يشهد تغيرات سريعة.

كانت ألمانيا تستيقظ من سبات مظلم أعقب مذبحة حرب الفلاحين (1524-1525) وحرب الثلاثين سنة (1618-1648). وكانت هناك في جميع أنحاء العالم الناطق باللغة الألمانية، مجموعة متنامية من المثقفين تسعى بشغف إلى استمداد الإلهام من المؤلفات العلمية والتاريخية والفنية لأمم أخرى وعصور أخرى. وكما كتب جيته في سيرته الذاتية الشعر والحقيقة”، فإن:

«الألماني، بعد أن ظل جامحا لمدة تقرب من مائتي عام في حالة مضطربة غير سعيدة، ذهب إلى المدرسة عند الفرنسيين لتعلم الأخلاق، وعند الرومان لكي يتعلم كيف يعبر عن نفسه بشكل صحيح»[1].

كان الأدب الفرنسي مؤثرا بشكل خاص خلال طفولة جيته، وكانت هيمنة الثقافة الفرنسية في ألمانيا في ذلك الوقت تعني هيمنة المسرح الفرنسي الكلاسيكي الجديد”. لكن هذا، بدوره، أنتج رد فعل معارض بين الفنانين الألمان.

لقد أنتجت المدرسة الكلاسيكية الفرنسية عمالقة المسرح مثل كورني وموليير، لكن وبحلول أواخر القرن الثامن عشر أصبحت محافظة وشكلية ومنظمة بشكل صارم من قبل المؤسسة الثقافية التي جسدتها الأكاديمية الفرنسية.

لقد فرضت الأكاديمية أنه لكي تعتبر المسرحيات مسرحا حقيقيا”، يجب أن تتكون من خمسة فصول من الشعر الإسكندراني (Alexandrine verse)؛ وأنه لا ينبغي المزج بين التراجيديا والكوميديا؛ ويجب مراعاة الوحدات الثلاث” للفعل، والزمان والمكان، بدقة؛ وأنه يجب أن تكون المسرحية قابلة للتصديق”، وبالتالي لا تتضمن شخصيات أسطورية أو سحرية مثل الأشباح والجنيات وما إلى ذلك؛ كما يجب أن تسعى إلى تنوير الجمهور بالأخلاق الحميدة واللياقة، مما يعني أنه يجب دائما أن تتم معاقبة المخطئ ومكافأة الصالح في النهاية.

تمرد جيل جديد من الكتاب الألمان ضد هذا النظام الراكد من الذوق الرفيع”. لقد تاقوا إلى شيء جديد، شيء طبيعي، وقبل كل شيء، شيء خاص بهم.

وكان الفيلسوف والشاعر، يوهان غوتفريد هيردر، من بين الشخصيات المهمة في تلك الحركة الأدبية الجديدة. ومن بين العديد من الأفكار العميقة والمؤثرة الأخرى التي أتى بها، أكد هيردر على أهمية الشعور الطبيعي والحكايات الشعبية وأسبقيتها على القواعد الرسمية للتأليف. وقد كان له تأثير كبير على جيته، الذي التقاه في ستراسبورغ أثناء دراسته للقانون عام 1770.

جسدت رواية جيته الأولى: أحزان الشاب فيرتر”، التي نُشرت عام 1774، المزاج المضطرب الذي كان يتطور في المجتمع وجعلت اسمه مشهورا. قصتها التي تدور حول شخص لامع لكنه معذب، لجأ إلى الانتحار، ضربت على وتر حساس في ألمانيا آنذاك، إلى درجة أنها أدت إلى مئات من حالات الانتحار المشابهة.

لقد أصبحت تلك الأعمال وغيرها تميز حركة جديدة في الأدب الألماني، صارت تعرف باسم العاصفة والتوتر”. والأمر المهم في فيرتر”، وأعمال أخرى من ذلك النوع، هو أن العاصفة والتوتر” المشار إليهما لا يتعلقان بالعواصف التاريخية مثل الحروب والثورات، بل يتعلقان أكثر بالاضطرابات النفسية الداخلية للفرد.

كان ذلك يعبر عن القلق الذي انتاب البرجوازية الألمانية في مرحلة مراهقتها: فهي متعلمة تعليما عاليا، ومحمومة بسبب أحلامها بالأعمال النبيلة، لكنها كانت غير ذات أهمية من الناحية الاقتصادية أو السياسية، وما تزال متمسكة بأذيال معطف الأرستقراطية الإقطاعية القديمة. وقد كتب جيته نفسه عن الطبقة المتوسطة الألمانية قائلا:

«يتعين علينا هنا أن نتعامل مع أناس حياتهم فاسدة في الواقع، بسبب افتقارهم إلى أشياء يمكنهم القيام بها…»[2].

وتحمل فاوست” كل السمات المميزة لذلك الأسلوب. فقد تم التخلي فيها بكل سرور عن كل قواعد المسرح الكلاسيكي”. الكوميديا و​​التراجيديا تحلان بشكل مستمر محل بعضهما البعض، بل وتتزامنان في كثير من الأحيان. كما أن المسرحية تنتقل بين أماكن وفترات وخطوط حبكة مختلفة تماما دون حتى التظاهر بوجود قصة متماسكة واحدة. أما فيما يتعلق بالتثقيف الأخلاقي للجمهور، فما تزال هذه المسألة موضوعا للنقاش الحاد حتى يومنا هذا.

يعتبر السعي الذاتي وتفوق الشعور على التفكير الشكلي المجرد، من المواضيع القوية في كل المسرحية، وخاصة في جزئها الأول، كما هو الحال مع اكتشاف البعد الإلهي في جمال الطبيعة. وبهذه المواضيع، تكون مسرحية فاوست مرتبطة بشكل وثيق مع الحركة الرومانسية، التي غزت أوروبا بأكملها بعد الثورة الفرنسية العظمى.

ومع ذلك فقد تبرأ جيته من الرومانسية في وقت مبكر جدا. فقد احتقر ذاتيتها وتجميلها للعصور الوسطى، وهي السمات التي أصبحت بارزة بشكل خاص بين أتباع الحركة الألمان. وصار في المقابل رائدا لنوعه الخاص من كلاسيكية فايمار”، إلى جانب صديقه المقرب وزميله الشاعر فريدريش شيلر.

حاول جيته، في كلاسيكية فايمار، الجمع بين دينامية وفردانية الرومانسية وبين الإيمان الراسخ بالحقيقة الموضوعية وبوجود القوانين الذي يميز الفن الكلاسيكي، بعيدا عن القيود الاصطناعية للشكل التي أصبحت محصورة فيه. تعتبر مسرحية فاوست العمل الذي يحدد هذا النوع من الأعمال، حيث يحتل التوتر بين السعي الفردي الذاتي وبين القيود الحقيقية للواقع الموضوعي الخارجي مركز الصدارة.

إن مسرحية فاوست، التي تتسم بالطابع الملحمي الحقيقي، سواء من حيث الحجم أو الموضوع، تمتد على ما يزيد عن 12000 سطر، تتبدل بين أوزان مختلفة وأنماط قافية متنوعة، وتستمد رموزها من الأساطير الكلاسيكية، والكتاب المقدس، فضلا عن النقاشات العلمية والفلسفية المهمة في ذلك الوقت. وقد أصاب الشاعر الألماني هاينريش هاينه عندما قال إنها شاملة مثل الكتاب المقدس”[3].

طول المسرحية، وفي بعض الأحيان البنية المحيرة لحبكتها، جعلها تعتبر، على نطاق واسع، مسرحية من المستحيل تقديمها بالكامل على خشبة المسرح. وبالإضافة إلى ذلك، فإن القراء المعاصرين يجدون أحيانا الرمزية الغنية ومتعددة الطبقات التي يتضمنها المؤلف، وخاصة في جزئه الثاني، مخيفة. لكن لا يوجد سبب يجعل أي شخص ينفر منها.

تقدم أغلب الطبعات ملاحظات تفسيرية مفيدة، وهذا يعني أن أي قارئ يستطيع أن يكتسب فهما أساسيا للمراجع الثقافية والفلسفية التي استشهد بها جيته. لكن القراء يستطيعون أيضا أن يتجاهلوا تلك الملاحظات بشكل كامل وأن يغوصوا في ذلك العالم السحري، ويستخلصوا استنتاجاتهم الخاصة وهم يتبعون فاوست في مغامراته. فهناك الكثير من الأشياء الجميلة والمضحكة والتي تدفع إلى التفكير، التي تبقي القارئ منشغلا.

إن الهدف الرئيسي من عمل جيته لم يكن توضيح فكرة واحدة ضيقة، بل تقديم حياة غنية ومتنوعة ومتعددة الأوجه”. فإذا كان الواقع لا يتوافق بدقة مع مخطط تجريدي، لماذا إذن ينبغي للفن أن يتوافق مع ذلك المخطط؟ فالكل يظل دائما غير قابل للقياس”، كما قال جيته في حديثه، مضيفا أنه، يغري البشرية باستمرار بدراسته مرارا وتكرارا”[4]، مثله مثل مشكلة لم تُحل.

ومسرحية فاوست بدورها تواجه القارئ باعتبارها مشكلة لم تُحل، وكونا لا نهائيا محصورا في عدد محدود من الصفحات، وتدعو إلى قراءتها ودراستها بشكل متكرر وتكافئ على ذلك.

كانت قصة فاوست أسطورة معروفة بالفعل في زمن جيته. ففي سبعينيات القرن السادس عشر، جُمعت العديد من الأساطير المتداولة حول شخصية غامضة تُدعى فاوستوس” ونُشرت في كتاب واحد، تُرجم بحلول عام 1600 إلى العديد من اللغات الأوروبية الأخرى.

خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، كانت قصة فاوستوس تُروى دائما كشكل من أشكال المسرحيات الأخلاقية، والتي تعد مسرحية دكتور فاوستوس، لكريستوفر مارلو، مثالا شهيرا عليها. ففي مسرحية مارلو، يلجأ راهب غير صبور إلى السحر وينجح في استحضار الشيطان، ميفيستوفيليس”، الذي يعقد معه صفقة: سيخدم ميفيستوفيليس فاوستوس لمدة 24 عاما، وبعد ذلك سيطالب لوسيفر بروحه. وبعد سلسلة من المغامرات السحرية، اختطف الشياطين أخيرا فاوستوس بينما هو يتوب ويتوسل إلى الله من أجل الرحمة.

تعرف جيته على القصة لأول مرة لما كان طفلا، عندما شاهدها تُعرض على شكل مسرحية دمى. وبدأ في تطوير فكرة المسرحية المستندة إلى أسطورة فاوست في وقت مبكر. لكن معالجة جيته ستختلف بشكل ملحوظ عن معالجة أسلافه.

بدأ جيته في كتابة فاوست عام 1771 ولم يكمل الجزء الأخير إلا قبيل وفاته ببضعة أشهر، سنة 1832. وخلال السنوات الـ 61 الفاصلة، شهدت أوروبا ثورة عميقة لا رجعة فيها في كل جوانب الحياة الاجتماعية: الفلسفية والسياسية والفنية والعلمية والاقتصادية. كان جيته مشاركا نشطا (وإن لم يكن متحمسا دائما) في كل تلك الثورات، وقد تضمنت مسرحية فاوست في النهاية على تأملاته حول كل تلك المواضيع، مما جعل منها حقا سليلة عصرها.

في هذا السياق، وتحت تأثير شيلر على وجه الخصوص، أعاد جيته صياغة فاوست من مسرحية أخلاقية مسيحية إلى تراجيديا إنسانية عالمية. لم يعد فاوست شخصا استثنائيا شريرا الغاية منه تحذير بقية المجتمع، بل أصبح بين يدي جيته ممثلا نموذجيا للإنسانية بشكل عام، وأصبح بحثه رمزا للتجربة الإنسانية بأكملها.

وقد وصف جيته المبدأ المركزي المحرك لشخصية فاوست على النحو التالي:

«السعي النموذجي إلى تحقيق التأثير على الطبيعة والشعور بها ككل»[5].

كيف يجسد هذا الحالة الإنسانية؟ ما يظهر بوضوح في المسرحية هو أنه وراء تلك اللغة الفلسفية تكمن مشكلة الوعي، والعلاقة بين أفكارنا الذاتية والعالم الموضوعي خارج ذواتنا.

ليس البشر سوى جزء من العالم الطبيعي مثلهم مثل أي شيء آخر. ونحن، مثلنا مثل جميع الحيوانات، نتفاعل مع بقية الطبيعة من أجل الاستمرار في العيش، وإنتاج الأجيال القادمة. لكننا وعلى عكس الحيوانات الأخرى، نطور أفكارا حول العالم ومكاننا فيه، وعلى أساس تلك الأفكار نبني الآمال والأحلام، والتي غالبا لا تكون لها سوى علاقة ضئيلة أو معدومة بالحالة الحقيقية للأمور.

إحدى الرسوم التوضيحية السبعة عشر لمسرحية فاوست لجيته (1828)، من رسم يوجين ديلاكروا

ونحن، بهذه الطريقة، نحاول القفز” فوق العالم؛ ونسعى بكل قوتنا إلى تحويل ظروفنا، سواء على المستوى الفردي أو الاجتماعي، في تحدٍ للقيود المفروضة علينا من قبل أي سلطة خارجية، بما في ذلك قوانين الطبيعة أو المجتمع.

وهذا السعي، الذي يتجاوز كل الحدود، يستمر في دفعنا إلى الأمام، الأمر الذي يقودنا بالضرورة إلى لحظات من النعيم والمجد، ولكن أيضا إلى الفشل واليأس. وهذه، بالنسبة لجيته، هي التراجيديا المتأصلة في الوجود البشري، أو، على حد تعبيره: «النقطة السرية التي لم يرها أو يحددها أي فيلسوف بعد، حيث تصطدم خصوصية الأنا، والحرية المزعومة لإرادتنا، بالمسار الضروري للكل»[6].

لكن هذا الصراع الدائم بين الإرادة الذاتية والضرورة الموضوعية ليس حاضرا فقط في علاقاتنا بالعالم الخارجي، بل هو حاضر بداخلنا جميعا، في العلاقة بين العقل والجسد، والفكر والكائن.

يقول فاوست بحزن:

«إن روحين، للأسف، تسكنان صدري
إحداهما تتمسك بشدة، بشهوة دنيوية مبتهجة،
بعالم الإنسان بأعضاء ملتصقة؛
والأخرى تسمو بشغف فوق الغبار،
إلى عوالم الأسلاف العظماء المجنحين»[7].

وكما أن أفكارنا تجعلنا نتجاوز العالم، فإننا نحاول أن نتجاوز أنفسنا، فننكر ونقمع الجانب الطبيعي الوحشي” من طبيعتنا في سعينا وراء شيء أسمى. ونتيجة لهذا الصراع الداخلي المستمر، ننتقل من الفرح إلى الحزن، ومن الجمال إلى الاشمئزاز، ومن الخير إلى الشر، ثم نعود مرة أخرى، دون أن نتخلص من مأزقنا أبدا طالما نحن أحياء.

تطرح المسرحية الأسئلة التالية: هل يمكننا حقا أن نعرف العالم ونسيطر على ظروفنا؟ هل يمكننا حقا أن نتخلص من الخطأ والخطيئة؟”، وهذه الأسئلة ليست مجرد تأملات الفلاسفة؛ بل إننا نطرحها على أنفسنا بطريقتنا الخاصة، كل يوم.

وفقا لأسطورة فاوستوس الأصلية، يبدأ فاوستوس بحثه عن المعرفة في عالم رهبان العصور الوسطى العتيق. نلتقي به لأول مرة في مكتبة مغبرة مليئة بالكتب في منتصف الليل. لقد درس فاوست لمدة عشر سنوات كل التخصصات النظرية المتاحة لراهب من العصور الوسطى: الفلسفة والقانون والطب، و(يا للأسى) اللاهوت[8].

لم يكن هدف فاوست مجرد تجميع كومة من الحقائق” الجافة. بل كان يأمل في اكتساب نظرة ثاقبة لشيء أعمق: القوانين الأساسية للطبيعة، القوة الأعمق التي تربط الكون ذاته” كما يقول[9]. وهنا يطرح جيته مشكلة واجهها الفلاسفة لآلاف السنين.

كل شيء حولنا يتغير باستمرار، غير دائم وغير كامل؛ حتى نحن أنفسنا. والعالم الاجتماعي للبشر أسوأ من ذلك. وفي خضم كل هذه القسوة والتناقضات والآلام، كان الناس يبحثون دائما عن شيء حقيقي أي: القوانين أو المبادئ التي تكمن وراء عالم المظاهر غير الموثوق به، والتي تحدد جوهر الأشياء.

لقد اتخذ هذا السعي إلى الحقيقة أشكالا عديدة عبر تاريخ البشرية، تبعا لظروف العصر: السحر والدين والفلسفة والعلم، كلها نشأت منه، وكل منها يمثل مرحلة من مراحل تطورنا الاجتماعي.

كان ميلاد الفلسفة الطبيعية في اليونان القديمة حدثا ثوريا في تاريخ الفكر البشري. آنذاك، وللمرة الأولى، تم التأكيد بجرأة على أننا نستطيع فهم قوانين الطبيعة بشروطها الخاصة، دون وساطة الأرواح أو التعويذات أو التدخل الإلهي.

ولآلاف السنين بعد ذلك، أصر الفلاسفة من أفلاطون إلى ديكارت على قدرة البشر (أو على الأقل قلة مختارة) على اختراق حجاب التجربة” وإدراك العالم الحقيقي” باستخدام الفكر الخالص والاستنتاج المنطقي.

أصبحت تلك الفلسفة الميتافيزيقية”، (‘Metaphysical’ التي تعني فوق” أو ما وراء” المادي)، مؤثرة للغاية خلال عصر التنوير” الأوروبي في القرنين السابع عشر والثامن عشر. لقد أعطت الخطوات العملاقة التي قطعتها الرياضيات والعلوم الطبيعية ثقة هائلة في قدرة العقل البشري على فهم القوانين الموضوعية للمادة. لكن ومن عجيب المفارقات أنه كلما استمرت العلوم في التطور، كلما صار الفلاسفة يعانون أكثر فأكثر من الشكوك.

إذا كان جوهر الأشياء لا يُدرَك إلا في العقل، فكيف يمكننا أن نقول إن لها وجودا حقيقيا وموضوعيا خارج عقولنا؟

خذوا المثال التالي: نشاهد الشمس تطلع من الشرق؛ ويضيء ضوؤها المشهد أمامنا؛ ونشعر بدفء جديد. كل هذا، كما نعتقد، مترابط: فمع دوران الأرض، يقترب المكان الذي نقف فيه من الشمس، ومع وصول أشعتها إلينا نشعر بها كضوء وحرارة. لكن كيف يمكننا التأكد من أن هذا صحيح بالفعل؟ كيف يمكننا التأكد حقا من وجود شمس” أصلا؟

في القرن الثامن عشر، أجاب فريق واسع من الفلاسفة المتشككين” بحزم بأننا لا نستطيع ذلك. أوضح الأسقف بيركلي، ثم ديفيد هيوم، أنه بما أننا لا نستطيع اكتساب المعرفة بالعالم إلا من خلال حواسنا، فإن الطريقة الوحيدة التي يمكننا من خلالها محاولة التحقق من أفكارنا حول الظواهر الطبيعية هي من خلال هذه الحواس نفسها. لذلك، فإن كل ما يمكننا معرفته حقا هو تجاربنا الذاتية، المحصورة في عوالمنا الصغيرة، في جهل تام بما يكمن أن يوجد وراء ذلك، هذا إن وجد أصلا.

وقد توصل الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، المتأثر بهيوم، إلى استنتاج مماثل. فقد قال إنه من الناحية المنطقية، لابد من أن شيئا ما يوجد هناك، وإلا لما كنا لنشعر بأي أحاسيس على الإطلاق، ولكننا لن نتمكن أبدا من معرفة أي شيء عنه حقا. وكل ما يمكننا فعله هو تنظيم تجاربنا بطريقة تجعلنا ندركها باستخدام فئات” مسبقة، مثل المكان والزمان.

وهكذا فإن الفلسفة بعد أن كانت قد وعدت بالتعمق في تفسير الحقائق الكونية الأبدية، تحولت إلى نقيضها، فصارت تنكر إمكانية وجود أي حقيقة على الإطلاق. ويجسد فاوست هذه الأزمة عندما صرخ:

«لقد قدت تلاميذي من أنوفهم
من خلال الصعود والهبوط والتقلبات
وانظروا، لا يمكننا معرفة أي شيء!»[10].

يشعر فاوست باليأس. فهو لا يستطيع أن يرى أي مخرج من الفخ الميتافيزيقي الذي وقع فيه. لكن ومن أجل مصلحته، ومن أجل الحبكة، من الأهمية بمكان أن يجد مخرجا.

وقد حاول جيل جديد من الفلاسفة الألمان القيام بهذا على وجه التحديد في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر. عُرِف هؤلاء في نهاية المطاف باسم المثاليين الألمان”. وقد حل” يوهان غوتليب فيشته، الذي عمل إلى جانب جيته في جامعة يينا، المشكلة بإيصال كانط إلى خلاصته المنطقية: «بوسعنا أن نعرف العالم لأن كل ما هو موجود هو نحن -أو بالأحرى أنا-؛ والعالم هو شيء يخلقه وعينا».

وقد اجتذبت المثالية الذاتية التي تبناها فيشته قدرا كبيرا من الحماس، لأنها تناغمت مع العاطفة الرومانسية تجاه الفردانية التي كانت تزدهر بين المثقفين الألمان في ذلك الوقت. لكن جيته لم يقتنع بها أبدا.

ومن خلال فاوست”، قدم إجابة مختلفة، والتي كانت لها آثار ثورية على الفلسفة كلها، حيث قال:

في البدء كان الفعل!”[11].

وقد كان جيته شديد الإعجاب بالفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا، الذي قال إنه كان يقرأه كصلاة قبل النوم”[12]. ومثله مثل سبينوزا كان يعتقد اعتقادا راسخا أنه لا يوجد شيء خارج الطبيعة، أو فوقها”. وبالتالي فإن جوهر الأشياء يكمن في عالم الأشياء.

إن معرفة العالم لا يمكن أن تتحقق من خلال التأمل الداخلي، أو من خلال إبعاد أنفسنا عن العالم الذي نسعى إلى معرفته. كما لا يمكن أن تتحقق من خلال تقطيع العالم إلى أجزاء ووصف كل جزء بشكل معزول. وهذا هو بالضبط خطأ المادية الميكانيكية” التي نشأت خلال القرن الثامن عشر:

«من يرد أن يعرف شيئا حيا ويصفه
يبحث أولا عن طرد الروح من داخله،
ثم يقف هناك، والأجزاء في قبضته،
لكن الرابط الروحي يكون قد ضاع، للأسف!»[13].

كان الماديون في أيام جيته يتعاملون مع المادة باعتبارها شيئا ثابتا، جامدا، شيئا ميتا. لكن ولهذا السبب بالضبط لم يكونوا قادرين على تفسير مصدر الحركة أو الحياة أو الوعي. وقد كان هذا الجانب من الواقع هو ما طوره المثاليون الألمان في فلسفتهم، لكنهم انطلقوا من الذهن، أو الروح، عوض المادة نفسها.

أما بالنسبة لجيته، فإن جوهر” الشيء أو مبدأ التنظيم” الخاص به يجب أن نبحث عنه في حياته: المسار الكامل لتطوره ومجموع علاقاته المتبادلة. ويمكن فهم هذا، أو على الأقل لمحه، من خلال التجربة. لكن ليس فقط التجربة باعتبارها تلقيا سلبيا للأحاسيس: لا يمكن معرفة عالمنا الحي إلا من خلال كوننا جزءا حيا منه، من خلال النشاط الحسي الحقيقي:

«كل النظريات رمادية، لكن شجرة الحياة الذهبية دائمة الخضرة»[14].

يخطوا جيته هنا، وإن في قالب شعري، خطوة أبعد ليس فقط من سبينوزا، بل ومن كل فلاسفة عصره. وبهذه الفكرة الرائعة والملهمة ساعد أيضا في تمهيد الطريق للفلسفة المادية الديالكتيكية لماركس وإنجلز.

يوهان فولفغانغ فون جيته (1828)، جوزيف كارل ستيلر

في ملاحظاته الفلسفية الموجزة لكن الرائدة، أطروحات حول فيورباخ”، كتب ماركس الشاب أنه لا المادية الميكانيكية، ولا المثالية، تصورتا الواقع من حيث النشاط الحسي الحقيقي بحد ذاته”. وأضاف:

«إن السؤال عما إذا كان من الممكن أن تُعزى الحقيقة الموضوعية إلى التفكير البشري ليس سؤالا نظريا، بل هو سؤال عملي. إذ يجب على الإنسان أن يثبت الحقيقة، أي واقعية وقوة تفكيره، ووجود هذا التفكير في عالمنا هذا، في الممارسة. إن الجدال حول واقعية أم عدم واقعية التفكير المنعزل عن الممارسة هو جدال سكولاستيكي بحت»[15].

وفاوست من خلال استدعائه الجريء لـالفعل”، يتخذ خطوته الأولى من النظرية إلى الممارسة، من التأمل العقيم إلى الحياة النشيطة الغنية. وستأخذ بقية المسرحية فاوست عبر كل ما يمكن للحياة البشرية أن تقدمه: الرومانسية والفن والثروة والسياسة والحرب، والعديد من الأشياء الأخرى.

بعد أن قرر فاوست أن يلقي بنفسه في حياة مليئة بالحركة، واجه على الفور الشيطان ميفستوفيلس (الذي غالبا ما يُختصر إلى ميفستو”)، والذي سيرافق فاوست طوال الدراما التالية تقريبا.

وعلى سؤال فاوست: ما اسمك؟”، أجاب ميفستو:

أنا الروح التي تنكر دائما!”

ويضيف: وهذا لأن كل ما هو موجود يستحق الفناء”[16].

هدف ميفستو الوحيد هو تدمير كل شيء. وهو يرمز إلى روح النفي”، وهو النظير المثالي لجهود فاوست الإبداعية التي لا تكل.

لكن ميفستو محبط باستمرار من سعيه إلى إبادة كل الوجود. فالأرض والبحر يبقيان على الرغم من كل قوى الدمار الموجهة ضدهما. أما بخصوص الحياة، فإنه:

«لا يمكن كبحها أو إخمادها،
ما أكثر ما دفنت منها لدرجة لا يمكن وصفها،
لكنها تتدفق باستمرار دماء جديدة»[17].

فالحياة والموت، الخلق والدمار، الوجود والعدم؛ كل منها يتدفق من الآخر في وحدة ثابتة، لا تؤدي إلى العدم المطلق، ولا إلى الوجود الخالص” بلا حدود.

بالنسبة لجيته، هذه المواجهة المستمرة بين القوى المتعارضة (القطبية”) هي التي تنتج التطور. إن الوجود في الواقع هو حالة مستمرة من النشأة والزوال، من الصيرورة”. وهذه الصيرورة هي التطور نحو أشكال أعلى وأعلى.

هذه الفلسفة الديالكتيكية الجميلة تتخلل المسرحية بأكملها. لذلك ليس من المستغرب أن يكتب الديالكتيكي العظيم هيغل إلى جيته، «عندما أفحص تطوري الفكري، أجدك في كل مكان متشابكا فيه، يمكنني أن أعتبر نفسي أحد أبنائك»[18].

تقدم علاقة فاوست بميفستو انعكاسا حيا لسيرورة التطور الديالكتيكية هذه، والتي تحدث ضمن طبيعة فاوست المزدوجة. يحاول ميفستو باستمرار جر فاوست إلى حياة التفاهة الضحلة”. تأخذ تلك المحاولة تارة شكل إغرائه بالمباهج الدنيوية، وتارة أخرى شكل السخرية العدمية من كل ادعاءات فاوست النبيلة، وذلك غالبا بطريقة تتضمن الكثير من الحقيقة.

لكن فاوست حتى عندما يستسلم للإغراء، لا يستطيع إلا أن يبحث عن شيء أبعد من ذلك. وفي كل خطوة، ينتقل فاوست من الخطأ إلى الحقيقة، ومن الحقيقة إلى الخطأ. لكنه لا يتقهقر أبدا إلى النقطة التي بدأ منها؛ إنه يتعلم. وبعد كل كارثة يشعر بالرعب من عواقب أفعاله ويحاول تصحيح خطأه. وبعد أن ينطلق من تلك الحقيقة الجزئية يعمل على توسيعها إلى ما هو أبعد من حدودها، فتتحول إلى خطأ جديد، لكن الأهم من ذلك هو أنها تكون على مستوى أعلى من الفهم.

وما ينطبق على فاوست يمكن أن يقال أيضا عن الإنسانية ككل. إذ أن إنجلز وقد وضع هذه الفكرة، على وجه التحديد، في الاعتبار وصف تاريخ العلم، بشكل ساخر لكنه عميق، على أنه استبدال حماقة قديمة بحماقة جديدة، لكن أقل سخافة دائما”[19].

وهذا له آثار ثورية، ليس فقط على فلسفة المعرفة، بل وعلى الأخلاق أيضا. فالخير ليس مجرد تجنب لكل الشرور. وكما يقول الرب” في فصل استهلال في السماء”:

«إن الإنسان يخطئ دائما عندما يسعى»[20].

إذا كان الذنب هو الخطأ، فإن اجتناب كل الذنوب هو إنهاء كل سعي. لكن العيش هو السعي.

فكما أن المعرفة تتطور بالخطأ، فإن الخير يتطور بالخطيئة، والعكس صحيح. ويصف ميفستو نفسه بأنه «جزء من تلك القوة التي من شأنها أن تفعل الشر دائما، وتفعل الخير دائما»[21]. ويمكننا أن نرى هذا منذ البداية. فرغم كل شيء، كان ميفستو هو الذي أخرج فاوست أخيرا من دراسته إلى العالم. وبهذه الطريقة، فإن ميفستو أنقذه فعليا بدلا من أن يكون قد تسبب في أذيته.

وكان هيغل قد طرح فكرة مماثلة، ربما تحت تأثير جيته. لكنه عمل على تطويرها بشكل أكبر من خلال تطبيقها بطريقة أكثر وضوحا على تاريخ المجتمع البشري. وكما يوضح إنجلز فإنه:

«عند هيغل، الشر هو الشكل الذي تظهر فيه القوة الدافعة للتطور التاريخي. يتضمن هذا معنى مزدوجا، فمن ناحية، كل تقدم جديد يبدو بالضرورة بمثابة تدنيس ضد الأشياء المقدسة، كتمرد ضد الاوضاع، التي وعلى الرغم من أنها قديمة ومحتضرة، فإنها مقدسة بواسطة العادة؛ ومن ناحية أخرى، فإن أهواء الإنسان الشريرة -الجشع والشهوة إلى السلطة- هي على وجه التحديد التي شكلت، منذ ظهور التناقضات الطبقية، رافعات للتطور التاريخي، وهي حقيقة يشكل تاريخ الإقطاع والبرجوازية، على سبيل المثال، دليلا مستمرا واحدا عليها»[22].

نرى في جميع فصول فاوست أمثلة على هذه السيرورة، حيث ينتج الخير الشر، والشر ينتج الخير.

عندما نجح الشيطان أخيرا في إقناع فاوست بالخروج من مكتبته، رسم جيته صورة غنية للمجتمع. وعلى الرغم من أن أحداث المسرحية تدور في الغالب في القرن السادس عشر، إلا أنها في الواقع تقدم نقدا حادا للمجتمع في عصر جيته.

تم تصوير الإمبراطورية الرومانية المقدسة على أنها تنهار، والإمبراطور فاسد وبعيد عن الواقع. يصعد إمبراطور منافس -في إشارة إلى نابليون بونابرت- في حين لا يستطيع الإمبراطور القديم الاحتفاظ بعرشه إلا بمساعدة القوى الشيطانية. وفي النهاية، تتم استعادة النظام القديم، لكنه أصبح أضعف وأكثر فسادا من ذي قبل. كان هذا هو موقف جيته من الممالك المستعادة في أوروبا بعد هزيمة نابليون في عام 1814.

أما بالنسبة للمؤسسة الدينية القوية، فقد تم تصوير الكنيسة على أنها متعصبة وجشعة. فمستشار الإمبراطورية يقول محذرا: الطبيعة خطيئة، والعقل شيطان”[23]. لكن ماذا عن الأراضي والألقاب؟ كلا تلك مسألة مختلفة. كما يعلق ميفستو ساخرا:

«الكنيسة لديها معدة قوية،
لقد ابتلعت بلدانا بأكملها بالتأكيد
ومع ذلك لم تعان قط من عسر الهضم…»[24].

في مسرحية فاوست يستكشف أيضا جيته المجال الاقتصادي للمجتمع. فبحلول الوقت الذي أكمل فيه الجزء الثاني من المسرحية في عام 1831، كانت الملامح الأولى للتصنيع قد بدأت في ألمانيا. ويعكس جيته ذلك التطور في المسرحية عندما يسعى فاوست إلى وضع معرفته موضع الاستخدام العملي من خلال تحويل الطبيعة، وحماية الأرض البكر من البحر باستخدام نظام السدود.

لكن جيته لم تكن لديه أية أوهام بشأن النظام العالمي الرأسمالي الجديد الذي كان قد بدأ يترسخ. حيث قام بتصوير التجارة العالمية على أنها نهب وقرصنة:

«من أجل التجارة والحرب والقرصنة،
 يشكلون ثالوثا جميلا»[25].

يبدو هنا التشابه واضحا مع نهب واستعمار العالم من قبل البلدان الرأسمالية الناشئة في أوروبا. وكما كتب ماركس لاحقا في كتابه رأس المال” فإن رأس المال:

«… يولد وهو ينز دما وقذارة من كل مسامه، من رأسه وحتى أخمص قدميه»[26].

يمكن القول إن نقد جيته الأكثر حدة يضرب بعمق أكبر في قلب الأسرة، أو ما يسمى أساس الحضارة.

تحتوي مأساة غريتشن”، التي تشكل الجزء الأكثر أهمية من الدراما في الجزء الأول من فاوست، على بعض المشاهد الأكثر قوة التي كتبت على الإطلاق بالشعر أو النثر. وقد وصف أحد النقاد غريتشن بأنها الشخصية النسائية الأكثر قوة في الأدب الألماني”[27]. ويبدو أن ماركس يتفق معه على هذا التقييم، حيث أنه في عام 1865 صرح أن غريتشن بطلته”[28].

مارغريت [جريتشن] (وحدها عند عجلة الغزل) (1828)، فرانك كادوجان كوبر

ومن المثير للاهتمام أن مأساة غريتشن، وعلى عكس معظم المسرحية، ليست لها صلة بأسطورة فاوستوس الأصلية. كانت إضافة جديدة تماما من قبل جيته، ومستمدة من الحياة الواقعية. ففي 14 يناير 1772، تم إعدام امرأة شابة، تدعى سوزانا مارغريتا براندت، علنا في فرانكفورت بتهمة قتل طفل رضيع. حضر جيته نفسه عملية الإعدام ووجدت بعض التفاصيل من قضية براندت طريقها إلى مسرحية فاوست.

قدم جيته بوضوح إغواء غريتشن على يد فاوست، وعواقبه الكارثية، لأنه شعر أن هذا الإغواء يعني شيئا لابد من قوله، وأن مأساته الإنسانية الشاملة لن تكتمل بدونه.

قبل تقديم غريتشن، كان الصراع بين السعي الذاتي والحدود الموضوعية لا يتم التعبير عنه إلا في شكل سعي فاوست الفكري إلى المعرفة. لكن مع غريتشن، نتعرف على سعي مختلف تماما ولكنه على نفس القدر من الإنسانية.

عندما يتعرف فاوست على غريتشن، نتعرف على حياتها البرجوازية الصغيرة المتواضعة، وعن عبء المهام المنزلية –الحياة اليومية المملة”-، لكن وقبل كل شيء ضيقها. يتألف عالم غريتشن من منزل صغير وحديقة، والسوق وغرفة الاعتراف بالكنيسة، حيث ليس لديها سوى القليل لتعترف به”[29].

يا لها من نعمة في هذا السجن!”[30]، يعلق فاوست، متخيلا بسذاجة أسرة سعيدة مليئة بالأطفال. كانت غريتشن في الواقع تعيش حياة منعزلة، بعد وفاة والدها وغياب شقيقها بسبب الخدمة العسكرية. كما توفيت أختها الصغيرة، التي كانت غريتشن تطعمها وتربيها بنفسها، وهي شابة. تقول غريتشن بشكل عابر: «لقد واجهت الكثير من المتاعب مع تلك الصغيرة، بيد أني على استعداد لتحمل كل تلك المتاعب مرة أخرى، بل مرتين»[31].

إن الحب الذي تحمله غريتشن في داخلها أعظم من أن تستوعبه الحدود التي فرضت عليها. وصول فاوست يكشف لها عن حب وحياة يتجاوزان سجنها المنزلي، ويوقظان فيها طموحها المتأصل. فهي بطريقتها الخاصة نظيرة مساوية لفاوست. قد لا تمتلك مفرداته الفلسفية المنمقة، لكن ما أهمية ذلك؟

ففي نهاية المطاف، كان ذلك هو الذي حكم على غريتشن بالهلاك، وذلك ليس لأنه خطأ أو خطيئة متأصلة، بل لأنه يصطدم بعنف بالعادات والتحيزات المتأصلة في المجتمع الذي تعيش فيه. فبعد أن حملت بطفل فاوست، سمعت غريتشن ثرثرة خبيثة من فتيات غيورات، يتلذذن بفكرة إذلال أي امرأة تحاول الزواج بعد إنجاب طفل خارج إطار الزواج.

ومن تلك اللحظة، ينعطف الجزء الأول بشكل لا يقاوم ولا يطاق نحو خاتمته المروعة. لكن الشيء الأكثر أهمية هو أن مصدر كل الرعب الموجود في المسرحية لا علاقة له بالساحرات والشياطين، وغيرها من المخلوقات الخارقة للطبيعة. إنه، في الواقع، يأتي من الناس الطيبين” والمؤسسة الأخلاقية، الذين يجلسون للحكم عليها وعلى جميع النساء، ويكرسون حكم الإرهاب الذي يدمر العقل من أجل استعباد الجسد. كما يقول ميفستو، بشكل مخيف:

إنها ليست الأولى”[32].

على الرغم من انتقاداته اللاذعة للمجتمع في عصره، فإن سياسات جيته كانت بعيدة كل البعد عن الثورية. بل إنه في الواقع، شارك في غزو فرنسا الثورية من قبل ملك بروسيا وحلفائه.

وعلى حد تعبيره: لا يوجد شيء أكثر إثارة للاشمئزاز من الأغلبية”[33].

لقد كان جيته مفكرا ديالكتيكيا عميقا، ومؤمنا إيمانا راسخا بالتطور، ليس فقط في الحياة بل وفي كل شيء في الكون. لكن مفهومه عن التطور هو أنه سيرورة تدريجية؛ وكان يؤمن بكل إخلاص بالمبدأ القائل بأن الطبيعة لا تعرف القفزات”. وبالتالي فإن البشرية، على حد تعبيره، لابد وأن تسعى إلى محاكاة المسار الطبيعي للتطور التدريجي من خلال تقييد القفزات الثورية إلى الحد الأدنى.

وفي هذا كان جيته مخطئا بطبيعة الحال، سواء فيما يتصل بالتاريخ أو بالطبيعة. إذ وكما أوضح هيغل فإن القفزات والثورات تشكل جزءا متأصلا وضروريا من كل تطور. والثورات الاجتماعية ليست مجرد ثوران كتلة خرساء؛ بل إنها كفاح جماعي لملايين البشر من أجل التغلب على القيود المفروضة عليهم، وتغيير ظروفهم.

لكن النزعة التدريجية التي تبناها جيته لم تكن فريدة من نوعها؛ بل كانت النظرة السائدة للبرجوازية في ذلك الوقت، في أعقاب صدمة الثورة الفرنسية والحروب النابليونية. كما أن هذه الفكرة كانت راسخة بشكل خاص في عقلية البرجوازية الألمانية، التي وجدت نفسها مقيدة بالاستبداد والتخلف شبه الإقطاعيين، ومع ذلك ظلت تعتمد بشكل كامل على الأرستقراطية والبيروقراطية الحكومية وتخضع لهما.

لا يمكن حتى للعملاق أن يتجاوز عصره. لقد كان جيته عملاقا بين العمالقة، لكنه لم يستطع الإفلات من قانون التاريخ هذا. ولا يمكننا أن نلومه على ذلك.

إن الأمر يتطلب عبقريا لكي يحمل أمام شعب، أو بالأحرى طبقة، مرآة بهذا الجمال والحقيقة. وإذا كان الشخص الذي يقوم بذلك يمتلك هو أيضا عيوب تلك الطبقة، فإن ذلك يساعد في جعل الانعكاس أكثر وضوحا. لكن ما قام به جيته كان أكثر من مجرد عكس صورة عصره.

إن جيته، مثله مثل أرسطو، أو ماركس، التقط شيئا أعمق، حقيقة تمتد عبر الأجيال وستستمر في ذلك لأجيال قادمة. ما هو الشيء الأكثر ثورية من ذلك؟

كانت خاتمة المسرحية هي الجزء الذي يتسبب في إثارة أكبر قدر من الذعر والنقاش، وقد تمت صياغتها بشكل متعمد لكي تطرح من الأسئلة أكثر بكثير من الإجابات.

هل يستحق فاوست الخلاص أو الإدانة؟ هل نجح ميفستو في إخماد طبيعة فاوست الطموحة؟ وهل حقق فاوست المعرفة بجوهر الأشياء التي كان يتوق إليها في بداية المسرحية؟

إن الإجابة الأقصر والأبسط على كل هذه الأسئلة هي: أجل وكلا”.

متجول فوق بحر الضباب (حوالي عام 1818)، كاسبر ديفيد فريدريش

لقد نجح الاستنتاج المتناقض الذي وصلت إليه مسرحية فاوست في استفزاز النقاد من اليمين واليسار، تماما كما توقع جيته. وقد تسبب استخدام جيته المفرط والصريح للرموز الدينية، وخاصة الكاثوليكية، في المشهد الأخير من المسرحية، في إثارة حيرة المؤمنين الراديكاليين بالعقل البشري؛ في حين شك المحافظون المتدينون بحق في أنهم يتعرضون للخداع، واحتجوا بسخط على أي تفسير لا يدين فاوست باعتباره خاطئا ملعونا.

وقد أصبحت الأمور أسوأ اليوم. إذ يحاول النقاد المحافظون بشكل يائس تحويل استعارة جيته عن الحياة البشرية إلى محاضرة مملة وكارهة للبشر ضد الطموح والسعي. في حين أن أنصار ما بعد الحداثة يزعمون أن تلك الاستعارة لم تكن تعني شيئا على الإطلاق. وكما كتب روديغر سافرانسكي في سيرته الجديرة بالاهتمام عن جيته: إنها مجرد لعبة، وخدعة جميلة ملوثة بالعدم”[34].

ينبغي ألا نستغرب من أن المؤسسة الأدبية الحديثة ليست لديها أية فكرة عما يجب أن تفعله بمسرحية فاوست؛ فليس للبرجوازية الحديثة ما تفعله بها على الإطلاق.

ففي نهاية المطاف، تحتوي المسرحية ومشاهدها الختامية على رسالة بسيطة ومتفائلة حول الطبيعة البشرية والتقدم. إنها قصيدة عن السعي الإبداعي المتواصل للبشر في الحب والفن والعلم، وفي تحويل الطبيعة وأنفسنا، والذي يتم تنفيذه في تعاقب لا حصر له من الأجيال.

إن هذا التقدم متناقض بطبيعته. وكما أوضح جيته نفسه ففي «تاريخ العالم والتاريخ البشري، كل مشكلة يتم حلها تخلق مشكلة جديدة يجب حلها»[35]. ننتقل من الخطأ إلى الحقيقة ثم نعود إلى الخطأ مجددا، لكن ذلك يتم في النهاية نحو فهم أعظم وأعظم للكون ومكاننا فيه.

وفي الأخير لا يصل فاوست إلى المعرفة النهائية المطلقة، ولا يمكننا نحن أيضا أن نصل إليها؛ لن يعرف أي جيل من البشر كل ما يجب معرفته عن الكون. إن المعرفة ليست نقطة نهاية ينبغي الوصول إليها، بل هي سيرورة، وهي السعي الذي يشكل جوهر شخصية فاوست.

بعد سنوات عديدة من نشر الجزء الثاني من فاوست”، وصف إنجلز هذا التناقض -بين القدرة الأساسية على معرفة الكون واستحالة أن تصل البشرية إلى المعرفة الكاملة به- بأنه الرافعة الرئيسية لكل تقدم فكري”، والتي «تجد حلها باستمرار، يوما بعد يوم، في التطور التقدمي اللامتناهي للبشرية»[36].

وبهذه الكلمات، كان إنجلز يعطي تعبيرا علميا دقيقا عن الجوهر الشعري لخلاصة مسرحية فاوست. وهذا هو على وجه التحديد السبب في عدم قدرة خبراء الأدب البرجوازي الحديث على فهمها مطلقا. لقد ألقوا منذ زمن بعيد رافعة التقدم العظيمة جانبا. وعلى الطبقة العاملة أن تلتقطها.

لكن كيف يجعل هذا من مسرحية فاوست تراجيديا إنسانية عالمية”؟ هل يمكن، مع هذه النهاية المشرقة، اعتبار المسرحية تراجيديا أصلا؟ في الحقيقة إنه من السابق لأوانه أن نقول ذلك؛ فالقصة لم تنته بعد.

كل من يتطلع إلى استخلاص درس أخلاقي من هذا ينبغي له أن يلجأ إلى استهلال في السماء” في بداية المسرحية، وأن يفكر مليا في وصايا الرب:

«فلتكن أيها الخلق النشط دائما الحي دائما
مقيدا بقيود الحب الساحرة،
أما ما يتأرجح في تجل متذبذب،
فثبتوه بفكر صلب»[37].

اخرج، واعمل، واجتهد في تغيير هذا العالم. واستخدم المعرفة التي اكتسبتها لصنع شيء يدوم لأجيال. في البدء كان الفعل”.

العنوان الأصلي للمقال:

Faust – in the beginning was the deed


[1] J W von Goethe, Poetry And Truth From My Own Life, Vol. 1, George Bell and Sons, 1913, pg 229-230

[2] R Safranski, Goethe : Kunstwerk des Lebens, Carl Hanser Verlag, 2013, pg 155, tr. D Dollenmayer

[3] H Heine, ‘The Romantic School’, The Prose Writings of Heinrich Heine, Arno Press, 1973, pg 115

[4] J W von Goethe, Conversations of Goethe with Eckermann and Soret, George Bell and Sons, 1875, pg 507

[5] J W von Goethe, C Hamlin (ed.), Faust, Norton, 2001, pg 515

[6] R Safranski, Goethe : Kunstwerk des Lebens, Carl Hanser Verlag, 2013, pg 100, tr. D Dollenmayer

[7] J W von Goethe, C Hamlin (ed.), Faust, Norton, 2001, pg 31

[8] ibid. pg 12

[9] ibid.

[10] ibid.

[11] ibid. pg 34

[12] R Safranski, Goethe: Life as a Work of Art, Liveright, 2017, pg 311

[13] J W von Goethe, C Hamlin (ed.), Faust, Norton, 2001, pg 51

[14] ibid. pg 53

[15] K Marx, ‘Theses on Feuerbach’, The Revolutionary Philosophy of Marxism, Wellred Books, 2021, pg 51

[16] J W von Goethe, C Hamlin (ed.), Faust, Norton, 2001, pg 37

[17] ibid.

[18] G W F Hegel, ‘Hegel to Goethe – April 24, 1825’, Hegel: The Letters, Indiana University Press, 1984, pg 709

[19] F Engels, ‘Engels to C Schmidt, October 27, 1890’, Marx, Engels, Lenin: On Historical Materialism, Progress Publishers, 1976, pg 301

[20] J W von Goethe, C Hamlin (ed.), Faust, Norton, 2001, pg 10

[21] ibid. pg 36

[22] F Engels, ‘Ludwig Feuerbach and the End of Classical German Philosophy’, Karl Marx Frederick Engels Collected Works, Vol. 26, Progress Publishers, 1990, pg 378

[23] J W von Goethe, C Hamlin (ed.), Faust, Norton, 2001, pg 143

[24] ibid. pg 77

[25] ibid. pg 317

[26] K Marx, Capital, Vol. 1, Foreign Languages Publishing House, 1961, pg 760

[27] J W von Goethe, C Hamlin (ed.), Faust, Norton, 2001, pg 376

[28] K Marx, ‘Karl Marx’s “Confession”’, printed in International Review of Social History, Vol. 1, 1956, pg 108

[29] J W von Goethe, C Hamlin (ed.), Faust, Norton, 2001, pg 71

[30] ibid. pg 73

[31] ibid. pg 86

[32] ibid. pg 126

[33] F Engels, ‘German Socialism in Verse and Prose’, Karl Marx Frederick Engels Collected Works, Vol. 6, Progress Publishers, 1976, pg 266

[34] R Safranski, Goethe : Kunstwerk des Lebens, Carl Hanser Verlag, 2013, pg 623, tr. D Dollenmayer

[35] J W von Goethe, C Hamlin (ed.), Faust, Norton, 2001, pg 547

[36] F Engels, Anti-Dühring, Wellred Books, 2017, pg 50

[37] J W von Goethe, C Hamlin (ed.), Faust, Norton, 2001, pg 11