الرئيسية / تحليلات تاريخية / الثورة الروسية / ثورة فبراير عام 1917: اقتحام السماء

ثورة فبراير عام 1917: اقتحام السماء

آلان وودز
الجمعة: 24 فبراير 2017

 كانت الحرب العالمية الأولى قد صارت كارثة بالنسبة لروسيا. من خط الجبهة كانت تأتي أنباء عن توالي الهزائم، وتسبب انهيار الاقتصاد في نقص الخبز. اصطفت حشود من النساء الجائعات اليائسات أمام المحلات التجارية لشراء الخبز الذي لم يكن يصل أبدا.

لكن الأوضاع كانت مختلفة جدا بالنسبة للطبقة السائدة. طغمة منحطة واستبدادية حكمت البلد بقبضة من حديد. كان الأرستقراطيون الأثرياء وأصحاب الأبناك ينظمون الحفلات، حيث كانت الشمبانيا تتدفق مثل الماء. الضباط، الذين كان ينبغي أن يكونوا في الخط الأمامي، حيث رجالهم يعانون أهوالا لا توصف، كانوا ضيوفا معتادين في تلك الحفلات يطاردون عاهرات الدرجة العليا، إلى جانب أصحاب الملايين ورجال الحاشية.

تسربت روائح الفضائح النتنة خارج بلاط القيصر إلى كل أركان المجتمع وكل مصنع وكل خندق. وانتهت محاولة تلافي حدوث الثورة من خلال القيام بانقلاب داخل القصر، عبر اغتيال الراهب المنحط راسبوتين، إلى الفشل. توسلت المعارضة البرجوازية الليبرالية في مجلس الدوما إلى القيصر لإحداث التغيير من أعلى وكسب ثقة الناس من أجل منع حدوت ثورة من تحت؛ لكن دون جدوى. أجاب نيكولاس بازدراء: «ما كل هذا الحديث عن ثقة الشعب؟ دعوا الشعب يستحق ثقتي».

الانتفاضة

لكن تحت سطح الهدوء الظاهري كانت السيرورة الجزيئية للثورة تسير على قدم وساق. بدء عام 1917 بموجة من الإضرابات في بتروغراد، بعد فترة هدوء قصيرة في نوفمبر ودجنبر 1916. في شهر يناير وحده، شارك 270.000 عامل في الإضراب، من بينهم 177.000 في بتروغراد. وقد رافق الإضراب تنظيم لقاءات جماهيرية ومظاهرات. وكانت هذه بداية لحركة جماهيرية عامة.

كانت نقطة التحول هي يوم 23 فبراير – تاريخ اليوم العالمي للمرأة وفق التقويم اليولياني القديم، الذي استمرت روسيا تستخدمه حتى سنة 1918، والذي سنستخدمه لجميع التواريخ في هذه المقالة.

في صباح ذلك اليوم، أطل فيدور راسكولينكوف، وهو بحار يبلغ من العمر 25 عاما، من النافذة وفكر: «اليوم هو اليوم العالمي للمرأة. هل سيحدث شيء ما في الشوارع؟». وقد حدث شيء ما بالفعل. عبر المشاركون في اللقاءات الجماهيرية عن احتجاجهم ضد الحرب وارتفاع تكلفة المعيشة وظروف العمل السيئة للنساء العاملات. تظاهرت النساء في المصانع ودعين العمال إلى الالتحاق بهن. مدينة بتروغراد كلها كانت تغلي بالحياة. السرعة الهائلة التي تحركت بها النساء والشباب أصابت حتى النشطاء بالدهشة.

 في اليوم التالي، شارك في الإضراب 200.000 عامل، أي أكثر من نصف عدد عمال بتروغراد. كانت هناك اجتماعات حاشدة في المصانع ومظاهرات جماهيرية. اجتاحت حشود من الناس صفوف الشرطة والجيش للوصول إلى وسط المدينة وهم يهتفون “الخبز!” و”السلام!” و”ليسقط الاستبداد!”. كانت الثورة قد بدأت وحصلت فورا على زخم هائل، وصارت تكتسح كل شيء أمامها.

وقع القيصر شخصيا أوامر إطلاق النار على المتظاهرين «من أجل وضع حد للاضطرابات في العاصمة غدا دون أي تأخير». وفي 25 فبراير، أعطي الأمر لكتيبة من الجيش بفتح النار على المتظاهرين العزل. في البداية أطلق الجنود النار في الهواء، ثم أعطي الأمر لفوج بافلوفسك بإطلاق النار على العمال لكنهم بدلا من ذلك أطلقوا النار على الشرطة. وكانت هذه نقطة تحول حاسمة. كانت القوات، التي ظنت الدولة أنها تحت تصرفها، قد بدأت تذوب مثلما يذوب الثلج في فصل الربيع.

من الناحية النظرية كان النظام يمتلك قوات كافية تحت تصرفه، لكن في لحظة الحقيقة، وجد النظام نفسه معلقا في الهواء. وحالما بدأت البروليتاريا في التحرك، لم يكن هناك شيء يمكنه وقفها. كانت ثورة فبراير (كما تعرف عادة، على الرغم من أنها، حسب تقويم ما بعد 1918، قد حدثت في مارس) سلمية نسبيا، لأنه لم تكن هناك أية قوة جدية مستعدة للدفاع عن النظام القديم. كانت هناك عمليات تآخي واسعة النطاق بين قوات الجيش وبين المضربين. وقد ذهب العمال إلى الثكنات لمخاطبة إخوانهم في الزي العسكري.

حتى القوزاق، الذين كانوا قوات نخبة خاصة يستخدمون لقمع الاحتجاجات، أثبتوا أنهم غير جديرين بالثقة. لم يحرك القوزاق ساكنا عندما كان العمال يتقدمون إلى الأمام، حتى أنهم كانوا يمرون تحت بطون الخيول. قال أحد المتظاهرين إنه أثناء مروره تحت حصان، نظر إليه القوزاق وغمزه بعينه. تروي لنا تلك الحادثة الصغيرة كل ما نحتاج إلى معرفته.

ازدواجية السلطة

بعد 27 فبراير، صارت معظم أنحاء العاصمة بين أيدي العمال والجنود، بما في ذلك الجسور والترسانة ومحطات السكك الحديدية والتلغراف ومكتب البريد. وبالاستناد إلى تجربة عام 1905، شكل العمال السوفييتات (مجالس العمال) لتولي إدارة المجتمع. وبحلول مارس، كان القيصر نيكولاس العاجز قد اضطر للتنازل وصارت سلالة رومانوف جزءا من التاريخ. كانت السلطة في يد الطبقة العاملة والجنود، لكنهم بسبب افتقارهم إلى القيادة اللازمة، لم ينجزوا الثورة حتى النهاية. وكانت هذه هي المفارقة المركزية لثورة فبراير.

لم يكن لدى القادة الإصلاحيين (الاشتراكيون الثوريون والمناشفة)، الذين شكلوا أغلبية اللجنة التنفيذية للسوفييت، أي منظور للاستيلاء على السلطة وبدلا من ذلك سارعوا لتسليم السلطة للبرجوازية، على الرغم من أن هذه الأخيرة لم تكن قد لعبت أي دور في الثورة، بل وكانت مرعوبة منها. بسبب اقتناعهم الراسخ بأن البرجوازية هي الطبقة الوحيدة المؤهلة للحكم، حرصوا على تقديم السلطة، التي انتزعها العمال والجنود، إلى القسم “المستنير” بين صفوف البرجوازية، في أقرب فرصة ممكنة.

ومع ذلك لم تكن لهؤلاء الليبراليين أية قاعدة دعم جماهيرية حقيقية في المجتمع. كان ممثلو الشركات الكبرى هؤلاء يعرفون بالفعل أنه لا يمكنهم إلا أن يعتمدوا على دعم قادة السوفييت. كان النظام القديم يتوقع أن هذا سيكون مجرد ترتيب مؤقت، وأن الجماهير ستتعب سريعا من هذا الجنون، وأن الحركة ستهدأ وبعد ذلك يمكنه ببساطة أن يعطي “الاشتراكيين” ركلة في الوجه ويستعيد السيطرة. لكنهم، في ذلك الوقت، كانوا شرا لا بد من التعامل معه، خوفا من حدوث شيء أسوء.

تحرك البرجوازيون الليبراليون على عجل لأخذ زمام الأمور. تشكلت لجنة برئاسة ميخائيل رودزيانكو، الرئيس السابق لمجلس الدوما، وأعلنت نفسها حكومة مؤقتة لروسيا. وعن غير قصد فضح شولغين، الذي كان بدوره عضوا بارزا في تلك اللجنة، ، الأسباب الحقيقية وراء تشكيل الحكومة المؤقتة عندما قال: «إذا لم نستول على السلطة سيستولي عليها آخرون، سيستولي عليها هؤلاء الأوغاد الذين انتخبوا بالفعل جميع أنواع الأوغاد في المصانع». و”الأوغاد” الذين أشار إليهم هم أعضاء مجالس العمال (“السوفييتات”)، تلك اللجان الكفاحية ذات القاعدة الواسعة، المنتخبة ديمقراطيا في أماكن العمل، والتي سرعان ما ظهرت على السطح.

الحكومة المؤقتة في الثاني من مارس، تم تشكيل الحكومة المؤقتة رسميا. كانت تتكون أساسا من كبار ملاك الأراضي والصناعيين. وتم تعيين الأمير لفوف رئيسا لمجلس الوزراء. وكان وزير الخارجية هو رئيس حزب الكاديت، ميليوكوف. وكان وزير المالية هو صاحب مصانع السكر والمالك العقاري الثري تيريشينكو. وكانت التجارة والصناعة في يد صاحب مصانع الغزل والنسيج، كونوفالوف. وذهبت وزارة الحرب والبحرية للأكتوبري غوتشكوف. وأعطيت الزراعة إلى الكاديتي شينجاريف.

لهذه العصابة الرجعية من المحتالين سلم السوفييت مقاليد حكم روسيا! كان هدف الليبراليين وقف الثورة عن طريق إجراء تغييرات تجميلية من أعلى من شأنها المحافظة على أكبر قدر ممكن من النظام القديم. في هذه الكوميديا من الأخطاء البشعة، قام العمال، الذين سالت دماؤهم لإسقاط آل رومانوف، بتسليم السلطة لقادتهم، والذين قاموا، في المقابل، بتسليمها إلى الليبراليين البرجوازيين، الذين قاموا بدورهم بمحاولة إعادتها مجددا لآل رومانوف.

هذا الدرس لم يذهب هباء بالنسبة للعمال والجنود، وخاصة النشطاء، الذين تطور لديهم شعور متزايد بعدم الثقة تجاه السياسيين البرجوازيين في الحكومة المؤقتة. لكنهم كانوا يثقون في قادتهم، المناشفة والاشتراكيين الثوريين، “الاشتراكيين المعتدلين”، الذين كانوا يشكلون غالبية اللجنة التنفيذية لمجلس السوفييت والذين كانوا يقولون لهم باستمرار إنه يجب عليهم أن يتحلوا بالصبر وأن المهمة الأولى تتمثل في تعزيز الديمقراطية والاستعداد لعقد الجمعية التأسيسية، وهلم جرا.

كان للقادة المناشفة والاشتراكيين الثوريين، الذين سيطروا على السوفييت في البداية، عدد من المزايا على البلاشفة. كانت لديهم “أسماء كبيرة” من مجموعة الدوما (البرلمان)، أشخاص معروفون لدى الجماهير من خلال الصحافة الشرعية خلال سنوات الحرب. كما أنهم عرضوا ما كانوا يبدو حلا سهلا لجماهير العمال والفلاحين السذج سياسيا الذين اكتسحوا الساحة آنذاك، مخمورين بالأوهام الديمقراطية.

تشبث المناشفة والاشتراكيون الثوريون بالليبراليين البرجوازيين. بينما تشبث هؤلاء الأخيرون بما تبقى من النظام القديم. وكان العمال والفلاحون، الذين استيقظوا للتو على الحياة السياسية، يكافحون لايجاد طريقهم وكان افتقارهم إلى الخبرة والثقة بالنفس يمنعهم من الاعتماد على قوتهم الذاتية. خطباء المناشفة و”الأسماء الكبيرة” أثروا فيهم وأسكتوا شكوكهم.

باسم “الوحدة” و”الدفاع عن الديمقراطية”، ووحدة جميع “القوى التقدمية”، وما إلى ذلك، قالوا إن الطبقة العاملة لا يمكنها تغيير المجتمع “لوحدها”، ورددوا الإدعاء الكئيب التقليدي عند القادة الإصلاحيين، سواء آنذاك أو اليوم، بأن العمال عاجزون عن تغيير المجتمع وأنه يجب عليهم أن يخضعوا دائما لسيادة الرأسمال. وقالوا إن السوفييت “سيضغط على الليبراليين البرجوازيين” لخدمة مصالح العمال. وبهذه الطريقة ولدت حالة “ازدواجية السلطة”.

البلاشفة في فبراير

كان تطور الحزب البلشفي، في عام 1917، أكبر تطور من نوعه في تاريخ كل الأحزاب السياسية. في فبراير كان الحزب يضم عددا صغيرا جدا – لا يزيد ربما عن 8000 عضو، في بلد ضخم كان عدد سكانه حوالي 150 مليون نسمة. ومع ذلك، فبحلول شهر أكتوبر، كان البلاشفة قد صاروا أقوياء بما فيه الكفاية لقيادة ملايين العمال والفلاحين للاستيلاء على السلطة.

منذ البداية دافع العمال البلاشفة في المصانع، بشكل سليم، عن موقف الشك وعدم الثقة تجاه الحكومة المؤقتة. لكن وصول المنفيين كامينيف وستالين من سيبيريا أدى على الفور إلى حدوث تحول حاد نحو اليمين في المواقف السياسية للقيادة البلشفية في بتروغراد. وقد انعكس هذا على الفور في صفحات جريدتهم. في عدد برافدا يوم 14 مارس، أي بعد يومين على عودته، كتب كامينيف افتتاحية تسائل فيها: «ما الغرض من تسريع الأمور، في الوقت الذي تجري فيه الأمور بالفعل بمثل هذا الإيقاع السريع؟» وقد تبنى ستالين نفس موقف كامينيف، لكن فقط بحذر أكبر.

استسلم ستالين وكامينيف للضغوط الهائلة من جانب “الرأي العام”. وقد أدى الموقف الذي دافعا عنه إلى طمس الحدود بين البلاشفة والمناشفة، لدرجة أن الكونفرانس البلشفي، الذي انعقد في مارس، ناقش بالفعل مسألة الاندماج بينهما. في الواقع لو تم قبول موقف ستالين- كامينيف، لما بقي هناك أي سبب جدي للحفاظ على وجود حزبين منفصلين.

وصف ستالين، في إحدى المرات، الخلافات بين البلاشفة والمناشفة بأنها “زوبعة في فنجان شاي”. وفي محضر كونفرانس الحزب في مارس نقرأ ما يلي: «ستالين: لا جدوى من الجري إلى الأمام واستباق الخلافات. لا توجد حياة حزبية دون خلافات. سنتعايش مع الخلافات التافهة داخل الحزب. لكن هناك مسألة واحدة: من المستحيل أن توحد ما لا يمكن أن يكون موحدا. سيكون لدينا حزب واحد مع هؤلاء الذين يوافقون على زيمروالد وكينتال…».

لو لم يتم تصحيح هذا الخط الانتهازي لكان من الممكن أن تتعرض الثورة لضربة قاتلة. ومن أجل إقناع الحزب بتغيير المسار، كان على لينين أن يخوض صراعا شرسا استمر طوال 1917 وانتهى أخيرا بالفوز.

لكن ذلك لم يتحقق فورا أو بسهولة. فمن منفاه البعيد في سويسرا، تابع لينين، بقلق متزايد، تطور الموقف الذي تبناه قادة البلاشفة في بتروغراد.

لينين

مباشرة بعد سماعه خبر إسقاط القيصر أرسل على الفور برقية إلى بتروغراد، في 06 مارس، كتب فيها: « تكتيكنا: لا ثقة في الحكومة الجديدة ولا ذرة دعم لها. لا ثقة في كيرينسكي بوجه خاص؛ تسليح البروليتاريا هو الضمانة الوحيدة. انتخابات فورية لمجلس مدينة بتروغراد؛ لا تقارب مع الأحزاب الأخرى». كما عمل على قصف برافدا برسائل ومقالات يطالب فيها بأن يقطع العمال مع الليبراليين البرجوازيين ويقوموا بالاستيلاء على السلطة بأيديهم.

بمجرد ما عاودت برافدا الصدور، بدأ لينين في إرسال رسائله الشهيرة من بعيد. عند قراءة تلك المقالات ومقارنتها بالخطب التي ألقيت في كونفرانس مارس، يبدو لنا أننا أمام عالمين مختلفين. وعندما وصلت خطابات لينين إلى القادة البلاشفة في بتروغراد، أصيبوا بالذعر. عندها اندلع صراع مرير بين لينين وبين أقرب رفاقه.

أصيب القادة البلاشفة بالحرج من رسائل لينين إلى درجة أنهم ترددوا لعدة أيام قبل نشرها. وحتى عندما قاموا بذلك لم ينشروا سوى واحدة من بين اثنتين، وتعرضت للرقابة لقطع كل تلك الفقرات التي كان يعبر فيها لينين عن معارضته لأي اتفاق مع المناشفة. وقد تلقت بقية مقالات لينين نفس المصير، إذ أنها إما لم تنشر أو تم إصدارها في شكل مشوه.

في عدد برافدا رقم 27، كتب كامينيف: «أما بالنسبة للمخطط العام للرفيق لينين، فإنه يبدو لنا غير مقبول، بقدر ما ينطلق من افتراض أن الثورة البرجوازية الديمقراطية قد انجزت، ويبني على أساس التحول الفوري لهذه الثورة إلى ثورة اشتراكية». يعكس هذا المقال بدقة آراء كامينيف وستالين وأغلبية “البلاشفة القدماء” الآخرين في ربيع عام 1917.

تروتسكي

من بين جميع قادة الاشتراكية الديمقراطية في ذلك الوقت، كان هناك رجل واحد فقط هو الذي اتفق موقفه بشكل كامل مع الموقف الذي كان لينين يدافع عنه، كان ذلك الرجل هو ليون تروتسكي، الذي اصطدم معه لينين كثيرا في الماضي. عندما سمع تروتسكي لأول مرة بثورة فبراير، كان ما يزال في المنفى في نيويورك. وعلى الفور كتب سلسلة من المقالات في صحيفة نوفي مير.

لقد دفع منطق الأحداث لينين وتروتسكي في اتجاه بعضهما البعض. فقد وصلا، بشكل مستقل وانطلاقا من اتجاهات مختلفة، إلى نفس النتيجة: لا يمكن للبرجوازية أن تحل مشاكل روسيا، ويجب على العمال الاستيلاء على السلطة.

في الوقت الذي كان فيه “البلاشفة القدماء” يقتربون، ضد نصيحة لينين الواضحة، من المناشفة، بدت لهم أفكار لينين أنها “تروتسكية” خالصة، وبشكل ما لم يكونوا مخطئين في ذلك.

“كل السلطة للسوفييتات”

الموقف الذي عادة ما يتبناه المؤرخون البرجوازيون هو أن ثورة أكتوبر كانت مجرد “انقلاب” قامت به أقلية من المتآمرين بقيادة لينين، في حين كانت ثورة فبراير حركة جماهيرية عفوية. والاستنتاج الضمني هو أن ثورة أكتوبر كانت أمرا سيئا، أدت إلى الديكتاتورية، في حين كانت ثورة فبراير “من أجل الديمقراطية”، وحركة للمجتمع بأسره. لكن كلا هذين الإدعائين خاطئان.

يدعي الآن هؤلاء المؤرخون، المتخصصون في أن يكونوا حكماء بعد وقوع الحدث، أنه لو لم “تخرب” ثورة فبراير من قبل البلاشفة في روسيا لكانت قد تطورت إلى جنة للديمقراطية وكان من الممكن تجنب كل المشاكل اللاحقة. هذا غير صحيح نهائيا. حادثة كورنيلوف، في وقت لاحق من ذلك العام، أظهرت بالضبط المآل الذي كان سيقود إليه وضع ازدواجية السلطة. لم تكن الحكومة المؤقتة سوى واجهة تختبأ وراءها قوى الرجعية. لم يكن الخيار المطروح أمام الشعب الروسي هو الديمقراطية أو الدكتاتورية، بل كان الاختيار بين أن يأخذ السلطة العمال أو يأخذها الرجعيون الروس.

والحقيقة هي أن العمال والفلاحين الروس كانوا يمتلكون بالفعل السلطة في أيديهم في فبراير. لو أن قادة السوفييت تصرفوا بشكل حازم، لكانت الثورة قد اتخذت مسارا سلميا، دون حرب أهلية، لأنهم كانوا يتمتعون بدعم الأغلبية الساحقة في المجتمع. كان السبب الوحيد وراء عدم تحقق الثورة بطريقة سلمية على الفور في روسيا هو جبن وخيانة القادة الإصلاحيين في السوفييتات.

كان البلاشفة أقلية في السوفييتات، التي كانت تهيمن عليها الأحزاب الإصلاحية: الاشتراكيون الثوريون والمناشفة. كان ذلك هو السبب الذي دفع لينين إلى طرح شعار: “كل السلطة للسوفييتات”. لم تكن المهمة المركزية، في تلك اللحظة، هي الاستيلاء على السلطة، بل كسب الأغلبية التي كان لها أوهام في الإصلاحيين.

الاستيلاء على السلطة! من مارس وصولا إلى عشية انتفاضة أكتوبر، استمر لينين يطالب بإصرار بأن يقوم القادة الإصلاحيون داخل السوفييتات بأخذ السلطة بين أيديهم، وقال إن من شأن ذلك ضمان التحول السلمي للمجتمع. وأكد أنه إذا قام القادة الإصلاحيون بالاستيلاء على السلطة، فإن البلاشفة سيقتصرون على النضال السلمي لكسب الأغلبية داخل السوفييتات.

رفض المناشفة والاشتراكيون الثوريون الاستيلاء على السلطة لأنهم كانوا مؤمنين بشكل راسخ بأن البرجوازية هي من يجب أن تحكم. ونتيجة لذلك انتقلت المبادرة، بشكل حتمي، إلى قوى الرجعية. وراء ستار الجبهة الشعبية الروسية (الحكومة المؤقتة) كانت الطبقة الحاكمة تعيد تجميع صفوفها وتستعد للانتقام. وكانت النتيجة ردة “أيام يوليوز” الرجعية. تعرض العمال للهزيمة، تم قمع البلاشفة واضطر لينين إلى الاختباء في فنلندا.

أعد ذلك الأرض للثورة المضادة. زحف الجنرال كورنيلوف على بتروغراد لسحق الثورة. فطرح البلاشفة شعار الجبهة الموحدة لهزيمة كورنيلوف. وكانت تلك نقطة تحول في مسار الثورة الروسية. ومن خلال استخدام المطالب الانتقالية المناسبة في الوقت المناسب (السلام والخبز والأرض وكل السلطة للسوفييتات) وتكتيكات مرنة (الجبهة الموحدة) تمكن البلاشفة من كسب أغلبية العمال والجنود داخل السوفييتات إلى صفوفهم. عند ذلك فقط طرح لينين شعار الاستيلاء على السلطة، والذي أدى إلى انتصار البلاشفة في 25 أكتوبر- 07 نوفمبر 1917 وفق التقويم الحديث.

لم تكن ثورة أكتوبر انقلابا، بل كانت الثورة الأكثر شعبية وديمقراطية في التاريخ. لو لم يحسم البلاشفة السلطة عندما فعلوا لكانت الثورة الروسية قد تحولت لهزيمة، مثلما حدث لكومونة باريس. كانت الفاشية الروسية ستصل إلى السلطة قبل خمس سنوات من موسوليني [إيطاليا]. وبدلا من ذلك، أخذ العمال والفلاحين الروس السلطة بين أيديهم، من خلال السوفييتات، وفتحوا آفاقا جديدة وملهمة أمام الجنس البشري. يمكن لحكم روزا لوكسمبورغ على الحزب البلشفي أن يمثل الكلمة الأخيرة للتاريخ عن أعظم حزب ثوري في التاريخ:

«إن الأهم هو تمييز الأساسي عما هو غير أساسي، تمييز الجوهري عن الزوائد العرضية في سياسات البلاشفة. في الفترة الحالية، بينما نواجه الصراعات النهائية الحاسمة في كل العالم، مثلت الاشتراكية وتمثل المسألة الأكثر إلحاحا في عصرنا. ليست القضية هي هذا أو ذاك من المسائل التكتيكية الثانوية، بل هي قدرة البروليتاريا على النضال، وقوة النضال، والرغبة في النضال من أجل الاشتراكية. في هذا الصدد، كان لينين وتروتسكي وأصدقائهما هم الأوائل، هم الذين تقدموا إلى الأمام كمثال يحتذى لبروليتاريا العالم؛ إنهم ما يزالون الوحيدين حتى الآن الذين يمكنهم أن يقولوا مع هاتن*: “لقد تجرأت!”.

هذا هو الأساسي والثابت في السياسة البلشفية. وبهذا المعنى يعود لهم الفضل التاريخي الخالد بالسير على رأس البروليتاريا العالمية للاستيلاء على السلطة السياسية والممارسة العملية لمسألة تحقيق الاشتراكية، وبكونهم طرحوا بحزم الصراع النهائي بين رأس المال والعمل في العالم بأسره. في روسيا لا يمكن سوى طرح المسألة فقط، لكن لا يمكن حلها في روسيا. وبهذا المعنى فإن المستقبل في كل مكان ملك للبلشفية».

هوامش:

*: أولريخ فون هاتن، فارس وإنسي ألماني (1488- 1523)، أصدر كتابا سنة 1520 تحت عنوان: “انبعاث الأمة الألمانية” والذي استهله بعبارة: “لقد تجرأت على فعل ذلك”، حيث عبر عن دعمه لمارتن لوثر. المترجم.

عنوان النص بالإنجليزية:

The February Revolution of 1917: Storming Heaven