الأزمة تتعمق في الشرق الأوسط

  لقد لعب وجود الاتحاد السوفياتي السابق، ولو كدولة عمالية منحطة، دور الموازن لميل الإمبرياليين نحو الحرب وحال دون اندلاع حرب عالمية ثالثة. لكن اليوم لا توجد هناك سوى قوة عظمى وحيدة وهي تدفع نحو الحروب في العديد من ربوع العالم. من المحتمل أن يقود هذا، على المدى البعيد، إلى اندلاع حرب إمبريالية عالمية جديدة، ما لم تأخذ الطبقة العاملة السلطة وتحول دون وقوع كارثة من هذا القبيل. بطبيعة الحال ليس هذا تهديدا فوريا، لكنه خطر يمكن للإنسانية أن تواجهه في المستقبل.

   في الوقت الحالي ليس من مصلحة حتى الولايات المتحدة أن تسير في هذا الاتجاه. توجد هناك الآن انقسامات داخل الإدارة الأمريكية والجيش الأمريكي، حتى حول هل يجب توسيع المدى الحالي للمواجهة على الصعيد العالمي. وبينما لا تزال الولايات المتحدة تتحدث عن “الحرب على الإرهاب”، فإنها تجري في الكواليس مفاوضات سرية مع الصين، روسيا وإيران. إن الولايات المتحدة غارقة بما يكفي في أفغانستان والعراق مما يمنعها من فتح جبهة جديدة. وحتى في هذين البلدين فإنها بدل أن تفكر في تعزيز وجودها العسكري، تبحث عن “استراتيجية انسحاب”.

   والأكثر أهمية هو أن الجماهير قد بدأت تعود إلى مسرح التاريخ وبدأت الحركات الثورية تجتاح بلدا بعد الآخر، خاصة في أمريكا اللاتينية. الطبقة العاملة، في آخر المطاف، هي القوة الوحيدة التي تستطيع إيقاف هذا الانحدار نحو الحروب الإقليمية واحتمال حرب عالمية جديدة، عبر إسقاطها للنظام الرأسمالي.

   لم تعد الأزمة التي يعيشها الشرق الأوسط مجرد أزمة محلية أو إقليمية. إنها جزء من الأزمة العامة لمجمل النظام الإمبريالي، وهو الشيء الذي لم نره منذ الثلاثينيات. بعد الهزيمة في لبنان، هنالك داخل الولايات المتحدة الآن من يدفع نحو شن تدخل عسكري جديد، ضد سوريا وإيران هذه المرة. لكن تدخلا كهذا سيؤدي بسهولة إلى اندلاع حرب جهوية. ومن ثم فإنه من المستبعد أن تتحمل الولايات المتحدة بنفسها مهمة تدخل كهذا. لذا من المحتمل أكثر أن يتم القيام بذلك بواسطة إسرائيل بدعم من حلف شمال الأطلسي، الذي ينشر الجنود والبوارج الحربية في الخليج الفارسي وشرق البحر الأبيض المتوسط. إن هذه الاستعدادات العسكرية تتم خلف ستار بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في لبنان، اليونيفيل.

   المقال الأخير لمايكل شوسودوفسكي، المنشور على موقع Global Research، والذي يناقش فيه الاستعدادات لحرب جديدة في الشرق الأوسط، مهم في هذا السياق (يمكنكم إيجاد المقال هنا)

   ليس للتعزيزات العسكرية البحرية في الشرق الأوسط أية علاقة مع “حفظ السلام” وتم التنسيق بينها للتمكن من القيام بضربات جوية في المنطقة، تستهدف إيران أساسا. لقد تم ترسيم الخطط الأمريكية المحتملة لإمكانية ضرب إيران في خطة الكونبلان (CONPLAN) 8022. جاء هذا نتيجة لمناورة “البرق الشامل”، التي هي مناورة كبيرة تقودها القيادة الاستراتيجية الأمريكية للتحضير لـ”خطة القصف الشامل”. وتتضمن هذه الأخيرة هجوما اصطناعيا باستعمال أسلحة تقليدية ونووية ضد “عدو وهمي”- هو إيران في هذه الحالة. إن الكونبلان هي الخطة العملية للبرق الشامل.

   وكما نجد في مقال شوسودوفسكي، فإن الكونبلان « خطة تترجمها قوات البحرية وقوات الجو الأمريكية إلى برامج قصف لغواصاتها ومقاتلاتها…» وهي « المظلة العامة لنوع من السيناريوهات الاستراتيجية المعدة مسبقا والتي تتضمن استعمال أسلحة نووية… إنها موجهة، على وجه الخصوص، ضد تلك الأنواع الجديدة من مصادر التهديد -إيران، كوريا الشمالية- وكذلك الإرهابيين الفعليين والمفترضين… ليس هناك من سبب يجعلنا نقول أنه ليس في إمكانهم استعمال خطة الكونبلان 8022، وفق سيناريوهات محدودة، ضد أهداف روسية وصينية.»

   ردا على هذه التعزيزات العسكرية التي تقوم بها الولايات المتحدة وحلف الناتو، بدأت إيران تقوم باستعداداتها الخاصة بها، بما في ذلك تنفيذ عمليات حربية مكثفة داخل أراضيها خلال الصيف. ونشرت سوريا قواتها العسكرية على الحدود مع لبنان وإسرائيل.

   والشيء الآخر الذي لا تشير إليه كثيرا وسائل الإعلام هو الاستعدادات العسكرية الروسية والصينية، اللتان نفذتا تمارين عسكرية ومناورات حربية في آسيا الوسطى خلال الصيف كذلك. وقد نفذت “منظمة المعاهدة الجماعية للأمن” (تحالف أمني وقع بعد سقوط الاتحاد السوفياتي يشمل كلا من روسيا، أرمينيا، روسيا البيضاء، كازاخستان، قيرغيستان وطاجيكيستان) عمليات شهر غشت مباشرة قبل تلك التي نفذها الجيش الإيراني، نفس الشيء قامت به الصين وكازاخستان (في إطار منظمة شنغهاي للتعاون، التي تلعب فيها إيران دور عضو مراقب).

   وكما أشار شوسودوفسكي فإن « الأجندة العسكرية للولايات المتحدة لا تقتصر فقط على فرض السيطرة على ثروات النفط والغاز الإيرانية، (باستغلال “الحملة ضد الإرهاب الدولي” كمبرر). وفي استعادة لمرحلة الحرب الباردة، فإن هدف التدخل العسكري للولايات المتحدة يتمثل أيضا في إضعاف ثم إبعاد الصين وروسيا عن لعب دور ملموس في آسيا الوسطى.»

   تأكد هذا من خلال اتساع حلف الناتو وامتداده إلى مناطق تدخل في مجال نفوذ موسكو التقليدي. التوترات ترتفع في أرمينيا وأذربيجان وجورجيا. هذه الأخيرة صارت في الواقع محمية أمريكية. تأمل جورجيا تأمين الانسحاب السريع للقوات الروسية من أراضيها في محاولة للالتحاق بحلف الناتو. إن هذا التدخل الذي يقوم به الناتو في مجال نفوذ روسيا يؤدي إلى خلق التوترات بين الولايات المتحدة وروسيا. لقد حذرت روسيا الناتو مؤخرا من أنها ستتخذ “الإجراءات المناسبة” إذا ما قامت بولندا بتركيب «عناصر من أنظمة الدفاع الصاروخي للولايات المتحدة أو الناتو على أراضيها» (وكالة أنترفاكس للأنباء، 4 أكتوبر 2006).

   لبنان

   هناك العديد من الناس الذين يتساءلون، منذ نهاية وقف إطلاق النار في لبنان: من الذي ربح الحرب في لبنان، هل إسرائيل القوية أم منظمة حرب العصابات الصغيرة، حزب الله؟

   تظهر دراسة قام بها مركز الدراسات الاستراتيجية بجامعة الأردن، أن 84% من اللبنانيين يعتقدون أن الحرب كانت محاولة، من طرف الولايات المتحدة وإسرائيل، لفرض نظام جديد في الشرق الأوسط. نفس الدراسة تظهر أن 70% من الشيعة، الذين هم أفقر مجموعة وأكثرها تأثرا بالعنف، يعتقدون أن ميليشيات حزب الله خرجت منتصرة من الحرب، بينما لا يعتقد سوى 36% من السنة و19% من المسيحيين أن حزب الله انتصر. 82% من الدروز يعتقدون أن لبنان كان هو الخاسر الأكبر. يتبعهم المسيحيون بـ 73%. وفي المجموع، نصف المستجوبين يعتقدون أن لبنان خرج الخاسر الأكبر و37% قالوا أن إسرائيل خرجت منهزمة. في نفس الوقت، 78% منهم يعتقدون أن الحرب كانت ستندلع سواء قام حزب الله باعتقال الجنود الإسرائيليين أم لا. (أرقام مأخوذة عن صحيفة هاآرتس، 12/10/ 2006). لو أن هذه الدراسة نظمت مباشرة بعد وقف إطلاق النار، لجاءت النتائج مختلفة جدا. حيث أن أغلب اللبنانيين كانوا سيقولون أن حزب الله قد ربح الحرب. إن شهرين مدة طويلة جدا في الشرق الأوسط.

   خلال هذه المدة من الوقت، لم يتم تنظيف شوارع الضاحية، التي تعرضت لقصف إسرائيلي كثيف، بعد من بقايا الدمار. فالأََسرّة والأثاث والشظايا لا تزال مرمية في الشوارع. وحسب تقرير للجزيرة هناك 86000 منزل مدمر كليا أو جزئيا. إضافة إلى ذلك، عمليات إعادة الإعمار قد بدأت، لكن من يقوم بها ليست هي الحكومة اللبنانية أو المانحين الدوليين، بل حزب الله.

   هناك حوالي 6000 شخص منخرطون في مجهودات حزب الله لإعادة الإعمار في لبنان، العديد منهم يشتغلون كمتطوعين بدون أجر. إنهم يشتغلون وحدهم بينما تعمل حكومة السنيورة كل ما في وسعها لإظهار حزب الله كعاجز عن مساعدة ضحايا الهمجية الأمريكية والإسرائيلية. الولايات المتحدة بدورها تقوم بكل ما في وسعها لمنع الأموال من الوصول إلى حزب الله. لقد أصدرت وزارة المالية الأمريكية أمرا بتجميد جميع التحويلات التي تتم من الولايات المتحدة إلى بنك ساديرات، أحد أكبر الأبناك العمومية الإيرانية. تتهم الولايات المتحدة هذا البنك بتحويل الأموال إلى منظمات إرهابية، بما فيها حزب الله، حماس، الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- القيادة العامة ومنظمة الجهاد الإسلامي الفلسطينية. وقد اتخذت الولايات المتحدة كذلك إجراءات عقابية ضد مؤسستين ماليتين مقرهما إيران، متهمتين بلعب دور “صندوق غير رسمي لحزب الله”.

   صرح قاسم عليق، رئيس عمليات حزب الله لإعادة الإعمار، للجزيرة قائلا: « يمكن أن تكون الولايات المتحدة بصدد الضغط على الحكومة لكي لا تتحرك بشكل أسرع في عملية إعادة البناء… نحن نتمنى أن تبدأ (الحكومة) بذلك، لكننا لا نستطيع انتظارها… إن لحكومتنا علاقات وطيدة مع الولايات المتحدة وهو ما يمكن أن يكون السبب في كونها لم تبدأ القيام بمهمتها.»

   نشرت النيويورك تايمز مؤخرا تقريرا جاء فيه أن أكثر من 900 مليون دولار من المساعدات الدولية لا تزال مجمدة لدى الحكومة اللبنانية. وعلى ما يبدو فقد طلبت الحكومة اللبنانية من دولة قطر الحد من نفوذ حزب الله من خلال منح هبات لسكان بلدة بنت جبيل جنوب لبنان.

   وقد تم اتخاذ إجراءات أخرى ضد حزب الله. يوم 11 أكتوبر، عمل الجيش اللبناني، وللمرة الأولى، على مصادرة أسلحة يبدو أنها لحزب الله.

   الآن بعد أن انتهت الحرب بدأ حزب الله يفقد شعبيته. فالحرب لم تحل أيا من المشاكل التي تواجه الجماهير وفي الواقع لم تعمل سوى على جعل أوضاعهم أكثر سوءا. إن هذه المشاكل لا يمكنها أن تحل في ظل الرأسمالية. وبفعل ضيق نظرته كحركة شعبوية/ أصولية، أفكارها وبرنامجها لا يسيران أبعد من حدود النظام الرأسمالي، فإن حزب الله يتردد في الاستيلاء على الدولة البرجوازية في لبنان. من المحتمل أن حزب الله واع بأنه إذا ما أخذ السلطة، فإنه سوف يسقط في وضع مشابه لذلك الذي توجد فيه حماس: العزلة والحصار. لو كانت هنالك في لبنان منظمة ماركسية ثورية تمتلك الشعبية التي يمتلكها حزب الله، لكان في الإمكان تعبئة الجماهير لحسم السلطة والقضاء على العداوات. ولكان في الإمكان بناء دولة عمالية، بدل الدولة الرأسمالية الحالية الضعيفة، وتوجيه نداء إلى عمال وفقراء كل منطقة الشرق الأوسط، بما فيها إيران، تركيا وإسرائيل لكي يقوموا بالمثل. لكن عوض ذلك، يفقد حزب الله قوته مع كل يوم يمر. بينما الحكومة اللبنانية تحضر لحرب أهلية جديدة.

   إذا لم يأخذ عمال لبنان وفقراءه السلطة، فإن لبنان سينتهي إلى وضع أشبه بالعراق، حيث أعلن مؤخرا في The Lancet أن 655000 شخص قتلو بسبب الحرب.

   سوريا

   يوم 2 أكتوبر، صرح الرئيس بشار الأسد في استجواب مع BBC أنه مستعد للتفاوض حول اتفاق للسلام مع إسرائيل. إلا أنه أنكر أن يكون حزب الله منظمة إرهابية. وقال أيضا أن حكومته ستساعد على ضمان عدم توصل حركة المقاومة اللبنانية بأسلحة جديدة.

   وشرح أيضا أنه بإمكان سوريا وإسرائيل العيش في سلام جنبا إلى جنب، وأضاف أن دمشق مستعدة للتفاوض. بالتأكيد تعني اتفاقية “السلام”، في السياق الحالي للشرق الأوسط، أن سوريا ستستعيد كل مرتفعات الجولان وتبقى على الحياد (كما عملت في لبنان خلال الاجتياح الإسرائيلي سنة 1982) بينما تقوم إسرائيل بمهاجمة إيران وحزب الله.

   إن النظرة الضيقة الأفق التي تتميز بها حكومة بوش تجعلها غير مهتمة بمنع حدوث مواجهة مسلحة بين إسرائيل وسوريا. إنها مهتمة فقط بإسقاط النظام القائم في سوريا وإقامة حكومة عميلة. يتهم حكام الولايات المتحدة وإسرائيل سوريا بدعم المقاومة في العراق وتوفير الأسلحة لحماس في فلسطين وحزب الله في لبنان. وهما المنظمتان اللتان تعتبران من طرف واشنطن كمنظمتين إرهابيتين.

   نتيجة لذلك زعم، ميري إيسين، الناطق الرسمي في ديوان رئيس الوزراء الإسرائيلي أولمرت، أنه « ليس لبشار الأسد أي رغبة في السلام… إنه قلق من رد الفعل العالمي ضد تورطه في تمويل ودعم وحماية الإرهاب»

   ولكي يتم إفهام بشار الأسد أن إسرائيل غير مهتمة بالدخول في أي نوع من الاتفاقيات مع سوريا، وجه نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي، شيمون بيريز، دعوة إلى الرئيس الأسد لزيارة القدس. في الشرق الأوسط، أي رئيس يزور القدس سيعيد إلى الأذهان زيارة محمد أنور السادات. لقد زار القدس شهر نوفمبر من سنة 1977 وألقى خطابا في الكينيست حيث تكلم عن سلام متفق عليه يتضمن التطبيق الكامل لتوصية الأمم المتحدة 242 وتوصية 338. أثارت هذه الزيارة غضب أغلبية العرب، واستوعب العديد أنها ليست سوى استسلام لإسرائيل والولايات المتحدة. قام الإخوان المسلمون باغتياله في أكتوبر 1981. وهكذا لم تكن هذه الدعوة دعوة لزيارة القدس فقط، بل دعوة للموت.

   وليس من الغريب أن الحكومة السورية رفضت هذه الخطوة اللطيفة، وقالت أن الدعوة الإسرائيلية تفضح موقف الضعف الذي وجدت إسرائيل فيه نفسها بعد الحرب في لبنان. لقد صدر الرفض في افتتاحية بقلم هيئة تحرير جريدة حزب البعث الحاكم، والتي قالت:« إن إسرائيل تفهم أنه ليس هنالك مواطن سوري سيقبل هذه الدعوة»

   غزة

   إن الحكومة الإسرائيلية مصممة على إسقاط حكومة حماس المنتخبة. ويتمظهر هذا التصميم في طريقتين مختلفتين. فمن جهة تهاجم إسرائيل غزة مباشرة، ممارسة لضغط هائل على الحكومة. ومن جهة أخرى، تستخدم إسرائيل قوات فتح الموالية لأبي مازن، لتقود الأوضاع نحو حرب أهلية- وهي الأوضاع الملتهبة بسبب الظروف المعيشية الرهيبة لأهالي غزة الذين يعيشون تحت الحصار.

   يوم 1 أكتوبر، اندلعت مواجهات دامية بين قوات فتح وحماس استمرت يومين وقتل خلالها 14 فلسطيني إضافة إلى عشرات الجرحى. ومؤخرا قتل فلسطينيان اثنان على الأقل وجرح سبعة، إثر غارة جوية إسرائيلية على منزل القيادي في حركة حماس، شرف فرونة، بمدينة غزة. نجا فرونة من الهجوم، لكن الصاروخ قتل أخاه البالغ من العمر 25 سنة وابنته 10 سنوات. جاء هذا القصف بعد مقتل ستة فلسطينيين في مواجهة بين الجيش الإسرائيلي ومقاتلين فلسطينيين جنوب غزة، في الصباح الباكر من ذلك اليوم. وينتمي خمسة من بين هؤلاء الذين قتلوا إلى نفس العائلة.

   وكما كان متوقعا توعدت حماس بالانتقام. إن حماس وبسبب الطبيعة القومجية لسياستها، لا تفرق بين حكام إسرائيل المجرمين وبين العمال والفقراء. ويمكن أن نرى هذا واضحا في ردها على الاعتداءات: « ردا على الجرائم البشعة في خان يونس وشمال قطاع غزة، سوف نفجر ونقصف في كل مكان، شمالا وجنوبا. سوف يكون الرد قويا وسيزلزل الأرض. يجب على العدو الآن أن ينتظر بصبر ردنا».

   إن حماس تشبه حزب الله وتعاني من نفس نقاط ضعفه، لكن يجب أن نقول أيضا أن حماس ليست هي حزب الله- إذ أن أغلب أسلحتها عديمة الفعالية. بعد اعتداء خان يونس أطلق الفلسطينيون، من الضفة الغربية، اثنان من صواريخ القسام. لينتهي بهما الأمر بالسقوط في الخلاء غرب النجف. لم يحدث الصاروخان أية إصابات، فقط دمرت بعض الإسطبلات في أحد الهجومين.

   منذ يوليوز من هذه السنة قتل الجيش الإسرائيلي 400 فلسطيني، من بينهم 95 طفل. وجرح 1500، من بينهم 500 طفل. واختطف العديد من المدنيين، من بينهم 31 عضو في المجلس التشريعي و8 وزراء.

   ولكي تصير الأوضاع أكثر سوءا، أدى تهجم البابا بيندكت 16 المسموم على الإسلام من تصعيد الانقسامات الطائفية بين المسلمين والمسيحيين. يشكل المسيحيون 2% من الساكنة الفلسطينية. وقد استغل بعض الهمج تعليقات البابا كمبرر لمهاجمة الكنائس المسيحية في الضفة الغربية وغزة.

   إسرائيل

   ليست إسرائيل مكانا مثيرا للملل. إذ في كل يوم هناك اعترافات جديدة تبين مدى تعفن النظام القائم. آخر هذه الاعترافات ليست حول الفضيحة الجنسية التي تورط فيها الرئيس، بل الفضيحة التي تورط فيها أطباء كبار اعتقلوا بسبب قيامهم بإجراء تجارب طبية غير شرعية على مرضى مسنين.

   تم اعتقال أربعة أطباء كبار بمستشفى كابلان في ريهفوت ومستشفى هارتزفيلد جيرياتريك في جيديرا، الأسبوع الماضي بسبب إجرائهم لمئات التجارب الغير شرعية على آلاف المرضى النفسيين المسنين بدون استشارتهم. من المشتبه أن مريضا واحدا على الأقل مات كنتيجة مباشرة لواحدة من هذه التجارب إضافة إلى حوالي 12 مريضا آخرا ماتوا إما خلال أو مباشرة بعيد إحدى هذه التجارب. من بين هؤلاء المرضى الذين تعرضوا لهذه التجارب، هناك ناجون من معسكرات الاعتقال النازية!

   في الوقت نفسه تواصل الأزمة السياسية في إسرائيل في التصاعد نتيجة للحرب. العديد من الناس يتسائلون لماذا شنت الحرب على لبنان ويتسائل سكان شمال إسرائيل لماذا تم تهجيرهم، ولماذا استعمل الجنود لحما للمدافع من أجل أهداف لا يستطيعون فهمها.

   أولمرت الذي رفض الاستقالة أو تشكيل لجنة حكومية للتقصي، الذي هو مطلب شعبي يعكس الوهم في لجنة حكومية، يريد أن يطيل عمر حكومته عبر ضم حزب يسرائيل بيتني اليميني المتطرف، بزعامة افيغدور ليبرمان. إنه خيار طبيعي لحكومة منخرطة في حربين- واحدة ضد الدول المجاورة لها، والأخرى ضد العمال والفقراء داخل إسرائيل نفسها.

   برنامج ليبرمان يدعو إلى تهجير سكان القرى العربية داخل إسرائيل إلى أراضي السلطة الفلسطينية، وكذلك نزع الجنسية عن المواطنين العرب الذين يلعبون، حسب قوله، دور “الطابور الخامس”. كما أنه تحدث عن تطبيق حكم الإعدام في حق أعضاء الكينيست العرب الذين، على حد زعمه، ارتكبوا الخيانة. كما أنه يريد تغيير نظام الحكم من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي.

   هذه الحركة التي قام بها أولمرت سببت حدوث خلاف داخل حزب العمل. لقد صرح رئيس حزب العمل، عمير بيرتز، أنه يعارض إدخال ليبرمان في الائتلاف. قال بيرتز لأولمرت أنه لا يستطيع أن « يتفهم ائتلافا يضم يسرائيل بيتني. ليست المسألة متعلقة برفض شخص محدد، بل متعلقة باختلاف مطلق في الآراء حول جميع القضايا». إلا أن أولمرت، بالرغم من ذلك، أوضح أنه ينوي استقدام ليبرمان إلى الائتلاف، ولام “المتمردين” داخل حزب العمل بسبب غياب الانضباط. يمكن لهذا أن يؤدي إلى حدوث أزمة سياسية جدية، حيث أخبر بيرتز أولمرت أن أغلبية أعضاء حزب العمل في الكينيست يعارضون إدخال ليبرمان إلى الحكومة.

   قادة حزب العمل المتموقعين على يمين بيرتز، الذين يلعبون دور حصان طروادة داخل الحزب، أخبروا أولمرت أنه لن يكون في استطاعته الاعتماد على حزب العمل، لأن الحزب الذي ينوء تحت تقل الصراعات الداخلية قد خرج من سيطرة بيرتز. لهذا السبب فإن يمين الحزب غير قادر على أن يضمن قيام أعضاء الكينيست الـ19 بالتصويت لصالح ميزانية 2007.

   هاجم أولمرت علانية بيرتز وحزب العمل، قائلا: « [إنه] عاجز عن توفير 19 صوتا. [حزب العمل] ليس حزبا، إنه ميليشيا. إذن ما الذي على رئيس الوزراء فعله؟ السير معه؟»

   إذا ما رفض بيرتز القبول بإملاءات أولمرت، فإنه من المحتمل جدا أن يتم اتهامه بدعم حزب الله، إيران وسوريا. سوف يتهمه الجناح اليميني ليس فقط بكونه “ستالين”، بل بكونه مؤيدا للفاشيين الإسلاميين.

   المكان الوحيد لحزب العمل هو خارج ائتلاف الأحزاب البرجوازية. وبدل أن يلعب دور غطاء للهجمات ضد العمال والفقراء ولحرب جديدة، يجب عليه أن يتصرف كمعارضة يسارية. هناك قدر هائل من السخط بين صفوف العمال في إسرائيل، كما هو واضح من خلال بيان الهستدروت بعد العطلة، سيدخل 200000 عامل في القطاع العمومي والبلديات، في إضراب ضد ميزانية 2007. إلا أنه علينا أن ننتظر ما إذا كانت القيادة اليمينية لحزب العمل، بمن فيها بيرتز، ستغادر الائتلاف وإذا ما كان الهستدروت سينظم فعلا إضرابا.

   إن سكان إسرائيل منقسمون. فمن جهة هناك العمال المستغلون، العمال الأجانب والفلسطينيون و1,6 مليون فقير يعيشون تحت خط الفقر. هنالك أيضا العجزة وهؤلاء الذين يحتاجون إلى الرعاية الصحية والذين لا يستطيعون الذهاب عند الأطباء الخصوصيين. ثم من جهة أخرى هناك المليونيرات والشريحة العليا من الطبقة الوسطى وممثلوهم السياسيون. إن الطريق الوحيد أمام العمال والفقراء للخروج من هذا المأزق والقضاء على الحرب والبؤس والاستغلال، هو الثورة الاشتراكية. وكما يمكننا أن نرى، فإن المنطقة بأسرها تعيش في أزمة. والأزمات السياسية والاقتصادية والعسكرية تضربها بلدا بعد الآخر. يجب على عمال وفقراء إسرائيل أن يوجهوا النداء إلى إخوانهم وأخواتهم، عمال وفقراء المنطقة بأسرها. للالتحاق بهم كجزء من الثورة الاشتراكية العالمية.

يوسي شوارتز، إسرائيل
الأربعاء: 25 أكتوبر 2006

عنوان النص بالإنجليزية:

The crisis in the Middle East deepens

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *