الرئيسية / الشرق الأوسط وشمال إفريقيا / الحروب والثورات / أصداء الثورة المصرية تتردد في جميع أنحاء العالم العربي

أصداء الثورة المصرية تتردد في جميع أنحاء العالم العربي

ميدان التحرير، 30 يناير. صورة لرامي رؤوف

لقد أرسلت الثورة المصرية، التي أعقبت بسرعة الثورة التونسية، صدمة في كل أنحاء العالم العربي. جميع الاستراتيجيين الجديين للرأسمال يناقشون الآن “تأثير الدومينو” لهذه الأحداث الجارية في مصر. لكن لا أحد منهم، رغم ذلك، توقع حدوث هذا.

قبل أسبوع واحد من فرار بن علي أنكرت مجلة الايكونومست إمكانية الإطاحة به، أو حتى زعزعة نظامه. ثم وبمجرد الإطاحة ببن علي، عمقت المجلة الخطأ بطمأنة قرائها بأن الثورة التونسية لن تمتد إلى بلدان مثل مصر، لأن مصر، بطبيعة الحال، “مختلفة”. لكن وبعد بضعة أيام اندلعت الثورة في مصر.

كانت القوى الامبريالية، وبخاصة الولايات المتحدة، تعتقد أنها تسيطر على الوضع، وأن الأنظمة التابعة لها مستقرة. وقد ظهر تعليق مثير للاهتمام، في مقال بصحيفة فاينانشال تايمز يوم 28 يناير، يلقي الضوء على طريقة تفكير البرجوازية، ويبين الكيفية التي كانوا يرون بها الوضع منذ وقت ليس بالبعيد : «قبل 2007، كانت التطورات في الاقتصاد العالمي تبدو هادئة للغاية ويمكن التنبؤ بها، وكانت تلك الفترة تسمى في بعض الأحيان بعصر “الاعتدال العظيم”.»

لكن هذه الفترة المثالية انهارت فجأة بسبب الأزمة في عام 2008. وجاءت الأحداث في منطقة الشرق الأوسط لتشكل صدمة أكبر. ويواصل المقال قائلا : «… يعيش المستثمرون اليوم بشكل متزايد في عالم لا يمكن التنبؤ به لا سواء بالمعنى الاقتصادي أو السياسي». ويستشهد المقال بسايمون وليامز، المحلل المختص في الشرق الأوسط في HSBC، حيث يقول : «ما حدث في تونس أخذ الجميع على حين غرة. ولقد اضطرنا جميعا لإعادة النظر في الثوابت القديمة [بخصوص المنطقة]».

مشكلة هؤلاء “الخبراء” البرجوازيين هو أنهم فشلوا في كشف ما يحدث بين الطبقات الدنيا من المجتمع: بين الملايين من العمال المضطهدين والفقراء. وذلك لأنهم إذ يعيشون في أبراجهم العاجية، فهم عادة ما يتجاهلون هذه الطبقات. ولأن الهدوء الظاهري يمكنه أن يستمر لعقود، فإنهم يبدءون في الاعتقاد بأن هذا هو الوضع الذي ستكون عليه الأمور دائما. وهو ما يكشف عن قصر نظر شديد من جانبهم.

بعد نظر الماركسية

أما الماركسية، من جهة أخرى، فلديها “نظرة طويلة للتاريخ”، وتأخذ في الاعتبار جميع التناقضات، وكيف ستؤثر على الوضع مع مرور الوقت. ولقد كانت الأداة التي مكنتنا من فهم ما كان يحدث بشكل دقيق. قارنوا مثلا عدم الفهم الذي يوضحه الاقتباس أعلاه بما يلي : «إن الأسرة المالكة السعودية الرجعية معلقة الآن بخيط رفيع. وتحاول هذه العصابة الفاسدة الفاقدة للشعبية بشكل متزايد، التشبث بالسلطة… » (الشرق الأوسط، مؤتمر أنابوليس والقضية الفلسطينية: المزيد من المحادثات حول المحادثات، آلان وودز، 6 ديسمبر 2007). لاحظوا التاريخ : 2007!

وماذا عن المقال الذي نشرناه يوم 7 أبريل 2008، “مصر: السادس من أبريل/نيسان، تحضير لأحداث مستقبلية أعظم” ، بقلم جون دوفال وفريد ويستون، حيث نقول: «يواجه نظام مبارك أسوء أزماته على الإطلاق. والشيء الأكثر تعبيرا هو أن العمال تخلصوا من خوفهم من النظام. (… ) جميع الظروف تنضج للقيام بالثورة.».

وفي الآونة الأخيرة، خلال أكتوبر الماضي شرحنا أن : « التوترات في مصر قد وصلت نقطة الغليان. [… ] والثورة تنمو تحت السطح. » (Egypt: The gathering storm، بقلم علي زاده حميد وأوستن فريدريك، 28 أكتوبر 2010)

لقد كنا قادرين على كتابة هذا قبل فترة طويلة من اندلاع الاضطرابات الثورية الحالية، لأننا فهمنا آثار عقود من القمع، التي تفاقمت بفعل الأزمة الاقتصادية وتزايد الاستقطاب الاجتماعي. لكن عندما طرحنا آفاق الثورة في الشرق الأوسط ووجهنا بزعيق يصم الآذان من السخرية والشكوك التي تنفي إمكانية الثورة. والآن اندلعت الثورة في تونس ومصر وهي تنتشر في اليمن والأردن والعديد من البلدان العربية الأخرى.

تتدافع الامبرياليات الغربية الآن في محاولة لتعويض الوقت الضائع. وكانت ردة فعل الامبريالية الأمريكية وحلفائها في أوروبا الغربية هي دعوة مبارك للاعتدال وإعداد الانتقال إلى نظام أكثر ديمقراطية. إنهم يفعلون ذلك خوفا من انتشار الثورة من بلد إلى آخر حتى تسقط كل الأنظمة الفاسدة والمستبدة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وهو احتمال صار في إمكانهم الآن أن يروه!

لكن ليس كل “زعماء” العالم يدفعون في اتجاه هذه النتيجة. فهناك جانب آخر للقصة! فإذا ما سارت مصر – التي تعتبر البلد الرئيسي في العالم العربي- في الطريق الذي سارت عليه تونس، وأطيح أخيرا بمبارك، فإنه يمكن أن يكون لذلك تأثير أكبر حتى من التأثير الذي كان لسقوط بن علي. فبعد مصر يمكن لبلدان أخرى من قبيل الأردن والجزائر واليمن، الخ أن تتشهد حدوث انفجارات ثورية. وهذا من شأنه أن يهدد مباشرة المصالح المادية القوية للإمبريالية في المنطقة.

لذلك وفي حين أن أوباما كان يدعو إلى “انتقال” السلطة، يمكننا أن نكون متأكدين أن القادة العرب الآخرين كانوا يحثون مبارك من وراء الكواليس على المقاومة. فإذا ما تمكن من كبح المد الثوري، سيبقى هناك أمل لهؤلاء الزعماء الدكتاتوريين. الطبقة السائدة الإسرائيلية أيضا لا ترغب في أن ترى الثورة على أعتاب بابها. وعلى الرغم من أنها تفخر بكونها “الديمقراطية الوحيدة” في الشرق الأوسط، فيبدو أنها ليست حريصة جدا على رؤية الأنظمة الديكتاتورية التي تحيط بها تنهار.

لهؤلاء القادة جميعا سبب وجيه للقلق. فنفس الظروف التي توجد في تونس ومصر توجد أيضا في كل البلدان العربية. وفي هذه الظروف هناك عوامل تسهل أيضا انتشار الثورة من بلد عربي إلى آخر وهي واقع أن جميع هذه البلدان تتكلم لغة مشتركة (دون تجاهل مختلف الأقليات التي توجد في هذه البلدان، والتي تشارك هي أيضا في الحركة)، وهناك تراث ثقافي مشترك، ودين مشترك (على الأقل بالنسبة لـ90 ٪ من السكان)، وهناك استمرارية جغرافية (على الرغم من الحدود المصطنعة التي رسمها الاستعمار)، والوعي بأن لديهم جميعا نفس المشاكل، ومقاومة الهيمنة الرأسمالية والامبريالية. وقد خلق كل هذا قوة جبارة في أذهان الجماهير. نفس الأسباب يكون لها نفس الآثار. إن المنطقة كلها تحبل بالثورة.

إن وتيرة الأحداث الجارية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تعتمد في جزء منها على ما سيحدث في مصر خلال الأيام والأسابيع المقبلة. فإذا ما فشلت الحركة الحالية في الإطاحة بمبارك في المدى القصير، فإذن ذلك سيؤدي إلى إبطاء الوتيرة. أما إذا تم إسقاطه في وقت قريب، فإن هذا من شأنه أن يعجل السيرورة في أماكن أخرى. وبما أن نتيجة الصراع تحددها القوى الحية، فإن المرء لا يستطيع أن يقول مسبقا مدى سرعة أو بطء هذه السيرورة. لكن اتجاه السيرورة واضح جدا. فمبارك عاجلا أو آجلا سيرحل وسوف تفتح مرحلة جديدة، سيرتفع فيها الصراع الطبقي في مصر إلى مستوى أعلى. لا مفر من هذا، وسيكون له تأثير على المنطقة بأسرها.

والخطوط العريضة الموجزة التالية تقدم مؤشرا للأثر الدولي الذي بدأت الثورة المصرية، التي أعقبت الثورة التونسية، تمارسه بالفعل.

الأردن

الأردن هو المرشح الأول للسير على خطى مصر. فالاحتجاجات على الفقر المتزايد، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، والبطالة، والفساد، مستمرة منذ أسابيع. تبلغ البطالة رسميا 14 ٪ في بلد يضم ستة ملايين نسمة. 70 ٪ من السكان شباب تحت سن الثلاثين و 25 ٪ من السكان يعيشون تحت خط الفقر.

وقد خرج آلاف المتظاهرين في الأردن إلى الشوارع في احتجاجات للمطالبة باستقالة رئيس الوزراء وتخفيض الأسعار. هذه نتيجة للأزمة الاقتصادية الجارية. يسجل الأردن عجزا قدره ملياري دولار هذا العام. وقد ارتفع معدل التضخم إلى 6,1 %

وفي محاولة لتهدئة الجماهير، وعد الملك عبد الله ببعض “الإصلاحات”، ولا سيما فيما يخص قانون الانتخابات المثير للجدل. وأعلن رئيس الوزراء عن تخصيص 550 مليون دولار لإعانات جديدة للوقود والمنتجات الأساسية مثل الأرز والسكر واللحوم وغاز الطهي. كما أعلن عن زيادة الأجور لموظفي الخدمة المدنية وأفراد الأمن.

ولكن كل هذا كان بدون جدوى. وهذا ما يفسر، إعلان الملك عبد الله الثاني، في 01 فبراير، عن إقالة رئيس الوزراء سمير الرفاعي، ومعه الحكومة كلها – واستبداله بمعروف البخيت، الذي كلف بمهمة تشكيل الحكومة الجديدة التي يجب أن “تتخذ خطوات عملية وسريعة وملموسة لإطلاق إصلاحات سياسية حقيقية”. ويعد الملك بتطبيق برنامج فوري للإصلاح الديمقراطي، في الوقت الذي يحاول يائسا أن يكبح حركة الاحتجاج المتنامية وتجنب سيناريو مماثل لمصر. لكن البخيت لا يختلف اختلافا جوهريا عن رئيس الوزراء المنتهية ولايته. إنه معروف بإشرافه على الانتخابات المحلية والبرلمانية في عام 2007، عندما كان في الحكومة، حيث وقع تزوير انتخابي فاضح.

وهتف المحتجون في مظاهرة يوم الجمعة، [04 فبراير]، في عمان أمام مقر رئيس الوزراء، شعار “لتسقط الحكومة”، مؤكدين على أنهم لن يقبلوا بأي تدابير جزئية. ويمكن لعدم تلبية مطالب الشعب أن يهدد بقاء النظام الملكي نفسه وإسقاط النظام برمته.

اليمن

يشكل انتشار الفقر في اليمن، حيث يعيش 45 % من السكان على أقل من دولارين في اليوم، السبب العميق وراء حركة الاحتجاج الحالية هناك. تشير آخر الأخبار من اليمن أن يوم الخميس [03 فبراير] شهد خروج أكثر من 20000 شخص – أكبر نسبة مشاركة تسجل حتى الآن- للتظاهر في شوارع صنعاء، للمطالبة برحيل الرئيس علي عبد الله صالح.

وكما هو الحال في مصر التقى المتظاهرون المعادون للثورة المؤيدون للرئيس بالمظاهرة الهائلة المناهضة له مما أدى إلى حدوث بعض المواجهات البدنية، قبل أن تتدخل الشرطة لفضها. في مدينة عدن في الجنوب استخدمت قوات القمع الغازات المسيلة للدموع والذخيرة الحية لتفريق المتظاهرين. ولا شك أنه سيكون لهذا نفس التأثير الذي كان له في مصر، أي: تقوية عزم الحركة الثورية.

يوم الأربعاء، أعلن الرئيس علي عبد الله صالح أنه لن يترشح سنة 2013، وأضاف أن ابنه أيضا لن يترشح. وهذا أيضا مشابه لما أعلنه بن علي قبل الإطاحة به، ويكاد يبدو نسخة طبق الأصل لسلوك مبارك في مصر. إنه يحاول استرضاء الجماهير بالوعد بأنه سوف يرحل، لكن هذه ليست سوى خدعة لإبعاد الجماهير عن الشوارع من أجل استعادة السيطرة على الوضع.

وقد أعلن أيضا عن زيادة في الأجور وخفض في الضرائب، وإنشاء صندوق لتوفير فرص العمل لخريجي الجامعات، وتوسيع نطاق الاستفادة من الضمان الاجتماعي، وإعفاء طلاب الجامعات من دفع بقية الرسوم الدراسية لهذا العام الدراسي، ودعا أيضا إلى تخفيض تكاليف الدرجة.

هذه كلها مناورات واضحة في محاولة لمنع حركة الاحتجاج من النمو لتصبح شبيهة بتونس ومصر. لكن المتظاهرين أكدوا أن هذا لا يكفي. كان المحتجون البالغ عددهم 20000 يهتفون في الشوارع يوم الخميس: “الشعب يريد تغيير النظام”، و “لا للفساد، لا للديكتاتورية” و”تغيير النظام وإسقاط الرئيس”.

الجزائر

Illustration: Latuff (twitpic.com/photos/CarlosLatuff)

شهدت الجزائر اندلاع حركات احتجاجية ضد ارتفاع تكاليف المواد الغذائية الأساسية في نهاية ديسمبر الماضي في نفس الوقت تقريبا الذي اندلعت فيه الاحتجاجات في تونس. يوم 30 ديسمبر كانت هناك تقارير عن جرح ما لا يقل عن 53 شخصا واعتقال 29 آخرين، عندما قامت قوات البوليس بمهاجمة الاحتجاجات ضد ظروف السكن السيئة في منطقة بالجزائر العاصمة. والدليل على مدى كفاحية المتظاهرين هو أن من بين 53 جريحا، كان هناك على ما يبدو 52 من أفراد قوات الأمن.

واندلعت أعمال التمرد مرة أخرى في أوائل يناير ضد ارتفاع أسعار المواد الغذائية وانعدام فرص العمل. وقد رد النظام بمزيج من القمع (حيث أسفرت خمسة أيام من الاحتجاجات عن سقوط خمسة قتلى وأكثر من 800 جريح) وتخفيضات في الأسعار، وتخفيض سعر الزيت والسكر وغيرها من المواد الأساسية، وشراء مليون طن من القمح لتعزيز المخزون، مع وعد أيضا باستمرار الدعم على المواد الغذائية الأساسية مثل الطحين.

وبهذه الطريقة أعرب النظام عن أمله في استرضاء الجماهير ووقف تصاعد الموجة الثورية التي كانت قد بدأت تتحرك. لكن المشاكل الأساسية التي أدت إلى الثورة في المقام الأول لم يتم حلها. فالبطالة، وخاصة في أوساط الشباب الذين يشكلون نصف السكان، ما تزال مرتفعة. وتصل حسب المصادر الحكومية إلى حوالي 10%، لكن الأرقام الأكثر واقعية تضعها في مستوى اقرب إلى 25 %.

واستمر الغضب ينضج تحت السطح، وينتظر الفرصة لينفجر في أي لحظة. يوم 22 يناير، على سبيل المثال، أصيب عدة أشخاص عندما تعرضوا لهجوم من قبل الشرطة خلال مظاهرة مؤيدة للديمقراطية في الجزائر ضد القانون الذي يحظر التجمعات العامة. وقد تحدى المئات الحظر وخرجوا في الشوارع لتتم مواجهتهم بقوات شرطة مدججة بالسلاح.

يوم 1 فبراير، استجاب آلاف إلى الدعوة إلى التظاهر التي أصدرتها التنسيقية المحلية للطلاب في جامعة تيزي وزو. وفقا لمنظمين، شارك في الحركة الاحتجاجية 15000 متظاهر. ومن المعبر أن بعض المتظاهرين كانوا يحملون العلم التونسي، كمؤشر واضح في أنهم يرغبون في رؤية حركة في الجزائر تسقط نظام بوتفليقة المكروه. ومن بين الشعارات التي رفعت في المظاهرة شعار: “Bout-Ali dégage!”، حيث تم الجمع بين بوتفليقة وبن علي.

يوم 3 فبراير، أعلن الرئيس بوتفليقة أن حالة الطوارئ ستلغى في “مستقبل قريب جد”. وحالة الطوارئ معمول بها منذ 1992، وقد ضعت أصلا لـ”محاربة الإرهاب”. ومع هذا التصريح، دعا بوتفليقة على ما يبدو مجلس وزرائه إلى اعتماد سياسات من شأنها خلق فرص عمل وأعلن أيضا أنه على التلفزيون الوطني والإذاعة أن يعرضا آراء جميع الأحزاب السياسية.

هذه التصريحات ما تزال لحد الآن مجرد وعود. وكلها عبارات تهدف إلى إرضاء الحركة الاحتجاجية، من خلال نشر الاعتقاد بأن “الإصلاح الديمقراطي” في طريقه إلى التحقق. ولم يعط أي موعد لرفع حالة الطوارئ. أما بخصوص الوظائف، فإن الكيفية التي سيتم خلقها بها في ظل المناخ الاقتصادي الحالي تبقى مسألة مجهولة.

ومن المقرر الآن يوم جديد للنضال في 12 فبراير. تبين هذه الاحتجاجات الجارية أن الشعب في الجزائر لا يهدأ، ويمكنه أن يحرك مرة أخرى، على غرار جيرانه التونسيين.

المغرب

مئات من الطلاب تظاهروا في مدينة فاس المغربية يوم الأحد 30 يناير، احتجاجا على ارتفاع الأسعار وتدهور الأوضاع الاجتماعية (فيديو). وردد المتظاهرون هتافات ربطت مصير الملك محمد السادس بمصير بن علي. وجاءت هذا المظاهرة في أعقاب احتجاج وقع في وقت سابق في شمال المغرب بمدينة تطوان، في 20 يناير، والذي نظمته التنسيقية المحلية لمناهضة ارتفاع الأسعار، بمشاركة من رابطة العمل الشيوعي (الفرع المغربي للتيار الماركسي الأممي). هذه الوقفة الاحتجاجية في تطوان، التي عرفت مشاركة 300 محتج، دعت أيضا إلى التضامن مع الثورة التونسية (فيديو).

في الأيام القليلة الماضية، نشرت وسائل الإعلام الاسبانية تقارير تفيد بأن فرقا من الجيش وقوات مكافحة الشغب ووحدات من الشرطة تم نقلها من الصحراء إلى المدن الرئيسية في المغرب، استعدادا لاضطرابات كبيرة. وقد نفت الحكومة المغربية بشدة هذه التقارير، لكن من الواضح أنها قلقة جدا من احتمال انتشار الثورة في بلدها. وقد تمت الدعوة إلى تنظيم يوم الغضب من طرف “الحركة من أجل الحرية والديمقراطية الآن”، يوم 20 فبراير، والذي يمكن أن يصبح أيضا نقطة مجمعة للاحتجاجات في أنحاء البلاد.

وتماما مثلما كانت الايكونوميست تحاول تهدئة أعصاب قرائها بالقول إن مصر “مختلفة” ولا يمكن أن تمضي في طريق تونس، صرح وزير الشؤون الخارجية الإسبانية، ترينيداد خيمينيز، مؤخرا قائلا: «أعتقد بصدق أن الوضع في تونس ومصر مختلف بشكل واضح عن الوضع في المغرب»، والسبب هو أن المغرب قد سار بالفعل على طريق “الانفتاح الديمقراطي”. إن الحكومة الاسبانية بلا شك لن تكون سعيدة جدا بأن ترى ثورة تندلع على مشارف مضيق جبل طارق!

لكن شخصا أقرب إلى الملك المغربي، وهو ابن عمه، الأمير هشام، لديه رأي مختلف جدا. ففي مقابلة مع صحيفة الباييس، قال إن «المغرب ربما لن يكون استثناء… فجميع النظم الاستبدادية تقريبا سوف تتأثر بالموجة الكبيرة من الاحتجاجات. »

غزة والضفة الغربية

لقد بدأت حركة الشعب المصري تؤثر على الفلسطينيين، مباشرة على الحدود الشرقية لمصر في قطاع غزة، حيث تسيطر حماس الرجعية على السلطة. كان بعض الماركسيين المزيفين في الماضي قد صوروا حماس كقوة تقدمية تستحق الدعم من جانب اليسار. إنها في واقع الأمر قوة رجعية بالمطلق ملأت الفراغ الذي تسببت فيه الطبيعة الفاسدة لقيادة منظمة التحرير الفلسطينية التي تحكم السلطة الفلسطينية.

تحاول حماس تصوير نفسها كقوة “ثورية” و “معادية للامبريالية”. لو كان الأمر كذلك لكان في إمكان المرء أن يتوقع دعمهم للثورة الجارية في مصر. لكن العكس هو ما حصل! فقد كسرت الشرطة التابعة لحماس، خلال الأسبوع الماضي، مظاهرة صغيرة في مدينة غزة دعما للحركة الثورية في مصر وقامت باعتقال العديد من النساء.

حماس قلقة من التطورات الثورية التي تشهدها مصر مثل قلق حكومة إسرائيل. حيث وضعت قوات أمن إضافية على الحدود بين مصر وغزة، ليس على الجانب المصري بل على الجانب الفلسطيني. والحقيقة هي أن حماس لا تريد للحركة في مصر أن تمتد إلى قطاع غزة. إذا كان هناك من يبحث عن إجابة على الاتهام القائل بأن ما يحدث في مصر هو انتفاضة إسلامية فما عليه إلا أن ينظر إلى رد فعل حماس.

لحماس كل الحق في الخوف من انتشار العدوى من مصر. ومن بين المؤشرات على المزاج السائد هو واقع أن عدة آلاف من الفلسطينيين الذين يعيشون في قطاع غزة انضموا إلى مجموعة في الفايس بوك دعت لتنظيم احتجاج ضد حكم حماس في غزة يوم الجمعة [04 فبراير]. هذا هو الجواب على كل هؤلاء المتشككين الذين لا يرون إلا الردة الإسلامية في غزة. وقد بدأ الصوت الحقيقي للفلسطينيين، الذين يسكنون هذا الشريط الصغير من الأرض، يعلو.

كما جرى تنظيم شيء مماثل في الضفة الغربية. يعترف القادة الفلسطينيون في الضفة الغربية في الواقع بحقيقة أن الاحتجاجات في تونس ومصر يمكنها أن تمتد إلى الأراضي الفلسطينية. وقد كانت للشرطة هناك مخاوف مماثلة لتلك التي لحماس. ويبين هذا الفيديو: يوم التضامن مع الثورة المصرية، في رام الله، بفلسطين يوم 5 فبراير 2011، ويبين الشرطة التابعة للسلطة الفلسطينية وهي تقوم بمهاجمة تجمع تضامني مع الانتفاضة المصرية، في رام الله بالضفة الغربية.

لهم كامل الحق في الخوف من أن تندلع الاحتجاجات في الضفة الغربية. ودعونا لا ننسى أنه لم يمر وقت طويل منذ أن سربت الصحف الفلسطينية مؤخرا تقارير عن تواطؤ سري بين قادة منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية وبين دولة إسرائيل، بل وحتى مناقشة اغتيال مقاتل فلسطيني.

وخوفا من الاضطرابات، وفي محاولة لتلافي أي حركة احتجاج ممكنة، أعلن رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض إجراء الانتخابات البلدية في المستقبل القريب، وهناك حديث عن إجراء انتخابات عامة أيضا. ويعتبر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس مقربا من الرئيس مبارك، وسقوط هذا الأخير من شأنه أن يزيد من تضرر مكانته في نظر الشعب الفلسطيني.

جميع الشروط تختمر في الأراضي الفلسطينية لاندلاع الانتفاضة، لكن هذه المرة على نطاق أوسع بكثير، وكجزء من حركة عربية أشمل، وليس مجرد انتفاضة معزولة. دعونا نتذكر أن الانتفاضة كان لها تأثير أكبر بكثير على المجتمع الإسرائيلي من عقود من الإرهاب الفردي، وإطلاق بضعة صواريخ تضرب أحياء الطبقة العاملة في إسرائيل، أو الانتحاريين الذين يقتلون الأبرياء الإسرائيليين من الرجال والنساء والأطفال في الحافلات أو في المحلات التجارية، والتي لا تؤثر شيئا في آلة الدولة الصهيونية. في الواقع لقد أدت هذه العمليات إلى تقوية الدولة الصهيونية، لأنها تدفع بكل الإسرائيليين إلى دعم الحكومة لأنهم يشعرون بأنهم مهددون في وجودهم كشعب.

علاوة على ذلك، فإن حقيقة أن كل الأنظمة العربية هي أنظمة ديكتاتورية استبدادية، عملت دائما على استغلال القضية الفلسطينية لصالحها، محملة إسرائيل المسئولية وراء جميع المشاكل التي يعاني منها الشعب العربي، استخدمت أيضا بمهارة من قبل الطبقة الصهيونية السائدة لرسم صورة عن إسرائيل كدولة محاطة بدول تريد تدمير البلد. إن الحركة الثورية للعمال والشباب العرب سيكون لها، في مرحلة معينة، بدون شك تأثير على العمال العاديين في إسرائيل.

سوريا

طالما اعتبرت سوريا “دولة مارقة”، مع ماضيها كدولة موالية للاتحاد السوفيتي والاقتصاد المؤمم. لكن وفي ظل حكم الأسد سار النظام في اتجاه انفتاح الاقتصاد والسماح بتطور “اقتصاد السوق”. وهكذا نحصل على نظام بكل زخارف الماضي من حيث أجهزة الدولة القمعية، لكن مع إضافة تراكم الآثار المترتبة عن الانفتاح على الرأسمالية، الأمر الذي يؤدي إلى تزايد الاستقطاب الاجتماعي، وتزايد اللامساواة من خلال تراكم الثروة في يد نخبة قليلة والفقر بين الطبقات السفلى من المجتمع.

وقد اعترف الديكتاتور السوري، الأسد، في ضوء الثورات في تونس ومصر أن الحكام العرب بحاجة إلى بذل المزيد من الجهد لاستيعاب التطلعات السياسية والاقتصادية المتزايدة للشعوب في المنطقة. انه يخطط للمضي قدما في الإصلاحات السياسية هذا العام بما في ذلك إجراء الانتخابات البلدية، على الرغم من أنه ذكر أن الاستقرار والاقتصاد يأتيان على أعلى قائمة أولوياته من الإصلاح السياسي. وفي الواقع أعلن أيضا بعض التنازلات الاقتصادية الطفيفة في محاولة لتقويض أي مخطط لتجميع الناس في الشوارع. أعلنت الحكومة تقديم الإعانات والمساعدات للفقراء. وقد منح المعلمون قروضا بدون فوائد لشراء أجهزة الكمبيوتر المحمولة، في حين وجهت تهم الفساد لبعض موظفي القطاع العام في مدينة حلب. كما تم مؤخرا منح مليونين من موظفي الحكومة زيادة في الإجور تساوي 17 %.

إن ما يعنيه الأسد بالاستقرار وكون الاقتصاد على رأس أولوياته هو اعتقاده أنه من خلال تحقيق نوع من النمو الاقتصادي سيكون قادرا على الحفاظ على سيطرته على السلطة. ومع ذلك، تبلغ البطالة الآن في سوريا رسميا 10 %، لكن البعض يعتقدون أنها قد تكون أعلى، حتى من 25 ٪.

تساهم المشاكل الاجتماعية المتزايدة في اختمار روح الثورة في أوساط شباب البلد. وباستعمال الحق المقيد من قبل النظام للدخول إلى شبكة الانترنت، تم خلق عدة صفحات في الفايس بوك، بهدف تنظيم احتجاجات على غرار تلك الحركات التي اندلعت في تونس ومصر. وقد صدر نداء من أجل الاحتجاج يومي الجمعة والسبت [04 و05 فبراير] لكنه فشل في جذب المحتجين. وكما قال أحد الناشطين المجهولين «ما يزال الوقت مبكرا بالنسبة لنا. ما يزال لدينا الوقت. إن الشارع بالتأكيد ليست جاهزا بعد».

النظام السوري هو واحد من أكثر الأنظمة قمعية في المنطقة، عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع المعارضة. وهناك تقارير تفيد بأن قوات القمع السورية تدخلت بعنف ضد وقفة احتجاجية في دمشق دعما للانتفاضة المصرية يوم الأربعاء من الأسبوع الماضي. كما أن الإنترنت مراقب بشدة من طرف البوليس. ففايس بوك، على سبيل المثال، تم حظره رسميا منذ نوفمبر 2007، إلا أن العديد من الشباب السوريين يلتفون على هذا المنع.

لقد زاوج النظام بين هذا الجهاز القمعي وبين تنازلات ذات طابع اقتصادي من أجل الحيلولة دون أي محاولة لاندلاع حركة من قبيل ما يحدث في مصر. ومن الجدير بالذكر، مع ذلك، أنه على الرغم من أن النظام قد لا يواجه نفس المستوى من الاحتجاج كما في أماكن أخرى، فإنه قد اتخذ تدابير احترازية لزيادة عدد المواقع وصالونات الدردشة الخدمات المحجوبة عن مستخدمي الإنترنت في البلد. كل هذا يشير إلى أن سوريا تواجه أيضا اضطرابات متزايدة، وبالنظر للطبيعة القمعية المتطرفة لهذا النظام، فقد تندلع الاحتجاجات بشكل غير متوقع وبطريقة هائلة في مرحلة معينة.

السودان

بعد وقت قصير من سقوط بن علي في تونس، قامت قوات الأمن في السودان باعتقال زعيم المعارضة حسن الترابي. جاء ذلك بعد وقت قصير من دعوة حزب الترابي إلى القيام بـ”ثورة شعبية” إذا لم تتراجع الحكومة السودانية عن الزيادات في الأسعار.

قال الترابي في مقابلة مع وكالة أنباء فرانس برس: « لقد شهد هذا البلد الانتفاضات الشعبية من قبل. إن ما حدث في تونس هو تذكرة. ومن المرجح أن يحدث مثل ذلك في السودان… وإذا لم يحدث ذلك، فسيكون هناك الكثير من سفك الدماء. البلد بأكمله مسلح. ستشهد المدن انتفاضة شعبية، لكن الناس في دارفور وكردفان أيضا، لديهم أسلحة.»

ومنذ ذلك الحين شهدت السودان اندلاع حركة احتجاجية، مع خروج الطلاب إلى الشوارع الأسبوع الماضي. ويوم الاثنين [31 يناير] قتل طالب، يدعى محمد عبد الرحمن، من الجامعة الأهلية، بعد تعرضه للضرب على أيدي الشرطة. وأدى هذا إلى إغلاق النظام للعديد من الجامعات ونشر مكثف للشرطة حول كل الجامعات. وفي كلية الطب بجامعة الخرطوم، حاولت الشرطة منع حوالي 300 طالب من مغادرة الحرم الجامعي، لكنهم تمكنوا في نهاية المطاف من المرور وهم يهتفون: “الثورة ضد الدكتاتورية!”.

وقد حاول النظام إسكات أي وسيلة إعلامية ومنعها من إصدار تقارير عن احتجاجات الطلبة خوفا من أن يكون لها تأثير معد. في الواقع، شهدت السودان في الأسابيع الأخيرة الماضية اضطرابات اجتماعية على نطاق واسع، بسبب غرق البلد في الأزمة الاقتصادية مع تزايد معدلات التضخم التي تؤثر على أسعار السلع الأساسية. ومما زاد الطين بلة، قيام الحكومة بتخفيض الدعم على المنتجات البترولية والسكر، الذي يعتبر سلعة أساسية في السودان. من الواضح أن السودان يغلي بدوره.

المملكة العربية السعودية

المملكة السعودية بلد مهم في المنطقة لأنه أكبر مصدر للنفط في العالم. والامبرياليين قلقون للغاية من احتمال سقوط هذا “النظام الصديق”، مما يهدد ثبات إمدادات النفط الضرورية جدا لاشتغال الاقتصاد العالمي.

يبلغ المعدل الرسمي للبطالة 10 % والتضخم آخذ في الارتفاع. ويطمئن المحللون الغربيون والسعوديون أنفسهم بالقول إن السعودية تمتلك ثروة نفطية هائلة، وإنه يمكنها استخدام هذه الثروة لنزع فتيل الغضب والإحباط. يمكنها زيادة الدعم على المواد الغذائية، على سبيل المثال، دون صعوبات كبيرة. خصصت السعودية ميزانية قياسية في ديسمبر وتخطط لإنفاق مبلغ 400 مليار دولار في السنوات الخمس، حتى عام 2013، لتطوير البنية التحتية. لا توجد في السعودية أي أحزاب سياسية أو نقابات. الاحتجاجات والإضرابات غير قانونية. وليست هناك منظمات طلابية، ولا نقابات عمالية، أو أحزاب سياسية. ورغم ذلك تنظر الحكومة السعودية بخوف إلى ما يحدث في تونس ومصر. فهذه البلدان أيضا كان من المفترض أن تكون ثابتة ومحصنة ضد الثورة.

في 31 يناير، نشر البنك السعودي الفرنسي (Banq Saudi Fransi) وثيقة تحت عنوان “دعوة للاستيقاظ: العدوى المصرية تلوح في الأفق، لكنها تحت السيطرة”. حيث أوضح جون سفاكياناكيس كبير الاقتصاديين في البنك السعودي الفرنسي، ما يلي: «للسعودية الوسائل للحفاظ على الإعانات، لكنها غير معزولة عن ما يحدث في مصر… إنه جرس إنذار للجميع في المنطقة. عليهم أن يضعوا في الاعتبار أن البطالة وخلق فرص العمل ينبغي أن تكون أولويات قصوى في المملكة العربية السعودية.»

نشرت الفاينانشال تايمز، يوم 5 فبراير، تعليقا مثيرا للاهتمام عن المعضلة التي تواجه إدارة اوباما في السعودية : «لا بد أن [الإدارة الأمريكية] تطرح على نفسها السؤال الكبير التالي: ماذا لو تعرضت العربية السعودية، التي تعتبر أكبر مصدر للنفط في العالم، لكن في الوقت نفسه لم يستفد سكانها الشباب من الثروة النفطية، لاضطرابات مماثلة؟».

وفي الشهر الماضي، نظم مائتي معلم احتجاجات أمام مقر وزارة التعليم للمطالبة بالترسيم. وقد صارت مثل هذه الاحتجاجات مألوفة منذ بعض الوقت. وكان آخرها يوم الجمعة عندما تعرض للاعتقال متظاهرون في جدة كانوا يحتجون على ضعف البنية التحتية. تظاهر المحتجون على ما يبدو لبضع دقائق بعد صلاة الجمعة في أحد شوارع جدة الرئيسية قبل أن تقوم السلطات بفض الاحتجاج واعتقال المشاركين.

إن مثل هذه الاحتجاجات الصغيرة مؤشر عن سخط أعمق بين أوسع فئات السكان. وأشار سفاكياناكيس نفسه إلى أنه « لم نعد قادرين على اعتبار الاستقرار في الشرق الأوسط مسألة محسومة… فالناس في الشرق الأوسط لم يعودوا صبورين ولا صامتين. فبعد تونس، اعتقدنا أنه لن يحدث ذلك أبدا في مصر، لكن انظروا إلى ما حدث».

إن ما يعجز المحللون البرجوازيون عن فهمه هو أنه ليس الفقر وحده الذي يؤدي إلى الثورة. إنه عامل مهم، لكنه ليس الوحيد. مصر لديها الكثير من الفقراء، لكنها ليست أفقر بلد في العالم. إن ما يثير الاضطرابات الثورية هو الانتقال من مرحلة إلى أخرى، والتأرجح في الظرفية الاقتصادية صعودا وهبوطا. إن ضرب الإصلاحات المكتسبة في الماضي يمكن أن يطلق العنان لحركات قوية.

وهناك أيضا عامل آخر. فالثروة في هذه البلدان تتركز في أيدي قلة من الناس. جميع هذه البلدان شهدت نموا اقتصاديا مهما. فمصر، على سبيل المثال سجلت، منذ عام 2003، نموا بمعدل سنوي متوسط قدره 5، 5 ٪. ولكن هذا النمو لم يوزع بالتساوي. وبالتالي لدينا جيش من الفقراء في مواجهة نخبة صغيرة من فاحشي الثراء. ويمكن لهذا في حد ذاته أن يؤدي إلى تطورات ثورية. ثم هناك ازدياد الكراهية لهذه الأنظمة الفاسدة القمعية. وليس من قبيل المصادفة أن العديد من النساء شاركن في التحركات الأخيرة في المملكة العربية السعودية. كل هذا يمكنه أن يطلق العنان لحركة قوية حتى ضد النظام السعودي الذي يبدو مستقرا.

الانعكاسات على الإمبريالية

لهذا الانفجار المفاجئ للثورة في جميع أنحاء العالم العربي انعكاسات خطيرة على الإمبريالية. في سنوات الستينات تحولت العديد من الدول العربية نحو اليسار. وكان المثال الأول على ذلك هو سوريا، حيث نظم الاقتصاد على غرار الاتحاد السوفيتي. لكن حتى عندما لم تصل السيرورة إلى مثل هذه المستويات، فإن أنظمة، من قبيل نظام عبد الناصر في مصر، كانت تسير في نفس الاتجاه. حيث تم تأميم أجزاء كبيرة من الاقتصاد، وتم تطبيق تدابير الرعاية الاجتماعية مثل الرعاية الصحية والتعليم والدعم على المواد الغذائية وغيرها، وهو ما أدى إلى تحسين ظروف حياة الجماهير. لحد اليوم ما زال كثير من المصريين يتذكرون عبد الناصر باعتزاز. كما أنه كان يحظى باحترام واسع في جميع أنحاء البلدان العربية، لأنه كان يعتبر شخصا يقف ضد الامبريالية.

لكن ومنذ أواخر سنوات السبعينات وبدايات الثمانينات، بدأت هذه السيرورة تنعكس. ففي مصر بدأ النظام في عهد السادات، الذي خلف عبد الناصر، ينتقل للدخول تحت نفوذ الامبريالية الأمريكية. وعلى هذا الأساس صارت الخصخصة على جدول الأعمال. أما على الساحة الدولية فقد تحولت مصر، من كونها عدوا لإسرائيل، إلى التوقيع على اتفاق سلام معها، واستمرت في المحافظة عليه منذ ذلك الحين. الأردن بدوره وقع مثل ذلك الاتفاق. وفي تونس، عندما جاء بن علي إلى السلطة كان 80 ٪ من الاقتصاد تحت سيطرة الدولة. لكن وبعد 23 عاما تمكن بن علي من تفكيك وخصخصة قطاعات كاملة من الاقتصاد، وبذلك تدمير العديد من الإصلاحات التي تحققت في الماضي. ويمكن أن نرى صورة مماثلة لهذا في كل أنحاء الشرق الأوسط.

تطورت هذه السيرورة على مدى ثلاثين سنة. وها نحن الآن نرى النتائج: فالثورة تجتاح أنحاء المنطقة بأسرها. يعتبر مبارك في مصر والملك عبد الله في الأردن الحليفين الرئيسيين للولايات المتحدة. ولقد صارت هذه العلاقة المريحة المستقرة معرضة للخطر الآن من قبل الحركة الجماهيرية الثورية. والمشكلة هي أن هناك القليل مما يمكنهم القيام به حيال ذلك. لقد خلقوا الظروف للثورة وعليهم الآن تحمل العواقب.

فريد ويستون
الاثنين: 07 فبراير 2011

عنوان النص بالإنجليزية:

Egyptian revolution reverberates throughout Arab world

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *