يرتبط تاريخ الحزب الشيوعي الصيني ارتباطا وثيقا بالانحطاط الستاليني للأممية الشيوعية. في هذه المقالة، يستكشف الرفيق كيني والاس التاريخ المجهول لنضال القوى التروتسكية في الصين، التي ناضلت ببسالة للدفاع عن أفكار الماركسية الأصيلة وأساليبها رغم كل الصعاب.
[نُشر هذا المقالا في الأصل ضمن العدد 51 من مجلة “الدفاع عن الماركسية” – وهي مجلة نظرية فصلية تصدرها الأممية الشيوعية الثورية. حمل نسختك من هنا]

يعد تاريخ التروتسكية الصينية جزءا غالبا ما يتم إغفاله في تاريخ الحركة العمالية الصينية. ويعود ذلك، بطبيعة الحال، إلى حد كبير إلى انتصار الحزب الشيوعي الصيني عام 1949 وإسقاط الرأسمالية بقيادة ماو، مما يضع بالضرورة أصول الماوية وتطورها في صدارة أي دراسة للماركسية في الصين. لكن هذا ليس السبب الوحيد.
لقد حافظت قيادة الحزب الشيوعي الصيني على هيمنة الخط الرسمي عبر سياسة قمع يقظة وقاسية، ضد أي تيار قد يمثل بديلا سياسيا في أعين الطبقة العاملة الصينية، وخصوصا ضد التروتسكية.
يعود هذا الصراع الدؤوب لتحييد أي احتمال لظهور تيار تروتسكي في الصين إلى السنوات الأولى للمعارضة اليسارية في عشرينيات القرن الماضي. وبلغ ذروته باعتقال جميع التروتسكيين المعروفين في الصين والقضاء عليهم بين عامي 1951 و1952. وخلال تلك الحملة، تم القضاء على قوى التروتسكية الصينية وتدمير سجلاتها.
ومع ذلك فإنه من الخطأ الجسيم افتراض أن التروتسكية لم يكن لها أي تأثير داخل الحركة الثورية الصينية. في الواقع، انضم العديد من مؤسسي الحزب الشيوعي الصيني إلى المعارضة اليسارية بزعامة تروتسكي في عشرينيات القرن الماضي.
وفي ظل ظروف القمع الوحشي والثورة المضادة والحرب، ناضلت تلك المجموعة الصغيرة من التروتسكيين ببسالة للحفاظ على الأفكار والأساليب البلشفية الحقيقية في الصين، ولتأسيس قوة منظمة قادرة على إقامة روابط مع العمال في المدن. وقد أدركوا أن ذلك هو السبيل الوحيد لضمان نجاح الثورة الصينية على أسس سليمة.
لم يحقق ذلك النضال النجاح في نهاية المطاف. إلا أن تاريخ مواجهة التروتسكيين الصينيين للتحديات الهائلة لتلك الفترة يقدم دروسا مهمة عديدة للشيوعيين الذين يسعون جاهدين اليوم لبناء أحزاب ثورية في جميع أنحاء العالم.
جذور الحزب الشيوعي الصيني
في الواقع تعود جذور التروتسكية الصينية إلى الأيام الأولى لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني نفسه. تأسس الحزب الشيوعي الصيني على يد مجموعة صغيرة من الثوريين الذين ألهمتهم ثورة أكتوبر عام 1917، وكان تشن دوكسيو قائدهم الرئيسي.
كانت مساهمة تشن دوكسيو حيوية. قبل تبنيه للماركسية، كان بالفعل مفكرا راديكاليا مشهورا. كان شخصية بارزة في “حركة الرابع من ماي” التاريخية عام 1919، التي شهدت احتجاج آلاف الطلاب في جميع أنحاء الصين ضد الإمبريالية والإقطاع والفساد.
بنهاية تلك التجربة، أدرك تشن وأتباعه أن مجرد تطبيق الديمقراطية الليبرالية الغربية لا يمكن أن يحرر الصين من قيود الهيمنة الأجنبية. لقد رأوا في الثورة الاشتراكية سبيلا لتحرير الصين من الإمبريالية والتخلف، كما أثبت البلاشفة في روسيا.
في وقت انعقاد مؤتمره التأسيسي في يوليوز 1921، كان الحزب الشيوعي الصيني يضم حوالي 50 عضوا، جميعهم من المثقفين والطلاب. وقد استند المناضلون الذين أسسوا الحزب إلى أفكار لينين وتروتسكي، القائدين المعترف بهما للثورة الروسية. وبالطبع فقد كانت قيادة الحزب الشيوعي الصيني نفسها ما تزال حديثة العهد بالماركسية، وكانت تعتمد بالضرورة على توجيهات الأممية الشيوعية (“الكومنترن”).
نما الحزب الشيوعي الصيني بسرعة، أولا بين الطلاب والمثقفين الشباب، ثم بين الطبقة العاملة. ومن مجموعة صغيرة من الرفاق في المؤتمر التأسيسي، نما الحزب إلى ألف عضو بعد أربع سنوات فقط في عام 1925. وبعد عامين على ذلك، أصبح لديه 57000 عضو في الحزب، وسيطر على الغالبية العظمى من النقابات العمالية.
عكس النمو السريع للحزب الشيوعي الصيني الجاذبية الهائلة التي حظيت بها ثورة أكتوبر بين العمال والشباب الصينيين الطليعيين. فقد اعتبروها مثالا لتحررهم. وقد لخص لي داتشاو، أحد مؤسسي الحزب الشيوعي الصيني، ذلك الشعور قائلا:
“جماهيرنا الكادحة، التي ترزح تحت وطأة اضطهاد مزدوج، بل متعدد، سمعت فجأة صرخة ثورة أكتوبر: “أسقطوا الرأسمالية العالمية!”، “أسقطوا الإمبريالية العالمية!”، صدحت هذه الصرخة في آذاننا بحدة خاصة وثقل خاص وأهمية خاصة”[1].
لكن قيادة الحزب الشيوعي الصيني كانت في تلك الأثناء قد بدأت تتلقى توجيهات مشوهة بشكل متزايد من قيادة الكومنترن، مما عكس الانحطاط البيروقراطي الذي كان يحدث داخل الاتحاد السوفياتي. وكانت لذلك عواقب وخيمة على تطور الحزب.
الكومينتانغ
كانت الصين في ذلك الوقت أقرب إلى بلد شبه مستعمر، أكثر من كونها دولة قومية، كانت مقسمة من قبل العديد من القوى الإمبريالية عبر وكلائها من أمراء الحرب الصينيين والبرجوازية الكمبرادورية (تلك الطبقة من الرأسماليين الذين عملوا كتجار ووسطاء بين رأس المال الأجنبي والسوق الصينية).
ظهرت طبقة عاملة صغيرة نسبيا في عدد قليل من المدن التي استثمرت فيها الإمبريالية الأجنبية بكثافة، مثل شنغهاي وغوانغدونغ وهونغ كونغ. كان العمال يخضعون لظروف قاسية، وفي بعض الحالات كانوا ينامون ما بين 30 و40 شخصا في الغرفة الواحدة، ويتعرضون للضرب عقابا على أخطاء في عملهم.
إلا أن الغالبية العظمى كانت من السكان فلاحين والذين كانوا عالقين في ظروف بالغة التخلف، يسيطر عليهم ملاك الأراضي الذين ارتبطت مصالحهم بالطبقة السائدة في المدن. كان الفلاحون، في كثير من الحالات، أشباه عبيد، يتضورون جوعا، ويرتدون ملابس رثة، ويُجبرون على دفع ضرائب باهظة تحت التهديد بالتعذيب. تشير التقديرات إلى أنه خلال السنة السيئة، قد تتوقع عائلة مكونة من سبعة أفراد أن يموت ثلاثة أو أربعة من أفرادها جوعا.
كان أهم حزب سياسي في الصين آنذاك هو الكومينتانغ (KMT): الحزب القومي الصيني. كان ذلك الحزب تحت سيطرة عناصر برجوازية بشكل رئيسي. لكنه كان يتمتع أيضا بمكانة معينة في أعين الجماهير، حيث كان زعيمه صان يات صن يُعتبر قائد الثورة الجمهورية عام 1911 التي أنهت قرونا من النظام الملكي في الصين.

شهدت أوائل عشرينيات القرن العشرين اندلاع موجة من الغضب ضد الإمبريالية بين شريحة واسعة من الجماهير الصينية. انضمت أعداد كبيرة من العمال والفلاحين، وكثير منهم كانوا يتجهون نحو اليسار، إلى الكومينتانغ بسبب عدم وجود بديل. وقد مثل ذلك مشكلة وفرصة في آن واحد للحزب الشيوعي الصيني الفتي. كان على الحزب الشيوعي الصيني إيجاد طريقة للوصول إلى تلك الشريحة التي تتطلع إلى الكومينتانغ وكسبها دون زرع الأوهام في ما يسمى بـ “البرجوازية الوطنية التقدمية” المحيطة بصان يات صن.
في عام 1922، اتخذ الكومنترن والحزب الشيوعي الصيني سلسلة من التدابير للتواصل مع قواعد الكومينتانغ. وخلال المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي الصيني، تم اتخاذ قرار بتشكيل جبهة موحدة مع الكومينتانغ، مع حفاظ الحزب الشيوعي الصيني على استقلاله. وبعد ذلك بوقت قصير، وبعد تدخل ممثل الكومنترن، هينك سنيفليت (مارينغ)، اقتنع أعضاء قياديون في الحزب الشيوعي الصيني بالانضمام إلى الكومينتانغ في محاولة لكسب قواعده إلى الاشتراكية.
تبع ذلك في عام 1923 تفاعل مباشر بين الحكومة السوفياتية وبين صان يات صن. عرضت الحكومة السوفياتية على صن المساعدة بالأموال والمعدات العسكرية، بالإضافة إلى المساعدة في تعزيز الهياكل التنظيمية للكومينتانغ كحزب، في محاولة لكسبه إلى الماركسية. وهكذا بدأ ما عرف لاحقا باسم “الجبهة المتحدة الأولى”.
كان لتكتيك الجبهة المتحدة تاريخ طويل في تطور الحزب البلشفي. اتخذت شكل اتفاقيات مؤقتة بين البلاشفة ومنظمات أخرى للنضال من أجل أهداف محددة على أساس “السير متفرقين والضرب معا”.
كانت الفكرة أنه من خلال العمل المشترك، يمكن للشيوعيين كسب العمال الذين ما تزال لديهم أوهام إصلاحية، وذلك من خلال إثبات تفوق أفكارهم وأساليبهم في الممارسة العملية. نوقشت هذه الفكرة في المؤتمر الثالث للكومنترن عام 1921، حيث حرص لينين وتروتسكي على التأكيد على أن الشرط الأساسي لأي جبهة متحدة هو الحفاظ على الاستقلال السياسي للحزب الثوري.
كان الهدف من الجبهة المتحدة الأولى أن تكون تطبيقا لهذا التكتيك على الأوضاع في الصين، والتي هي بلد متخلف وشبه مستعمر، حيث كانت لشريحة كبيرة من الطبقة العاملة أوهام في حزب الكومينتانغ البرجوازي القومي. لكن وعلى النقيض من المفهوم اللينيني للجبهة المتحدة، بدأت الجبهة المتحدة الأولى بتنازلات مهمة على الصعيدين السياسي والتنظيمي.
فمن أجل التوصل إلى اتفاق مع صان يات صن، وافق ممثل الحكومة السوفياتية، أدولف جوف، في بيان صن-جوف، الموقع في 26 يناير1923، على أنه “لا يمكن اعتماد النظام السوفياتي في الصين”. كان هذا يعني عمليا التنصل علانية من الهدف النهائي للحركة الشيوعية.
أصدرت اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية، بقيادة غريغوري زينوفييف، تعليمات للشيوعيين بتأسيس “كتلة داخل” حزب الكومينتانغ، من خلال الانضمام إلى الكومينتانغ بشكل فردي، مع الحفاظ على “استقلال” الحزب الشيوعي الصيني. استُخدمت سلطة الأممية لضمان قبول تعليماتها في المؤتمر الوطني الثالث للحزب الشيوعي الصيني، في يونيو 1923، على الرغم من المعارضة الكبيرة على جميع مستويات الحزب.
كانت القيود التي فرضها حزب الكومينتانغ على الأعضاء الشيوعيين تعني عمليا أنهم مضطرون للخضوع لانضباط وأهداف القيادة طيلة فترة غير محددة، دون أي حرية في النقد.
توجيه اللجنة التنفيذية للأممية الثالثة ازداد سوءا عندما بدأ ستالين في تعزيز سلطته في الاتحاد السوفياتي بعد أن أصبح لينين عاجزا بسبب المرض سنة 1923.
بالاعتماد على بيروقراطية الدولة الحزب، طرح ستالين نظريته “الاشتراكية في بلد واحد” لأول مرة في خريف سنة 1924.
وارتبط هذا التطور بتحول السياسة الخارجية للاتحاد السوفياتي نحو الدبلوماسية والتعايش مع الرأسمالية، بدلا من الثورة العالمية. كانت تلك السياسة تعني في الصين اتخاذ موقف ودي بشكل متزايد تجاه القيادة البرجوازية لحزب الكومينتانغ.
جادلت غالبية اللجنة التنفيذية الأممية بأن الطبقة العاملة الصينية أضعف من أن تقود ثورة، في بلد فلاحي ومتخلف للغاية. لذلك، وفقا لهم، لا يمكن أن تكون طبيعة الثورة القادمة إلا برجوازية ديمقراطية بطبيعتها، بقيادة البرجوازية بشكل رئيسي. كان هذا على الرغم من حقيقة أن البروليتاريا الروسية كانت تشكل نسبة صغيرة من السكان في عام 1917، ومع ذلك نجحت في الاستيلاء على السلطة، بينما لعبت البرجوازية الضعيفة دورا معاديا للثورة بشكل مباشر. في الصين، كانت البرجوازية أكثر ضعفا، وأكثر اعتمادا على الإمبريالية الأجنبية.
كانت لدى قادة الكومنترن أوهام قوية في زعيم الكومينتانغ تشيانغ كاي شيك، الذي خلف صان يات صن في قيادة الحزب بعد وفاة هذا الأخير. في الواقع بدا تشيانغ آنذاك مستعدا للتعاون مع موسكو مقابل الحصول على المساعدات. حاولت أغلبية اللجنة التنفيذية الأممية كسب تشيانغ من خلال قبول الكومينتانغ “حزبا منتسبا” للأممية سنة 1926، بل وانتخبته “عضوا فخريا” في لجنتها التنفيذية. وحده تروتسكي من صوت ضد ذلك القرار.
كان موقف اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية يتناقض بشكل مباشر مع “أطروحات حول المسألة القومية والمستعمرات”، التي أُقرت في المؤتمر الثاني للكومنترن في يونيو 1920، والتي نصت على أن:
“لا بد من نضال حازم ضد محاولة تغليف حركات التحرر الثورية غير الشيوعية في البلدان المتخلفة بعباءة شيوعية. […] ينبغي على الأممية الشيوعية أن ترافق الحركة الثورية في المستعمرات والبلدان المتخلفة في جزء من الطريق، بل وأن تتحالف معها؛ ومع ذلك فإنه لا يجوز لها الاندماج معها، بل يجب عليها الحفاظ دون قيد أو شرط على الطابع المستقل للحركة البروليتارية، حتى لو كانت في مراحلها الأولى”[2].
قاوم تشين دوكسيو وغالبية قيادة الحزب الشيوعي الصيني بشدة الأفكار المناهضة للماركسية القادمة من موسكو. ولذلك، لجأت اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية إلى التهديد بالطرد لإخضاع قيادة الحزب الشيوعي الصيني. تفاقم ذلك الوضع سنة 1924، عندما فرض الكومنترن حظرا دائما على الحق في تشكيل التكتلات في جميع أحزاب الأممية، مما جعل المعارضة العلنية للقيادة أمرا غير ممكن.
كانت هذه التجربة هي التي خلقت معارضة ضد عملاء الكومنترن داخل الحزب الشيوعي الصيني منذ البداية.
نضال تروتسكي
كان تروتسكي، الذي خاض النضال للدفاع عن أفكار الماركسية الأصيلة ضد الانحطاط الستاليني للاتحاد السوفياتي والكومنترن، يتابع عن كثب التطورات في الصين.
اعترض تروتسكي دائما على تعليمات الكومنترن للحزب الشيوعي الصيني بالاتحاد والتعاون مع حزب الكومينتانغ البرجوازي، محذرا من خطر التعاون الطبقي. وبين عامي 1923 و1926، استمر تروتسكي يكرر مرارا التأكيد على ضرورة قطيعة الحزب الشيوعي الصيني مع حزب الكومينتانغ.
وأوضح تروتسكي أن البرجوازية الوطنية في الصين، كما كان الحال في روسيا، عاجزة عن إنجاز مهام الثورة البرجوازية الديمقراطية.
فمن جهة، تطورت البرجوازية الصينية باعتبارها طبقة “كومبرادورية” لا أكثر، مرتبطة ارتباطا وثيقا بمصالح الإمبريالية الغربية. وعلاوة على ذلك، فقد كانت البرجوازية الصينية مرتبطة، بل وجزءا من حفنة صغيرة من كبار ملاك الأراضي الذين يمتلكون 62% من الأراضي الصالحة للزراعة في الصين[3].
كانت تلك البرجوازية الضعيفة تخشى الحركة الثورية للطبقة العاملة أكثر من أي شيء آخر، ولذلك كانت عاجزة عضويا عن خوض أي نوع من النضال الحازم ضد الإمبريالية الأجنبية أو بقايا الإقطاع في الصين، وهو ما يعتبر من أهم مهام الثورة الصينية.

ومن جهة أخرى، جادل تروتسكي بأنه على الرغم من الضعف العددي للطبقة العاملة في الصين مقارنة بتركيبة السكان ذات الأغلبية الفلاحية الساحقة، إلا أن دورها الاقتصادي وثقلها الاجتماعي يعنيان أنها مع ذلك قادرة على لعب الدور القيادي في ثورة مستقبلية.
وبتبنيها لسياسة سليمة تقوم على توزيع الأراضي على الفلاحين، يمكن للطبقة العاملة بناء تحالف قوي قادر على دحر الإمبريالية، وإقامة نظام سلطة عمالية، كما حدث في روسيا عام 1917. لكن للقيام بهذا الدور، تحتاج الطبقة العاملة إلى حزبها الخاص، المستقل طبقيا، والذي يجب ألا يزرع الأوهام حول القوميين البرجوازيين بين جماهير العمال والفلاحين.
كان ذلك تطبيقا من تروتسكي لنظريته “الثورة الدائمة”. ستكون الثورة “دائمة” بمعنى أن الطبقة العاملة يجب ألا تقتصر على مساعدة البرجوازية على إقامة نظامها “الديمقراطي”، بل يمكنها بدلا من ذلك قيادة الثورة والاستيلاء على السلطة بنفسها بالتحالف مع الفلاحين.
وعلاوة على ذلك فإنه بمجرد استيلاء العمال على السلطة، لن يتوقفوا عند حدود إنجاز المهام الديمقراطية البرجوازية، مثل توحيد البلد والإصلاح الزراعي. بل سيدفعهم منطق النضال حتما إلى المضي قدما في إنجاز المهام الاشتراكية، كتأميم الصناعة. وأخيرا، كان لا بد للثورة من الانتشار على الصعيد العالمي لكي تتحقق النجاح، إذ من المستحيل بناء الاشتراكية في بلد واحد، وخاصة في بلد متخلف كالصين آنذاك.
في ذلك الوقت شن الستالينيون في الاتحاد السوفياتي صراعا فصائليا مريرا ضد المعارضة اليسارية بزعامة تروتسكي. عكس ذلك الصراع الصدام بين المصالح المحافظة للبيروقراطية الصاعدة، بقيادة وحماية ستالين، وبين التقاليد اللينينية الأصيلة، بتركيزها على تعزيز الديمقراطية العمالية والنضال من أجل الثورة العالمية. آنذاك تمكنت اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية، التي كان زينوفييف يرأسها آنذاك بالتحالف مع ستالين، من التغلب على تروتسكي مرارا.
كانت بيروقراطية موسكو تخشى أن تصل آراء تروتسكي إلى أعضاء الحزب الشيوعي الصيني، فشنت حملة تشهير ضده داخل ذلك الحزب. ومن خلال عملاء الكومنترن المتمركزين في شنغهاي (الذين كان يطلق عليهم اسم مكتب الشرق الأقصى)، بدأوا تلك الحملة بتقديم قرار مفاجئ في المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي الصيني سنة 1925. وفي هذا القرار، شجبوا تروتسكي بتهمة غامضة مفادها أن انتقاداته لقيادة الكومنترن قد تستخدم من قبل أعداء الحركة الشيوعية العالمية[4].
ووفقا لتشنغ تشاولين، الذي حضر المؤتمر وأصبح لاحقا تروتسكيا صينيا، فقد صدم جميع الحاضرين بذلك القرار، إذ بدا وكأنه سقط من الفراغ. لكنهم لم يكونوا يحصلون إلا على رواية زينوفييف وستالين، ولم تكن لديهم أي وسيلة للوصول إلى كتابات تروتسكي. تمت المصادقة على ذلك القرار، بمساعدة بعض المتعاونين داخل قيادة الحزب الشيوعي الصيني الذين انضموا إلى التشهير بتروتسكي[5].
عندها صارت معارضة أي شيء يقوله تروتسكي هي النهج الرسمي للحزب الشيوعي الصيني. وتكررت السيرورة نفسها في الأحزاب الشيوعية حول العالم تحت قيادة زينوفييف في الكومنترن. كان ذلك يعني من الناحية السياسية عزل أو تصفية أولئك الذين يمثلون الأفكار والتكتيكات الأصيلة للشيوعية الثورية من القيادة بالكامل، وذلك باسم “بلشفة” الأحزاب الشيوعية، مما أدى إلى هزائم نكراء واحدة تلو الأخرى.
لكنه لا يمكن لأي كم من الأكاذيب والافتراءات أن يصمد أمام صدمة الأحداث.
ثورة 1925-1927
تزامن النمو السريع للحزب الشيوعي الصيني مع موجة ثورية هائلة اجتاحت الصين بين عامي 1925 و1927. وخلال تلك الفترة، حظي الحزب الشيوعي الصيني بدعم مئات الآلاف من العمال، إلا أن الكومنترن أصر على منعه من الفوز بقيادة الطبقة العاملة على أساس مستقل. وبدلا من ذلك، أمر الشيوعيون بالحفاظ على خضوعهم لما يسمى بـ”البرجوازية التقدمية” في حزب الكومينتانغ، حيث بدا تشيانغ كاي شيك وكأنه يخوض صراعا عسكريا ضد أمراء الحرب المرتبطين بالمصالح الإمبريالية فيما عرف بـ “الحملة الشمالية”.
وقد كانت أخطر عواقب تلك السياسة في شنغهاي. ففي مارس 1927، احتشد عمال شنغهاي خلف الحزب الشيوعي الصيني. ونظموا إضرابا عاما ثوريا، أدى إلى طرد أمير الحرب المحلي ووضع السلطة في أيدي العمال المسلحين. كان بإمكان الحزب الشيوعي الصيني استغلال هذا النصر الهائل لإلهام العمال في المدن الصينية الأخرى للسير على خطاه، وهو الأمر الذي كان من الممكن أن يُتوج بثورة اشتراكية في جميع أنحاء البلاد.
لكن الكومنترن أصر على أن يأمر الحزب الشيوعي العمال بوضع سلاحهم والخضوع لقوات تشيانغ كاي شيك، لأنه من وجهة نظرهم، كانت الثورة الصينية جاهزة لمرحلتها “الديمقراطية” فحسب. وهكذا فتح الحزب الشيوعي الصيني أبواب شنغهاي أمام تشيانغ، الذي، اتبع غريزته الطبقية فشن مذبحة ضد العمال والشيوعيين العزل، وأغرق الثورة في الدماء.
كانت النتيجة واضحة: لقد أدت تعليمات الكومنترن إلى هزيمة نكراء للحزب الشيوعي الصيني والطبقة العاملة الصينية. ومع ذلك فقد ألقت بيروقراطية موسكو اللوم كله على زعيم الحزب آنذاك، تشن دوكسيو، الذي لم يعمل سوى على اتباع أوامر الكومنترن حتى كارثة شنغهاي، عوض الاعتراف بنزاهة بمسؤوليتهم الجسيمة عن أخطاء الحزب الشيوعي الصيني.
ثم ارتكبت أخطاء جديدة لحماية هيبة بيروقراطية موسكو، مثل المغامرة الكارثية لـ”سوفييت كانتون”. وقد أدت تلك السلسلة من التذبذبات والهزائم بدورها إلى تسريع تبقرط الحزب.
أدت تلك الأحداث إلى دفع المزيد أعضاء الحزب إلى التشكيك في التوجيهات والأوامر التي كانوا يتلقونها من موسكو. حدث هذا بين عدد من المجموعات بشكل مستقل عن بعضها البعض. كان بعضهم أعضاء في الحزب الشيوعي الصيني يدرسون في روسيا، ويجيدون التحدث بالروسية، وتمكنوا من الوصول إلى كتابات تروتسكي بمفردهم.
وكان بعضهم من قادة الحزب الشيوعي الصيني الأكبر سنا الذين ألقت موسكو باللوم عليهم في الهزائم، مثل مؤسس الحزب تشين دوكسيو وبنغ شو تشي. لقد فكروا بجدية في دروس الهزائم وتبنوا موقف تروتسكي. ونتيجة لذلك تعرضوا للطرد من الحزب الشيوعي الصيني سنة 1929.
كان آخرون من البرجوازيين الصغار الذين كرهوا البيروقراطية الستالينية لأسبابهم الخاصة، ولذلك أبدوا اهتمامهم بالمعارضة اليسارية لتروتسكي.
شكلت تلك المجموعات المتفرقة تيارات مستقلة داخل الحزب الشيوعي الصيني، واندمجت لاحقا لتشكل قوى التروتسكية الصينية.
مسألة القيادة
تمتعت تلك الشرائح الأولى من أعضاء الحزب الشيوعي الصيني المتعاطفين مع تروتسكي بإمكانيات هائلة. كان بعضهم، ومنهم تشن دوكسيو، قادة مؤسسين للحزب، وكانوا يتمتعون بسلطة هائلة بين قواعد الحزب. بينما آخرون، مثل وانغ فانشي، فكانوا أعضاء أصغر سنا درسوا في موسكو ويتقنون اللغة الروسية، مما يعني أنه كان بإمكانهم تكوين صلة مباشرة بالمعارضة اليسارية في روسيا وحول العالم.
لو أنهم تمكنوا من بناء حزب منظم في الوقت المناسب، لكانت هناك فرص عديدة منذ أواخر عشرينيات القرن العشرين فصاعدا لكسب أعضاء جدد من صفوف الحزب الشيوعي الصيني، الذي كان يمر بأزمة عميقة. كان من شأن تلك الخطوة أن تشكل خطوة مهمة نحو إعادة بناء الماركسية كقوة بين صفوف البروليتاريا الصينية.
لكن ذلك لم يتحقق للأسف. فرغم انحيازهم إلى تروتسكي، لم يكونوا قد تملكوا النظرية البلشفية وأساليبها بأنفسهم. وقد كان ذلك تحديدا هو ما كان مطلوبا لتجاوز فترة الردة الرجعية العنيفة التي كانت الصين تدخلها، حيث كان كل من حزب الكومينتانغ والحزب الشيوعي الصيني عدوين شرسين لقواهم الصغيرة.
أدت هزيمة الثورة إلى ظهور أمزجة كلبية للغاية بين بعض الشرائح. انعكس ذلك في ظهور أساليب وسلوكيات عصبوية لدى العديد من المنتمين إلى المعارضة اليسارية. لم يقتصر هذا على الصين فحسب، بل شمل قطاعات عديدة من المعارضة اليسارية، حيث توجب على تروتسكي التدخل شخصيا لتصحيح تلك الأخطاء.

وهكذا بدأ التروتسكيون الصينيون بكونهم أربع مجموعات عصبوية صغيرة تصارعت فيما بينها لأكثر من سنة ونصف. تراوحت أسباب الخلافات بين مسائل سياسية ثانوية ونزاعات شخصية محضة.
كان المطلوب وجود قوة سياسية موحدة قوية: قيادة تتمتع بفهم واضح للوضع وسلطة كافية لجمع أفضل العناصر على أساس مبدئي. لكن للأسف، كان هذا العامل تحديدا هو ما ينقص.
كان تشن دوكسيو الشخص الوحيد القادر على لعب ذلك الدور، لكن العديد من التروتسكيين الشباب رفضوا العمل معه بسبب التزامه بالخط الكارثي للكومنترن حتى مذبحة شنغهاي، رغم تحفظاته. وللأسف كان حتى هو يفتقر إلى فهم عميق للنظرية الماركسية، مما أدى في كثير من الأحيان إلى تأخره عن الآخرين، وكان يعجز عن توفير الوضوح اللازم للقيادة.
وأخيرا، في 08 يناير1931، كتب تروتسكي شخصيا رسالة إلى جميع المجموعات الرئيسية. كان قد توصل، بناء على بعض الاتصالات التي تلقاها من جميع الأطراف، إلى أنه لا يوجد سبب لاستمرار الانقسام بين تلك المجموعات، وحثها على الاندماج في مجموعة واحدة.
من وجهة نظر تروتسكي، كانت مجموعات التروتسكيين الصينيين المختلفة، وكما هو الحال مع العديد من قطاعات المعارضة اليسارية الأممية الأخرى، مكونة في الغالب من عناصر ثورية مخلصة، لكنها كانت خام من الناحية السياسية. كان مستعدا لتوجيههم بصبر، على الرغم من وجود العديد من الاختلافات فيما بينهم، طالما أنهم جميعا يرسمون خطا فاصلا ضد أي عناصر غير مبدئية. وهكذا اختتم رسالته قائلا: “إن ضم مجموعات بلا مبادئ إلى المعارضة الأممية يعني تسميم الذات”[6].
ما لم يكن بمستطاع تروتسكي أن يراه هو وجود عدد لا بأس به من العناصر عديمة المبادئ بين معظم تلك المجموعات. كان هناك بالفعل أشخاص جادون وشجعان، لكنهم كانوا مختلطين بعناصر برجوازية صغيرة كانت أولوياتها الرئيسية هي تولي مناصب قيادية لمصالحها الشخصية.
ما قصده تروتسكي بالوحدة هو أن يتحد التروتسكيون الصينيون المخلصون، الذين توحدت منظوراتهم وبرامجهم وسياساتهم وأساليبهم بشكل عام، في منظمة واحدة. لكن عندما وصلت رسالة تروتسكي إلى الصين، تم تفسيرها بمصطلحات تنظيمية شكلية بحتة، أي أن أي شخص يعلن تضامنه مع تروتسكي من الصين، بغض النظر عن أفكاره أو دوافعه السياسية، يجب أن يكون جزءا من تلك المنظمة.
لم تكن النتيجة هي الوحدة المبدئية التي كان يطمح إليها تروتسكي، بل سيرورة اندماج فوضوية بلا مبادئ استمرت مرة أخرى لمدة نصف عام، غارقة في المشاحنات حول تمثيلية كل مجموعة في اللجنة المركزية.
في الأول من ماي عام 1931، انعقد أخيرا مؤتمر تأسيسي للمعارضة اليسارية الصينية، والذي أسس الرابطة الشيوعية الصينية، بلجنة تنفيذية برئاسة تشن دوكسيو. لكن وبعد فترة وجيزة، قرر عضو غاضب لعدم انتخابه في اللجنة المركزية، يدعى ما يوفو، خيانة قيادة المنظمة بأكملها عبر التبليغ عنهم إلى الكومينتانغ.
وهكذا، فبعد وقت قصير من مؤتمر الوحدة الذي حققوه بشق الأنفس، تم اعتقال القيادة المركزية بأكملها، باستثناء تشن دوكسيو وبنغ شو تشي، وسجنهم. وفي النهاية، اعتقل حزب الكومينتانغ تشن وبنغ في مناسبة أخرى في العام الموالي. وهكذا حُرم التروتسكيون الصينيون منذ البداية من قيادة راسخة.
صعوبات موضوعية
على الرغم من استئصال قيادتهم، ظلت هناك مجموعات صغيرة من الأعضاء العاديين، بالإضافة إلى التروتسكي الجنوب أفريقي فرانك غلاس، الذين عملوا بجد لإبقاء جذوة التروتسكية متقدة، معظمهم في شنغهاي.
بدا الوضع في البداية ميؤوسا منه. نظام الكومينتانغ، الذي صار آنذاك ديكتاتورية عسكرية تسعى بنشاط لشن حرب أهلية “ضد الشيوعية”، لم يكن يرى أي فرق بين التروتسكيين وبين الحزب الشيوعي الصيني الستاليني. في السنوات التي تلت 1927، كان تشيانغ كاي شيك مهووسا بشكل أساسي باقتلاع ما أسماه “قطاع الطرق الشيوعيين” من الصين، حتى مع غزو اليابان الإمبراطورية للبلاد، واستيلائها على منشوريا سنة 1931.
في دجنبر 1936، ألقي القبض على تشيانغ كاي شيك من قبل أحد جنرالاته وأطلق سراحه بشرط أن يوقع على اتفاق وقف إطلاق النار مع الحزب الشيوعي الصيني وأن يعمل معه لدحر اليابان. وافق تشيانغ على مضض بشرط أن يعلق الحزب الشيوعي الصيني الصراع الطبقي، ويوقف كل الدعاية الشيوعية، ويحل جمهورية ينان السوفياتية (حكومة المنطقة الخاضعة لسيطرة الحزب الشيوعي الصيني)، ويدمج الجيش الأحمر في الجيش الوطني الرسمي. قبل الحزب الشيوعي الصيني تلك الشروط، وتأسس رسميا ما يسمى بـ”الجبهة المتحدة الثانية” في صيف 1937.
تضمن تنازل تشيانغ للتعاون مع الحزب الشيوعي الصيني إطلاق سراح جميع السجناء السياسيين في سجون الكومينتانغ. ولحسن الحظ، أفاد هذا التروتسكيين الصينيين، حيث أُطلق سراح قادة بارزين مثل تشن دوكسيو، وتشنغ تشاولين، ووانغ فانشي، وبنغ شو تشي بموجب هذه الشروط.
بقوة صغيرة عديمة الخبرة وموارد محدودة، خاض التروتسكيون حربا على ثلاث جبهات: ضد الكومينتانغ، وضد الحزب الشيوعي الصيني، وضد اليابانيين؛ وجميعهم اعتبروا التروتسكية تهديدا مميتا.
لم يكن حزب الكومينتانغ واليابانيون، بالطبع، يرون أي فرق بين الحزب الشيوعي الصيني وبين التروتسكيين، وقمعوا كليهما بوحشية. في غضون ذلك، مع نهاية الثلاثينيات، شن الحزب الشيوعي الصيني، تماشيا مع حملة ستالين للقضاء على التروتسكية عالميا، حملات تصفية حقودة ضد التروتسكيين أينما كانوا. من الصعب وصف مدى تعقيد وصعوبة الوضع الذي كان عليه الماركسيون الحقيقيون في الصين آنذاك.
على الرغم من كل الصعاب، أسس التروتسكيون قيادة وطنية مؤقتة للرابطة الشيوعية في شنغهاي بين عامي 1933 و1934، ثم تمكنت القوات المتفرقة في هونغ كونغ وشاندونغ وقوانغشي من إعادة التواصل مع ذلك المركز.
ومنذ ذلك الحين اتجهت الرابطة الشيوعية نحو عمال المدن والطلاب الذين كانوا منفصلين إلى حد كبير عن الحزب الشيوعي الصيني، الذي نقل قاعدته إلى الأرياف نحو الفلاحين. ترجموا ونشروا أعمال تروتسكي باللغة الصينية، وأصدروا عددا من الصحف غير القانونية، مطبوعة في مطابع صمموها وبنوها بأنفسهم. إن نجاحهم في تحقيق تلك الانتصارات المهمة يستحق كل التقدير والاحترام.
الحرب

بدء الغزو الياباني الشامل للصين سنة 1937 طرح سؤالا بالغ الأهمية أمام التروتسكيين الصينيين: ما الموقف الذي ينبغي أن يتخذوه من الحرب؟
صحيح أن تشيانغ كاي شيك كان سفاحا للبروليتاريا الصينية ورجعيا متطرفا. إلا أن طبيعة غزو اليابان للصين كانت حربا بين قوة إمبريالية وبين أمة مضطهدة تناضل من أجل تحررها القومي.
وبالفعل فقد أثارت وحشية الغزاة اليابانيين روح مقاومة استثنائية بين العمال والفلاحين الصينيين. وقد تجلى ذلك بشكل خاص بعد مذبحة نانجينغ في دجنبر 1937، حيث ارتكبت القوات اليابانية واحدة من أسوأ جرائم الحرب في التاريخ. فقد تم نهب مئات الآلاف من المدنيين واغتصابهم وقتلهم.
قدم فرانك غلاس تقريرا مريعا عن الحياة في ظل الاحتلال الياباني سنة 1939، حيث قال:
“في المناطق الخاضعة للسيطرة اليابانية، عادة ما يقتل اليابانيون أي صيني يعثر عليه متورطا فيما يسمى العمل المعادي لليابان، والذي توجه إليه اتهامات عديدة، مثل عدم توفير سيجارة للجندي الياباني، أو الانحناء بطريقة غير لائقة أمام الحراس، أو حيازة صحيفة تابعة للكومينتانغ. في تلك المناطق، لا يوجه الإرهاب الياباني ضد الثوار فحسب، بل ضد جميع السكان. تم إحراق قرى لا تحصى لأن اليابانيين اعتبروا أنها كانت تساعد قوات حرب العصابات، بينما أطلقوا النار على السكان الهاربين”[7].
كانت الجماهير الصينية تتأجج غضبا ضد الغزاة الإمبرياليين. لكن رغم أن جيش الفلاحين التابع للحزب الشيوعي الصيني كان يقارب 100 ألف جندي في ذلك الوقت، فإنه كان ضعيف التسليح، ومقتصرا في الغالب على منطقة صغيرة ونائية نسبيا في نواحي ينان في مقاطعة شنشي. والحقيقة، شئنا أم أبينا، هي أن أكبر قوة كانت تقاتل ضد ذلك الغزو والتي يمكن للجماهير اللجوء إليها هي حزب الكومينتانغ.
شكل ذلك مشكلة بالغة التعقيد للتروتسكيين الصينيين، في وقت لم يكن لديهم سوى حوالي 200 شخص منتشرين في أنحاء الصين. كيف يمكنهم التموقع تجاه حزب الكومينتانغ والحزب الشيوعي الصيني، دون الرضوخ لضغوط الانتهازية أو الانعزال عن الطبقة العاملة؟ عند تلك النقطة، قدم تروتسكي إرشادات بالغة الأهمية حول كيفية معالجة تلك المسألة.
جبهة متحدة مبدئية
بداية من الواضح تماما أن الشيوعيين يجب أن ينحازوا إلى جماهير الأمة المضطهَدة في نضالها ضد الإمبريالية. لكن آنذاك لم تكن الجماهير الصينية قد طورت بعد أجهزة سلطتها الخاصة، وكان ثوريو الرابطة الشيوعية الصينية بعيدين كل البعد عن الحجم الكافي لإحداث تأثير على الوضع بمفردهم. كان لا بد من بناء القوى التروتسكية الصغيرة من خلال التواصل مع ذلك المزاج التقدمي للتحرر من الإمبريالية السائد بين الجماهير.

كانت الطريقة الوحيدة للقيام بذلك في هذه الحالة هي أن يقدم التروتسكيون أنفسهم كجزء من جبهة عسكرية متحدة مبدئية مع حزب الكومينتانغ والحزب الشيوعي الصيني، مع الحفاظ على استقلالهم الطبقي.
كان هذا تحديدا هو ما دعا إليه تروتسكي كسياسة للصين عام 1937. بل ذهب إلى حد دعوة الثوار إلى الانضمام إلى النضال العسكري ضد اليابان، حتى لو كان ذلك يعني الانضمام إلى جيوش الكومينتانغ.
هكذا حلل تروتسكي الوضع في رسالة إلى دييغو ريفيرا في ذلك العام:
“تشيانغ كاي شيك هو جلاد العمال والفلاحين الصينيين. لكنه اليوم مجبر، رغما عنه، على خوض الصراع ضد اليابان من أجل ما تبقى من استقلال الصين. قد يخون مجددا غدا. هذا ممكن. إنه محتمل. بل حتمي. لكنه اليوم يقاتل. وحدهم الجبناء، أو الأوغاد، أو البلهاء تماما من يمكنهم رفض المشاركة في هذا القتال”.
[…]
“إن المشاركة الفاعلة والواعية في الحرب لا تعني “خدمة تشيانغ كاي شيك”، بل خدمة استقلال بلد مستعمر رغما عن تشانغ كاي تشك. والكلمات الموجهة ضد الكومينتانغ هي وسيلة تثقيف الجماهير للإطاحة بتشيانغ كاي شيك. إن المشاركة في النضال العسكري تحت قيادة تشيانغ كاي شيك، لأنه للأسف هو من يتولى القيادة في حرب الاستقلال، والتحضير سياسيا للإطاحة بتشيانغ كاي شيك… هي السياسة الثورية الوحيدة”[8]. (التشديد من تروتسكي).
تميز هذا التكتيك اختلافا جوهريا عن “الجبهات الشعبية” الستالينية (أي التحالف بين الطبقات)، أو ما أسماه ماو “الجبهة المتحدة الثانية” مع الكومينتانغ. سعى ماو والحزب الشيوعي الصيني تحديدا إلى تسليم جميع أراضيهم لحزب الكومينتانغ مع قبول تشيانغ قائدا لهم، والتخلي عن استقلالهم الطبقي داخل معسكر “وطني” عام بقيادة حزب الكومينتانغ البرجوازي.
في المقابل، كان من شأن تكتيك الجبهة المتحدة الحقيقي أن يجعل من الحزب الثوري كتلة داخل حركة النضال الوطني، دون التخلي عن استقلاله السياسي والتنظيمي، وخاصة مطالبه الاجتماعية. وعوض تعزيز الأوهام حول قدرة حزب الكومينتانغ على “محاربة الإمبريالية”، كان ينبغي أن يوجه سياسته نحو فضح عجز الكومينتانغ عن إدارة الحرب. كان عليه دائما الاحتفاظ بخيار الإطاحة بالعناصر البرجوازية التي كانت على رأس نضال التحرير الوطني، حتى قبل انتصار الحرب.
وكما أوضح تروتسكي فإنه:
“يجب أن نكسب النفوذ والهيبة في النضال العسكري ضد الغزو الأجنبي، وفي النضال السياسي ضد نقاط الضعف والنقائص والخيانة الداخلية. وعند نقطة معينة، لا يمكننا تحديدها مسبقا، يمكن، بل يجب، أن تتحول هذه المعارضة السياسية إلى صراع مسلح، لأن الحرب الأهلية، كالحرب عموما، ليست سوى استمرار للنضال السياسي. ومع ذلك فإنه من الضروري معرفة متى وكيف نحول المعارضة السياسية إلى تمرد مسلح”[9]. (خط التشديد من تروتسكي).
اعتبرتروتسكي أنه بتطبيق صحيح لتكتيك الجبهة المتحدة على الظروف السائدة خلال الحرب، وخاصة مزاج العمال والشباب، سيتمكن التروتسكيون الصينيون من الخروج من عزلتهم، مما يسمح لهم بكسب عناصر من شريحة أوسع، وإيجاد طريق نحو الطبقة العاملة التي كانت تفتقر إلى أي قيادة ثورية.
انقسامات بين التروتسكيين
عند اندلاع الحرب، لم يكن التروتسكيون الصينيون، للأسف، متفقين بشأن هذه المسألة المحورية.
في قيادة الرابطة الشيوعية، رفض تشنغ تشاولين دعم حرب المقاومة لأنه اعتبرها بمثابة “تعاون طبقي” مع حزب الكومينتانغ. وفي مقال بعنوان “تحت راية الانهزامية الثورية”، جادل تشنغ بأنه في عصر الرأسمالية الإمبريالية، لم تعد نضالات التحرر الوطني تحمل أي محتوى تقدمي. لذلك جادل بأنه على الماركسيين دعم هزيمة تشيانغ في الحرب ضد اليابان.
تبنت الأغلبية المتمركزة في مركز الحزب في شنغهاي، موقف تأييد المقاومة، لكنها انتقدت أيضا قيادة الكومينتانغ بطريقة جعلتها تبدو سلبية تجاه المجهود الحربي.

وكما قال تشن دوكسيو لتروتسكي في رسالة لاحقة فإنه:
“في نظر الجماهير، لم يكن ما رأوه من “التروتسكيين” مقاومة لليابان، بل صفحة تلو الأخرى في كل عدد من جريدتهم الرسمية مليئة بمقالات تهاجم الحزب الشيوعي الصيني والكومينتانغ وتدينهما. ونتيجة لذلك، لاقت دعاية الستالينيين عن “الخونة التروتسكيين” صدى بين جميع شرائح المجتمع، لدرجة أنه حتى المتعاطفين معنا لم يتمكنوا من فهم ما الذي يعارضه “التروتسكيون” بشكل رئيسي في الوقت الحالي”[10].
كان على التروتسكيين أن يدعموا بكل قوتهم إجراءات جريئة لتحريض العمال على المقاومة الثورية ضد اليابان، مثل تنظيم ميليشيات عمالية، مع انتقاد حزب الكومينتانغ بطريقة ماهرة، بطريقة لا تظهرهم خارج نطاق المقاومة. كما كان عليهم مطالبة الكومينتانغ بتوفير الأسلحة والتدريب للعمال في المدن كأفضل سبيل لوقف الإمبريالية اليابانية. بهذه الطريقة ستنظر الجماهير إلى التروتسكيين كمقاتلين مخلصين من أجل التحرر، ويمكن استخدام تلك السلطة لتضخيم دعوتهم للجماهير لاتباع نهج أكثر استقلالية طبقية وثورية تجاه الحرب.
بالتأكيد كان هناك رفاق أفراد شاركوا في النضال العسكري، إما بالانضمام إلى فصائل حرب العصابات التي نظمها الكومينتانغ والحزب الشيوعي الصيني، أو بتكوين فصائل حرب عصابات خاصة بهم. كانت شاندونغ إحدى البؤر الساخنة لحرب العصابات التي قادها التروتسكيون ضد اليابان، لكن تلك الفصائل كانت تميل إلى الانفصال إلى حد كبير عن مركز الحزب، وكثيرا ما كانت تباد على يد حزب الكومينتانغ أو الحزب الشيوعي الصيني. والأهم من ذلك هو أن محاولات حرب العصابات تلك كانت تميل إلى الانفصال عن الطبقة العاملة في المدن، مما أدى بدوره إلى عزل الثوار.
أقلية ضئيلة فقط، من بينهم تشن دوكسيو، من رأت بشكل استباقي ضرورة دعم حرب المقاومة، أو على الأقل حاولت القيام بذلك.
ومع ذلك، فبينما كان تشن محقا في مجادلته بضرورة المشاركة الفعالة في المجهود الحربي، إلا أنه لم يتقن تماما المنهج الماركسي، وكان يمر بمرحلة من الإحباط في ذلك الوقت. أثناء وجوده في السجن، تسببت أخبار محاكمات موسكو في وقوعه في حيرة بشأن طبيعة الاتحاد السوفياتي. لذلك جدد تركيزه على مسألة “الديمقراطية” بشكل مجرد، على غرار الموقف الذي كان يتبناه قبل أن يتحول إلى الماركسية. أثر ذلك على المضمون السياسي لمقترح تشن، الذي بلغ حد حصر برنامج التروتسكيين في حدود النضالات الديمقراطية والوطنية.
وازدادت حالة الإحباط لدى تشن عندما أعلن سنة 1937 أنه “لم يعد ينتمي إلى أي حزب أو منظمة”، في محاولة لتشكيل جبهة بين التروتسكيين والأحزاب الليبرالية الديمقراطية الصغيرة. ثم انفصل تماما عن التروتسكيين الصينيين بحلول نهاية ثلاثينيات القرن العشرين. وعاش في فقر وانقطع عن العمل السياسي حتى وفاته سنة 1942، متأثرا بارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب.
انهزامية ثورية؟
تفاقم ذلك الانقسام حول الموقف من الحرب مع اليابان. وإلى جانب غياب العمل التنظيمي الموحد الفعلي، تسبب ذلك في حدوث صدع هائل داخل الرابطة الشيوعية. في الواقع، بدأ بعض أبرز التروتسكيين الصينيين في تعزيز مواقفهم العصبوية تجاه الحرب، وخاصة بعد إعلان الولايات المتحدة الحرب على اليابان في دجنبر 1941.
واعتقدت أقلية كبيرة، بقيادة وانغ فانشي، أنه بما أن الإمبريالية الأمريكية تدعم الصين ضد اليابان، فقد تغيرت طبيعة الحرب برمتها. جادل وانغ بأن الصين لم تعد أمة مضطهَدة تقاتل من أجل تحررها، بل أصبحت عميلا للولايات المتحدة في الصراع بين الإمبرياليات مع اليابان. واستنتج أن موقف تشيانغ كاي شيك أشبه بموقف القيصر الروسي خلال الحرب العالمية الأولى، مما يعني أنه لم يعد في إمكان الثوار دعم أي طرف في الحرب. اعتبر تشنغ تشاولين أن هذا الموقف هو نفسه جوهريا الموقف الذي تبناه منذ الغزو الياباني الشامل للصين سنة 1937، وبالتالي انضم إلى جناح وانغ.
لكن الجماهير الصينية أدركت بوضوح في الحرب الصينية اليابانية، حتى عندما ساندتها الولايات المتحدة، أنها تخوض معركة وجودية كأمة مضطهَدة لتجنب أن تصبح مستعمرة يابانية صريحة. ولم يغير خوض الولايات المتحدة صراعها الإمبريالي الخاص مع اليابان من طبيعة نضال الصينيين من أجل الاستقلال ضد الاستعمار. وحتى بين الفئات المتقدمة من الطبقة العاملة، التي كانت لديها بالفعل شكوك تجاه تشيانغ كاي شيك، بقيت هزيمة الإمبريالية اليابانية على رأس أولوياتها.
حاول وانغ فانشي تبني موقف أقل فضاضة بقليل، لكنه لا يقل تجريدا، من موقف تشنغ تشاولين، والذي أطلق عليه “الانتصارية الثورية”.
هكذا شرح فكرته بناء على تفسيره لمقال تروتسكي عام 1937:
“انبثقت سياسة النصر الثوري التي انتهجها تروتسكي والتروتسكيون الصينيون من كون الحرب الصينية اليابانية جزءا من تداعيات هزيمة الثورة الصينية 1925- 1927. واستندت هذه السياسة إلى فرضية مفادها أن نظام الكومينتانغ الفاسد والمنحط والمتراجع باستمرار لا يمكنه هزيمة المعتدين اليابانيين هزيمة حقيقية، وأن الطريقة الأكثر موثوقية وثباتا لهزيمة الغزاة اليابانيين هي تنظيم العمال والفلاحين تحت رايتهم السياسية الخاصة”[11].
وادعى وانغ أنه على التروتسكيين أن يقولوا للجماهير الصينية: إن حزب الكومينتانغ فاسد للغاية وخانع للغاية بحيث لا يستطيع هزيمة اليابانيين. ومن أجل تحقيق النصر، يجب على العمال والفلاحين تنظيم أنفسهم وإسقاط حزب الكومينتانغ أولا.
بدا كل ذلك صحيحا في المجرد. في الواقع لو أن التروتسكيون كانوا قد كسبوا بالفعل طليعة الطبقة العاملة، لكان ذلك هو الموقف الصحيح. لكن المشكلة كانت هي أنه رغم كون الهدف العام لتلك السياسة صحيحا، فإنه لم يكن هناك بديل عملي لـ”الجبهة المتحدة” بين الكومينتانغ والحزب الشيوعي الصيني، باعتبارها قوة مقاومة رائدة، مهما كان الكومينتانغ غير كفؤ ومكروها.
وبصفتهم قوة مشكلة من بضع مئات في بلد يضم مئات الملايين من الناس، لم يكن في مقدور التروتسكيين الصينيين أن يكونوا قيادة بديلة موثوقة في نظر الجماهير. إن إخبار الجماهير بأن الشرط الأساسي لهزيمة اليابانيين هو الإطاحة بالكومينتانغ، في حين لم يكن هناك بديل جماهيري يمكنه أن يشكل بديلا لتحالف الكومينتانغ والحزب الشيوعي الصيني، لا يمكن أن يبدو في أعين الجماهير إلا دعوة لتأجيل المجهود الحربي ريثما يظهر حزب ثوري جماهيري فاعل، كما لو أن اليابان ستنتظر بلطف حدوث ذلك. لقد كان لا بد من محاربة اليابان فورا.
ورغم أن من دافعوا عن تلك المواقف كانوا أقلية داخل الحركة التروتسكية، فإنهم كانوا مؤثرين للغاية ونشروا مقالات بهذا المعنى في بعض المجلات النظرية الرسمية للتروتسكيين الصينيين. وما يزال الحزب الشيوعي الصيني يستخدم تلك المقالات حتى يومنا هذا لاتهام التروتسكيين بالخيانة.
قوى متفرقة
على الرغم من أن الأغلبية المحيطة ببنغ شو تشي لم تتفق مع تلك المواقف، إلا أنها كانت مشتتة في جميع أنحاء البلاد. لذلك اضطروا إلى التحرك بشكل مستقل، بقوى أصغر حجما.
في شنغهاي، حيث كان المقر الوطني، أدت موجات الاعتقالات ونزوح أعداد كبيرة من العمال الفارين من المدينة هربا من اليابانيين إلى تعطيل فروع الحركة. في هونغ كونغ، تغلغل التروتسكيون داخل المصانع وكسبوا تدريجيا عمالا أفرادا. ومع ذلك فقد كانوا ما يزالون حفنة صغيرة بحلول الوقت الذي احتل فيه اليابانيون هونغ كونغ، واضطروا جميعا إلى الفرار إلى أماكن أخرى.
كانت تشونغشان وونتشو المكانين الأكثر نجاحا للعمل. وفي كلتا الحالتين جاء النجاح من تركيزهم على الشباب. في تشونغشان، شكل التروتسكيون جبهة شبابية أطلقوا عليها اسم: “فيلق خدمة شباب زمن الحرب”، والتي نظمت طلاب المدارس للسفر إلى القرى للتحريض لصالح المجهود الحربي، بالإضافة إلى مجموعات دراسة تضمنت أدبيات تروتسكية. بدأ التروتسكيون في وونتشو، بمجموعة صغيرة من رفاقهم من معلمي المدارس، بتجنيد طلابهم من خلال مجموعات الدراسة، وبدأوا في نشر ت في العديد من المدارس الإعدادية.
لكن وللأسف، حتى في الأماكن التي كانوا يحققون فيها تقدما، كان التروتسكيون الصينيون غالبا ما يعملون كقوى ضئيلة معزولة. غالبا ما كانوا يعانون من قمع شديد من قبل حزب الكومينتانغ واليابانيين، مما أدى إلى تحطيم العمل الذي بنوه. وقد تعاون الستالينيون بنشاط في ذلك القمع، وكثيرا ما كانوا يبلغون معلومات عن التروتسكيين ونشاطهم إلى السلطات.
كانت تلك هي الظروف التي خاضت في ظلها الأغلبية المحيطة ببنغ شو تشي والأقلية المحيطة بوانغ فانشي صراعا فصائليًا حادا سنة 1942. أدى ذلك إلى حدوث انشقاق أعلنت فيه أغلبية بنغ أن الأقلية “غادرت المنظمة” بنشرها لصحفها الخاصة. وهكذا انقسمت قوى التروتسكية الصينية مرة أخرى، ولم تتوحد أبدا بعد ذلك.
انتصار ماو
بعد هزيمة اليابان عام 1945، انفتحت فرص وتحديات أخرى. لكن التروتسكيين الصينيين ارتكبوا للأسف عددا من الأخطاء الجسيمة في منظورهم خلال تلك الفترة. ففي الأساس، لم يفهموا كيفية قياس موازين القوى بشكل ملموس، وخاصة بعد الحرب.
بحلول الوقت الذي استؤنف فيه القتال بين جيشي الكومينتانغ والحزب الشيوعي الصيني في صيف عام 1946، كانت الحركة التروتسكية الصينية منقسمة بحكم الأمر الواقع إلى منظمتين منفصلتين لكل منها منشوراتها الخاصة، لكن كلاهما استمرتا تدعيان الولاء للأممية الرابعة التي أسسها تروتسكي.

اختلف الفصيلان بشدة حول مجموعة من القضايا السياسية والتكتيكية، حيث وصف كل منهما الآخر بأنه “انتهازي” و”عصبوي”، وما إلى ذلك. ومع ذلك فقد اتفقا في نقطة مهمة واحدة، حيث توقع كلاهما هزيمة الحزب الشيوعي الصيني على يد الكومينتانغ. بل قد تعاملا مع ذلك التوقع على أنه أمر حتمي.
سنة 1947 كتب بنغ شوزي، زعيم فصيل الأغلبية:
“لقد أظهرنا تعاطفا عميقا مع الحرب التي شنتها جيوش الفلاحين الستالينية، مع أننا لم نتوقف عن الإشارة إلى أن هزيمتهم كانت، وما تزال، وستظل بسبب السياسات الخيانية للحزب والكرملين”[12].
وفي رد نُشر سنة 1948، كتب وانغ فانشي، أحد أعضاء الأقلية قائلا:
“بصفتها حربا فلاحية، تتسم الحرب الأهلية بطابع تقدمي من جانب الفلاحين؛ لكن وبصفتها حربا فلاحية فحسب، فإنها تفتقر إلى أي منظور، بل محكوم عليها بالفشل بسبب قيادتها الستالينية”[13].
استند منظورهم إلى تفسير ميكانيكي لتحليل تروتسكي للصين في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، ولنظريته عن الثورة الدائمة.
أوضح تروتسكي مرارا أن المهام الديمقراطية للثورة الصينية لا يمكن للبرجوازية الصينية أن تنجزها، وبالتالي لا يمكن تحقيقها إلا من خلال ديكتاتورية البروليتاريا بالتحالف مع الفلاحين، كما هو الحال في روسيا. وبالتالي، فإن الثورة البرجوازية الديمقراطية في الصين “ستتطور” إلى ثورة اشتراكية.
وعلاوة على ذلك، فإن تروتسكي، استنادا لدراسته للهزيمة الكارثية التي تعرضت لها ثورة 1925-1927 ودور الأممية الشيوعية في ذلك، أوضح أيضا أن الطبيعة الانتهازية البنيوية للستالينية وسياسة التعاون الطبقي الستالينية كانتا وصفة للهزيمة: إما أن يستسلم الحزب الشيوعي لتشيانغ كاي شيك، أو للبرجوازية بشكل عام.
كتب في عام 1932:
“في ظل الظروف الراهنة، لا يمكن لحرب الفلاحين وحدها، دون قيادة مباشرة من الطليعة البروليتارية، إلا أن تُسلم السلطة إلى زمرة برجوازية جديدة، أو حزب كومينتانغ “يساري” أو غيره، أو حزب “ثالث”، إلخ، والذي لن يختلف عمليا إلا قليلا عن حزب كومينتانغ تشيانغ كاي شيك”[14].
كان الخطأ الجسيم الذي ارتكبه كلا الفصيلين التروتسكيين هو تبنيهما لتحليل تروتسكي بشكل أحادي، دون تطبيقه عمليا على الظروف السائدة في الصين وعلى الصعيد العالمي بعد الحرب العالمية الثانية.
كان ذلك يعني أن التروتسكيين الصينيين اعتقدوا بعناد أن ماو لا يستطيع هزيمة الكومينتانغ، حتى مع عبور جيش الفلاحين التابع للحزب الشيوعي الصيني النهر الأصفر في يونيو 1947، وشنه حملة واسعة النطاق ضد جيوش الكومينتانغ المنحلة منذ أواخر عام 1948، وعبوره نهر اليانغتسي في أبريل 1949.
ومن نهر اليانغتسي، اجتاح جيش ماو (الذي صار يُسمى جيش التحرير الشعبي) بقية الصين، بينما تخلت قوات الكومينتانغ عن مدنها واحدة تلو الأخرى وتراجعت إلى تايوان. أعلن ماو تأسيس جمهورية الصين الشعبية من ميدان تيانانمن في الأول من أكتوبر 1949.
تيد غرانت
صدم ذلك التتابع السريع للأحداث العالم. وكما أوضح وانغ فانشي لاحقا فإن:
“سرعة انهيار الصرح [حزب الكومينتانغ] لم يصدم نظام تشيانغ كاي شيك وسادته في واشنطن فحسب، بل فاجأت ستالين أيضا. وإلى حد ما، لم يكن الأمر متوقعا حتى بالنسبة لماو تسي تونغ نفسه. وغني عن القول، إننا نحن التروتسكيون الصينيون لم نتوقعه أيضا”[15].
في وقت لاحق من عام 1951، وفي محاولة متأخرة لفهم ما حدث، كشف بنغ شو تشي عن النظرة الميكانيكية التي سادت بين جميع التروتسكيين الصينيين قبل الثورة حيث قال:
“لقد أكد التروتسكيون أن الإطاحة بنظام الكومينتانغ البرجوازي لا يمكن أن تتم إلا إذا نهضت الطبقة العاملة الحضرية وقادت جميع المضطهَدين والمستغَلين في البلاد، وخاصة جماهير الفلاحين، وخاضت نضالا دؤوبا، وأدت في النهاية إلى انتفاضة مسلحة. لم يكن من الممكن الإطاحة بالنظام البرجوازي بالاعتماد حصريا على القوات المسلحة الفلاحية، لأنه في ظل الظروف الاجتماعية الراهنة، يخضع الريف للمدينة، ولا يمكن للفلاحين لعب دور حاسم إلا بقيادة الطبقة العاملة. لكن الحقيقة التي تواجهنا الآن هي عكس ذلك تماما: حزب ستاليني يعتمد حصريا على القوات المسلحة الفلاحية هو الذي دمر النظام القديم واستولى على السلطة.
هذا التناقض الشديد بين “الوقائع” و”المفهوم التقليدي” أدى في المقام الأول إلى حدوث ارتباك وخلافات بين الرفاق الصينيين”[16].
كان تيد غرانت هو الشخصية الوحيدة في الأممية الرابعة التي نجحت في تقديم تحليل واضح وصحيح لتلك السيرورة. ففي مقال نُشر في يناير 1949 -قبل تسعة أشهر من تولي الحزب الشيوعي الصيني للسلطة- تنبأ غرانت بأن الحزب الشيوعي الصيني بقيادة ماو لن يستولي على السلطة فحسب، بل سيُسقط الرأسمالية، وسيبني نظامه على شاكلة النظام البيروقراطي الستاليني في الاتحاد السوفياتي.
لم يكن ذلك يدحض نظرية الثورة الدائمة إطلاقا، بل كان تحقيقا للثورة الدائمة في صورة مشوهة، بفعل مجموعة من الظروف الخاصة التي نشأت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي لم تكن موجودة في ثلاثينيات القرن العشرين.
أولا، تعززت قوة الاتحاد السوفياتي ومكانته بشكل هائل مع نهاية الحرب. ونتيجة لذلك، اكتسب الحزب الشيوعي الصيني دفعة هائلة في قواته العسكرية، بالإضافة إلى نفوذه بين الجماهير في الصين. إضافة إلى ذلك، سيطر الحزب الشيوعي الصيني بشكل مباشر على مساحات شاسعة من الأراضي نتيجة لنضالاته ضد حزب الكومينتانغ واليابانيين.
ومن السمات المهمة الأخرى للوضع العالمي آنذاك انهيار معظم القوى الإمبريالية القديمة. في غضون ذلك لم تتمكن الإمبريالية الأمريكية، التي كانت قد برزت باعتبارها قوة إمبريالية مهيمنة بشكل ساحق، من التدخل بشكل حاسم آنذاك.
وأخيرا كانت هناك حالة من التدهور الشديد للبرجوازية الصينية ونظامها. كان حزب الكومينتانغ متعفنا ومنهكا ومحبطا إلى حد كبير. وعلى الرغم من أن ماو حاول بالفعل لفترة وجيزة التصالح مع تشيانغ، فإن جيش الكومينتانغ تفكك إلى حد كبير في مواجهة جيش التحرير الشعبي الصيني بقيادة ماو، الذي وعد الجنود الفلاحين الذين انضموا إليه بالأرض. فرت البرجوازية بأعداد كبيرة، وتقدم الحزب الشيوعي الصيني بسهولة ليستولي على السلطة بمفرده.
كتب تيد غرانت في ربيع عام 1949:
“تُعلمنا الماركسية أن الحركة الفلاحية يجب أن تجد قيادة لها في المدن، إما من البرجوازية أو من البروليتاريا. فحيثما تكون البرجوازية، يكون لدينا بالطبع تطور رأسمالي. أما حيثما تتولى البروليتاريا القيادة، فتكون لدينا الثورة الاشتراكية. وهنا لدينا شكل فريد من تلك الأخيرة، إذ تتمتع الحركة الفلاحية بقيادة مركزية تتمثل في الحزب الستاليني، الذي تعود جذوره إلى موسكو. والذي اعتمادا على الفلاحين يدخل المدن ليس بهدف ومنظور حزب شيوعي حقيقي، بل بهدف ترسيخ سلطته من خلال المناورة بين الطبقات. وهو يفعل ذلك بنقل قاعدته الاجتماعية إلى البروليتاريا -ليس بكونه ممثلا مباشرا لها كما يفعل الحزب البلشفي- بل بطريقة بونابرتية”[17].
وأضاف قائلا:
“تُشكل الستالينية ائتلافا في ظل ظروف انكسر فيها ظهر البرجوازية، وذلك للمناورة بالبرجوازية ضد خطر تمرد البروليتاريا. وبالتالي فإن الائتلاف الذي يقترحه الستالينيون في الصين لن يعني انتصار البرجوازية أو حتى بقاءها. سيتم استخدامها من أجل الحصول على مساحة للتنفس لتنظيم آلة الدولة الستالينية البونابرتية على غرار موسكو”[18].
هذا بالضبط ما حدث عقب استيلاء الحزب الشيوعي الصيني على السلطة في أكتوبر. استطاع تيد غرانت، بفضل تمكنه من المنهج الديالكتيكي للماركسية، رؤية الواقع وهو يتطور، ليس من خلال التكرار الدوغمائي للصيغ المجردة، بل من خلال إثراء الاستنتاجات العامة للنظرية الماركسية وتطبيقها عمليا.
وبالاستناد إلى هذا المنهج تمكن حتى من التنبؤ في عام 1949 بأنه مع استيلاء الحزب الشيوعي الصيني على السلطة بأغلبية ساحقة مستقلة عن موسكو، سيصل النظامان في النهاية إلى صراع حول المصالح القومية المتضاربة لبيروقراطيتيهما. وقد تحقق كل ذلك مع الانقسام الصيني السوفياتي في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات.
التيهان
لو كان التروتسكيون الصينيون قد شاركوا تيد غرانت وجهة نظره، لكان في مقدورهم الاستعداد قبل انتصار الحزب الشيوعي الصيني لإعادة تجميع قوى الماركسية الحقيقية. لكنهم للأسف، لم يفعلوا ذلك، ولذلك عندما تولى ماو السلطة، اضطروا إلى التراجع على عجل.
تمكنت أقلية منهم فقط من الفرار إلى هونغ كونغ وماكاو. بينما بقي عدد كبير منهم، ليتم اعتقالهم مع زحف جيش التحرير الشعبي الصيني عبر الصين. وقع كثيرون آخرون في قبضة ماو عام 1952 عندما شن حملة “التطهيرات الكبرى ضد التروتسكيين” في جميع أنحاء الصين، في محاولته تعزيز مكانة بيروقراطية الحزب الشيوعي الصيني، وإرضاء ستالين.

تسبب استيلاء ماو على السلطة في نشر مزيد من الارتباك والتيهان بين التروتسكيين الصينيين. ولفترة من الزمن بعد عام 1949، استمر الحزب الشيوعي الثوري الصيني، بزعامة بنغ، في اعتبار حكومة ماو مجرد نظام بونابرتي برجوازي جديد، مليء بالتناقضات، وأنه يدفع الصين نحو التورط في حرب عالمية ثالثة[19].
بينما تبنى وانغ فانشي من جهته نظرية ماكس شاختمان عن “الجماعية البيروقراطية” التي اعتبرت الأنظمة الستالينية شكلا جديدا من أشكال المجتمع الطبقي، وأنه لا ينبغي للثوريين الدفاع عن تلك الأنظمة ضد العدوان الإمبريالي[20]. ولم يتخل وانغ عن هذه الفكرة المربكة إلا بعد سنوات.
لم يكن يُتوقع أي توضيح من جانب قيادة الأممية الرابعة، التي انتهجت النهج الميكانيكي نفسه. فجيمس كانون، زعيم حزب العمال الاشتراكي الأمريكي، لم يعترف بسقوط الرأسمالية في الصين إلا في عام 1955.
في المقابل، سارع تيد غرانت إلى الاحتفاء بالثورة الصينية باعتبارها ثاني أعظم حدث في التاريخ بعد الثورة الروسية. لكن ورغم ترحيبه بالثورة، فقد حذر من أن الطابع الستاليني لنظام الحزب الشيوعي الصيني -افتقاره التام للديمقراطية العمالية، ووجود بيروقراطية ذات امتيازات، وتبنيه لنظرية “الاشتراكية في بلد واحد”- سيُهدد في نهاية المطاف مكاسب الثورة.
ونبه إلى أنه بدلا من الاشتراكية الحقيقية:
“… لن ينتج عن قيادة الستالينيين سوى صورة كاريكاتورية بشعة عن المفهوم الماركسي للثورة. […] لا شك في أنه سيتحقق تقدم اقتصادي هائل. لكن الجماهير، عمالا وفلاحين، ستجد نفسها خاضعة للبيروقراطية”[21].
فإذا لم يستول عمال الصين على السلطة عبر ثورة سياسية ثانية، سوف تسعى شريحة من البيروقراطية في مرحلة معينة على إعادة الرأسمالية. ومن هنا فقد احتفظت أفكار تروتسكي حول الصين، والتي هي الأفكار الماركسية الأصيلة، بأهميتها باعتبارها الوسيلة الوحيدة لحماية مكاسب الثورة من خلال إعداد القوى لقيادة تلك الثورة السياسية.
بهذه الأفكار كان بإمكان أفضل عناصر التروتسكية الصينية أن تبدأَ العمل المضني لإعادة بناء قواها ونشر الأفكار الماركسية الأصيلة في الصين. لكن ونظرا لعجزهم عن فهم التطورات الجارية، وافتقارهم إلى منظور موحد، اندثر التروتسكيون الصينيون المشتتون والمقموعون في بر الصين الرئيسي في خمسينيات القرن الماضي.
بعد ذلك، أصبح التروتسكيون الصينيون قوة هامشية استمرت في هونغ كونغ لبضعة عقود، وتعرضوا لمزيد من الانقسامات فيما بينهم. واليوم اختفت تماما جميع المنظمات التي انحدرت مباشرة من الرابطة الشيوعية الصينية الأصلية.
الإرث
مع أن هذه المقالة ركزت على الأخطاء النظرية الرئيسية التي ارتكبها التروتسكيون الصينيون خلال ثلاثة عقود من نشاطهم، فإننا ندرك أن هؤلاء الرفاق كانوا يبنون ثورتهم في ظروف بالغة التعقيد والصعوبة. وجد معظمهم نفسه في ذلك الوضع ولم يكن لديهم سوى القليل من الوقت أو المواد اللازمة لتثقيف أنفسهم بالأفكار الماركسية الأصيلة. كل ما كان لديهم هو رغبة عارمة في تحرير البشرية، والاستعداد لتجاوز جميع العقبات.
لم يكن بينهم أدنى ازدراء للنظرية. وكما ذكرنا، فقد ترجموا وأنتجوا بعناية المواد النظرية التي عثروا عليها إلى اللغة الصينية، ودرسوها بحرص شديد. لكن للأسف لم يتمكن أي منهم من مواجهة التحديات السياسية الهائلة التي واجهتهم خلال الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.
واليوم لم تفقد أفكار تروتسكي شيئا من أهميتها للصين. فقد تمت استعادة الرأسمالية الآن، بقيادة الحزب الشيوعي الصيني، بينما يتعرض مئات الملايين من البروليتاريين والفلاحين الصينيين للاضطهاد والاستغلال من قبل البرجوازية الوطنية.
الثورة الصينية القادمة ستكون أهميتها للعالم أعظم من أهمية سابقتها. فالصين الآن ثاني أكبر قوة إمبريالية وموطن أكبر طبقة بروليتاريا في العالم.
قبل شهر من اغتياله على يد عميل ستاليني، تلقى تروتسكي نبأ صدور الترجمة الصينية لكتابه “تاريخ الثورة الروسية”. وقد وصف ذلك النبأ بأنه “عيد سعيد بالنسبة لي”، وبدأ بكتابة مقدمة لتلك الطبعة. للأسف لم يُكتب لتلك المقدمة أن تكتمل قبل وفاته المفاجئة، لكن في المسودة التي احتفظت بها شريكة تروتسكي، ناتاليا سيدوفا، نجد الملاحظة التالية:
“وحدهم الثوريون، الثوريون المتمرسون الذين أغنتهم تجارب الماضي، قادرون على الارتقاء إلى مستوى الأحداث العظيمة. إن الشعب الصيني مقدر له أن يحتل مركز الصدارة في تقرير مصير البشرية المستقبلية”[22].
لقد قام التروتسكيون الصينيون بواجبهم الثوري بكل شجاعة، لكن ظروفا مأساوية حالت دون تحقيقهم النجاح، ويبقى على ورثة بسالتهم الثورية إكمال ذلك النضال.
المقال باللغة الإنجليزية:
The history of Chinese Trotskyism
المصادر:
[1] 李大钊,“十月革命与中国人民”,November 7 1922,Wikisource,https://zh.wikisource.org/zh-hans/%E5%8D%81%E6%9C%88%E9%9D%A9%E5%91%BD%E8%88%87%E4%B8%AD%E5%9C%8B%E4%BA%BA%E6%B0%91
[2] B Archer (trans.), Second Congress of the Communist International. Minutes of the Proceedings, Vol. 1, New Park Publications, 1977, pg 181
[3] 中国国民党中央执行委员会农民部土地委员会报告, June 1927, 摘自《第一次国内革命战争时期的农民运动资料》,人民出版社,1983年12月,https://www.marxists.org/chinese/pdf/history_of_international/china/1.pdf
[4] “ 对于托洛茨基同志态度之议决案”,12371.cn
[5] 郑超麟致双山信,《谎言与真实:对于历史事实的两种态度——评彭述之》,信达出版社,香港,1984,摘自中文马克思主义文库,Marxist Internet Archive
[6] L Trotsky, ‘To the Chinese Left Opposition’, Writings of Leon Trotsky 1930-31, Pathfinder Press, 1973, pg 132
[7] F Glass, ‘The Communist League of Chine’, Revolutionary History, Vol.2 No.4, 1990
[8] L Trotsky, ‘On the Sino-Japanese War’, Leon Trotsky on China, Pathfinder Press, 2022, pg 726
[9] ibid.
[10] Chen D,‘陈独秀给托洛茨基的信’, 3 November 1939, Marxist Internet Archive
[11] G Benton,’就唐宝林《中国托派史》访问王凡西’, 摘自中文马克思主义文库, 1996
[12] Peng S, ‘Trotskyism in China’, Revolutionary History, Vol.2 No.4, 1990
[13] Wang F, ‘Problems of Chinese Trotskyism’, Revolutionary History, Vol.2 No.4, 1990
[14] L Trotsky, ‘Peasant War in China and the Proletariat’, Writings of Leon Trotsky (1932), Pathfinder Press, 1973, pg 197-198
[15] Wang F, “在战争与革命的日子里”,《双山回忆录》 , 1957,摘自中文马克思主义文库
[16] Peng S, ‘The Causes of the Victory of the Chinese Communist Party over Chiang Kai-shek, and the CCP’s Perspectives. Report on the Chinese Situation to the Third World Congress of the Fourth International, August-September 1951’, in G Benton (ed.), Prophets Unarmed: Chinese Trotskyists in Revolution, War, Jail, and the Return from Limbo, Haymarket Books, 2017, pg 950
[17] T Grant, ‘Reply to David James (Spring 1949)’, The Unbroken Thread, Fortress Books, 1989, pg 301
[18] ibid. pg 302
[19] 中共统治与我党底任务, 15 September 1951, Marxist Internet Archive
[20] 王凡西,“苏联与社会主义”, Marxist Internet Archive
[21] T Grant, ‘Stalinist land programme wins peasants. Chiang’s conscripts roped to prevent escape’, Socialist Appeal, No. 66, January 1949, pg 1
[22] L Trotsky, ‘China and the Russian Revolution’, in G Benton (ed.), Prophets Unarmed: Chinese Trotskyists in Revolution, War, Jail, and the Return from Limbo, Haymarket Books, 2017, pg 945
ماركسي موقع الأممية الشيوعية الثورية الناطق بالعربية