عندما اندلعت ثورة الفلامنغو قبل خمسة أشهر، انطلقت الجماهير الألبانية بعزم واضح على إبقاء الاحتجاجات سلمية. لكن لم يتحقق سوى القليل جدا بعد مرور خمسة أشهر. ومع بدء الحركة في التراجع، واصل رئيس الوزراء إيدي راما تشويه سمعة المتظاهرين، واصفا إياهم بأنهم «عملاء أجانب»، في محاولة لنزع الشرعية عنهم وإحباط معنوياتهم.

لكن خلال الأيام العشرة الماضية، استلهم الطلاب والشباب في ألبانيا من الانتفاضة في فرنسا، وبثوا حياة جديدة في الحركة. فقد نزلوا إلى الشوارع، متمسكين بشعارات ثورة الفلامنغو: «راما إلى السجن، وبريشا [زعيم المعارضة] إلى السجن!» و«ألبانيا للألبانيين، والموت للخونة!».
غير أن مطلبا آخر برز أيضا إلى الواجهة: «ألبانيا تريد الثورة».
«عندما يستيقظ الشباب ترتجف الدولة»
بعد خمسة أشهر من الاحتجاجات السلمية في وقت سابق من هذا العام، عاد الطلاب إلى جامعاتهم مع بداية العام الدراسي ليجدوا الظروف المتداعية نفسها والآفاق القاتمة ذاتها التي تركوها وراءهم.
فاندفعوا إلى الشوارع، وانضموا إلى المحتجين الموجودين هناك بالفعل. وسرعان ما واجهتهم شرطة مكافحة الشغب. وبدأ المتظاهرون باقتلاع حجارة الرصف من الطرق لقذف الشرطة بها، فردت الشرطة باستخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه والهراوات.
وفي اليوم التالي، 14 أكتوبر، اشتعلت النيران في مبنى وزارة التعليم. استمر مئات الطلاب في التجمع أمام الوزارة، واقتلعوا السياج القريب واستخدموه لإغلاق الشوارع. أدى هذا التصعيد إلى شروع الشرطة في استخدام الرصاص المطاطي ضد المتظاهرين، الذين ردوا عليها بالطوب والألعاب النارية.

لقد أدى عنف الدولة غير المتناسب إلى تعزيز عزيمة الشباب بدلا من إضعافها. فقد انتشر مقطع فيديو على نطاق واسع يظهر فيه طالب شاب تجره الشرطة بعيدا بينما تتدلى ساقه المكسورة في الهواء. لكن ما يحدث مخالف لما يزعمه راما بأن الشباب الذين يملؤون الشوارع مجرد «مشاغبين» يبحثون عن الشجار. فقد استنفد هؤلاء الطلاب قواهم على مدى خمسة أشهر، وهم يصرخون بمطالبهم خلال احتجاجات سلمية لم تلقَ آذانا صاغية. كما يقول أحد المتظاهرين:
«احتججنا لمدة 135 يوما من دون أقنعة. لكن عندما لا تقدم لنا الحكومة أي شيء في المقابل، فماذا يُفترض بنا، نحن الشباب، أن نفعل؟».
اتساع رقعة الحركة
تعرض عدد أكبر بكثير من المباني الحكومية ومراكز الشرطة للهجوم خلال الأسبوع الماضي. وعندما يُجري الصحفيون مقابلات مع المتظاهرين، الذين لا تتجاوز أعمار بعضا منهم 14 عاما، يتبين أن عددا كبيرا منهم ليسوا طلابا أصلا. وعندما يُسألون عن سبب عدم وجودهم في المدرسة، يقدمون جميعا الإجابة نفسها: ما الجدوى من ذلك؟
لقد رأى هؤلاء المراهقون ما ينتظرهم في النظام التعليمي لبلادهم: الفساد. وهم تقبلوا حقيقة أنهم سينتهي بهم المطاف إلى الهجرة بحثا عن حياة أفضل، فلماذا يهدرون وقتهم في الدراسة؟
لذلك، ليس مستغربا أن تتجاوز الاحتجاجات حدود تيرانا وطلاب جامعتها. فسرعان ما بدأ طلاب المدارس الثانوية باقتحام بوابات مدارسهم، تعبيرا عن تضامنهم مع الجامعات، لأنهم يدركون أن الآفاق القاتمة نفسها تنتظرهم.
وبعد ثلاثة أيام فقط، امتدت الاحتجاجات إلى ما هو أبعد بكثير من العاصمة، لتصل إلى إلباسان وإشقودرة وكورتشي. وبعد أن شاهد الأساتذة والأكاديميون الطلاب يخوضون معركة شوارع تلو الأخرى، انضموا إليهم الآن، للمرة الأولى منذ انطلاق الحركة.
أوهام العظمة لدى راما
بذل راما كل ما في وسعه لتشويه سمعة الحركة وإحباط معنوياتها منذ بداية ثورة الفلامنغو. فهو يأمل، من خلال اتهام المتظاهرين بأنهم «عملاء أجانب» وترويعهم عبر القمع الوحشي، أن يتمكن من التظاهر بأن الأمور تسير على ما يرام في ألبانيا، كي لا يعرقل المساعي للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي للخطر.
لكن هتافات الشباب في الشوارع عادت لتطارده. ويستخدم راما كل سلاح ممكن في محاولة لإعادة شوارع ألبانيا إلى طبيعتها المعتادة، لكن أيا من أدواته لم تُحدث فرقا. فالشيء الوحيد الذي يمكن أن يدفع الشباب إلى مغادرة الشوارع هو الشيء الوحيد الذي لا تستطيع الرأسمالية الألبانية تحمل تكلفة تقديمه لهم: المستقبل. وبدلا من ذلك، بات راما يتشبث بسوط الثورة المضادة.
في 19 أكتوبر، عقد راما مؤتمرا صحفيا بحضور كبار مسؤولي شرطة الدولة، أعلن فيه أنه رفع الرواتب الشهرية لأفراد الشرطة إلى 2,500 يورو في العام المقبل، تقديرا لما أظهروه من «مقاومة وتضحية وشجاعة».
لقد بلغت معنويات الشرطة مستوى حرجا من الانخفاض، في الوقت الذي يصف فيه المتظاهرون أفراد الشرطة بأنهم مرتزقة ودروعا بشرية للدولة. وبينما كان راما يتحدث عن الضغوط الهائلة التي تتعرض لها الشرطة، تحركت الكاميرا في أرجاء القاعة لتُظهر مسؤولين بعيون سوداء ووجوه مغطاة بالضمادات.
لكن هذا الرد لم يفعل سوى صب الزيت على نار الغضب في الشوارع، في وقت ما يزال فيه الألبانيون العاديون يعيشون على واحدة من أدنى مستويات الأجور في أوروبا بأكملها. ويدرك الشباب أن هذا ليس دليلا على قوة الدولة، بل على ضعفها.
كما قال أحد المتظاهرين الشباب:
«لدي سؤال للشرطة: هل أنتم مستعدون للتضحية بحياتكم من أجل 2,500 يورو؟ لأنني أقسم بالله أننا مستعدون للتضحية بحياتنا من أجل ألبانيا.»
كانت الأداة الأساسية التي استخدمها المتظاهرون هي الحجارة التي اقتلعوها من الشوارع. ومع استمرار رئيس الوزراء في استنفاد خياراته، يبدو أنه مستعد لتدمير أسس ألبانيا نفسها، بالمعنى الحرفي للكلمة، من أجل إسكات المتظاهرين. ففي الليل، أُرسل الحفارين إلى تيرانا لاقتلاع الحجارة من الشوارع، في محاولة لنزع سلاح الطلاب.
لكن في مقابل كل حفار يرسله، تظهر مجموعة أخرى من كبار السن الألبانيين تقف خلف المتظاهرين، تقتلع الحجارة وتسلمها إلى الشباب، لكي يتمكنوا من النضال من أجل مستقبلهم عند المتاريس.
جيل زد ينتفض
كما رأينا في الحركات الاحتجاجية في فرنسا، فإن العنف الذي أُطلق ضد المتظاهرين الشباب أثار التعاطف والاستنكار في أوساط أوسع من الطبقة العاملة، وساعد على جذبها إلى النضال.

ومع تعرض مزيد من الشباب الألبانيين لكسور في أطرافهم ومطاردتهم في الشوارع بواسطة سيارات الشرطة، تتكشف السيرورة نفسها تماما هناك. وكما قالت امرأة مسنة في مقابلة:
«أشعلوا النيران في ألبانيا بأكملها، ومعها الشرطة. إذا مات الشباب فسنموت معهم. فليغادر إيدي راما فورا. وليغادر بريشا فورا. سينتظر الشباب دورهم. دعوا الأجيال الجديدة تتولى إدارة الدولة! […] أولئك المجرمون! بالله، ليموتوا جميعا.»
إن نظام راما بات راكعا. فمقابل كل حجر يزيله يكون الشباب قد بدأوا بالفعل في إعداد مئات الزجاجات الحارقة (المولوتوف). لم يعد ضعف الدولة الألبانية موضع نقاش، لكن السؤال هو: ماذا سيحدث إذا سقط راما؟
لا يطالب الشباب بإسقاط راما فحسب، بل يريدون إسقاط المؤسسة السياسية بأكملها. ومع استمرارهم في تحطيم أبواب البرلمان باستخدام كباش ارتجالية لم يعد بالإمكان ترك هذا السؤال من دون إجابة. بدأت قطاعات من الحركة تطرح فكرة تأسيس حزب يقوده الطلاب، ويتكون من الألبانيين العاديين، مستلهمة تجارب ثورات الجيل زد في الصيف الماضي.
إن حزبا سياسيا جديدا هو بالضبط ما نحتاج. لكن يجب أن يكون حزبا من نوع مختلف تماما عن الأحزاب القديمة: أداة ثورية للجماهير، لا جهازا للمحسوبية والفساد.
ويجب أن يميز نفسه عنها بصورة حاسمة من ناحيتين.
أولا، من خلال برنامجه القائم على القطيعة مع الرأسمالية، وضمان مستقبل للشباب عبر تأميم الثروات المنهوبة التي راكمها الإمبرياليون وأعوانهم من الطبقة الرأسمالية الألبانية.
وثانيا، من خلال تبني توجه واضح نحو الطبقة العاملة، وهي الطبقة الوحيدة التي لديها مصلحة في خوض النضال ضد أرباب العمل حتى النهاية. يجب استقطاب العمال وإدماجهم في أي حزب من هذا النوع.
وكما رأينا في تجارب قادة الطلاب في أماكن أخرى ضمن ثورات الجيل زد، ستجد المؤسسة القديمة وسائل عديدة لامتصاص هذه الحركات ودمجها في أجهزتها الخاصة، إذا فشلت في القطيعة مع النظام. وهكذا، اختُزلت الأزمة التاريخية للإنسانية مرة أخرى في أزمة القيادة الثورية.
23 أكتوبر/تشرين الأول 2026
ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:
ماركسي موقع الأممية الشيوعية الثورية الناطق بالعربية