مثل 17 أكتوبر نقطة تحول في مسار تطور النضال الطبقي. ففي ذلك اليوم، انضم عدد هائل من العمال إلى الاحتجاجات جنبا إلى جنب مع طلاب المدارس الثانوية والجامعات. وكان كل قطاع من قطاعات الاقتصاد ممثلا فيها. وقد بلغت الأجواء راديكالية استثنائية، فلم يكن العديد من المتظاهرين يطالبون بهذه التدابير أو تلك، بل بتغيير كامل للحكومة والنظام —باختصار، بالثورة.

(نُشر هذا المقال أصلا باللغة الفرنسية على موقع marxiste.org)
وكرد فعل على ذلك، تبذل الحكومة قصارى جهدها لخنق الحركة مستخدمة حزمة من التهديدات، والأكاذيب، وعنف الدولة. فبعد أن وصفت حركة طلاب المدارس الثانوية بـ«العنف الحضري»، يصرخ السياسيون والصحفيون البرجوازيون هستيريا، ليلا ونهارا، بشأن «العنف غير المسبوق» لـ«اليسار المتطرف» و«البلطجية»، وهو «التحالف» الذي يُزعم أن جان لوك ميلينشون هو مهندسه وقائده الأعلى. ولإنقاذ البلاد من مخالب حركة فرنسا الأبية (LFI)، تكثف الحكومة القمع الشرطي والقضائي. وهي تفرض حظر التجوال وتحظر المظاهرات وأعلنت عن تعبئة الجيش ووحدات نخبة مكافحة الإرهاب في الشرطة.
لقد كانت المظاهرات التي جرت في 24 أكتوبر بحجم وراديكالية مظاهرات السبت السابق. وهذا العرض الأخير للقوة يُعد أمرا بالغ الدلالة، لاسيما وأن ماكرون صرح يوم الخميس قائلا: «التوصية هي عدم التظاهر». ولدعم هذه «التوصية»، هددت الحكومة المتظاهرين، وأعلنت عن انتشار أمني مكثف، وحظرت المظاهرات، وغيرت المسارات في اللحظة الأخيرة، وما إلى ذلك. لقد جرى فعل كل ما يمكن لتخفيض حجم التعبئة —دون جدوى. لقد كانت هزيمة منكرة للحكومة، ونجاحا باهرا للشباب والعمال الذين نزلوا إلى الشوارع.
هناك العديد من المتظاهرين يناقشون الخطوات القادمة للحركة، ولا سيما التعبئة المرتقبة في 5 نوفمبر. ففي يوم الأربعاء 21 أكتوبر، أصدرت صوفي بينيه (الأمينة العامة للكونفدرالية العامة للعمل CGT) نداء تدعو فيه إلى:
«…الارتقاء بالتعبئة إلى مستوى جديد. يجب أن تتولى الإضرابات زمام المبادرة. ولهذا السبب، فإن الكونفدرالية العامة للعمل، إلى جانب ائتلاف الاتحادات النقابية، تدعو إلى أوسع تعبئة ممكنة في 5 نوفمبر. إننا ندعو العمال إلى تنظيم اجتماعات عامة في كل مكان، في جميع مواقع عملهم، مع جميع زملائهم، في جميع الأقسام، وفي جميع المصانع، لضمان انتشار الإضراب في 5 نوفمبر وما بعده. يجب أن تكون الإضرابات على جدول الأعمال. وعندما يتوقف العمل تتوقف البلاد برمتها، ويصاب الاقتصاد بالشلل، وهذا ما سيضمن الاستماع لمطالبنا أخيرا.»
يمثل هذا التصريح نقطة تحول في موقف قيادات الاتحادات النقابية. فلفترة طويلة، تجاهلت هذه القيادات عن عمد الدعوة —التي أُطلقت في أوائل سبتمبر— للتعبئة في 17 أكتوبر. غير أن النجاح الهائل لذلك اليوم والراديكالية التي عبر عنها قد دفعها إلى اتخاذ خطوة هامة (بالقول) نحو تصعيد النضال. وعندما تتحدث صوفي بينيه عن «انتشار الإضراب في 5 نوفمبر وما بعده»، فإنها تشير بدقة متناهية إلى المسار الذي يجب على الحركة سلوكه لإحباط استراتيجية الحكومة الدنيئة.
يجب على أكثر النشطاء النقابيين والسياسيين نضالية تلقف نداء صوفي بينيه بكلتا اليدين. وعلينا بذل كل ما في وسعنا لبناء حركة واسعة من الإضرابات المستمرة اعتبارا من 5 نوفمبر فصاعدا. كيف ينبغي لنا الشروع في ذلك؟ وعلى أساس أي برنامج؟ سنرد على هذا السؤال لاحقا، لكننا يجب أولا أن نحلل الوضع العام الذي يواجه أعداءنا الطبقيين: البرجوازية وحكومتها وكافة سياسييها.
الأساس الاقتصادي لحملة القمع
أكد لينين أن السياسة هي «إقتصاد مكثف». وتعتبر الوضعية الراهنة تجسيدا صارخا لهذا المبدأ. فلا يمكن فهم حملة القمع الحكومية في الأسابيع الأخيرة بمعزل عن الأزمة العميقة التي يعاني منها الاقتصاد الفرنسي، وخصوصا دينه العام.
فقد بلغ معدل الفائدة على السندات الحكومية لأجل 10 سنوات نحو 3.7% في يونيو الماضي. وفي 21 أكتوبر، كسر هذا المعدل حاجز الخسارة متجاوزا 5%. وهذا يمثل بالنسبة للدولة الفرنسية عشرات مليارات اليوروهات من المدفوعات الإضافية لدائنيها على المدى الطويل.
إن ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو يتبع مسارا مشابها لمسار اليونان في السنوات التي أعقبت الأزمة المالية العالمية لعام 2008. فقد كانت الحكومة اليونانية تقترض بنسبة 4.5% في عام 2007، ثم بنسبة 5% في عام 2009. وفي يناير 2010، بلغ معدل الفائدة 6%. وبحلول ديسمبر من العام نفسه، قفز صعودا إلى 12%. واستمر هذا التصاعد، لكن منذ عام 2010 فصاعدا، تولى صندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي زمام الأمور بدلا من الأسواق المالية. وقد شُرط ما يسمى بـ«إنقاذ» اليونان بتخفيضات في الموازنة لم يشهد لها مثيل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد فقرت الجماهير اليونانية بشكل مدقع في غضون بضعة أعوام.
يؤكد المحللون البرجوازيون قائلين: «فرنسا ليست اليونان». وهم يستبعدون احتمال حدوث مثل هذا الارتفاع في معدلات الفائدة، ومن باب أولى، الاضطرار إلى اللجوء لصندوق النقد الدولي. غير أن ما لا يستبعدونه على الإطلاق، بل ويطالبون به في كل منعطف، هو سلسلة من الإصلاحات المضادة والتخفيضات بالغة القسوة في الميزانية —وعلى «الطريقة اليونانية» تماما. وفي نهاية هذه الموجة الهائلة المقترحة من التقشف، ستكون الخدمات العامة عبارة عن ركام، وسوف تُستنزف الغالبية الساحقة من السكان حتى أخر قطرة، لكن الشرف الوطني سيبقى سليما، إذ لن يكون صندوق النقد الدولي قد تدخل!

هذا هو البرنامج الذي يرغب السياسيون البرجوازيون في فرضه على الأغلبية الساحقة من السكان الفرنسيين. والوحيدون الذين سيستفيدون منه هم ثلة من المستغِلين شديدي الثراء الذين يملكون البنوك ووسائل الإنتاج الرئيسية.
في ضوء ذلك، وتحت ضغط متصاعد من أسواق السندات، تفضل البرجوازية وحكومتها اللجوء إلى القمع غير المسبوق، وإلى أكاذيب لا تقل شناعة، بدلا من تقديم أي تنازلات جوهرية للمطالب المشروعة لطلاب المدارس والجامعات والعمال المتظاهرين.
وبهذا، تلجأ الدولة البرجوازية إلى كل أساليب الدسائس، وكل أشكال الاختراق الشرطي والاستفزاز. وهكذا، فإن «انهيار» القوى القمعية للدولة في 17 أكتوبر لم ينبع فقط من القوة الانفجارية للتعبئة، بل أيضا من هندسة «الفوضى» من طرف نظام متعطش للصور المثيرة. منذ ذلك الحين، يتم عرض صور هذه «الفوضى» في حلقة مستمرة. وهي تُستخدم كذريعة لهجوم وحشي على أبسط حقوقنا الديمقراطية، بدء بالحق في التظاهر.
فلنستشهد بكلمات ماركس أثناء القمع الدموي لكومونة باريس في مايو 1871:
«إن باريس العمالية، في غمرة تضحيتها الذاتية البطولية، أحرقت في أتونها مباني ومعالم […] وتصرخ حكومة فرساي: “إشعال حرائق متعمد!”، وتهمس بهذه الإشارة إلى جميع عملائها، وصولا إلى أقصى القرى عزلة، لملاحقة أعدائها في كل مكان باعتبارهم مشتبها بهم باحتراف إشعال الحرائق. أما برجوازية العالم بأسره، التي تنظر برضا إلى المذبحة الجماعية بعد المعركة، فتصاب بالتشنج هلعا لمجرد تدنيس الأحجار والجدران!»
إن الصحفيين والسياسيين البرجوازيين الذين يدعمون اليوم «برضا» القمع الشرطي والقضائي، ينخرطون أيضا في تشنجات منافقة في مواجهة «تدنيس الأحجار والجدران».
إذا فشلت استراتيجية الحكومة القمعية في الأسابيع القادمة واكتسب النضال زخما أكبر، فإن البرجوازية ستفضل التضحية بماكرون —أي تقديم موعد الانتخابات الرئاسية بضع شهور— على تقديم تنازلات كبيرة للحركة. ومثل هذه التنازلات ستكون عكس ما تطالب به الأسواق المالية تماما.
تؤكد صحيفة لو موند (Le Monde)، وغيرها، كل يوم أن خيار استقالة ماكرون مطروح على الطاولة. وتلمح هذه الصحيفة العريقة التابعة للبرجوازية «الليبرالية» إلى أنه في مرحلة ما وحدها الانتخابات الرئاسية المبكرة قادرة على نزع فتيل الزخم المتصاعد للنضال.
وفي الحقيقة، ليس هذا مؤكدا حتى: فقد لا تكتفي الجماهير المُعبأة بتعديل طفيف في التقويم الانتخابي. غير أن هناك مشكلة أخرى متأصلة في هذا الخيار بالنسبة للبرجوازية. فاستقالة ماكرون سيكون لها تأثيرات متناقضة على مزاج وحسابات المضاربين الذين يمولون الدين العام لفرنسا، وليس بالضرورة تأثيرات إيجابية من منظور البرجوازية، بالمحصلة العامة. ولهذا السبب تتمسك الطبقة السائدة، في هذه المرحلة، بأمل سحق الحركة تحت طوفان من التهديدات والقمع والاستفزازات الشرطية.
وفي فعلها هذا، فإنها تخاطر بمزيد من تأجيج نيران الثورة بدلا من إخمادها. فملايين المستَغَلين والمضطهَدين يشعرون بالغضب العارم حيال وحشية الشرطة والتقليص الفظيع للحقوق الديمقراطية. كما أنهم يشمئزون من طوفان الأكاذيب والتشويهات التي تتقيأها وسائل الإعلام البرجوازية على مدار الساعة، في تناقض صارخ مع ما يراه الناس بأعينهم —سواء بشكل مباشر أو عبر مقاطع الفيديو العديدة المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي. وبالمثل، فإن الصمت المحيط بظروف مقتل شخصين في 17 و18 أكتوبر يغذي انعدام الثقة في حكومة باتت سلطتها الأخلاقية أثرا بعد عين.
وأخيرا، يدرك الجميع الرابط القائم بين إطلاق النار على رجل فرنسي-كونغولي وإصابة عدة آخرين في مدينة تراب يوم الجمعة وبين الدعاية العنصرية التي دأب جميع السياسيين والصحفيين البرجوازيين (من اليمين المتطرف، وكذلك ما يسمى بـ«الوسط») على الترويج لها باستمرار لسنوات عديدة. إن ماكرون يحاول استغلال هذه المأساة لتحقيق مآربه الخاصة، لكن هذه المناورة السخيفة لا تزيد سوى من إذكاء غضب الجماهير.
الحملة ضد حركة فرنسا الأبية
على خلفية هذا المشهد، تبلغ الحملة المستمرة ضد حركة فرنسا الأبية آفاقا جديدة. حيث يُطالب ميلينشون ورفاقه بـ«إدانة قوية» لـ«العنف» الذي يُتهمون —من نفس الأشخاص— بأنهم محرضوه. وهذا من الناحية العلمية معناه، يُطلب منهم «إدانة» أنفسهم بـ«حزم» شديد، بل وحتى تسليم أنفسهم للمحاكم، مطالبين بأشد الأحكام القضائية ضد أنفسهم!
إن تصريحات رئيس حزب الجمهوريين، برونو ريتايو، والسيناتور جيرار لارشيه بشأن إمكانية «حظر» حركة فرنسا الأبية مدفوعة بالطبع بدوافع انتخابية خفية. يخشى الجمهوريون ومرشحهم البائس من هزيمة ساحقة أخرى في الانتخابات الرئاسية. ووقوعا في الكماشة بين إدوار فيليب الأكثر «اعتدالا» ومارين لوبان، يسعى برونو ريتايو للحصول على متنفس ويهدف إلى كسب أصوات اليمين من حزب التجمع الوطني التابع للومان.

والآن بعد أن أثيرت مسائل حظر حركة فرنسا الأبية، تزن وسائل الإعلام الرئيسية «الإيجابيات» و«السلبيات». وفي الواقع، ليس هذا كله سوى دعاية سخيفة وبائسة في جوهرها. فمن الواضح أن الدولة لن تحظر حركة فرنسا الأبية؛ إذ إن رد الفعل الانفجاري للجماهير —الذي سيمتد إلى ما هو أبعد بكثير من الناخبين المنتظمين للحركة— قد يكتسح النظام السياسي برمته.
وبشكل عام، ليس من مصلحة البرجوازية وضع فرنسا على الطريق نحو نظام بونابرتي، أي ديكتاتورية عسكرية-شرطية، لأنه في هذه المرحلة ستكون فرص خسارتها لكل شيء كبيرة للغاية. فما نشهده لا يمثل بزوغ فجر نظام بونابرتي، كما يزعم في كثير من الأحيان.
إن القمع الحالي يذكرنا بما أثبتته بالفعل حركة السترات الصفراء في عامي 2018 و2019، ألا وهو: أن وحشية الشرطة وتقليص الحقوق الديمقراطية يتوافقان تماما مع الآليات الأساسية لـ«الديمقراطية» البرجوازية. وهذا لا يغير شيئا من جوهر الدولة، التي تتمثل، كما أكد لينين، في «هياكل خاصة من الرجال المسلحين»، تدافع عن سلطة وامتيازات الطبقة السائدة.
خلال المراحل الانفجارية للنضال الطبقي، مثل المرحلة الحالية، تطلق الدولة «الديمقراطية» البرجوازية كلابها الشرسة. وردا على ذلك، يجب علينا خوض نضال هائل ولا هوادة فيه ضد أي تعدٍ على حقوق العمال والمضطهدين عموما.
وبدلا من التنبؤ المستمر بقدوم نظام فاشي أو بونابرتي، يجب على قيادات الحركة العمالية مكافحة كافة هجمات البرجوازية «الديمقراطية» الحالية بجدية، ولا سيما ضد الاعتقال المخزي للعديد من المتظاهرين الشباب. ففي يوم الجمعة، ذكرت صحيفة (L’Humanité) رقما يبلغ 174 اعتقالا منذ 17 أكتوبر. ويجب على مجمل الحركة العمالية المطالبة بالإفراج الفوري عنهم وإسقاط كافة التهم الموجهة إليهم!
نحن بحاجة إلى خطة معركة
نظرا لعدم استعدادها لتقديم أي تنازلات جدية، شرعت الحكومة في استراتيجية قمعية. وقد أدت إلى توسيع نطاق التعبئة لتشمل شرائح جديدة من المجتمع، بدلا من تقويضها.
وعلى هذه الخلفية، دعت صوفي بينيه، باسم ائتلاف الاتحادات النقابية، إلى «إضراب واسع النطاق في 5 نوفمبر» وفي الأيام التي تليه. إذا تم الاستجابة لهذا النداء، وإذا انطلقت حركة واسعة من الإضرابات المستمرة اعتبارا من 5 نوفمبر، فسوف تضع هذه الحركة الحكومة في زاوية حرجة وتجبرها على تغيير استراتيجيتها. إن أفضل طريقة لإجبار السلطات على إخفاء هراواتهم وقنابلهم المسيلة للدموع هي التعبئة الجماهيرية للطبقة العاملة في شكل إضرابات مفتوحة. بعبارة أخرى: شل الاقتصاد.
تدعو صوفي بينيه العمال إلى «تنظيم اجتماعات عامة في كل مكان، وفي جميع مواقع عملهم، مع زملائهم، في جميع الأقسام، وفي جميع المصانع»، لوضع الإضرابات المستمرة على جدول الأعمال. وهذا هو المطلوب تماما. غير أننا ندرك تمام الإدراك أن ليس كل مواقع العمل في ذات الوضع، ولا تمتلك كلها نفس المستوى من التنظيم النقابي أو نفس تقاليد النضال.
وعلاوة على ذلك، لا تحمل جميع الشركات نفس الوزن الاقتصادي ولا تستطيع لعب نفس الدور في التوقف التام للإنتاج. إن صوفي بينيه محقة في دعوتها مجمل الطبقة العاملة للتعبئة، لكن هذه الدعوة العامة يجب أن تُرفق بخطة عمل ملموسة ودقيقة، تستند إلى الواقع الفعلي لقواتنا، ولا سيما تلك الخاصة بالنقابات.
يجب أن تتمثل الأولوية الأولى في تعبئة تلك القطاعات من الطبقة العاملة التي تمتلك، من جهة، منظمات قوية وتقاليد نضالية، وتحتل، من جهة أخرى، مواقع رئيسية في الحياة الاقتصادية للبلاد. وهذا ينطبق بشكل خاص على عمال قطاعات النقل والطاقة والموانئ. فإذا أطلق هؤلاء إضرابا قويا متجددا، فيمكنهم توفير دفعة حاسمة لتعبئة قطاعات رئيسية أخرى من الطبقة العاملة، بما في ذلك صناعة المعادن والقطاع المصرفي والخدمة المدنية برمتها.
وليس من قبيل الصدفة أن نذكر عمال النقل والطاقة والموانئ. فخلال العقدين الماضيين، أطلقت هذه القطاعات الثلاثة عدة موجات من الإضرابات المتجددة. ومع ذلك، لم تقدم حكومات ذلك الوقت أي تنازلات لأن الإضرابات فشلت في الانتشار لتشمل قطاعات أخرى.
ما يزال العمال الذين اشتركوا في تلك الإضرابات يتذكرون الهزائم. ويجب علينا أن نأخذ ذلك في الاعتبار ونتعلم منه. هذه المرة، يجب أن تستند تعبئة هذه الحصون لطبقتنا إلى خطة عمل واضحة، يعلمها الجميع، ويناقشها الجميع، وتتيح التمدد السريع للإضرابات المتجددة لتشمل قطاعات رئيسية أخرى من الاقتصاد. وإلا فإن عمال الموانئ والطاقة والنقل قد يترددون في الالتزام مرة أخرى بنضال طويل الأمد.
إننا لا ندعي تقديم التفاصيل الدقيقة لخطة المعركة المطلوبة. فالنقابات وهياكلها المختلفة —المحلية والوطنية— أعلم بكثير منا بطبيعة المزاج السائد في مختلف القطاعات. وهي قادرة، ويجب عليها، أن تلعب دورا مركزيا في تنظيم وتنسيق حركة الإضراب، ابتداء من 5 نوفمبر.
يجب تعبئة كافة القوى داخل الحركة النقابية، مدعومة بكافة قوى اليسار الراديكالي (بما في ذلك حركة فرنسا الأبية). وفي الوقت نفسه، يجب أن يظل الإضراب خاضعا لسيطرة المضربين أنفسهم بصرامة. تدعو صوفي بينيه جميع العمال للاجتماع معا في اجتماعات عامة. ويمكن أن تتخذ هذه الاجتماعات شكل جمعيات عمومية مهنية-مشتركة، تجمع عمالا من مختلف القطاعات وتسهل انتشار حركة الإضراب. كما يمكنها انتخاب مندوبين مكلفين بتنسيق النضال وتنفيذ القرارات المتخذة في الجمعيات العمومية عمليا.
كما يمكن لطلاب المدارس الثانوية والجامعات أن يلعبوا دورا هاما للغاية في هذه المرحلة الجديدة من النضال. فخلال الحركة الجماهيرية ضد الهجمات على حقوق العمال في عام 2006، نظمت الجمعيات العمومية في الجامعات مسيرات للطلاب وطلاب المدارس الثانوية نحو محطات القطارات ومواقع العمل لإثارة توقفات عن العمل، وغالبا بنجاح. وقد كان هذا عاملا مركزيا في انتصار الحركة.
يجب على الطلاب وتلاميذ المدارس الثانوية —الذين يدركون تمام الإدراك الدور الحاسم الذي يلعبه العمال— إعادة الارتباط بهذه التقاليد العظيمة للنضال. ولهذا الغرض، يجب ألا تغلق المنظمات الطلابية الجامعات قبل أوانها، بل ينبغي لها تنظيم اجتماعات عامة يومية وحاشدة هناك، تكون مفتوحة لطلاب المدارس الثانوية والعمال، بهدف تقديم مساهمة ملموسة في تطوير الإضرابات المتجددة. يجب أن تكون هذه هي أولوية الحركة الطلابية بمجرد إعادة فتح الجامعات في 2 نوفمبر، بالتنسيق الوثيق مع حركة المدارس الثانوية ومنظمات العمال.
برنامج النضال
يجب أن يستند الإضراب القوي والمتجدد إلى برنامج هجومي. فلن يشرع العمال في حركة بهذا الحجم على أمل الحصول على مجرد فتات. يجب أن يستحق الأمر العناء، ويجب أن تكون أهداف الحركة متناسبة مع التضحيات المبذولة.
في بيانها الصادر في 19 أكتوبر، طرحت الهيئة التنفيذية الكونفدرالية للكونفدرالية العامة للعمل (CGT) المطالب التالية:
«وضع حد لمنصة باركورسب (Parcoursup – البوابة المستخدمة للتقدم للتعليم العالي). تمويل المدارس الثانوية والجامعات. زيادات في الأجور والحد الأدنى للأجور ورواتب موظفي الخدمة المدنية. زيادات في المعاشات التقاعدية والمنح الطلابية وكافة المساعدات الاجتماعية. وقف فرض الضرائب على المرضى والتقليصات في الخدمات العامة، بدء بالمستشفيات. تجميد الأسعار. ووقف عمليات التسريح عن العمل.»
وند أخذها مجتمعة، فإن هذه المطالب —التي يجب أن يضاف إليها تأميم شركة توتال إنيرجز (TotalEnergies) إذا ما كنا جادين حقا بشأن «تجميد الأسعار»— ليست بالأمر الهين. وفي الوقت الحالي، سيُنظر إلى تحقيقها باعتبارها انتصارا مدويا للحركة. مع ذلك، ليس لدى الحكومة أي نية على الإطلاق لتلبية هذه المطالب، بل إنها تدفع بلا هوادة نحو موازنة تفرض 54 مليار يورو من «إجراءات التقشف» الإضافية على الغالبية الساحقة من السكان.

ومرة أخرى، ليس لدى حكومة لوكورنو هم سوى أمر واحد: إثبات قدرتها على فرض ميزانية تقشف جديدة للأسواق المالية. ونتيجة لذلك، إذا ما ترسخت موجة قوية من الإضرابات المتجددة، فإن البرجوازية سوف تفضل لعب ورقة استقالة ماكرون —أي إجراء انتخابات رئاسية مبكرة— على تقديم أي تنازلات جدية لمطالب الحركة.
ومع ذلك، فقد تلعب البرجوازية هذه الورقة متأخرة للغاية. فإذا اندلعت حركة بحجم أحداث مايو 1968، كما تدعو صوفي بينيه، فإن شلل الاقتصاد سيكون له تأثير هائل على وعي العمال. وكما هو الحال دائما، فإن الإضراب العام المفتوح سيطرح مسألة السلطة: أي طبقة اجتماعية يجب أن تقود المجتمع؟ أهم الطفيليون العمالقة الذين يتخمون أنفسهم بالأرباح على حساب الشعب أم الطبقة العاملة التي تخلق كافة الثروات وستكون قادرة على إدارة الاقتصاد لصالح الأغلبية العظمى؟
لهذا السبب فإن حزبنا، الحزب الشيوعي الثوري، يصر على أن يتم تتويج برنامج النضال بمطلب بسيط واحد: «تسقط حكومة الأثرياء! من أجل حكومة عمالية!». يجب علينا إعداد طبقتنا الآن لأفق الوصول للسلطة. يجب علينا الدفاع باستمرار عن هذه الفكرة وهذا الهدف بين جميع شرائح الطبقة العاملة والشباب مهما كانت التطورات الفعلية للنضال في الأسابيع القادمة.
وقد أكدت صوفي بينيه على ذلك بنفسها بالقول: «عندما يتوقف العمل تتوقف البلاد برمتها، ويصاب الاقتصاد بالشلل». بالتحديد هكذا، ولهذا السبب يجب على العمال السيطرة على الاقتصاد وإعادة تنظيم المجتمع على أسس اشتراكية. يجب علينا مصادرة أملاك البرجوازية الكبيرة واستبدال فوضى «السوق الحرة» بتخطيط عقلاني وديمقراطي للإنتاج. ويجب على الكونفدرالية العامة للعمل العودة بسرعة إلى هذه الفكرة الأساسية، التي لطالما كانت الركيزة المركزية لبرنامجها.
28 أكتوبر/تشرين الأول 2026
ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:
ماركسي موقع الأممية الشيوعية الثورية الناطق بالعربية