البرازيل: التعبئة الجماهيرية تهزم بولسونارو – فلنبن البديل الشيوعي!

في تحول غير مسبوق، فاز لولا بالجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية البرازيلية. لم يسبق أن حدث تحول من هذا القبيل.

حصل لولا في الجولة الأولى على 53.8 مليون صوت (45%)، أما الآن، فقد حصل على أكثر من 64 مليون صوت (51%)، أي بزيادة تجاوزت 10 ملايين صوت. في المقابل، ارتفع عدد أصوات بولسونارو من 56 مليون صوت في الجولة الأولى (47%) إلى 59.8  مليون صوت هذه المرة (48%).

وهذا يعني أن لولا لم يحصل فقط على الحصة الأكبر من الأصوات الإضافية الناتجة عن ارتفاع نسبة المشاركة وتراجع عدد الأوراق الانتخابية الملغاة، بل لا بد أنه حصل أيضا على أصوات بعض الذين صوتوا لمرشحين آخرين من اليمين في الجولة الأولى.

لم يكن ذلك ممكنا إلا بفضل التعبئة الجماهيرية الهائلة التي شهدتها الأسابيع القليلة الماضية، بمبادرة الشباب وقيادتهم. فقد أثار فوز بولسونارو في الجولة الأولى رد فعل مضادا تمكن من تغيير الدينامية العامة للوضع برمته. خرج مليونان في ريو دي جانيرو، ومليون في ساو باولو، ومئات الآلاف في مختلف أنحاء البلاد، للمشاركة في المسيرات والمظاهرات والتجمعات الجماهيرية التي اتسمت بمزيد من الراديكالية وتجاوزت كل ما كانت قيادة حزب العمال تريده.

كان ذلك هو العامل الحاسم. فكثيرون ممن لم يستطيعوا في الجولة الأولى حمل أنفسهم على التصويت للولا -الذي يُعد نائبه في الترشح أحد الممثلين الأساسيين للطبقة السائدة، والذي لم يُنجز، خلال وجوده في السلطة، أي إصلاحات مهمة لصالح الطبقة العاملة- خرجوا الآن بأعداد كبيرة لوقف بولسونارو.

سيجد لولا نفسه الآن في مواجهة المعادلة التالية: فمن جهة، سيكون عليه التعامل مع هيئة تشريعية تتمتع فيها قوى اليمين بأغلبية راسخة؛ ومن جهة أخرى، سيواجه الجماهير التي نزلت إلى الشوارع وتنتظر منه الوفاء بوعوده. إنها معادلة مستحيلة.

ما أظهرته الأسابيع القليلة الماضية هو أن الساحة التي يمكن فيها هزيمة اليمين هي الشوارع، عبر النضال. ذلك هو السبيل الوحيد إلى الأمام.

وكما أشار الرفاق في الفرع البرازيلي للأممية الشيوعية الثورية، فإن:

“من السمات البارزة للمظاهرات التي أعقبت الجولة الأولى من التصويت ذلك التقارب الذي أبدته قطاعات واسعة من الجماهير مع الرموز الشيوعية، ومع أولئك الذين يجرؤون على رفعها علنا. لقد باتت شعارات المطرقة والمنجل المصنوعة يدويا، والقمصان المرتجلة ذات الطابع الشيوعي، والشعارات الراديكالية المكتوبة بخط اليد على اللافتات، تظهر في كل مكان خلال هذه الاحتجاجات. وبينما نجحت البرجوازية والإصلاحيون في إبقاء المظاهرات “منضبطة” وحصرها في السياسة الانتخابية، فإن عناصر واضحة من التمرد والراديكالية آخذة في النضج بين المتظاهرين.”

إن مشاركة جونيس مانويل، النائب الشيوعي المنتخب وقائد تكتل اليسار الراديكالي، في المظاهرات الجماهيرية خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، هي أبرز تعبير عن هذا التطلع إلى سياسة أكثر راديكالية، ووضع حد للتعاون الطبقي.

شارك الفرع البرازيلي للأممية الشيوعية الثورية بفعالية في التعبئة الجماهيرية خلال الأسابيع القليلة الماضية، رافعا ثلاثة شعارات واضحة:

  • هزيمة البولسونارية.
  • التصويت النقدي للولا.
  • بناء بديل شيوعي.

والآن، تزداد المهمة الأخيرة إلحاحا أكثر من أي وقت مضى.

تكشف الانتخابات البرازيلية أيضا زيف فكرة “فرض الترامبية على أمريكا اللاتينية” التي روجت لها وسائل الإعلام البرجوازية العالمية على نطاق واسع خلال الأشهر القليلة الماضية. صحيح أن الديماغوجيين اليمينيين المؤيدين لترامب فازوا بالانتخابات في معظم بلدان أمريكا اللاتينية. لكن ذلك لا يدل على وجود تأييد واسع لسياساتهم أو لسياسات ترامب. بل يعكس حدود اليسار “التقدمي” عندما كان في السلطة خلال المرحلة السابقة، بسبب سياساته المترددة التي توقفت في منتصف الطريق.

وهكذا فإنه حتى في البلدان التي فاز فيها ديماغوجيون يمينيون رجعيون مؤخرا، مثل تشيلي وكولومبيا، نشهد تصاعد حركات احتجاجية في الشوارع، بما في ذلك إضراب عام في كولومبيا يوم 14 أكتوبر.


نعمل هنا على إعادة نشر تحليل الفرع البرازيلي للأممية الشيوعية الثورية والذي كُتب بعد الجولة الأولى من الانتخابات، ونُشر باللغة البرتغالية على موقع brasilcomunista.org  يوم 21  أكتوبر. ويشرح الإرث الحقيقي لحكومة لولا، وكيف يمكننا هزيمة البولسونارية بشكل نهائي، وكيف ينبغي على الشيوعيين التدخل في تلك المظاهرات الجماهيرية، وكيف تدخلوا فيها بالفعل.


من أجل هزيمة البولسونارية وتجاوز تناقضات لولا الإصلاحية

يوهانس هالتر

في ليلة الرابع من أكتوبر، هزت صدمة مدوية جميع العمال والشباب ذوي الوعي الطبقي. فقد اقتنع الملايين، بفعل الحملات التي نظمها منظرو حزب العمال ومرشحوه، بأنه يمكن إسناد مهمة هزيمة البولسونارية إليهم، والأسوأ من ذلك، بأن لولا سيفوز في الانتخابات من الجولة الأولى.

لكن النتيجة الدراماتيكية لذلك الأحد، التي نشرحها هنا، كشفت حقيقة الوضع لأولئك الذين كانوا يدركونه: »إما أن نأخذ زمام هذه الحملة بين أيدينا، أو أن الهزيمة ستكون حتمية «

الشجاعة والعفوية من القواعد

شهدت تلك الليلة تحولا مفاجئا في المشهد السياسي البرازيلي. فبحلول اليوم التالي مباشرة، كانت مظاهرات عفوية قد بدأت، نظمها طلاب جامعيون، وانطلقت من الجامعة الفيدرالية في فلومينينسي (UFF)  بمدينة نيتيروي، ومن الجامعة الفيدرالية في بيرنامبوكو (UFPE)  بمدينة ريسيفي.

أُنشئت مجموعات على واتساب، وبدأت تنسق مواعيد المظاهرات وتوقيتها في مختلف مدن البلاد. وشرعت هذه التعبئات العفوية في تحديد نبرة الحملة، لتحل محل النبرة المؤسساتية التي كانت سائدة حتى ذلك الحين.

في ريسيفي، أُضرمت النار في أحد مباني الجامعة الفيدرالية في بيرنامبوكو في اليوم التالي للمظاهرة الطلابية. وتشير جميع الدلائل إلى أن أنصار بولسونارو هم من دبروا ذلك الهجوم. فقد تضمنت رسائل متداولة في مجموعات واتساب المؤيدة لبولسونارو تهديدات بإلقاء قنابل على الجامعة بعد المظاهرة. وقد كان من بين أعضاء تلك المجموعات، التي حملت إحداها اسم “مناهضو لولا”، تياغو ميدينا، الذي يشغل حاليا منصب مستشار بلدي في ريسيفي ونائب فيدرالي عن ولاية بيرنامبوكو عن حزب بولسونارو، الحزب الليبرالي.

لكن المظاهرات اتسعت بسرعة هائلة، إلى درجة أن تلك الهجمات جرى ردعها، واضطر أكثر أنصار بولسونارو تطرفا إلى كبح جماح أنفسهم.

اتسمت المظاهرات في الأيام التالية بالشجاعة والاستعداد لمواجهة البولسونارية في الشوارع. فقد خرج شباب لم يسبق لهم الانخراط في العمل السياسي، ليخوضوا تجربتهم الأولى في الشارع ويرددوا الشعارات. وأصبحت المدارس مسرحا لنقاشات محتدمة بين المراهقين، بل وحتى الأطفال، والتي عكست النقاشات الحماسية الدائرة في بيوتهم ومجتمعاتهم المحلية. كما انخرط فيها ناشطون مخضرمون مستعدون للعودة إلى النضال من جديد.

وخلال بضعة أيام، تحقق ما بدا مستحيلا. ففي11  أكتوبر، غمر أكثر من مليون شخص شارع أفينيدا باوليستا في ساو باولو، حتى لم يعد يتسع لهم. يُستخدم هذا الشارع تقليديا مقياسا لمدى اتساع المظاهرات وشدتها. حتى إن الحصول على إشارة لشبكة الهاتف المحمول أصبح مستحيلا، بسبب العدد الهائل من الأجهزة المتجمعة في مكان واحد.

لكن هذا الحدث الزلزالي لم يلبث أن تجاوزه ما حدث في اليوم التالي مباشرة. فقد احتشد أكثر من مليوني شخص على الواجهة البحرية لريو دي جانيرو، ما دفع إلى عقد مقارنات مع آخر حفل موسيقي أحيته ليدي غاغا.

ذهول في القمة

كان رد فعل قادة أحزاب الطبقة العاملة والنقابات والمنظمات مختلفا تماما.

كان أول رد فعل هو الذهول. فقد افترضوا أن فوز لولا من الجولة الأولى أمر ممكن. وملأوا جيوبهم بأموال الدولة، المحولة عبر الحزب والصندوق الانتخابي، لتمويل حملات انتخابية بمليارات الدولارات. واعتقدوا أن العالم الوردي الذي بنوه في أذهانهم، وفي حياتهم المترفة، يعكس واقع الجحيم الذي تعيشه الجماهير البرازيلية.

وسرعان ما أفسحت الصدمة المجال لمزيد من التمسك باستعراض المواقف “المناهضة للفاشية” والتمادي فيه.

ليس ثمة ما هو أريح للنفس من صرف الانتباه عن أخطائنا. وبدلا من تحليل ما حدث وتصحيح المسار، ذهب من يسمون أنفسهم “ماركسيين”، مثل فاليريو أركاري، إلى حد المطالبة بـ: »لا تقييم «! و«لا نقد في الوقت الحالي«!، و«رصوا الصفوف وناضلوا حتى النهاية«!.  إن اتباع هذا المنطق يشبه التعرض لهزيمة ساحقة في معركة، ثم رفض تحليل أسبابها وتصحيحها، وبالتالي كسب الحرب.

ولم تتحرك الأحزاب والمنظمات التقليدية للطبقة العاملة وقادتها إلا بعد أن كانت الاحتجاجات في الشوارع قد انطلقت بالفعل. وكان ذلك في محاولة للسيطرة عليها، أو على الأقل إبقائها ضمن حدود حركة انتخابية.

وقد كانت المظاهرة التي شهدتها ساو باولو يوم 11  أكتوبر المثال الأبرز على ذلك. فلم يؤكد لولا مشاركته إلا عشية تلك المظاهرة. وألقى كلمة قصيرة من شاحنة مجهزة بمكبرات الصوت، ثم أصدر فريقه فورا تعليمات بفض المظاهرة، من دون تنظيم مسيرة. إن قيادة حزب العمال تخشى أن تخرج الحركة في الشوارع عن السيطرة.

النقل العمومي المجاني: خطوة نحو اليسار

يسعى الموجودون في السلطة إلى التستر على أسباب العقاب الذي تلقوه في صناديق الاقتراع، بالادعاء أن القصر الرئاسي أخفق في استراتيجيته للتواصل.

تكمن المشكلة، ووفقا لهذا التفسير، في أن أنصار فلافيو بولسونارو استخدموا وسائل التواصل الاجتماعي بفعالية أكبر، أما أنصار لولا فيُقال إنهم أخفقوا في استغلال الخوارزميات على نحو أفضل، وفي إقناع الناخبين بأن الحكومة تستحق دعمهم في صناديق الاقتراع.

يفترض هذا التفسير وجود مستوى من التأييد لحكومة لولا الثالثة لا تؤكده التجربة الفعلية للجماهير في حياتها اليومية.

وبعد بضعة أيام، أعلن لولا سلسلة من الوعود الانتخابية الجديدة. وكان من أبرزها اقتراح تعديل دستوري لإقرار مجانية النقل العمومي خلال عطلات نهاية الأسبوع والأعياد الرسمية. ووفقا للإعلان، سيُموَّل هذا الإجراء باستخدام جزء من الموارد المخصصة حاليا للتعديلات التي يقترحها أعضاء البرلمان على الميزانية.

لدينا هنا مثال واضح على أن المشكلة لم تكن مجرد مشكلة في التواصل. فاضطرار لولا إلى الالتزام بمقترح كهذا بعد خسارته في الجولة الأولى يكشف عن وجود مشكلة في البرنامج، وهي مشكلة سياسية في جوهرها.

إن إدراج التنقل المجاني في برنامجه يبعث بإشارة إلى أنصاره من اليسار، وإن كانت إشارة خجولة للغاية، إذ لن تشمل مجانية التنقل سوى عطلات نهاية الأسبوع، مع الإبقاء على الامتيازات الممنوحة للشركات الخاصة العاملة في النقل العمومي

كانت هذه القضية مطروحة للنقاش منذ فترة حكم ديلما روسيف، الممتدة من2011  إلى 2016، حين خرج الشباب والعمال إلى الشوارع في مختلف أنحاء البلاد خلال احتجاجات يونيو 2013، ومن رحم النضال ضد الزيادات في أسعار التذاكر والقمع، برز أحد المطالب تحديدا وهو: النقل العمومي المجاني! لكن الأمر تطلب أن يجد لولا نفسه على شفا خسارة إعادة انتخابه، حتى يُدرج هذا الإجراء في برنامجه بعد 16 عاما.

إنهاء أسبوع العمل بنظام 6×1: انتصار تاريخي

أحدثت نتائج الجولة الأولى اضطرابا في ميزان القوى داخل اليمين البرازيلي. فقد أدى تقدم الحزب الليبرالي في الكونغرس الوطني إلى زعزعة خطط الأحزاب البرجوازية الراسخة وممثليها.

وكان من بينهم رئيس مجلس الشيوخ، دافي ألكولومبري، الذي كان يتفاوض مع الحكومة للسماح بالتصويت على مقترح التعديل الدستوري الرامي إلى إنهاء نظام العمل 6×1، أي ستة أيام عمل مقابل يوم واحد للراحة. ومع تعرض مصالحه للخطر، ورؤيته التعبئة الجماهيرية الهائلة المؤيدة لإعادة انتخاب لولا، حدد ألكولومبري موعدا للتصويت، وبذلك خدم الحملة الانتخابية للحكومة.

كان إقرار التعديل الدستوري في14  أكتوبر انتصارا تاريخيا للطبقة العاملة، انتزعته الجماهير في الشوارع. وتترتب على هذا الانتصار تداعيات هائلة على الجولة الثانية، يتعين على الشيوعيين تحليلها بعناية.

أولا، لم تنشأ هذه القضية بمبادرة من لولا أو حزب العمال، بل برزت بصورة عفوية في عام 2023. وفي العام التالي، اكتسبت زخما في الشوارع، مع تنظيم مظاهرات جماهيرية في أكثر من 100 مدينة. كانت حركة Movimento Vida Além do Trabalho (الحياة خارج العمل) هي التي قدمت مقترح التعديل الدستوري، من خلال إريكا هيلتون، التي اقترحت نظام عمل بأربعة أيام مقابل ثلاثة أيام للراحة، وأسبوع عمل من36  ساعة. ومع ذلك، لم يحظَ المقترح بأي دعم من الحكومة، ولم ينبس لولا ببنت شفة بشأنه.

ولم تبدأ الحكومة بالدفاع عن المقترح إلا بعد إحرازه تقدما في الكونغرس الوطني. لكنها فعلت ذلك حصرا عبر القنوات المؤسساتية للنظام السياسي.

وخلال تلك السيرورة جرى تفريغ المقترح من مضمونه تدريجيا، ليتحول إلى نظام عمل بخمسة أيام مقابل يومين للراحة، وأسبوع عمل من 40  ساعة، مع فرض فترة انتقالية لتطبيقه. وعلاوة على ذلك، لم تمارس الحكومة الضغط من أجل طرح مشروع القانون للتصويت إلا عشية الحملة الانتخابية لهذا العام، بهدف تحويل إقراره إلى مكسب انتخابي.

أما حركة “الحياة خارج العمل”، بقيادة ريك أزيفيدو، فقد قبلت تكتيكات الحكومة بعد استيعابها داخل التيار السياسي لغيمارايش بولووس.فهل كان ذلك إنجازا؟ أجل، بل إنجازا تاريخيا!  لكنه جاء بتكلفة، بسبب التكتيكات التي استخدمتها الحكومة لتحقيقه.

الإصلاحية مذنبة!

تكشف هذه المرحلة الفاصلة بين الجولتين الأولى والثانية عن طبيعة الإصلاحية. ولا يمكن فهم طبيعتها إلا بأخذ التناقض الكامن في صميمها بعين الاعتبار.

مصدر الصورة: Lula Oficial, Flickr

يقوم أساس الإصلاحية عموما، وحزب العمال ولولا خصوصا، على السعي إلى انتزاع تنازلات من العمال لصالح الرأسماليين، من جهة، وإلى الضغط من أجل انتزاع بعض التنازلات من الرأسماليين لصالح العمال، من جهة أخرى. وهذا هو المنطق الذي وجّه لولا منذ أيام عمله النقابي.

لقد شكلت هذه السياسة الإصلاحية السمة المميزة لفترتي حكم لولا وديلما روسيف على رأس الجمهورية، وكذلك لحزب العمال، سواء داخل النظام السياسي أو في قيادة الحركات الاجتماعية.

أخذ هذا الجانب المتناقض بعين الاعتبار هو ما يتيح فهم كيف يستمر لولا وحزب العمال في التمتع بمخزون انتخابي كبير من التأييد، وكيف تظل الجماهير تعقد عليهما الآمال، رغم سجلهما الحافل بالخيانة والتخفيضات والخصخصة والإصلاحات المضادة. فهذا التأييد نابع من أوجه التقدم والمكاسب المحققة خلال العقود الأخيرة، على الرغم من جميع التنازلات المقدمة للرأسماليين.

والحقيقة أن كل خطوة إلى الأمام، حين تُتخذ بصورة محدودة وعن طريق تقديم تنازلات للرأسماليين، تفضي إلى تناقضات جديدة. وقد دفع ذلك أجيالا جديدة من العمال إلى الربط، على نحو صحيح، بين مشاكلهم ومخاوفهم وبين حكومات حزب العمال. وهذا الإدراك هو ما يغذي الديماغوجية البولسونارية.

ولهذا السبب حكمت صناديق الاقتراع في الجولة الأولى بإدانة الإصلاحية. فما شهدناه في 4 أكتوبر كان مؤشرا على بلوغ السخط التاريخي على الحكومة الإصلاحية الحالية في البرازيل مرحلة متقدمة.

عقاب الشعبوية: إشارة إلى اليمين

لا تبدو الآفاق واعدة بالنسبة إلى لولا وحزب العمال، وذلك ليس  فقط بسبب نتائج الانتخابات الخاصة بالكونغرس الوطني وحكومات الولايات.

فالقوى الإصلاحية تواجه قيودا متزايدة كلما غاصت الرأسمالية أكثر في أزماتها الدورية. فكلما تقلص حجم الكعكة، قلّ استعداد الرأسماليين للتنازل حتى عن الفتات. ومع احتدام الأزمة الاقتصادية والصراعات بين القوى الإمبريالية، تجد القوى الإصلاحية نفسها مضطرة إلى تقديم تنازلات أكبر فأكبر، في حين تحصل في المقابل على مكاسب أقل فأقل.

وأمام عجزه عن التحرك أكثر نحو اليسار في الوضع الراهن، جاء لولا ليبرز تناقضات الإصلاحية بصورة أوضح، خلال النقاشات المتعلقة بمقترح التعديل الدستوري بشأن الأمن العام.

يهدف هذا الإجراء إلى إصلاح الدولة البرجوازية البرازيلية، وكأن وجود الجريمة والتنظيمات الإجرامية ليس سوى مشكلة ناجمة عن نقص المعلومات الاستخباراتية لدى الشرطة وغياب التنسيق بين أجهزة القمع. وفوق ذلك، أعلن لولا، في خضم هذا النقاش، تأييده لخفض سن المسؤولية الجنائية إلى 16 عاما في الجرائم البشعة.

وبينما شكل مقترح التعديل الدستوري المتعلق بمجانية النقل العمومي إشارة إلى تحول نحو اليسار، فإن مقترحي التعديل الدستوري المتعلقين بالأمن العام وخفض سن المسؤولية الجنائية يشيران إلى تحول نحو اليمين.

إنه تنازل لمطلب قديم لليمين البرازيلي، يسترشد بمنطق تشديد القمع البوليسي على حساب زيادة الاستثمار في الخدمات الاجتماعية وخلق فرص عمل تتطلب مهارات عالية. وبدلا من طرح مقترحات تعالج الأسباب الجذرية للجريمة، عبر إتاحة مستقبل كريم للشباب، يرضخ لولا لما يُقدَّم على أنه “حكمة بديهية”، ويسعى إلى استمالة الناخبين اليمينيين من داخل الأرضية الأيديولوجية لليمين نفسه.

تكتيك المواجهة القائم على “فرض القانون والنظام” و”الانتخابات”

تتفاقم هذه الإشارات المتضاربة التي يوجهها لولا إلى اليسار واليمين بفعل النهج الذي اعتمدته الأحزاب والنقابات والمنظمات الطلابية المرتبطة بالحكومة في تعاملها مع الحركة العفوية في الشوارع.

فبعد أن باغتتها الأحداث في الأيام التي أعقبت الجولة الأولى وخلال نهاية الأسبوع التالية، عملت القوى المؤيدة للحكومة على تفكيك مركزية الاحتجاجات المناهضة للبولسونارية في ساو باولو. وبعد تقسيم المظاهرات، سعت إلى إضفاء طابع “سلمي” و”انتخابي” عليها.

يعكس هذا النهج، الصادر عن قيادة حزب العمال والحزب الشيوعي البرازيلي وحزب الاشتراكية والحرية، وكذلك عن لولا نفسه، أمل هذه القوى في مواصلة إدارة المجتمع الرأسمالي البرازيلي عبر مؤسسات الدولة البرجوازية القائمة.

والحقيقة هي أن الشباب والعمال في فرنسا وإسبانيا وبلجيكا والهند يبرهنون في هذه اللحظة بالذات على أن مطالب المستغَلين لا تتحقق إلا بفرضها من خارج الإطار المؤسساتي.

إن هذا التكتيك “السلمي” و”الانتخابي” في مواجهة البولسونارية يجرّد طبقتنا من سلاحها في مرحلة الصراع الطبقي المحتدم التي بدأت تلوح في الأفق ابتداء من 26  أكتوبر. فالاحتقان السياسي الراهن يمهّد الطريق للمعارك القادمة، التي لن تكون “سلمية” بأي حال من الأحوال.

يجب على الشيوعيين استغلال هذه اللحظة إلى أقصى حد. علينا أن نساعد طليعة الطبقة العاملة على فهم طبيعة الوضع، وإدراك ضرورة تصعيد النضال لهزيمة البولسونارية وفتح الطريق أمام الشيوعية.

جانونيس وجيش لولا

على الرغم من هذا الاحتقان السياسي، انضم سبعة ملايين شخص إلى ما يُسمى “جيش لولا” والمقصود بذلك أنهم سجلوا أسماءهم في القائمة البريدية للنائب الفيدرالي الذي أُعيد انتخابه، جانونيس.

مصدر الصورة: Lula Oficial, Flickr

كان هذا الأخير قد ذاع صيته باستخدام أساليب تشبه التكتيكات الملتوية التي يلجأ إليها أنصار بولسونارو. فبالنسبة إلى جانونيس، كل الوسائل مبررة لمواجهة أعدائه، بما فيها الكذب والتلفيق. ومن خلال خطاب مثير للمشاعر، وصاخب واستفزازي، نجح ما يُسمى “جيش لولا” في تعبئة أشخاص يريدون هزيمة فلافيو بولسونارو، بدءا من مجرد مناهضين للبولسونارية وأنصار معلنين لحزب العمال، وصولا إلى أشخاص يعتبرون أنفسهم شيوعيين.

إن الحيز الذي يشغله جانونيس هو أثر جانبي آخر من الآثار المتناقضة لإصلاحية لولا. فبدلا من أن يتولى حزب العمال، الذي يضم 1.6  مليون عضو، تنظيم المبادرة الجماهيرية الرئيسية، تتولى ذلك شخصية تنتمي إلى حزب “شبكة الاستدامة”. وبعبارة أخرى، بدلا من أن يقود التعبئة حزب للطبقة العاملة، يقودها حزب برجوازي. ونشير هنا إلى أن حزب “شبكة الاستدامة” تأسس بتمويل من كبار الرأسماليين البرازيليين، مثل نيكا سيتيبول من مجموعة إيتاو المصرفية، وغيمارايش ليال من شركة ناتورا. وهو أحد تجليات “الرأسمالية الخضراء” في البرازيل.

يستخدم جانونيس وحزب “شبكة الاستدامة” أساليب برجوازية لخوض النضال السياسي. فهما يدعوان ناخبي لولا إلى تحدي رموز بولسونارو بارتداء ألوان المنتخب الوطني لكرة القدم وحمل العلم البرازيلي، من أجل “رسم حرف L”، في إشارة إلى لولا. وبعبارة أخرى، يطلبان منا ارتداء الألوان التي ترمز إلى أخضر أسرة براغانزا وأصفر أسرة هابسبورغ.

إنهما يحاولان إقناعنا بارتداء هذه الرموز بفخر، وهي الرموز التي استُخدمت منذ عهد النظام الملكي القائم على العبودية، مرورا بالجمهورية الأولى النخبوية، وديكتاتورية فارغاس، وصولا إلى الديكتاتورية العسكرية التي استمرت 21  عاما.

يقوم تكتيك جانونيس على خوض معركة انتخابية تتجاوز القضايا الطبقية الأساسية. وقد يكون هذا التكتيك فعالا في حصد الأصوات ضمن منطق “حروب المشجعين”، لكنه لا يسهم بأي شكل في دفع الطبقة العاملة نحو حل نهائي للمشكلة السياسية الكامنة وراء الوضع. ذلك أن جانونيس وحزب “شبكة الاستدامة” يعتزمان احترام الركائز الأساسية لهذه الجمهورية البرجوازية، وإنقاذ هذا النظام المكروه أكثر فأكثر، وإضفاء مظهر أكثر إنسانية و”خضرة” على الرأسمالية البرازيلية.

التعاطف مع الشيوعية في المظاهرات

في الوقت نفسه، كان من أبرز سمات المظاهرات التي أعقبت الجولة الأولى، التعاطف الذي أبدته قطاعات واسعة من السكان مع الرموز الشيوعية، ومع أولئك الذين يجرؤون على رفع رايتها والدفاع عنها. فقد باتت رموز المطرقة والمنجل المصنوعة يدويا، والقمصان الشيوعية المرتجلة، والشعارات الراديكالية المكتوبة على اللافتات، تظهر في كل مكان خلال الاحتجاجات.

وبينما نجحت البرجوازية والإصلاحيون في إبقاء الاحتجاجات “سلمية” و”انتخابية”، فإن عناصر واضحة من التمرد والراديكالية آخذة في النضج بين المتظاهرين.

لقد لقيت صحيفتنا البرازيل الشيوعية (Brasil Comunista) إقبالا كبيرا، إذ سارع مئات المتظاهرين إلى اقتنائها في كل تجمع جديد في الشوارع. كما يزداد الطلب على منشوراتنا وملصقاتنا التي نوزعها بين المتظاهرين. وتشكل قمصان البرازيل الشيوعية (Brasil Comunista) وأعلامها أيضا أحد أبرز مظاهر هذا الحضور. كذلك لقيت مشاركة جونيس مانويل في التجمعات التي نظمت خارج ولاية بيرنامبوكو نجاحا كبيرا، ولا سيما حين يتحدث في مداخلاته عن الشيوعية و”الثورة البرازيلية”.

لكن ما يزال ينقص هذه الحركة بديل شيوعي وثوري يمكن أن يشكل مرجعا موثوقا للجماهير، لهؤلاء الشيوعيين بالفطرة. فمن شأن حزب من هذا النوع أن يكون قادرا على قيادة نضال العمال باستمرار إلى ما يتجاوز الانتخابات، بهدف انتزاع السلطة لصالح الطبقة العاملة. كما سيعيد ذلك الحزب الاعتبار إلى رموز الطبقة العاملة، مثل اللون الأحمر الذي يرمز إلى الدماء التي سُفكت في النضالات، والمطرقة والمنجل، إرث ثورة أكتوبر 1917.

تقترح البرازيل الشيوعية (Brasil Comunista) أن يتعرف الشيوعيون على النقاط العشرين لبرنامج من أجل برازيل شيوعية، وأن يملؤوا استمارة الانضمام، ويلتحقوا بأحد فروع الأممية الشيوعية الثورية.

نعمل داخل هذه الخلايا على الجمع بين التدخلات المدروسة بعناية في الصراع الطبقي والتركيز الخاص على دراسة النظرية الماركسية.

ينتمي كل مناضل في الأممية الشيوعية الثورية إلى الحزب العالمي نفسه، الذي ينشط اليوم في 70  بلدا. نحن نبني أممية حقيقية، لها مؤتمرات وهيئات منتخبة ديمقراطيا وأفكار تمثل الخيط المتصل الأصيل للماركسية، وتواصل إرث ماركس وإنجلز ولينين وتروتسكي.

التصويت النقدي بوصفه إجراء تكتيكيا

في هذه اللحظة، يقتضي النضال من أجل الشيوعية في البرازيل خوض المعركة لهزيمة البولسونارية في هذا التنافس الرئاسي على السيطرة على الدولة البرجوازية البرازيلية. ذلك أن اليمين المتطرف، ممثلا بفلافيو بولسونارو، يسعى إلى إلحاق أقسى الهزائم بطبقتنا وإخضاع البلاد للإمبريالية الأمريكية. أما لولا، فعلى الرغم من جميع تناقضاته الإصلاحية، فهو مرشح حزب للطبقة العاملة ينتهج سياسة برجوازية قائمة على السعي إلى التوفيق بين الطبقات.

إن حكومة رابعة برئاسة لولا ستوفر ظروفا أكثر ملاءمة لنضال العمال من أجل مصالحهم، ولنشاط الشيوعيين. ولذلك، ندعو إلى التصويت النقدي للولا في هذه الجولة الثانية، تماما كما فعلنا في الجولة الأولى.

وفي الوقت نفسه، نشدد على أن بناء بديل شيوعي بات مهمة ملحة، ويجب أن يبدأ من الآن. ينبغي ألا يتم الخلط بيننا وبين “جيش لولا” أو أنصار حزب العمال. بل على العكس، نحن نرفع المطرقة والمنجل عاليا، ونعلن بوضوح ضرورة تجاوز جميع القيود التي تفرضها الإصلاحية.

نحن شيوعيون أمميون نستغل هذا الاحتقان لدفع النضال من أجل الثورة البرازيلية والثورة العالمية إلى الأمام. نحن نخوض حملة انتخاب لولا، ولكن وفق شروطنا نحن. ونربط بين التصويت النقدي وضرورة النضال لهزيمة اليمين المتطرف، وبين ضرورة بناء بديل شيوعي لهزيمة الإصلاحية والرأسمالية.

26 أكتوبر/تشرين الأول 2026

ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:

Brazil: mass mobilisation defeats Bolsonaro – build the communist alternative!