الرئيسية / البلشفية طريق الثورة / البلشفية طريق الثورة: الفصل السادس: سنة الثورة – لينين يعيد تسليح الحزب

البلشفية طريق الثورة: الفصل السادس: سنة الثورة – لينين يعيد تسليح الحزب

يوم 03 أبريل، وبعد أسابيع من المفاوضات المرهقة لترتيب عودته عبر ألمانيا، وصل لينين أخيرا إلى محطة فنلندا في بتروغراد الثائرة. وقد تبنى منذ اللحظة الأولى لوصوله موقفا عدائيا تجاه الحكومة البرجوازية المؤقتة والسياسيين الإصلاحيين الشوفينيين الذين كانوا يدعمونها.

لينين لحظة وصوله إلى محطة فنلندا في بتروغراد الثائرة

فور عودته إلى روسيا، شن لينين نضالا حازما ضد القادة البلاشفة الذين استسلموا لضغوط “الرأي العام” البرجوازي الصغير، وخرجوا لدعم الحكومة المؤقتة البرجوازية. لكنه لم ينجح في إعادة تسليح البلاشفة وتوجيههم إلا بعد معركة داخلية حادة للغاية. لقد اعتمد لينين في هذا الصراع على الدعم من جانب قواعد الحزب والطبقة العاملة التي كانت، كما كان يكرر دائما، أكثر ثورية بمائة مرة من الحزب الأكثر ثورية. في الواقع لم تتقبل قواعد الحزب في بتروغراد مواقف كامينيف، الذي دعوا إلى طرده. كما طالبت قواعد الحزب في فيبورغ، التي كانت معقل البلشفية، بطرد ستالين أيضا[1].

وفي لحظة وصوله إلى محطة فنلندا، قدم لينين إشارة إلى نواياه الحقيقية. لقد تعمد إدارة ظهره للشخصيات البارزة الذين حضروا لاستقباله، وتوجه نحو العمال بالعبارات التالية: “عاشت الثورة الاشتراكية العالمية!”. أكدت هذه الجملة الافتتاحية على الفور أسوء مخاوف قادة الحزب: لقد تحول لينين إلى… “التروتسكية”. تلا ذلك اندلاع معركة فصائلية شرسة، بلغت ذروتها في كونفرانس أبريل الذي انتصر فيه لينين على طول الخط. وتتذكر كروبسكايا قائلة:

«لقد تفاجأ الرفاق إلى حد ما. اعتقد الكثير منهم أن إيليتش كان يعرض القضية بطريقة فظة للغاية، وأنه من السابق جدا لأوانه الحديث عن ثورة اشتراكية»[2].

من الواضح أن كروبسكايا تعبر عن نفسها هنا بطريقة دبلوماسية. لقد كانت الاختلافات أكثر خطورة وكان الصراع، رغم أنه لم يستمر طويلا، مريرا جدا. عندما دافع لينين عن موقفه بشكل علني لأول مرة، بقي الحاضرون مصدومين.

راسكولنيكوف، الذي كان شاهدا على ما حدث عندما دخل كامينيف إلى مقصورة لينين، كتب في مذكراته:

«بمجرد ما دخل كامينيف المقصورة وجلس بادره فلاديمير إيليتش قائلا: “ما هذا الذي تكتبه في برافدا؟ لقد رأينا العديد من الأعداد وأقسم لك…”، وواصل لينين كلامه بنبرة تأنيب أبوية، خالية من أي إهانة.»

ومباشرة بعد وصوله إلى محطة فنلندا، تم نقله إلى إقامة راقية، في ملكية راقصة باليه شهيرة، حيث تم استقباله في غرفة فسيحة تضم بيانو كبير، بخطابات ترحيبية، وهو الشيء الذي يكرهه.

«أقيم هناك احتفال تكريم لإيليتش. وقد أعرب المتكلمون تباعا عن شعورهم بالفرح الكبير بعودة زعيم الحزب، الذي صقلته المعارك، إلى روسيا.

جلس إيليتش واستمع إلى كل الخطب وهو يبتسم، منتظرا بفارغ الصبر أن ينتهو.

وعندما انتهت قائمة المتحدثين، عادت الحياة إلى إيليتش، ووقف على قدميه وبدأ العمل. هاجم بحزم التكتيكات التي كانت تتبعها المجموعات القيادية للحزب والرفاق الأفراد قبل عودته. وسخر بشدة من الصيغة السيئة السمعة حول دعم الحكومة المؤقتة القائمة على: “بقدر ما… وإلى هذا الحد”، ورفع شعار: “لا دعم من أي نوع لحكومة الرأسماليين”، وفي الوقت نفسه دعا الحزب إلى النضال من أجل حسم السلطة من طرف السوفييتات، ومن أجل الثورة الاشتراكية.

وباستخدام بعض الأمثلة البارزة، أظهر الرفيق لينين ببراعة الزيف الكامل لسياسة الحكومة المؤقتة، والتناقض الصارخ بين وعودها وأفعالها، بين الأقوال والأفعال، مؤكداً أنه من واجبنا أن نكشف بلا رحمة ذرائعها وسلوكياتها المعادية للثورة والمعادية للديمقراطية. استمر خطاب الرفيق لينين قرابة الساعة، وقد بقي الجمهور يتابع باهتمام وقلق شديدين. كان أبرز عمال الحزب حاضرين هنا، لكن حتى بالنسبة إليهم كان ما قاله إيليتش بمثابة وحي جديد بشكل كامل. لقد أقام “روبيكون” بين تكتيكات الأمس وتكتيكات اليوم.

طرح الرفيق لينين السؤال بوضوح وصراحة: “ما العمل؟” ودعانا إلى التخلي عن موقف نصف الاعتراف ونصف الدعم للحكومة وتبني موقف عدم الاعتراف النهائي بها والكفاح الحازم ضدها.

الانتصار النهائي للسلطة السوفياتية، الذي كان الكثيرون ينظرون إليه كشيء ضبابي وينتمي لمستقبل غير محدد، اعتبره الرفيق لينين المكسب الملح والضروري للثورة، يجب تحقيقه في غضون فترة زمنية قصيرة للغاية. كان خطابه هذا تاريخيا بكل معنى الكلمة. قدم الرفيق لينين هنا لأول مرة برنامجه السياسي، الذي صاغه في اليوم التالي في أطروحات 04 أبريل الشهيرة. لقد أنتج هذا الخطاب ثورة كاملة في تفكير قادة الحزب، وشكل أساس كل عمل البلاشفة لاحقا. لم يكن من قبيل الصدفة أن تكتيكات حزبنا لم تتبع خطا مستقيما، لكنها تحولت بعد عودة لينين نحو اليسار»[3].

فوجئ المناشفة بمواقف الزعيم البلشفي، التي تختلف تماما عن مواقف رفاقه في بتروغراد، واتهموه بمحاولة إثارة العنف والحرب الأهلية. وعلى صفحات جريدته ييدينستفو، وصف بليخانوف أطروحات لينين بأنها “هذيان”. لكن مواقف القادة البلاشفة لم تكن مختلفة كثيرا، فعندما نُشرت أطروحات أبريل على صفحات برافدا، في 07 أبريل، ظهرت بتوقيع فرد واحد: توقيع لينين. لم يكن أي من القادة الآخرين على استعداد لربط اسمه بموقف لينين. ومباشرة في اليوم التالي نشرت برافدا مقالا لكامنيف بعنوان “خلافاتنا”، والذي يبرئ القيادة البلشفية من موقف لينين، موضحا أن تلك الآراء تخص لينين وحده ولا تشترك معه فيها لا هيئة تحرير برافدا ولا مكتب اللجنة المركزية.

لكن وعلى الرغم من ردود فعل المناشفة والقادة البلاشفة في بتروغراد، فإن لينين لم يكن مجنونا، بل كان في الواقع أكثر اتصالا بالوضع الحقيقي من رفاقه في روسيا. بالنسبة له كان جوهر المسألة بسيطا للغاية: كان من الضروري إعداد الطبقة العاملة للاستيلاء على السلطة، ليس على الفور بطبيعة الحال، إذ أن لينين لم يكن مغامرا ومن أشد المعارضين لفكرة استيلاء أقلية على السلطة. كلا، لقد كانت مهمة الساعة بالنسبة له هي تسليح طليعة الطبقة العاملة -الفئات الأكثر تقدما بين العمال والشباب- بهدف كسب الجماهير إلى برنامج الثورة الاشتراكية باعتباره السبيل الوحيد للحل. كان هذا يلخص بشكل صحيح جوهر الوضع، لكنه تصادم بشكل كامل مع شعار “ديكتاتورية البروليتاريا والفلاحين” التي كان الجميع يعرف أنه ليس شعار الثورة الاشتراكية.

تم حسم الأمر أخيرا في كونفرانس على مستوى المدينة، استمر ثمانية أيام، من 02 إلى 10 أبريل، والذي صار يعرف في التاريخ باسم كونفرانس أبريل. حضر الكونفرانس 149 مندوبا يمثلون 79.000 عضو – 15.000 منهم في بتروغراد. كانت تلك في حد ذاتها نتيجة رائعة بالفعل لحزب خرج للتو من السرية ويقف الآن في معارضة القادة العماليين الرئيسيين. نادرا ما كان لنتيجة اجتماع واحد أن تحدد مصير الكثير من الأمور، مثلما كان ذلك الاجتماع. دخل لينين في صراع مفتوح مع رفاقه القدماء الذين وقفوا إلى جانبه لسنوات عديدة، والذين تبين في اللحظة الحاسمة أنهم ألد خصومه. ومن المفارقات أن هؤلاء “البلاشفة القدماء” كانوا قد احتشدوا تحت شعار اللينينية! لقد قدموا أنفسهم كمدافعين عن الأرثوذكسية اللينينية كما تم تلخيصها في شعار “الديكتاتورية الديمقراطية للبروليتاريا والفلاحين”، الذي كان لينين نفسه هو من رفعه عام 1905. لكن ذلك الشعار كان قد صار متجاوزا، وكان تطور الثورة ذاته قد جعل منه شيئا بلا قيمة.

لقد توصل كل من لينين وتروتسكي، كما رأينا، إلى نفس النتيجة. لقد أدركا أن حكومة كيرنسكي لا تستطيع تقديم حلول حقيقية للمشاكل التي تواجه العمال والفلاحين، وذلك بالتحديد لأنها كانت حكومة البرجوازية، وليست حكومة العمال والفلاحين. وحدها ديكتاتورية البروليتاريا، بالتحالف مع الفلاحين الفقراء، بإمكانها أن تبدأ في حل مهام الثورة الديمقراطية البرجوازية في روسيا. قال تروتسكي:

«كان محكوما على “البلاشفة القدماء” -الذين تباهوا بهذه التسمية في أبريل 1917- بالهزيمة وذلك على وجه التحديد لأنهم كانوا يدافعون عن ذلك الجزء من تراث الحزب الذي لم يتمكن من اجتياز الاختبار التاريخي».

كان الصراع داخل الحزب قصيرا لكنه كان حادا. كانت أكبر قوة تمتع بها لينين هي دعم العمال البلاشفة، الذين وقفوا على يسار القيادة. لقد شعروا منذ البداية بوجود خطأ ما في سياسة كانت، ضد فطرتهم الطبقية وكل تقاليدهم، تؤيد المصالحة مع المناشفة وتتبنى موقفا مهادنا تجاه الحكومة البرجوازية المؤقتة. لكن العمال لم يتمكنوا من الإجابة على الحجج “الذكية” للقادة، مثل كامينيف وستالين، الذين استخدموا سلطتهم لإسكات شكوك القواعد. أما لينين، فعلى النقيض من ذلك، اعتمد على دعم القواعد العمالية داخل الحزب الذين تقبلوا بشكل فطري أطروحاته الثورية:

«كان هؤلاء العمال الثوريون يفتقرون فقط إلى الموارد النظرية للدفاع عن موقفهم. لكنهم كانوا على استعداد للاستجابة لأول دعوة واضحة. هذه الفئة من العمال، التي كانت قد نهضت بشكل حاسم خلال سنوات الصعود من 1912-1914، هي التي صار لينين يعتمد عليها الآن»[4].

بحلول الوقت الذي انعقد فيه كونفرانس أبريل، كان لينين وقواعد الحزب قد ربحوا المعركة بكل المقاييس. يقول زاليزكي، الذي كان عضوا في لجنة بتروغراد، “لقد صارت المقاطعات الواحدة تلو الأخرى تلتحق بها [أطروحات لينين]”.

أكد خطاب لينين الافتتاحي على البعد الأممي للثورة:

«لقد نالت البروليتاريا الروسية الشرف العظيم لبدء الثورة. لكن يجب على البروليتاريا الروسية ألا تنسى أن حركتها وثورتها ليستا سوى جزء من حركة بروليتارية ثورية عالمية، والتي صارت في ألمانيا، على سبيل المثال، تكتسب زخما متزايدا مع مرور الأيام. من هذه الزاوية فقط يمكننا تحديد مهامنا».

كانت هذه هي النقطة الافتتاحية في النقاش وكان لينين يزن كل كلمة يقولها. ماذا كان يعني؟ لقد كان يرد على حجة المناشفة وكامينيف وستالين القائلة بأن العمال الروس لا يستطيعون تولي السلطة لأن الظروف الموضوعية في روسيا المتخلفة والإقطاعية لا تسمح بذلك. والجواب كان ما يلي: صحيح أن الشروط الموضوعية للاشتراكية غير موجودة في روسيا، لكنها موجودة على نطاق عالمي. ثورتنا ليست عملا مستقلا، بل هي جزء من الثورة العالمية. إذا كانت لدينا إمكانية تولي السلطة قبل العمال الألمان والفرنسيين والبريطانيين، فعلينا القيام بذلك. يمكننا أن نبدأ الثورة ونستولي على السلطة ونبدء في تحويل المجتمع على أسس اشتراكية، وهو ما سيعطي دفعة قوية للثورة التي تنضج بالفعل في أوروبا. يمكننا أن نبدأ، وبمساعدة عمال ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، سنكمل المهمة. بالطبع إذا لم يكن لدينا منظور للثورة الأممية، فإن مهمتنا ستكون بلا أمل. لكن هذا ليس هو الموقف. “من هذه الزاوية فقط يمكننا تحديد مهامنا”. وقد كرر لينين طرح نفس الموضوع طيلة أشغال الكونفرانس.

«أجل نحن أقلية. حسنا، ماذا الضرر في ذلك؟ فأن تكون اشتراكيا في زمن الجنون الشوفيني، يعني أن تكون أقلية. أن تكون أغلبية يعني أن تكون شوفينيا».

قال لينين في توصيته بشأن الوضع الراهن:

«إن البروليتاريا الروسية، التي تعمل في واحدة من أكثر البلدان تخلفا في أوروبا وسط عدد كبير من الفلاحين الصغار، لا يمكنها أن تهدف إلى تطبيق التغييرات الاشتراكية على الفور.

لكن سيكون من الخطأ الجسيم، بل سيكون في الواقع استسلاما  كاملا للبرجوازية، أن نستنتج من ذلك أن الطبقة العاملة يجب أن تدعم البرجوازية، أو أن تبقي أنشطتها ضمن حدود مقبولة للبرجوازية الصغيرة، أو أنه يجب على البروليتاريا أن تتخلى عن دورها القيادي في مسألة أن تشرح للشعب الضرورة الملحة لاتخاذ عدد من الخطوات العملية نحو الاشتراكية».

«كان من المعتاد التوصل، انطلاقا من الفرضية الأولى، إلى استنتاج مفاده أن “روسيا بلد متخلف، وبلد برجوازي صغير، وبالتالي لا يمكن أن تكون هناك أي ثورة اشتراكية”. لكن الناس ينسون أن الحرب وضعتنا في ظروف غير عادية، وإلى جانب البرجوازية الصغيرة لدينا رأس مال كبير. لكن ما الذي يجب على سوفييتات نواب العمال والجنود فعله عندما تتولى السلطة؟ هل عليها الانتقال إلى جانب البرجوازية؟ جوابنا هو: سوف تستمر الطبقة العاملة في صراعها الطبقي»[5].

«لكننا في هذه المرحلة نسمع احتجاجات من جانب أناس يطلقون على أنفسهم اسم “البلاشفة القدماء”. يقولون: ألم نكن دائما نقول إن الثورة البرجوازية الديمقراطية ستكملها فقط “ديكتاتورية البروليتاريا والفلاحين الديمقراطية الثورية”؟ هل انتهت الثورة الزراعية، التي هي أيضا ثورة برجوازية ديموقراطية؟ أليست الحقيقة، على العكس من ذلك، هي أنها لم تبدأ بعد؟

جوابي هو أن الشعارات والأفكار البلشفية قد أكدها التاريخ، على وجه العموم؛ لكن التطورات الملموسة سارت بشكل مختلف؛ فهي أكثر أصالة وأكثر غرابة وأكثر تنوعا مما كان في إمكان أي شخص أن يتوقع.

إن تجاهل هذه الحقيقة أو التغاضي عنها سيعني التشبه بهؤلاء “البلاشفة القدماء” الذين لعبوا أكثر من مرة دورا مؤسفا جدا في تاريخ حزبنا من خلال ترديدهم الصيغ التي حفظوها بغباء عن ظهر قلب، بدلا من دراسة المميزات الملموسة للواقع الجديد والحي»[6].

وردا على تلك العناصر التي أكدت أنه على البروليتاريا أن تطيع “قانون المراحل التاريخية الحديدي” وأنه لا يمكنها “تخطي فبراير” وأنه عليها أن “تمر بمرحلة الثورة البرجوازية”، والذين حاولوا بالتالي التستر على جبنهم وارتباكهم وعجزهم عن طريق التعلل بـ”العوامل الموضوعية”، قال لينين بسخرية:

«لماذا لم يأخذوا السلطة؟ يقول ستيكلوف: لهذا السبب وذاك. هذا هراء. الحقيقة هي أن البروليتاريا ليست منظمة بما فيه الكفاية وليست واعية طبقيا بما فيه الكفاية. يجب الاعتراف بهذا؛ إن القوة المادية في أيدي البروليتاريا، لكن البرجوازية بدت أكثر استعدادا وأكثر وعيا. هذه حقيقة مروعة، لكن يجب الاعتراف بها بصراحة ووضوح، ويجب إخبار الشعب بأنه لم يستول على السلطة لأنه كان غير منظم بما فيه الكفاية وغير واع بما فيه الكفاية»[7].

لم يكن هناك أي سبب موضوعي لعدم تمكن العمال -الذين كانوا يمسكون بالسلطة بين أيديهم- من دفع البرجوازية جانبا في فبراير 1917، لم يكن هناك من سبب سوى عدم الاستعداد وعدم التنظيم والافتقار إلى الوعي. لكن هذا، كما أوضح لينين، كان مجرد نتيجة لخيانة الثورة من جانب جميع الأحزاب العمالية والفلاحية المزعومة. فبدون تواطؤ المناشفة والاشتراكيين الثوريين داخل السوفييتات، ما كانت الحكومة المؤقتة لتستمر ولو ساعة. كان هذا هو السبب الذي جعل لينين يسلط أشد الانتقادات على تلك العناصر من بين القيادة البلشفية التي ربطت الحزب البلشفي نفسه بعربة المناشفة والاشتراكيين الثوريين، والتي أربكت الجماهير وضللتها، وابتعدت بها عن طريق السلطة.

«إن من لا يتحدث الآن إلا عن “دكتاتورية البروليتاريا والفلاحين الديمقراطية الثورية”، إنما يتأخر عن موكب الحياة، وبالتالي فإنه قد انتقل عمليا إلى صف البرجوازية الصغيرة ضد النضال الطبقي البروليتاري؛ ويجب إرساله إلى أرشيف التحف “البلشفية” لما قبل الثورة (والتي يمكن أن نطلق عليه أرشيف “البلاشفة القدماء”)».

وبالإشارة إلى قوة الطبقة العاملة وعجز الحكومة المؤقتة، قال لينين إن:

«هذه الحقيقة لا تنسجم مع المخططات القديمة. يجب على المرء أن يعرف كيف يكيف المخططات مع الحقائق، بدلا من تكرار الكلمات التي صارت الآن بدون معنى حول “ديكتاتورية البروليتاريا والفلاحين” عموما».

وأضاف:

«هل تعكس صيغة الرفيق كامينيف البلشفية القديمة، التي تقول إن “الثورة البرجوازية الديمقراطية لم تكتمل” هذا الواقع [واقع ازدواجية السلطة]؟

كلا. إن تلك الصيغة قد عفا عليها الزمن. ولم تعد صالحة على الاطلاق. إنها صيغة ميتة. وليس هناك من فائدة في محاولة إحياءها»[8].

كان لينين يؤكد بشكل خاص على نقطة واحدة، وهي أنه من الضروري على البلاشفة أن يحافظوا على استقلالهم التام عن جميع التيارات الأخرى. كان لينين يدرك تمام الإدراك أنه في تلك الأجواء العامة المفعمة بالنشوة، سيكون هناك ضغط قوي في اتجاه توحيد “جميع التيارات التقدمية”. لقد كان تاريخ النزعة التوفيقية بين البلاشفة القدماء، وخاصة كامينيف، يشعر لينين بالقلق. لهذا السبب كتب في برقيته الأولى: “لا تقارب مع الأحزاب الأخرى”. ومن ناحية أخرى كان ستالين قد اقترح، في كونفرانس مارس، التغلب على “الاختلافات التافهة” في إطار حزب موحد بين البلاشفة والمناشفة. كان ستالين بعقلية “الموظف الحزبي” الضيقة الأفق يفكر في كل شيء من وجهة النظر التنظيمية. حزب أكبر يعني عددا أكبر من الأعضاء والمزيد من الأموال وجهازا أكبر، وبالتالي ساحة أوسع لتطوير أنشطته. وبالمقارنة مع هذا لم تكن الاختلافات النظرية سوى “تفاهات”. نرى هنا بشكل واضح جدا الفرق بين سيكولوجية الثوري وسيكولوجية البيروقراطي.

لقد اعتقد البلاشفة القدماء أنه في إمكانهم تحقيق الوحدة مع المناشفة على أساس “مبادئ زيمروالد – كينثال”، وذلك بالتحديد عندما كانت حركة زيمروالد قد استنفذت مهمتها التاريخية وكانت في طور الانحلال. وعلى أي حال فقد كانت منذ البداية مجرد حد أدنى وخطوة انتقالية في اتجاه بناء أممية جديدة حقا وثورية حقا. كان لينين قد اتخذ قراره بالفعل. كان شعاره هو: لا “عودة إلى زيمروالد”، بل “إلى الأمام نحو الأممية الثالثة”. وقد كتب في رسالة إلى راديك، بتاريخ 29 ماي:

«أتفق معك تماما على أن زيمروالد قد أصبح عائقًا وأننا كلما سارعنا بالانفصال عنه كلما كان ذلك أفضل (أنت تعرف أنني لا أتفق مع الكونفرانس حول هذه النقطة). يجب علينا تسريع عملية تنظيم اجتماع للتيارات اليسارية، لقاء أممي للتيارات اليسارية فقط».

وبعد أسبوع واحد كتب:

«إذا كان صحيحا أن ذلك البائس المشوش غريم (لا عجب في أننا لم نثق أبدا في ذلك البيروقراطي الوغد!) قد سلّم جميع شؤون زيمروالد إلى اليسار السويدي وأن هؤلاء الأخيرين يحضرون لعقد كونفرانس زيمروالد خلال الأيام القليلة المقبلة، فعندئذٍ أنا شخصياً (أنا أكتب هذا باسمي فقط) سأنبه بشدة إلى عدم وجود أي علاقة لنا مع زيمروزالد.

قال غريغوري اليوم: “يا لها من فرصة جيدة للاستيلاء على أممية زيمروالد الآن”. وهذا، في رأيي، تكتيك انتهازي للغاية وضار للغاية»[9].

آلان وودز
ترجمة: هيئة تحرير موقع ماركسي


[1]: M. Liebman, Leninism Under Lenin, p. 123.

[2]: N.K. Krupskaya, Reminiscences of Lenin, p. 347 and p. 348.

[3]: F.F. Raskolnikov, Kronstadt and Petrograd in 1917, p. 71 and pp. 76-77.

[4]: L. Trotsky, The History of the Russian Revolution, p. 338 and p. 339.

[5]: LCWThe Seventh (April) All-Russia Conference of the RSDLP(B), vol. 24, p. 227, p. 245 and p. 306. (التشديد من عندي)

[6]: LCWLetters on Tactics, vol. 24, p. 44.

[7]: LCWReport at a Meeting of Bolshevik Delegates, vol. 36, p. 437.

[8]: LCWLetters on Tactics, vol. 24, p. 45, p. 46 and p. 50. (التشديد من عندي)

[9]: LCWTo Karl Radek, 29 May (11 June), 1917, vol. 43, p. 632 and pp. 634-35.

عنوان ومصدر الكتاب بالإنجليزية:

Bolshevism: The Road to Revolution

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *