الرئيسية / دول العالم / أوروبا / إسبانيا / إسبانيا: بعد طرد راخوي يجب هزم سياساته من خلال الكفاح الجماهيري

إسبانيا: بعد طرد راخوي يجب هزم سياساته من خلال الكفاح الجماهيري

خورخي مارتن

لقد أصبح زعيم الحزب الاشتراكي الإسباني، بيدرو سانشيز، رئيسا للوزراء بعد أن هزم ماريانو راخوي، الملطخ بالفساد، من خلال تصويت البرلمان بسحب الثقة منه. وكان سانشيز قد وعد بتطبيق بعض التغييرات لكنه أكد أنه سيحافظ على الميزانية التي صادق عليها الحزب الشعبي، وتعهد بـ “ضمان المسؤولية الاقتصادية والمالية” وكذلك بالوفاء “بالواجبات الأوروبية”.

كان الحزب الاشتراكي قد تقدم بطلب حجب الثقة عن الحكومة بعد صدور الحكم الذي أدان العديد من قادة الحزب الشعبي في فضيحة الفساد غورتيل (Gürtel) [1]. لا تضم المجموعة الاشتراكية في البرلمان سوى 84 عضوا فقط، وكان سانشيز بحاجة إلى 176 صوتا لإلحاق الهزيمة براخوي. وفي النهاية تمكن من الحصول على 180 صوتا. كانت المجموعة اليسارية Unidos Podemos (المكونة من أحزاب بوديموس واليسار المتحد وائتلافات يسارية غاليسية وكتالانية) قد وعدت منذ البداية بدعم الاقتراح، فقدمت له 67 صوتا، كما أضاف القوميون الكتالانيون (اليسار الجمهوري الكتالاني والحزب الديمقراطي الأوربي الكتالاني) أصواتهم للاقتراح.

لكن رغم ذلك بقي سانشيز بحاجة إلى الأصوات الحاسمة لحزب الباسك القومي، الذي كان قد قدم قبل أسبوعين فقط دعمه لتمرير ميزانية الحزب الشعبي وحزب سيودادانوس مقابل الحصول على تنازلات في شكل استثمارات. لذلك وعد بيدرو سانشيز باحترام ميزانية 2018، التي كان حزبه قد عارضها في الأسبوع السابق. وبمجرد موافقة حزب الباسك القومي على دعم اقتراح حجب الثقة، صار مصير راخوي محسوما.

سانشيز يشكل حكومة أقلية

حتى في تلك المرحلة المتأخرة كان ما يزال هناك مخرج للحزب الشعبي. إذ لو استقال راخوي في تلك المرحلة لما تم التصويت على اقتراح حجب الثقة، وكانت عملية اختيار البرلمان لحكومة جديدة ستبدأ من الصفر. لكن الأمين العام للحزب الشعبي، غوسبيدال، أعلن بعد ظهر يوم أمس [31- 05- 2018] أن راخوي لن يستقيل. في ظل تلك الظروف أدى اقتراح حجب الثقة إلى أن صار بيدرو سانشيز رئيسا للوزراء وسيكون عليه الآن تشكيل حكومة.

هذا لم يكن أبدا الخيار المفضل للطبقة الحاكمة، فبيدرو سانشيز لا يملك سوى 84 نائبا من أصل 350، وبالتالي لا يمتلك أغلبية ثابتة، وسيتوجب عليه أن يتفاوض على أي سياسات يريد تمريرها مع بوديموس والقوميين الكاتالونيين أو الباسكيين على أساس الند للند. زعيم سيودادانوس، ألبرت ريفيرا، وصف تلك الحكومة بأنها ستكون “حكومة فرانكشتاين [2]. تشعر أحزاب اليمين بالطبع بغضب هستيري تجاه تشكيل حكومة بأصوات “اليسار المتطرف”، بوديموس، و”أولئك الذين يريدون تفكيك إسبانيا” (اليسار الجمهوري الكتالاني والحزب الديمقراطي الأوربي الكتالاني) و”أصدقاء” الإرهابيين (إذ صوت حزب إعادة توحيد بلاد الباسك – EH Bildu – القومي اليساري بدوره ضد راخوي).

ستواجه حكومة الأقلية الاشتراكية معارضة شديدة من طرف اليمين، إذ ما زال الحزب الشعبي يتمتع بأغلبية كبيرة في مجلس الشيوخ، وبالتالي يتمتع بسلطة تعديل التشريعات ونقضها، وهذا ما سيشكل مصدرا لعدم الاستقرار.

إن ما أرادته الطبقة الحاكمة، بمجرد أن أصبح راخوي ورقة محروقة، كان هو أن يعمل سانشيز على الدعوة بسرعة إلى انتخابات مبكرة، يعتقدون أنها يمكن أن تسفر عن ائتلاف أكثر استقرارا لتنفيذ السياسات التي يحتاجون إليها. وكان هذا أيضا الخيار المفضل للحزب الليبرالي، سيودادانوس، الذي يتقدم حاليا في استطلاعات الرأي. كانت بعض أقسام الطبقة الحاكمة قد بدأت منذ مدة تروج لفكرة استبدال الحزب الشعبي بنوع من التحالف بين الحزب الاشتراكي وحزب سيودادانوس .

ليس من مصلحة بيدرو سانشيز بالطبع أن يدعو إلى انتخابات على الفور، حيث أن الحزب الاشتراكي يسجل نتائج سيئة للغاية في استطلاعات الرأي. من المقرر إجراء الانتخابات العامة المقبلة في عام 2020، بعد جولة من الانتخابات البلدية والإقليمية في عام 2019. قال سانشيز إنه سيشكل حكومة أقلية، لكنه وعد كذلك بإجراء انتخابات مبكرة. ربما سيحاول أن يعطي لنفسه بعض الوقت في المنصب من أجل تحسين نتائجه ومن ثم سيدعو إلى الانتخابات في وقت أكثر ملائمة.

إصلاحات شكلية

وهذا يعني أنه سيقدم على الأرجح بعض الإصلاحات الشكلية التي لن تكلف مالا أو ربما القليل من المال، مع الحفاظ على الأسس الرئيسية للسياسة المالية. وقد التزم بالفعل بالحفاظ على ميزانية اليمين لعام 2018 التي عارضها الأسبوع الماضي. وعلاوة على ذلك فإن تأكيداته بشأن المسؤولية المالية وأوروبا تعني أنه لن تكون هناك أي تغييرات جوهرية في سياسة التخفيضات والتقشف، والتي لا يخفف ثقلها شيئا ما سوى النمو الاقتصادي الذي تشهده إسبانيا منذ عام 2014.

لقد تفاعلت “الأسواق” بشكل إيجابي مع احتمال تشكيل حكومة أقلية من طرف الحزب الاشتراكي. فقد أصدر بنك Goldman Sachs مذكرة تفيد بأنه يجب ألا يشعر المستثمرون “بالقلق” إزاء تغيير الحكومة، كما انتعشت البورصة وارتفعت إلى 2% أعلى من إغلاق يوم الخميس وانخفضت تكلفة الاقتراض بنسبة 100 نقطة.

ومن أجل تعزيز موقعه من المحتمل أن يلغي سانشيز بعض الجوانب الأكثر معاداة للديمقراطية في “قانون الكمامة” [2]، واتخاذ بعض الإجراءات فيما يتعلق بالفوارق في الأجور بين الجنسين، وحتى رمي بعض الفتات للمتقاعدين الذين خرجوا للشوارع خلال الأشهر القليلة الماضية.

أما فيما يتعلق بالمسألة الحاسمة المتعلقة بحق كاتالونيا في تقرير مصيرها، فقد قال إنه سيفتح “قنوات حوار” مع الرئيس الكاتالوني الجديد كويم تورا، لكن دائما “في حدود الدستور ونظام الحكم الذاتي الكتالوني”. وكانت حكومة توري قد قبلت بالفعل بالحدود التي يسمح بها النظام الإسباني، واستبدل جميع الوزراء الذين أقترحهم والذين كانوا في السجن أو في المنفى. هذا يعني، بحكم الواقع، خيانة لنتائج استفتاء فاتح أكتوبر بخصوص الاستقلال، فضلا عن نتائج انتخابات 21 دجنبر الكاتالونية.

لقد انتخب تورا على أساس الوعد بإقامة الجمهورية الكاتالونية، لكنه بعد أسبوعين وافق على الحدود غير الديمقراطية التي يفرضها الدستور الإسباني. وعلى هذا الأساس فإن أي محادثات سوف تخدم فقط المصادقة على حقيقة أن النظام الإسباني تمكن، في الوقت الحالي، من تحطيم التحدي الكتالوني.

رحبت مجموعة Unidos Podemos في البرلمان بانتصار اقتراح حجب الثقة برفع شعار: “نعم نستطيع” ، وطلب بابلو إغليسياس من بيدرو سانشيز إشراكهم في الحكومة، وأضاف:

«أتمنى أن يدرك سانشيز انه من المستحيل تقريبا الحكم مع 84 نائبا وان اسبانيا تحتاج إلى حكومة مستقرة وقوية تقدم الضمانات للاتحاد الأوروبي بأنه يمكنها تنفيذ برنامج حكومي تقدمي بأغلبية برلمانية لا تقل عن 156 نائبا».

هذا خطأ خطير. إن الحكومة التي “تقدم الضمانات للاتحاد الأوروبي” لا تستطيع أن تنفذ “برنامجا تقدميا”.

فلنهزم التقشف بالنضال الجماهيري

بالطبع كان من الصحيح التصويت لإسقاط حكومة الحزب الشعبي الممقوتة والرجعية والفاسدة. ينبغي الاحتفاء بنهاية حكومة راخوي. لكنه مع ذلك لا يمكننا أن ننسى أنها في جميع القضايا الرئيسية كانت تعتمد على دعم الحزب الاشتراكي. كان هذا هو الحال عندما داست على الحقوق الديمقراطية للشعب الكاتالوني، وكان الأمر كذلك عندما هرع الحزبان الشعبي والاشتراكي لتعديل المادة 135 من أجل تضمين التقشف المالي في الدستور.

ستعتمد درجة انتزاع المكتسبات من حكومة الحزب الاشتراكي على المزج بين الضغط البرلماني وبين التعبئة الجماهيرية في الشوارع. سيتم الترحيب بإقالة راخوي من قبل الجماهير العاملة في جميع أنحاء البلاد وستكون هناك بعض الأوهام حول إمكانية قيام بيدرو سانشيز ببعض التغييرات الملموسة. هذه التجربة ستكون ضرورية.

لكن يجب على اليسار ألا يشجع مثل تلك الأوهام، بل عليه التنظيم والتعبئة لمطالبة حكومة الحزب الاشتراكي بتنفيذ تغيير حقيقي في عدد كبير من مجالات السياسة الاقتصادية والحريات الديمقراطية وما إلى ذلك. وحده دخول الجماهير إلى المشهد ما يمكنه أن يغير بشكل أساسي الحسابات البرلمانية.

لقد تم هزم راخوي. لكن لا يمكن هزم سياساته إلا من خلال النضال الجماهيري.

هوامش:

[1] فضيحة غورتيل هي فضيحة شبكة للفساد المالي والسياسي تورط فيها قادة الحزب الشعبي، وكانت المحكمة الوطنية الإسبانية قد أصدرت، يوم الخميس 24 ماي 2018، ضد المتورطين فيها أحكاما بالسجن النافذ وصلت إلى حدود 52 سنة -المترجم.

[2] فرانكشتاين اسم بطل رواية بنفس الاسم، تمكن من خلق مسخ بشع.

[3] قانون الكمامة (بالانجليزية: Gag Law) اسم يطلق على القوانين التي أصدرتها حكومة راخوي والتي تستهدف مختلف الحريات الديمقراطية مثل الصحافة والتظاهر السلمي، الخ. -المترجم-

عنوان النص بالإنجليزية:

Spain: Rajoy ousted – defeat his policies through mass struggle