ما هي العصبوية؟

إن أحد أكثر الأسئلة شيوعا التي تُوجه إلينا هو: «لماذا لا تنضمون إلى المنظمات اليسارية الراديكالية الأخرى لتشكيل حزب ثوري واحد كبير؟ أليس عدم قيامكم بذلك يُعد عصبوية من جانبكم؟» هنا، يشرح دانيال مورلي المعنى الحقيقي والعلمي للعصبوية.


إن أحد الأسئلة الأكثر شيوعا التي تُوجه إلى رفاقنا هو: لماذا لا تنضمون إلى المنظمات اليسارية الراديكالية الأخرى لتشكيل حزب ثوري واحد كبير؟ أليس عدم قيامكم بذلك يُعد عصبوية من جانبكم؟

إن اليسار الراديكالي يعج بالمنظمات العصبوية بالفعل. فالصورة النمطية للعصبوي هي شخص يجعل من «مبادئه» وثنا يُعبد، ويهاجم بضراوة كل المنظمات اليسارية الأخرى. هذه الصورة النمطية ليست مجحفة تماما، فمثل هذه النماذج موجودة بالتأكيد في أوساط اليسار.

ومن الواضح تماما أنه ليس من الجيد أن نكون هكذا، إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال بناء منظمة ثورية جماهيرية – قادرة على قيادة الطبقة العاملة للإطاحة بالرأسمالية – بهذه الطريقة.

ومع ذلك، هناك جانب آخر لهذا الخط الفكري: وهو الافتراض الضمني بأن التغلب على العصبوية يتطلب ببساطة التنازل عن المبادئ من أجل العمل جنبا إلى جنب مع آخرين في اليسار يحملون أفكارا مختلفة، لا سيما أولئك الموجودين في المنظمات الجماهيرية.

ووفقا لهذا الطرح، فـ«ألا تكون عصبويا» أمر غاية في السهولة، كأن تقول: «نحن لسنا مثل كل تلك العصب التي تؤرق اليسار، نحن نعمل في حزب العمال أو حزب الخضر (أو ندعمهم)».

تاريخنا

تمتلك منظمتنا خبرة تاريخية واسعة في هذا الشأن. لقد دعمنا جيريمي كوربين، على سبيل المثال، حيث دعونا للتصويت لصالح حزب العمال عندما كان زعيما له، وشاركنا في الحملات الانتخابية لحزب العمال بقيادة كوربين في الانتخابات العامة، كما أطلقنا حملات داخل الحركة العمالية كان هدفها كسب مؤيدي قاعدة كوربين الشعبية لصالح برنامج اشتراكي كامل.

وقبل ذلك، كنا جزء من تيار المناضل (The Militant). وكما هو معروف، كان المناضل تيارا داخل حزب العمال في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حيث خاض مواجهات ضد الجناح اليميني للحزب على مدار سنوات عديدة، وقاد جناحه الشبابي.

ويُعرف مؤسس تيار المناضل ومنظره الأساسي، تيد غرانت، بالدفاع عن تكتيك الدخولية، أي عمل الثوريين داخل المنظمات الجماهيرية للطبقة العاملة، من أجل كسب الأعضاء العاديين لصالح الأفكار الثورية.

قد يرى البعض في هذا السجل دليلا كافيا لتأكيد أننا لسنا منظمة عصبوية، وبرهانا على أن لدينا تاريخا نفخر به في ممارسة الاستراتيجيات والتكتيكات المناهضة للعصبوية على مدار سنوات طويلة.

وقد أعدنا تأسيس منظمتنا في عام 2024. وشمل ذلك تغيير اسمنا من النداء الاشتراكي إلى الحزب الشيوعي الثوري، وإطلاق صحيفة الشيوعي.

واليوم، لا نعمل حاليا داخل أي حزب آخر، مثل حزب العمال أو الخضر أو حزبكم (Your Party). كما أننا غير مهتمين بالعمل مع منظمات أصغر لتأسيس شكل من أشكال اليسار الراديكالي الموحد. فهل نصبح عصبويين بسبب ذلك؟

في الواقع، لا تعني العصبوية مجرد «عدم العمل مع مجموعات أو أحزاب أخرى»، كما أنها لا تعني كون الحزب صغيرا. فلو كان الأمر كذلك، لما استطاع أي حزب جديد – يحمل أفكاره المتميزة الخاصة – أن يتطور أبدا ليتجاوز حدود العصبة.

مسار الحركة

يذكر ماركس وإنجلز في البيان الشيوعي أن الشيوعيين «لا يضعون مبادئ عصبوية خاصة بهم يصيغون بها الحركة البروليتارية ويشكلونها على أساسها». فماذا قصدا بذلك؟

قصدا أن الشيوعيين لا يتميزون عن سائر الأحزاب العمالية إلا بحقيقة أنهم «يتمتعون بميزة الفهم الواضح لمسار الحركة البروليتارية وشروطها ونتائجها العامة النهائية، متفوقين في ذلك على الكتلة العظمى من البروليتاريا».

وبعبارة أخرى، فإن نقطة الانطلاق بالنسبة للشيوعيين ليست مجرد «السير مع تيار» الحركة كما هي قائمة اليوم، أو السعي للاندماج مع أي أحزاب يسارية أخرى موجودة، على أمل اكتساب الأهمية والبروز من خلال ذلك.

وبدلا من ذلك، فإننا نرتكز على فهم الصراع الطبقي في تطوره بهدف الرؤية أبعد من الاتجاهات الآنية والمباشرة، واستيعاب السيرورة الكامنة والمصالح الطبقة العاملة طويلة الأجل.

وبناء على ذلك، فإن مبادئنا لا تُفرض فرضا على الحركة بل هي الاستنتاجات المستخلصة من الصراع الحقيقي في كليته.

الصيغ الجامدة

دون امتلاك هذا المنظور للسيرورة الكلية، وفهم كيف سيتغير هذا العنصر أو ذاك من عناصر الصراع الطبقي، يسهل السقوط في فخ الارتكان إلى الصيغ والقوالب الجامدة بدلا من الفهم الحقيقي، مما يؤدي إلى رؤية صورة جامدة ساكنة للصراع الطبقي ومختلف أحزابه وحركاته.

إن من يملكون مثل هذه النظرة يشعرون بالطمأنينة إزاء طابعهم الثوري من خلال التشبث الصارم والراسخ بهذه التعريفات الثابتة للظواهر السياسية، وهي ظواهر ليست ثابتة على الإطلاق في واقع الأمر. وبفعلهم هذا فإنهم يخلطون بين الجمود والتمسك بالمبادئ.

فهم يعتقدون أن الحزب الثوري يتحدد ببساطة من خلال المواقف الرسمية الشكلية التي يتخذها بشأن قضايا معينة، وليس من خلال قدرته على تطبيق المنهج الماركسي على العالم الحقيقي والأحداث الواقعية بكل ما تحمله من سمات متناقضة.

ومن الأمثلة المعاصرة على ذلك تركيز حزب العمال الاشتراكي الهوسي على قضية العنصرية، ووصمهم لحزب الإصلاح بزعامة فاراج بأنه «يميني متطرف».

يربط حزب العمال الاشتراكي كل شيء بالحاجة إلى «مكافحة العنصرية» و«مكافحة حزب الإصلاح»، ويتجاهلون عن عمد حقيقة أن حزب العمال بزعامة ستارمر هو من يمسك بزمام السلطة الآن، وهو من يطبق سياسات هجرة عنصرية تشبه إلى حد كبير تلك التي يقترحها حزب الإصلاح.

وفي الوقت نفسه، تحولت الحملات الروتينية المناهضة للعنصرية، والمجردة من أي مضمون سياسي، إلى صيغة جامدة يحاول حزب العمال الاشتراكي فرضها على الواقع. ويرجع ذلك إلى حد كبير لكونها تناسب رؤيتهم الأخلاقية للعالم وميلهم نحو النشطاوية الفارغة، وليس لأن الوعي الطبقي سيستفيد من ذلك حقا.

هذا ما عناه ماركس وإنجلز عندما تحدثا عن عدم وضع الشيوعيين لـ«مبادئ عصبوية خاصة بهم يصيغون بها الحركة البروليتارية ويشكلونها على أساسها».

إن العصبويين يريدون للحركة الحقيقية أن تتوافق مع صيغهم وأفكارهم المسبقة العزيزة على قلوبهم، بدلا من البدء من الواقع واستخدام الأدوات النظرية للماركسية لتفسيره وفهمه.

إن السمة المميزة للعصبوية، من هذا المنظور، ليست مجرد العداء للمجموعات الأخرى. بل هي التفكير الشكلي والصنمية التنظيمية والتعريفات القاطعة والجامدة للظواهر السياسية، بما في ذلك الأحزاب والحركات.

وكما يذكر تروتسكي: «إن العصبوي يعيش في عالم من الصيغ الجاهزة. وكقاعدة عامة، تمضي الحياة من أمامه دون أن تلاحظ وجوده».

المبادئ والتكتيكات

كما أشرنا سابقا، يُعرف مؤسس منظمتنا، تيد غرانت، بطرحه تكتيك الدخولية في المنظمات الجماهيرية، مثل حزب العمال في بريطانيا.

ويعتقد أولئك الذين يميلون إلى التفكير الشكلي العصبوي أن هذا التكتيك يلخص مسيرة تيد غرانت بأكملها. فبالنسبة إليهم، لم يكن تيد غرانت سوى «الدخولي». وبناء على هذه الرؤية، يزعمون أنه طالما كف أنصاره اليوم عن ممارسة الدخولية داخل حزب العمال فلا بد أنهم خانوا أفكاره، وأن تيد كان ليرى في أنصاره الحاليين مجرد عصبويين.

لكن تيد غرانت، بوصفه ماركسيا حقيقيا، لم يقدس تكتيكا بعينه قط. لقد تمسك بمبادئه، كما يفعل أي شيوعي حقيقي، بيد أن المبادئ والتكتيكات ليسا شيئا واحدا. إذ تلخصت مبادئه في بناء منظمة ماركسية، منظمة كرست جهودها لتحرير الطبقة العاملة من قيادتها الإصلاحية.

وصحيح أن هذه المهمة اقتضت من تيد غرانت، في أغلب مراحل حياته، النضال من داخل المنظمات الإصلاحية، غير أن الهدف من هذا التوجه لم يكن سوى كسب جماهير العمال – الواقعين تحت تأثير القادة الإصلاحيين – وجذبهم بعيدا عن الإصلاحية.

الدخولية

قبل تشكيل تيار المناضل (Militant)، قاد تيد غرانت الحزب الشيوعي الثوري في أربعينيات القرن الماضي.

وفي ذلك الوقت، دار نقاش حول ما إذا كان ينبغي لأعضاء الحزب الشيوعي الثوري العمل داخل حزب العمال أم لا. إذ زعم البعض أن حزب العمال يضم جناحا يساريا حيويا يعارض قيادته، ولهذا السبب جادلوا بأن على الحزب الشيوعي الثوري الانخراط في حزب العمال، وإلا فإنه سيواجه خطر التحول إلى عصبة معزولة عن هؤلاء العمال اليساريين.

وقد عارض تيد غرانت هذا التوجه حينها لسبب بسيط، وهو أنه رأى أن لا وجود لمعارضة يسارية حقيقية داخل الحزب. ولم يكن لموقفه هذا أي علاقة بـ«المبادئ».

وفي رده، أوضح تيد غرانت نقطة في غاية الأهمية، حيث كتب:

«إن مسألة دخول الكوادر الثورية في المنظمات الجماهيرية للطبقة العاملة هي مسألة تكتيك وليست مسألة مبدأ. ويترتب على ذلك أن طرح تكتيك الدخولية باعتبارها مسألة مبدأ يعد عصبوية متطرفة، سواء جاء ذلك من مؤيدي الدخولية أو من معارضيها.» (تيد غرانت، حزب العمال المستقل – رد على ستيوارت، 1946)

وهكذا، فإن الرجل الذي يُصور غالبا (خطأ) على أنه «الدخولي» الأزلي صرح علانية بأن طرح مسألة الدخولية في المنظمات الجماهيرية باعتبارها مسألة مبدأ ليس سوى «عصبوية متطرفة»!

الوعي والتوجه

يجب على الحزب الثوري أن يتمسك تمسكا صارما بمبادئه. غير أن المحدد لعمله وشعاراته وتوجهه – أي تكتيكاته الرامية إلى وضع مبادئه موضع التنفيذ – يجب أن يتغير وفقا للصراع الطبقي الفعلي.

ويشمل ذلك مراعاة مستوى الوعي الحالي، لا سيما وعي الفئات الأكثر تقدما سياسيا.

واليوم، من الواضح أن الطبقة العاملة لم تعد تحتفظ بنفس الولاء أو الموقف تجاه حزب العمال – أو أي من الأحزاب السياسية الرئيسية الأخرى – كما كان الحال في الماضي. وينطبق هذا بشكل خاص على الشباب الراديكالي.

قد تنمو أحزاب مثل حزب الخضر وتكتسب تأييدا انتخابيا، بيد أن كسب ناخبي حزب الخضر، أو غيرهم، لم يعد يتطلب منا دعم هذا الحزب أو ذاك رسميا، أو التوجه نحوه، أو العمل من داخله. وهو ما يثبته نمونا الأخير بالفعل.

الشرح الصبور

وكما أوضح تيد غرانت أيضا في ذلك الوقت، فإن الوِجهة الرسمية للحزب الثوري لا معنى لها ما لم يمتلك بالفعل القوى اللازمة لوضعها موضع التنفيذ.

وبناء على ذلك، فإن مسألة ممارسة حزبنا للدخولية من عدمها لا تتحدد فقط من خلال تقييمنا للحزب المراد دخوله ومؤهلاته، بل تتحدد أيضا بمدى قوتنا وأولوياتنا.

كما أن قرارنا بعدم الدخول رسميا في حزب آخر لا يعني بالضرورة أننا نُسقط هذا الحزب من حساباتنا ونكتفي بإدانته من الهامش.

إذ يظل نهجنا في كل مكان وزمان هو طرح مطالب إيجابية على القادة اليساريين، مع الشرح الصبور لحدود طروحاتهم وضرورة أفكارنا: برنامجنا الثوري ومنظورنا.

فعندما كان تيد غرانت يناهض الدخول في حزب العمال في أربعينيات القرن الماضي، على سبيل المثال، كتب مقالات تطالب الحزب بفض ائتلاف زمن الحرب مع حزب المحافظين.

وعندما أقدم حزب العمال على هذه الخطوة بالفعل في الانتخابات العامة لعام 1945، دعا تيد غرانت الحزب الشيوعي الثوري للتصويت له (نقديا). وقد تم كل ذلك دون أن «يدخل» الرفاق رسميا في حزب العمال.

التثقيف الماركسي

يشهد الحزب الشيوعي الثوري اليوم نموا مطردا ويشتد عوده يوما بعد يوم. وكوننا عصبويين من عدمه لا يتوقف على التكتيكات التي نتبعها للبناء والنمو، بل على ما يفعله حزبنا بمئات الأعضاء الجدد المنضمين إليه، وعلى الأفكار والمناهج والتقاليد التي ندرب عليها الرفاق الجدد ونثقفهم بها.

وبدلا من تعليم جيل جديد من الثوريين التفكير عبر قوالب جاهزة، أو حفظ ردود جامدة على الأسئلة السياسية، فإننا نثقفهم بالمنهج الماركسي، لكي يتمكنوا من تطبيق النظرية الماركسية والمبادئ الشيوعية على الصراع الطبقي الفعلي في تطوره الواقعي.

وفي المستقبل، وبفضل هذا التثقيف الثوري، سيكون هؤلاء الكوادر والمناضلون الطبقيون قادرون على الكفاح من أجل برنامج شيوعي أينما سنحت الفرصة: في أماكن عملهم أو نقاباتهم العمالية، في مدارسهم وجامعاتهم أو مجتمعاتهم المحلية، وفي خضم الحركات الجماهيرية والمعارك السياسية التي تندلع، داخل بريطانيا وخارجها.

29 أبريل/نيسان 2026

ترجم عن موقع الفرع البريطاني للأممية الشيوعية الثورية:

Ask The Communist: What is sectarianism?