الرئيسية / قضايا نظرية / الإصلاحية / دروس من اليونان

دروس من اليونان

في عام 2015، وُضعت سياسات الإصلاحية على محك التجربة في اليونان في مواجهة درامية حاسمة مع مؤسسات رأس المال المالي الأوروبي. يستعرض أرتورو رودريغيز في هذا المقال تلك الفترة ليشرح أسباب الأزمة، وكيف حشدت الجماهير قواها لهزيمة حزم التقشف المفروضة على البلاد، وكيف تعرضت هذه الحركة الملهمة للخيانة من طرف قيادة حزب سيريزا.

[نُشر هذا المقال في الأصل في العدد 50 من مجلة «الدفاع عن الماركسية» – المجلة النظرية الفصلية للأممية الشيوعية الثورية. احصل على نسختك من هنا]

في عام 2015، خضعت سياسات الإصلاحيين لاختبار حقيقي في اليونان، في مواجهة حاسمة مع مؤسسات رأس المال المالي الأوروبي. في هذه المقالة، يستعرض أرتورو رودريغيز تلك الفترة لشرح أسباب الأزمة، وكيف حشدت الجماهير جهودها لهزيمة سياسات التقشف المفروضة على البلاد، وكيف خانت قيادة حزب سيريزا تلك الحركة الملهمة.

غالبا ما يتم اتهام الماركسيين الثوريين بأنهم حالمون طوباويون من قِبَل السياسيين الإصلاحيين “العقلانيين”، الذين يدّعون القدرة على تحسين ظروف معيشة الطبقة العاملة بشكل دائم في إطار الرأسمالية. لكن ما أن يدخل النظام الرأسمالي في أزمة، حتى تتبدد جميع أوهام الإصلاحيين كفقاعات الصابون، مُخلفة عواقب وخيمة على الجماهير.

واليوم تُعد أزمة الرأسمالية أزمة الإصلاحية أيضا. هذه ليست مجرد فرضية نظرية، بل أثبتتها التجربة الحديثة. فقبل عشر سنوات، خضعت الإصلاحية لاختبار حقيقي في اليونان. وتعتبر أحداث حكومة سيريزا الأولى عام 2015 مليئة بالدروس للطبقة العاملة.

أزمة الرأسمالية

الرأسمالية نظام مليء بالتناقضات، ولعل أبرزها ميله نحو الإفراط في الإنتاج. فالمنافسة تجبر الرأسماليين على الإنتاج بأقل تكلفة وأعلى كفاءة ممكنة، لكن استغلال الطبقة العاملة وتقييد استهلاكها يعني أن الكم الهائل من السلع المطروحة في السوق لا يمكن تصريفه بشكل مربح. هذا التناقض يؤدي حتما إلى أزمات يتعرض خلالها قسم كبير من القوى المنتجة للشلل والتدمير.

لا يمكن القضاء على هذه الأزمات في ظل الرأسمالية، لكن ماركس أشار إلى أن النظام لديه وسائل مختلفة لتأجيلها مؤقتا. ومع ذلك فإن تلك الحلول المؤقتة لا تؤدي، ديالكتيكيا، إلا إلى تمهيد الطريق لاندلاع أزمات أعمق في المستقبل.

أهم أداة لدى النظام لتجنب الأزمات مؤقتا هي القروض، التي يمكنها توسيع السوق بشكل مصطنع. وهذا ما حدث تحديدا عقب ركود سنتي 2000 و2001 في الولايات المتحدة وأوروبا.

تم وضع القروض الرخيصة في أيدي المستهلكين بوتيرة محمومة. فعلى سبيل المثال، تضاعفت تقريبا ديون الأسر المستحقة في الولايات المتحدة بين 2000 و2007 لتصل إلى 13.8 تريليون دولار، أي ما يعادل حجم الاقتصاد الأمريكي بأكمله تقريبا.

لكن الوجه الآخر للقروض هو الديون، والديون يجب سدادها مع فوائدها. وهكذا تنقلب الأمور رأسا على عقب؛ إذ تؤدي طفرات القروض إلى أزمات ديون. وهذا ما ميز الركود لسنة 2008.

انتهى الازدهار الاقتصادي في العقد الأول من الألفية الثانية بأزمة حادة. بدأ الركود في الولايات المتحدة، ثم انتقل إلى أوروبا، وامتد لاحقا إلى ما يسمى بالبلدان “النامية” والصين. ومع ذلك، فقد اتسم بخصائص وطنية، بلغت ذروتها في أوروبا.

الإمبريالية

من التناقضات الأساسية الأخرى للرأسمالية هو أن الطابع العالمي للاقتصاد يصطدم بتقسيم العالم إلى دول قومية برجوازية. فقد أصبحت قوى الإنتاج منذ زمن بعيد أضخم من أن تستوعبها هذه الحدود الضيقة.

إن عبء الحدود الوطنية على نمو القوى المنتجة يتجلى بوضوح في أوروبا، القارة المجزأة إلى مجموعة من الدول الصغيرة. فالرأسمالية التي نشأت أولا في هذه القارة، سرعان ما اصطدمت بحدود الدول الأوروبية الصغيرة.

وبوصولها إلى ذلك الحد، قامت الدول الأكثر تقدما بتأسيس إمبراطوريات عالمية ضخمة. لذا فإن ألمانيا، الطموحة التي وصلت متأخرة، عندما وجدت صناعتها مقيدة بحدودها الوطنية المحدودة، اضطرت إلى محاولة بناء إمبراطورية لنفسها على حساب القوى المهيمنة القديمة في القارة، أي بريطانيا وفرنسا. وكانت النتيجة حربين عالميتين في القرن العشرين.

فشلت البرجوازية الألمانية في الهيمنة الاقتصادية على أوروبا عن طريق الحرب، لكنها حققت الغاية نفسها بالطريقة السلمية في النصف الثاني من القرن العشرين من خلال الاتحاد الأوروبي. إلا أن ذلك تطلب الكثير من المساومات مع الطبقات السائدة الأخرى في القارة، وعلى رأسها الرأسمالية الفرنسية، التي خرجت منهكة بشدة من الحرب العالمية الثانية.

في فترة التوسع الاقتصادي، كان من الممكن لذلك أن يصمد. وفرت السوق الأوروبية المشتركة (التي صارت لاحقا السوق الموحدة) سوقا لعمالقة الصناعة الأوروبية، والذين كان أقواهم، وما يزال، هم الألمان. وفي الوقت نفسه، تمكنت الطبقة السائدة الفرنسية من الاستفادة من قوة الاقتصاد الألماني لدعم اقتصادها، مع توجيه استثماراتها ونفوذها جنوبا، ولا سيما إلى مستعمراتها الأفريقية السابقة.

بالنسبة للرأسماليين الأوروبيين بدا الأمر برمته وكأنهم وجدوا الطريق الأمثل إلى “السلام والازدهار والوحدة الأوروبية”. حتى أنهم حققوا عملة موحدة مع إصدار اليورو عام 1999. في الواقع، كانت الوسائل التي سعى بها الرأسماليون الأوروبيون للتغلب على قيودهم الوطنية تمهد الطريق لأزمة أوروبية شاملة.

كانت الصناعة الألمانية، وما تزال، أكثر إنتاجية بكثير من الصناعات اليونانية والإسبانية والبرتغالية. لكن داخل منطقة اليورو، لم يكن في مقدور الطبقات الرأسمالية اليونانية والإسبانية والبرتغالية تخفيض قيمة عملاتها لتخفيض سعر صادراتها وتعزيز قدرتها التنافسية، كما كانت تفعل في السابق. ولذلك بدأت السلع الألمانية تزاحم الصناعة اليونانية بشكل متزايد.

في ظل استحالة تخفيض قيمة العملة، شرعت الطبقة السائدة اليونانية في تطبيق سياسة “التخفيض الداخلي”، من خلال برنامج خصخصة واسع النطاق (شمل معظم البنوك) وشن هجمات على المكاسب التي حققتها الطبقة العاملة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. لم تُسفر قواعد “الانضباط المالي” التي فرضتها معاهدة ماستريخت، التي أنشأت الاتحاد الأوروبي عام 1993، إلا عن مزيد من الضغط لتقليص الإنفاق على قطاعات حيوية كالرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية.

وفي المقابل حصلت اليونان على قروض ميسرة طالما استمر الازدهار الاقتصادي. وقد سهل انضمامها إلى منطقة اليورو على البنوك اليونانية الاقتراض بأسعار فائدة أقل بكثير من السابق، مما أدى إلى موجة إقراض واسعة.

قبل أزمة 2008، كان النظام الرأسمالي الأوروبي، كغيره في العالم، يُقدم قروضا سخية لخلق مجالات استثمارية جديدة بهدف إطالة أمد الازدهار وتوسيع السوق. وفي اليونان، ارتفعت قروض الأسر بنسبة 393% بين سنتي 2001 و2008، بينما تضاعفت قروض الشركات خلال الفترة نفسها.

«قبر المواطن المجهول: تخليدا لذكرى الآلاف ممن فقدوا حياتهم في حرب اقتصادية غير معلنة (2010-2013)»، نُشرت بالقرب من المكان الذي انتحر فيه ديميتريس كريستولاس في ساحة سينتاغما / الصورة: ملكية عامة

لم يُسهم ذلك التوسع السريع في القروض في دعم الطلب والحفاظ على استمرارية الشركات فحسب، بل مكن البنوك من تحقيق أرباح طائلة أيضا. فقد أفاد البنك المركزي اليوناني عام 2005 أن أرباح البنوك بعد الضريبة ارتفعت بنسبة 198% في عام واحد. في ذلك الوقت، كانت اليونان تتمتع بأعلى مستوى من ربحية القطاع المصرفي في منطقة اليورو بأكملها.

لكن لم يكن أرباب الأبناك اليونانيين وحدهم من جنوا أرباحا طائلة خلال سنوات الازدهار. إذ أن الأرباح السهلة جذبت العديد من البنوك الفرنسية والألمانية والهولندية، فوسعت بشكل كبير من قروضها للبنوك اليونانية. كما استحوذت بنوك أجنبية على حصص كبيرة في البنوك اليونانية للاستفادة القصوى من الفرص المتاحة في البلاد.

الانهيار

أدى انهيار بنك ليمان براذرز الاستثماري الأمريكي سنة 2008 إلى انهيار سوق الائتمان الدولي. توقفت البنوك عن الإقراض وسعت جاهدة لاسترداد ما استطاعت من سيولة نقدية، بعد أن اكتشفت فجأة أن مليارات الدولارات من “الأصول” المدرجة في ميزانياتها العمومية أصبحت بلا قيمة. بين عشية وضحاها، وجدت البنوك اليونانية نفسها محرومة من السيولة اللازمة للبقاء.

وأمام انهيار القطاع المصرفي اليوناني برمته، أعلنت الحكومة عن خطة إنقاذ بقيمة 28 مليار يورو. وبذلك، أُلقي بعبء كبير من ديون البنوك على عاتق الدولة.

بعد عام، أعلنت حكومة باسوك (PASOK) الاشتراكية الديمقراطية، برئاسة جورج باباندريو، عن عجز في الميزانية بنحو 12.5%. وعلى الفور خفضت وكالات التصنيف الائتماني الدولية التصنيف الائتماني لليونان، مما رفع بدوره تكلفة الاقتراض الحكومية. واضطرت الدولة اليونانية في نهاية المطاف إلى الاقتراض بفائدة 10%، لمجرد سداد فوائد ديونها البالغة 300 مليار يورو.

بحلول أوائل 2010، أصبح من المستحيل على الدولة اليونانية تمويل نفسها من سوق الائتمان الدولي. كانت اليونان مفلسة فعليا، واضطرت حكومتها لطلب “المساعدة”.

انهار النظام الرأسمالي الأوروبي عند أضعف حلقاته. وانضمت إلى اليونان سلسلة طويلة من الحلقات الضعيفة في جنوب أوروبا، والتي أُطلق عليها بازدراء اسم PIGS[1] (البرتغال، إيطاليا، اليونان، وإسبانيا، بينما لم تكن فرنسا بعيدة عنها).

لولا التدخل الفوري، لكانت سلسلة من حالات التخلف عن السداد قد هددت وجود اليورو، بل والاتحاد الأوروبي نفسه. ولذلك، تدخلت الطبقات السائدة الأوروبية لإنقاذ النظام، لكنها حرصت على أن تحمل الطبقة العاملة الفاتورة.

الترويكا

تم إنقاذ اليونان لأول مرة من قبل “ترويكا” تضم المفوضية الأوروبية، والبنك المركزي الأوروبي، وصندوق النقد الدولي. وفي المقابل طالبوا بإجراءات تقشفية قاسية وعمليات خصخصة، منصوص عليها في “مذكرة تفاهم”. أرسلت الترويكا موظفيها إلى الوزارات في أثينا للإشراف على تلك الاقتطاعات على أرض الواقع.

ومع ذلك لم تنجح خطة الإنقاذ تلك في السيطرة على الدين اليوناني، بل زادت من ركود الاقتصاد اليوناني، إذ أدى التقشف إلى انخفاض الطلب. كان باباندريو يخطط لإجراء استفتاء على خطة إنقاذ ثانية (بهدف نقل مسؤولية التقشف إلى عامة الشعب)، لكن الحكومتين الألمانية والفرنسية ضغطتا عليه لعدم القيام بذلك.

في نهاية المطاف، استقال باباندريو في أواخر عام 2011. وتم فرض حكومة “تكنوقراطية” برئاسة لوكاس باباديموس دون انتخابات، وقعت طواعية على مذكرة لخطة إنقاذ ثانية، وطالبت بمزيد من التقشف.

هناك مؤشرات لا حصر لها على الدمار الهائل الذي ألحقته الترويكا بالمجتمع اليوناني، وهي مؤشرات تُشبه تلك التي تُصيب بلدا مزقته الحرب. انخفض الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بنسبة 27% وتراجعت الأجور بنسبة 40% تقريبا، والمعاشات التقاعدية بنسبة 50%. ارتفعت نسبة البطالة إلى 27% وانهارت الخدمات الاجتماعية الأساسية فعليا. وتم دفع العمال وجزء من البرجوازية الصغيرة إلى براثن البؤس واليأس.

زعمت الطبقات السائدة في أوروبا أن الشعب اليوناني “المبذر”، على عكس شعوب شمال أوروبا “المجتهدة”، قد “عاش فوق طاقته”. وانضمت الطبقة السائدة اليونانية نفسها إلى ترديد هذه التهمة، مُلقية بالمسؤولية في الأزمة على “إهمال الجماهير”.

في الواقع، خلال العقد الذي سبق سنة 2005، عمل العمال اليونانيون أكبر عدد من الساعات سنويا مقارنة مع أي بلد أوروبي آخر، بمتوسط ​​1900 ساعة لكل عامل، تليها إسبانيا. لقد أضفت أسطورة “العمال اليونانيين الكسالى” طابعا شوفينيا على الوضع، لكنها كانت باطلة تماما.

تكمن الأسباب الحقيقية للأزمة في تناقضات الرأسمالية الأوروبية نفسها، وفي المضاربة العمياء للبنوك، التي كانت الترويكا تسعى آنذاك لإنقاذها، متخذة من العمال اليونانيين كبش فداء في هذه السيرورة.

تتمثل الأسباب الحقيقية للأزمة في تناقضات الرأسمالية الأوروبية نفسها، وفي المضاربة العمياء للبنوك، التي كانت الترويكا تسعى آنذاك لإنقاذها، مُتخذةً من العمال اليونانيين كبش فداء في هذه العملية.

لم تُنقذ الترويكا اليونان من أجل ضمان استدامة ماليتها العامة. لم يذهب إلى خزائن الدولة سوى جزء ضئيل من أموال عمليات الإنقاذ، بينما استولت الجهات المقرضة على معظمها. في الواقع، كانت تلك العمليات إنقاذا غير مباشر للبنوك الأوروبية، معظمها فرنسية وألمانية (بالإضافة إلى اليونانية)، والتي اشترت ديونا عامة يونانية بقيمة تصل إلى 200 مليار يورو. كان هاجس الترويكا الرئيسي في ذلك هو استدامة النظام المالي الدولي.

كان الدين اليوناني ضئيلا نسبيا، لكنه كان ذا أهمية سياسية بالغة. فلو أُعفيت اليونان من ديونها، لتم تشجيع بلدان أخرى على إعادة التفاوض بشأن التزاماتها، بما في ذلك بلدان كبرى مثل إسبانيا وإيطاليا، وحتى فرنسا. وهذا بدوره شكل خطرا جسيما على النظام المصرفي العالمي، وهدد بدفع الاقتصاد العالمي إلى مزيد من الأزمات.

كان الرأسماليون على دراية تامة بذلك الخطر، ولذلك رفضوا تقديم أي تنازلات.

كانت هناك أيضا دينامية داخلية في اليونان لم يستوعبها الإصلاحيون، وخاصة اليساريون المتطرفون. فمن خلال خطط الإنقاذ التي قدمتها الترويكا، أعادت الدولة اليونانية رسملة النظام المصرفي المنهار. وبالتالي كان ذلك بمثابة إنقاذ للنظام المالي اليوناني، ومن خلاله، للطبقة السائدة اليونانية. ولهذا السبب لم تتزعزع البرجوازية اليونانية لحظة واحدة في دفاعها عن مذكرات التفاهم، حتى وإن أدت سياسات التقشف إلى تدمير الاقتصاد اليوناني.

إن الطبقة السائدة اليونانية، الضعيفة والتابعة، تحتاج إلى مظلة الاتحاد الأوروبي والإمبريالية الغربية، وستخضع بكل إخلاص لجميع أوامرهم. لذلك لم تكن مقاومة التقشف ضمن “المصلحة الوطنية”. بل كانت صراعا طبقيا سيصطدم مع سادة اليونان الأجانب، وكذلك مع برجوازيتها الخاصة، كما كشفت الأحداث اللاحقة.

نضالات 2010-2014

تدخلت الترويكا في اليونان من أجل إنقاذ النظام المالي العالمي، وفرضت عليها إجراءات تقشفية قاسية. إلا أن مساعي الطبقة البرجوازية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي خربت التوازن السياسي.

وبالفعل فإن الطبقة العاملة اليونانية لم تستسلم لتلك الهجمات، بل خاضت نضالات تاريخية ضدها. وفي جميع اللحظات الحاسمة، كان زمام المبادرة في أيديها. ومرة ​​أخرى أثبت العمال في الممارسة قوتهم الهائلة.

شهدت أعوام 2010-2014 مظاهرات حاشدة ونحو أربعين إضرابا عاما استمر كل منها ما بين 24 و48 ساعة، بالإضافة إلى مواجهات، ونضالات محلية، وتنظيمات شعبية، وغيرها، والتي بلغت في بعض الأحيان طابعا ثوريا.

في صيف عام 2011، وبإلهام مباشر من الأحداث الثورية في مصر التي أطاحت بالدكتاتور حسني مبارك المدعوم من الولايات المتحدة، احتشد مئات الآلاف في ميدان سينتاغما في أثينا وميادين أخرى في أنحاء البلاد. وفي شتاء عام 2012، حاصر نصف مليون شخص مبنى البرلمان.

استنشق المتظاهرون كميات هائلة من الغاز المسيل للدموع، وأمطروا الشرطة بقنابل المولوتوف في معارك ضارية. وشهدت المواجهات في الشوارع أحداثا مأساوية، مثل انتحار المتقاعد ديميتريس كريستولاس علنا في احتجاج سياسي ضد النظام وضد الفقر. وفي رسالته المؤثرة قبل انتحاره، كتب:

“لا أرى حلا آخر سوى هذه النهاية المشرفة لحياتي، حتى لا أجد نفسي أبحث عن قوتي في صناديق القمامة. أؤمن أن الشباب الذين لا مستقبل لهم، سيحملون السلاح يوما ما ويشنقون خونة هذا البلد في ساحة سينتاغما، كما فعل الإيطاليون مع موسوليني عام 1945”[2].

في غضون ذلك، جرت عملية انتقاء داخلي بين صفوف شرطة مكافحة الشغب، إذ لم يبق فيها إلا من يستمتعون بضرب العمال والشباب. وبدأ حزب الفجر الذهبي الفاشي بتجنيد عناصر من الشرطة. أقر متحدث باسم الشرطة قائلا: “خلال السنوات الثلاث الماضية، وقعت حوادث عديدة تغاضى فيها ضباط الشرطة عن العنف الممارس من طرف أعضاء حزب الفجر الذهبي”[3].

هاجم بلطجية الفجر الذهبي نشطاء يساريين ومهاجرين. وأثارت أنشطتهم ردود فعل عنيفة، لا سيما بعد اغتيال مغني الراب اليساري بافلوس فيساس في شتنبر 2013. خرج عشرات الآلاف من مناهضي الفاشية إلى الشوارع في حالة من الغضب والتحدي للاحتجاج ضد الفجر الذهبي. فاضطرت الطبقة السائدة إلى كبح جماح هؤلاء البلطجية خشية أن يتسببوا في حدوث انفجار لا يمكن السيطرة عليه.

في ظل تصاعد الأزمة، حاول العمال أن يمسكوا بمصير البلاد بأيديهم. وفي خضم ذلك، استخلصوا استنتاجات جذرية حول قوتهم وحول طبيعة الأزمة.

إلا أن الجماهير واجهت عقبة رئيسية وهي: غياب القيادة الثورية.

وقد لعب معظم قادة النقابات العمالية دورا مؤسفا. حولت بيروقراطية النقابات العمالية اليونانية الإضراب العام، الذي يُعد عادة سلاحا فعالا في أيدي العمال، إلى مسرحية روتينية لينفس فيها أعضاؤها عن غضبهم.

وسرعان ما تلاشت الحركات العفوية، مثل احتلال الساحات في ربيع عام 2011، لافتقارها إلى برنامج وخطة عمل. وبعد مرحلة من التعبئة الجماهيرية المحمومة في الشوارع بين عامي 2010 و2014، بدأت الجماهير تبحث عن مخرج على الصعيد الانتخابي.

صعود سيريزا

يصوت معظم العمال اليونانيين لحزب باسوك الاشتراكي الديمقراطي منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي.

ظهر باسوك في خضم النضال الثوري للعمال اليونانيين عقب سقوط المجلس العسكري عام 1974. وانعكاسا لدرجة التجذر آنذاك صار قادته، مثل أندرياس باباندريو، يتحدثون بلغة ذات طابع ثوري.

ممارسات باسوك كانت بعيدة كل البعد عن الثورة. لكن ارتباطه بالعمال ترسخ بفضل الإصلاحات التي طبقها خلال سنوات “الازدهار” في ثمانينيات القرن الماضي.

اجتماع جماهيري حاشد في ساحة سينتاغما، يونيو 2011 / الصورة: Ggia, Wikimedia Commons

إلا أن أزمة سنة 2010 حطمت قاعدة دعم الحزب بشكل تام. فعوض أن يقدم الإصلاحات، شن هجمات وحشية. وتراجعت شعبيته في استطلاعات الرأي، وبحلول عام 2014، كان على وشك الانهيار. لم يكن حال خصمه التقليدي: حزب الديمقراطية الجديدة، المنتمي ليمين الوسط، أفضل حالا.

بدت الظروف مواتية لانطلاق الحزب الشيوعي اليوناني (KKE). كان هذا الحزب منظمة جماهيرية للطبقة العاملة، ذو تاريخ حافل بالنضال ضد الفاشية في أربعينيات القرن الماضي. إلا أن عصبويته ومنظوره الخاطئ أعاقا نموه.

خلال النضالات البطولية التي جرت بين عامي 2010 و2014، نجحت سياسة الحزب الشيوعي اليوناني الخاطئة في عزل العديد من أفضل المناضلين الطبقيين عن التيار العام للتجذر الجماهيري.

وعلى سبيل المثال، فقد كانت النقابة العمالية التابع للحزب، PAME، تنظم في كثير من الأحيان تجمعات حاشدة في أيام الإضرابات العامة. لكنها كانت تفعل ذلك بمعزل عن التجمعات الأكبر حجما التي كان ينظمها الاتحاد العام للعمال اليونانيين (GSEE)، بحجة أن قادة هذا الاتحاد كانوا، حتى وقت قريب، مرتبطين بحزب باسوك.

وبالمثل فقد استخف الحزب بالعديد من الاحتجاجات الضخمة في ميدان سينتاغما بحجة أن الجماهير كانت تلوح بالعلم اليوناني لا بالعلم الأحمر. لقد عجزوا عن فهم روح التحدي الوطني، في ظل سحق الأمة اليونانية على يد الإمبريالية الألمانية. بل وصل به الأمر إلى حد انتقاد اعتصامات الجماهير في الساحات صيف عام 2011، واصفا إياها بأنها “تعبئة التفت بها بأكملها قوى سياسية برجوازية وانتهازية بعاطفة جياشة”[4].

وبعد سقوط باباندريو عام 2011، تعاقبت على السلطة سلسلة من الحكومات الهشة. وفي سياق بحثها عن مخرج، اتجهت الجماهير نحو حزب سياسي مغمور: ائتلاف اليسار الراديكالي، “سيريزا”.

تعود جذور هذا الحزب إلى فصيل منشق عن الحزب الشيوعي في ستينيات القرن الماضي. كان مجموعة صغيرة على هامش الحياة السياسية، وحصل على 4.6% من الأصوات في انتخابات عام 2009.

إلا أن الجماهير اتجهت نحوه بشدة، وذلك تحديدا لكونه دخيلا سياسيا ولم يسبق لها تجربته، فضلا عن استخدامه خطابا راديكاليا للغاية. فقد وعد بإنهاء التقشف، وإلغاء الخصخصة، وإلغاء مذكرة التفاهم، وإعادة البنوك إلى الملكية العامة، بل وتحدث عن “الأزمة الهيكلية للرأسمالية”[5]. فبدا وكأنه يقدم قطيعة تامة مع الماضي.

في ماي 2012، وتحت قيادة أليكسيس تسيبراس الجديدة، قفزت نسبة تأييد سيريزا في استطلاعات الرأي إلى 16.8%. وفي جولة الإعادة في يونيو، ارتفعت إلى أكثر من 26%، ليصبح الحزب المعارض الرئيسي لحكومة الديمقراطية الجديدة اليمينية المكروهة برئاسة أنطونيس ساماراس.

دعا الحزب إلى تشكيل حكومة يسارية تضم الشيوعيين وأحزابا يسارية صغيرة أخرى، وهي رسالة لاقت صدى لدى الملايين الذين رغبوا في تنحية ما اعتبروه خلافات غير جوهرية جانبا من أجل إزاحة أحزاب المؤسسة الرسمية.

مهد ذلك الطريق لوصول حزب سيريزا إلى السلطة في يناير 2015، حين حصد 36.3% من الأصوات، ولم ينقصه سوى مقعدين لتحقيق الأغلبية المطلقة.

وعد سيريزا بمراجعة الدين العام وإلغاء سياسات التقشف والخصخصة. وتضمن ما يسمى بـ”برنامج سالونيك” الذي طرحه تسيبراس العديد من المطالب الإيجابية الداعمة للعمال بشأن زيادات الأجور والمزايا والإعانات والمعاشات التقاعدية والاستثمار العام. لكن قادة سيريزا اعتقدوا أنه من الممكن تحقيق ذلك في إطار النظام الرأسمالي (واليورو والاتحاد الأوروبي).

وكانت وصفتهم لإنهاء التقشف هي فرض ضرائب على الأوليغارشيين اليونانيين الذين يحتفظون بأصولهم في ملاذات ضريبية. وتأميم البنوك واستخدامها لتمويل الاستثمارات العامة (رغم إفلاسها!)؛ والمطالبة بمعاملة أفضل من الترويكا. هذا المطلب الأخير كان أشبه بمطالبة نمر بأن يصبح نباتيا. في الحقيقة، لم يكن تسيبراس يؤمن ببرنامجه، الذي وصفه أحد أبرز حلفائه بأنه مجرد “دعوة لحشد قواتنا”[6].

تكمن المشكلة في أن التقشف لم يكن نتيجة “للعقائد النيوليبرالية” أو “للشر الألماني”، كما ادعت قيادة سيريزا، بل كان نتاجا لأزمة الرأسمالية.

كان السبيل الوحيد للخروج من التقشف هو الخروج من الرأسمالية. وهذا يعني التخلف عن سداد الديون وتأميم الشركات الكبرى لتخطيط الاقتصاد بما يلبي الاحتياجات الاجتماعية بدلا من خدمة مصالح الربح الخاص.

لم يكن في مقدور الدولة اليونانية الرجعية والفاسدة تحقيق ذلك الخروج، الذي لا يتأتى إلا بتسخير طاقة وإبداع الطبقة العاملة. كان ذلك سيتطلب مؤسسات جديدة؛ ويتطلب الرقابة العمالية والسلطة العمالية.

لكن ذلك التحول لا يمكن ترسيخه داخل حدود بلد صغير فقير كاليونان. كان لا بد له أن ينتشر إلى بقية أوروبا وما وراءها. ولكي تحافظ الثورة الاشتراكية اليونانية على بقائها تحتاج إلى سياسة أممية.

بالنسبة لقادة سيريزا المتشائمين، كان هذا البرنامج غير واقعي. ففي نظرهم الاشتراكية والثورة، هما في أحسن الأحوال، مجرد طموح غامض لمستقبل بعيد، وليستا أبدا منظورا عمليا.

لكن سرعان ما أثبتت الأحداث أن الإصلاحيين كانوا هم اليوتوبيين الحقيقيين. فمع اقتراب سيريزا من السلطة بين عامي 2012 و2015، بدأ في تخفيف برنامجه، الذي كان معتدلا أصلا. وهذا ليس من قبيل الصدفة. فقد بدأ الحزب يتعرض لضغوط الطبقة السائدة، التي بدأت في “تصحيح” وعوده “غير المسؤولة”.

لكن وعلى الرغم من ذلك يجب على الشيوعيين أن يعملوا دائما على التمييز بين قادة الأحزاب الإصلاحية الخونة وبين أنصارهم الزهاء.

في سعيها للخروج من الأزمة، عادة ما تتجه الجماهير أولا نحو الإصلاحية، التي تعد بحل سهل وغير مؤلم لمشاكلها. لا يكتسب الشعب وعيه السياسي من الكتب، بل من الحياة. وفقط من خلال التجربة، وعبر وضع الإصلاحيين على محك التجربة، يصير في إمكان الجماهير أن تدرك أن مطالبها الأساسية تتعارض مع النظام الرأسمالي برمته، الذي يجب إسقاطه.

لذا فقد كان صعود حزب سيريزا بالغ الأهمية، إذ فتح مرحلة جديدة هامة في الصراع الطبقي. ومع ذلك، كما سنوضح، لا يمكن افتراض أن الجماهير ستستخلص بشكل تلقائي العبر الصحيحة من التجربة. المطلوب هو وجود حزب ثوري كبير ذي سياسة مناسبة، قادر على كسب تأييد الجماهير، ومساعدتها على تجاوز أوهامها الإصلاحية، والارتقاء بالنضال إلى مستوى أعلى، نحو ثورة منتصرة.

لكن ما لفت الانتباه في اليونان هو مستوى الوعي المتقدم لدى الجماهير. الحياة تُعلم، وكانت الفترة من 2010 إلى 2014 سنوات حاسمة في تكوين وعيهم. منح الناخبون حزب سيريزا تفويضا حماسيا، لكن ليس شيكا على بياض. فقد حافظوا على نظرة نقدية. ولذلك، ورغم نموه الانتخابي الملحوظ، فقد بقيت دائما أعداد أعضاء سيريزا منخفضة نسبيا، لا سيما في جناحه الشبابي.

يتذكر أحد أبرز مرشحي حزب سيريزا قائلا: “في يوم الاقتراع، كان الناس يقتربون مني، ويربتون على كتفي، ويجبرونني على التعهد بعدم التراجع عن كلمتي. كانت رسالتهم بالإجماع هي: نحن ندعمك، ولكن إياك أن تتراجع، لأنك إن فعلت، فسنثور عليك”[7].

الابتزاز

بمجرد وصول حزب سيريزا إلى السلطة في 26 يناير 2015، تعرض لضغوط هائلة من النظام الرأسمالي.

وإذ شعر تسيبراس بضغط الطبقة السائدة عليه، عهد بوزارات رئيسية إلى إصلاحيين معتدلين صريحين، مثل جيورجوس ستاثاكيس لوزارة الاقتصاد، ويانيس دراغاساكيس نائبا لرئيس الوزراء. وفي المقابل عيّن بعض الشخصيات من الجناح اليساري للحزب في وزارات ثانوية لتقاسم المسؤولية ومغازلة جناحه اليساري.

ولأن حزب سيريزا لم يحصل على الأغلبية المطلقة في البرلمان، فقد اضطر تسيبراس إلى تشكيل ائتلاف. عقد تسيبراس تحالفا مع السياسي القومي اليميني بانوس كامينوس من حزب اليونانيين المستقلين.

لم يتقدم تسيبراس بطلب صريح للحزب الشيوعي اليوناني بدعم حكومته، ودعم ذلك المطلب بحملة جماهيرية. بل كان في الواقع سعيدا بالتحالف مع كامينوس، ليجد بذلك ذريعة مناسبة للخيانة التي كان يتوقعها. وقد تلقى في هذه العملية مساعدة غير مقصودة من جانب القيادة العصبوية للحزب الشيوعي اليوناني، التي كانت ترفض التعامل مع حزب سيريزا، مما مهد الطريق أمام تسيبراس للتحالف مع كامينوس.

فور توليهم السلطة، اضطر تسيبراس ووزراؤه للقيام برحلات عديدة إلى بروكسل وفرانكفورت للتفاوض مع المقرضين. بعد عمليتي إنقاذ مالي، بقيت الدولة اليونانية على حافة الإفلاس. كان نظامها المصرفي تحت ضغط هائل ويحتاج إلى دعم سيولة لتسيير عملياته اليومية. استغلت الترويكا هذا الضعف لابتزاز حزب سيريزا.

الكلمات البذيئة التي وجهها رئيس آلية الاستقرار الأوروبي، الألماني كلاوس ريغلينغ، إلى مبعوثي حزب سيريزا، تعكس طبيعة “المفاوضات”، حيث قال لهم: “يجب ألا تتخلفوا أبدا عن سداد ديونكم لصندوق النقد الدولي. وبدلا من ذلك أوقفوا جميع مدفوعات المعاشات التقاعدية. هذا ما يجب عليكم فعله”[8].

إن المعاملة التي لاقتها الحكومة اليونانية المنتخبة ديمقراطيا، من الاتحاد الأوروبي والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي ستُسجل في تاريخ العلاقات الدولية لما انطوت عليه من كلبية وقسوة. في الظروف العادية، تحاط الدبلوماسية في ظل الرأسمالية بستار من الشكليات واللغة المثالية التي تخفي هيمنة حفنة من القوى الإمبريالية المتنمرة على العلاقات العالمية. لكن حدة أزمة منطقة اليورو كشفت الحقيقة، وهي أن الأمم الصغيرة كاليونان مطالبة بالخضوع التام للقوى العظمى.

كشفت أحداث 2015 عن حقيقة “الديمقراطية” الرأسمالية، حيث البرلمانات والانتخابات أشياء جيدة طالما لم تمس المصالح الأساسية لأصحاب الأبناك والرأسماليين. لكن إذا تجرأ العمال على انتخاب حكومة تتحدى تلك المصالح، فسيجدون أنفسهم عرضة للترهيب حتى ترغم على الخضوع أو يتم إسقاطها.

عندما تتحدث البرجوازية في الغرب عن “الديمقراطية” و”السيادة”، كما تفعل الآن بكثرة بشأن أوكرانيا، تذكروا كيف سحقوا اليونان. هذه الكلمات ليست سوى ستار يخفي مصالحهم الجشعة. ومع ذلك لا بد من القول إن تنازلات سيريزا المتواصلة لم تؤد إلا إلى زيادة شهية الرأسماليين.

ضغط الرأسماليين اقتصادي قبل كل شيء. إذ تستخدم البرجوازية سيطرتها على الاقتصاد لفرض إرادتها على الحكومات المتمردة، حيث تهدد بشل النظام. وقد هدد البنك المركزي الأوروبي، على وجه الخصوص، بوقف إعادة رسملة البنوك اليونانية، مستخدما استقرار تلك البنوك سلاحا مسلطا على الحكومة في أثينا.

تحركت جميع “المؤسسات الدولية” المرموقة -الاتحاد الأوروبي، والبنك المركزي الأوروبي، وصندوق النقد الدولي- لخنق حزب سيريزا. كما شنت الطبقة السائدة حملة سياسية متواصلة ضد الحكومة الجديدة. وتعرضت الحكومة لوابل من الدعاية المنسقة بعناية من وسائل الإعلام الرأسمالية الأوروبية واليونانية، التي عملت بتنسيق وثيق مع مسؤولي المفوضية الأوروبية.

لم تقتصر الهجمات على الخارج فحسب بل، كما يروي أحد وزراء سيريزا، جاءت أيضا من الدولة اليونانية نفسها.

لقد تعاون البنك المركزي اليوناني علنا مع الترويكا في محاولتها للضغط على تسيبراس. وقامت أجهزة المخابرات اليونانية بالتنصت على هواتف الوزراء وتسريب معلومات لتقويض الحكومة. زاد الرئيس بافلوبولوس، اليميني المنتمي لحزب الديمقراطية الجديدة، والذي رشحه تسيبراس بنفسه لاسترضاء البرجوازية، من حدة الضغط في الصيف، مهددا بإسقاط الحكومة.

ليست أفكار الإصلاحيين الاقتصادية حول “ترويض” النظام الرأسمالي وحدها الطوباوية، بل أفكارهم السياسية أيضا، إذ يعتقدون أن الدولة البرجوازية قادرة على تغيير المجتمع.

لكن الدولة ليست أداة سلبية تُسلم للفائز بعد الانتخابات، بل لها طابع طبقي واضح: فهي تحمي مصالح الأغنياء وأصحاب النفوذ.

ويتضح هذا جليا في أوقات الصراع الطبقي المحتدم، حين تكشف الدولة عن وجهها الحقيقي. أو بالأحرى تميل الدولة إلى الانقسام على أسس طبقية، حيث تنحاز قطاعاتها العليا علنا إلى البرجوازية، بينما تتجه قطاعاتها الدنيا نحو العمال. وفي نهاية المطاف يتعين على الطبقة العاملة إنشاء هيئات سلطة جديدة لتغيير المجتمع.

في فبراير 2015، طالبت الترويكا بمفاوضات جديدة للإفراج عن دفعة إنقاذ معلقة. وبدأت بفرض مطالب قاسية على تسيبراس، الذي وصل إلى السلطة واعدا بإنهاء التقشف، لكنه وجد نفسه، بدلا من ذلك، أمام مذكرة جديدة أكثر قسوة.

كما تم وضع التهديد بطرد اليونان من منطقة اليورو أمام تسيبراس. في ظل النظام الرأسمالي، كان ذلك سيعني العودة إلى الدراخما، والانخفاض المفاجئ في قيمة العملة اليونانية، وتدهورا حادا في أوضاع البلاد.

تم التوصل إلى اتفاق مؤقت في أواخر فبراير، والذي كان وعدا بالإفراج عن قسط من خطة الإنقاذ المنتظرة. دفع ذلك الاتفاق الحكومة اليونانية إلى سلسلة من التنازلات. وأجبر الاتفاق حزب سيريزا على مواصلة “الإصلاحات” السابقة والامتناع عن اتخاذ إجراءات “أحادية”. ثم نكثت الترويكا بوعودها، وقامت بحجب الأموال المستحقة لليونان.

وكان الجانب الأكثر إثارة للقلق في ذلك الاستسلام هو أن الحكومة احتفت به باعتباره نصرا، مدعية أنها “ربحت المعركة”. وبإصرارهم على إمكانية التوصل إلى “حل وسط مشرف” عبر التفاوض، زرع قادة سيريزا البلبلة بين صفوف الطبقة العاملة.

يانيس فاروفاكيس

كان وزير المالية يانيس فاروفاكيس الشخصية المحورية في المفاوضات مع الترويكا. توقع تسيبراس منه، بصفته أكاديميا مرموقا، أن يحقق له صفقة مواتية في بروكسل.

كان فاروفاكيس طيلة سنوات على يمين قيادة حزب سيريزا. ويتذكر في كتابه “Adults in the Room” قائلا:

“كنت أفضل أن يقدم حزب سيريزا للناخبين برنامجا أساسيا، تقدميا، أوروبيا، متماسكا منطقيا، وغير شعبوي، كأساس لبناء صورة حكومة مستقبلية ذات مصداقية، قادرة على التفاوض بشأن خطة إنقاذ من جانب الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي. […] عندما قرأت الجزء المتعلق بالسياسة الاقتصادية في البيان الانتخابي لحزب سيريزا لعام 2012، بلغ استيائي حدا جعلني أتوقف بعد بضع صفحات”[9].

وبينما وصف نفسه بأنه “ماركسي متقلب”، فقد اعترف بأنه تخلى عن آرائه اليسارية لأجل إنقاذ النظام. وقال: “من واجب اليسار التاريخي، في هذه المرحلة بالذات، تثبيت الرأسمالية؛ وإنقاذ الرأسمالية الأوروبية من نفسها”[10].

بدت خطته معتدلة للغاية: إعادة هيكلة الدين العام اليوناني، وتأجيل السداد حتى تحقيق أهداف نمو محددة، وتحديد أهداف أقل لفائض الميزانية، وفصل ديون البنوك اليونانية عن الدولة، مع استحواذ الاتحاد الأوروبي على البنوك المتعثرة. وفي نهاية المطاف توقع أن يقوم البنك المركزي الأوروبي بتمويل الدولة اليونانية عن طريق طباعة النقود.

ولتحقيق ذلك، كان ينوي استغلال التوترات بين خطط رئيس البنك المركزي الأوروبي، ماريو دراجي، التوسعية لشراء السندات، وبين أجندة البنك المركزي الألماني المحافظة؛ وزرع الصراع بين الأمريكيين (الأقل تأثرا بالديون اليونانية) وبين الألمان المتشددين، مع دمج كل ذلك بحملات إعلامية ذكية.

دخل السيد فاروفاكيس تلك المفاوضات وهو غارق في نماذج مجردة لألعاب نظرية. بدا الأمر برمته ذكيا للغاية، لكنه تجاهل تماما الواقع خارج قاعة المفاوضات، وقبل كل شيء، موازين القوى الطبقية في جميع أنحاء أوروبا. لم يبذل سيريزا جهدا يذكر للاستفادة من الدعم الجماهيري الهائل الذي حظي به، سواء في اليونان أو خارجها. وشهدت تلك الأشهر مظاهرات عديدة ضد الترويكا، في اليونان وأماكن أخرى في أوروبا، بما في ذلك حصار مقر البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت. إلا أن تلك التحركات كانت مبادرات محلية وليست جزءا من خطة مُنسقة من قِبل قيادة سيريزا. لم يفكروا قط في إمكانية الدعوة إلى مظاهرات حاشدة في أي مكان. بل راهنوا بكل شيء على “دهاء” فاروفاكيس.

يرى فاروفاكيس أن التقشف زاد من تدهور الاقتصاد اليوناني وساهم في تقويض قدرته على تمويل نفسه، مما خلق حلقة مفرغة لا نهاية لها تهدد استقرار الرأسمالية بشكل عام. وادعى أن سياسات الترويكا كانت “حماقة منظمة”[11].

تكمن مشكلة فاروفاكيس، كما هو الحال مع غيره من الاقتصاديين البرجوازيين الصغار، في اعتقاده بإمكانية إرساء دعائم الرأسمالية من خلال الإصلاح. لكن الرأسمالية لا تصغي إلى العقل.

لا تتأثر البرجوازية بالدعوات إلى العقلانية أو الديمقراطية أو الأخلاق. فكل رأسمالي، وكل جماعة رأسمالية وطنية، تحركها غاية الربح، وليس استقرار النظام ككل. ويتصرف كل منهم بعقلانية تامة انطلاقا من مصالحه الخاصة.

تعامل فاروفاكيس مع جانب واحد للأزمة، متجاهلا الصورة العامة، واستخلص استنتاجات خاطئة تماما. صحيح أن التقشف أغرق اليونان في مزيد من الكساد، مما صعب عليها سداد ديونها، إلا أن حماية مصالح وسلطة النظام المالي العالمي كانت أهم بكثير بالنسبة للبرجوازية، ولذلك عملت على تحويل اليونان إلى كبش فداء.

الانقسامات المحتملة بين واشنطن وبرلين التي توقعها فاروفاكيس لم تتحقق على أرض الواقع. وواجه حزب سيريزا جبهة رأسمالية موحدة. فعندما تكون مصالحهم على المحك، تتناسى الجماعات الرأسمالية الوطنية المختلفة خلافاتها.

شكّل صعود حزب سيريزا تهديدا سياسيا للطبقة البرجوازية. وكانت الاستجابة لمطالب أول حكومة يسارية راديكالية في أوروبا منذ عقود، من شأنها أن تشجع مطالب مماثلة في أماكن أخرى، لا سيما من حزب بوديموس في إسبانيا. تداخلت الاعتبارات السياسية والاقتصادية، وكان لا بد من تلقين سيريزا والشعب اليوناني درسا.

كانت مقترحات فاروفاكيس “الذكية” مناسبة تماما لحلقات النقاش الجامعية وأمثالها من الأوساط سريعة التأثر، لكنها كانت غير ملائمة تماما عندما يتعلق الأمر بالنضال حقيقي ضد عدو طبقي. وكما اعترف لاحقا بصراحة:

“لقد عملت أنا وفريقي بجد لتقديم مقترحات مبنية على دراسات اقتصادية قياسية جادة وتحليلات اقتصادية سليمة. وبعد اختبار تلك المقترحات من طرف بعض من أعلى المختصين في مجالاتهم، من وول ستريت إلى كبار الأكاديميين، عرضتها على دائني اليونان، ثم جلست أراقب نظراتهم الجامدة. كان الأمر كما لو أنني لم أتكلم، كما لو لم تكن هناك وثيقة أمامهم. […] لقد اشتقت إلى أيامي الأكاديمية، حيث كانت الخلافات تُحل بقوة الحجة لا بالقوة الغاشمة”[12].

الاستفتاء

بحلول أوائل الصيف، وجد تسيبراس وفاروفاكيس نفسيهما في مأزق حرج. لم يتم تسليم الأموال الموعودة في فبراير، لكن اليونان استمرت في سداد ديونها.

فقدم فاروفاكيس المزيد والمزيد من التنازلات، متجاوزا جميع “خطوطه الحمراء”. لكن الترويكا لم تتراجع. في 25 يونيو، اقترحت الترويكا مذكرة جديدة مثيرة للجدل (نسخة منقحة من حزمة التنازلات الأخيرة التي قدمها فاروفاكيس) تتضمن إجراءات تقشفية أكثر قسوة وإصلاحات مضادة. إذا وقع حزب سيريزا على المذكرة، سيُعتبر ذلك بمثابة نقض لجميع وعوده.

كان الوقت والمال ينفدان. وبعد أن ضاق الخناق عليه، أعلن تسيبراس عن تنظيم استفتاء على اتفاق الترويكا في 05 يوليوز.

وكما يوضح فاروفاكيس في مذكراته، فقد دعا تسيبراس إلى الاستفتاء كخدعة يائسة، على أمل أن يمكن سيريزا من فرض تنازلات كافية لتمرير الاتفاق. لكن بدلا من أن يزعزع الاستفتاء استقرار الترويكا، فقد أثار غضب الرأسماليين الدوليين، الذين ضاعفوا ضغوطهم: المالية والسياسية والإعلامية.

قيل لليونانيين إنهم إذا رفضوا المذكرة، فسيتم طردهم من منطقة اليورو، وسيتحولون إلى دولة فاشلة.

لافتة لحملة «لا» (NO)، حيث تحطم عملية التصويت جدار إجراءات التقشف، بما في ذلك «تسريح العمال» و«تخفيض المعاشات التقاعدية» و«الخصخصة».

ومن جانبه، شدد البنك المركزي الأوروبي الخناق على البنوك اليونانية بفرض قيود على مساعدات السيولة، أي شريان الحياة الذي يفترض أن يساعد البنوك على البقاء قادرة على سداد ديونها. وردا على ذلك، اضطرت الحكومة إلى فرض ضوابط على رؤوس الأموال لمنع حدوث انهيار مصرفي فوضوي. وشمل ذلك فرض قيود على سحب النقود من أجهزة الصراف الآلي.

في اليونان، قامت أحزاب المعارضة اليمينية بمناورات لتنفيذ انقلاب برلماني، بالتواطؤ مع الرئيس (الذي كان حزب سيريزا هو من عينه!) الذي دعا إلى تشكيل “جبهة واسعة من القوى الديمقراطية”[13]. وقد دعمت المؤسسة اليونانية بأكملها، بما في ذلك الكنيسة الأرثوذكسية ومالكي أندية كرة القدم الكبرى، حملة “نعم” لقبول مذكرة الترويكا.

إذا صدقنا فاروفاكيس (ولا يوجد لدينا سببٌ للتشكيك في ذلك)، فإن تسيبراس كان يأمل في خسارة التصويت بـ”لا”، أو على الأقل فوزه بفارق ضئيل، مما يُسهّل عليه توقيع اتفاق مُذل.

إذا صدّقنا فاروفاكيس (ولا يوجد لدينا سبب للتشكيك فيه)، فإن تسيبراس كان يأمل في نجاح التصويت بـ”نعم”، أو على الأقل فوز “لا” بفارق ضئيل، مما يسهل عليه توقيع اتفاق مهين.

وبينما كان الخوف واليأس يسيطران على مقر حزب سيريزا، فإن الأجواء في الشوارع كانت مختلفة تماما. فقد نهضت الطبقة العاملة لمواجهة التحدي ببسالة. خلال الأشهر الأولى من عام 2015، التزم العمال الصمت في الغالب، وبقوا يتابعون المفاوضات باهتمام. أما الآن، فقد دخلوا الساحة بقوة.

بين 27 يونيو، تاريخ الدعوة للاستفتاء، و05 يوليوز، تاريخ إجرائه، سادت حالة من الحماس الثوري في اليونان من خلال التدخل المباشر للجماهير في الأحداث. يتذكر فاروفاكيس الأجواء عشية التصويت قائلا:

“الطلاب الذين أجبرتهم الأزمة على الهجرة، والذين عادوا للإدلاء بأصواتهم، توسلوا إلي لكي لا أستسلم. ووعدني متقاعد بأنه وزوجته المريضة لا يمانعان فقدان معاشاتهما التقاعدية طالما استعادا كرامتهما. وهتف الجميع، دون استثناء، في وجهي: لا استسلام مهما كلف الأمر!”[14].

أعطت اجتماعات الأحياء واللجان المحلية وحملات الدعاية الشعبية والمسيرات التي لا تُحصى، زخما قويً للتصويت بـ”لا”. وفي العاصمة، توج ذلك ببعض من أكبر المظاهرات في تاريخ اليونان، بما في ذلك مسيرة شارك فيها ما يقرب من نصف مليون شخص في 03 يوليوز. وكانت تلك الحركة عفوية إلى حد كبير.

في العاصمة، تُوِّج ذلك ببعضٍ من أكبر المظاهرات في تاريخ اليونان، بما في ذلك مسيرة حاشدة شارك فيها ما يقارب نصف مليون شخص في 3 يوليو/تموز. كانت هذه الحركة عفوية إلى حد كبير.

تسيبراس، الذي شعر بتزايد التأييد الشعبي، حاول جاهدا كبح جماح حملة “لا”، فألغى المسيرات وخفض سقف التوقعات. في الوقت نفسه، فشلت حملة “نعم” في اكتساب زخم يذكر في الشوارع.

صوّت الشعب اليوناني بأغلبية ساحقة بـ”لا” في مواجهة ضغوط آلة الدعاية الرأسمالية، والإرهاب الاقتصادي، بل وضد تقلبات الحكومة.

كان ذلك التصويت، قبل كل شيء، تصويتا للطبقة العاملة، وبلغت نسبته ذروتها في الأحياء البروليتارية في أثينا وسالونيك وغيرها من المراكز الحضرية، بينما حصدت حملة “نعم” أغلبية الأصوات في الأحياء الأكثر ثراء.

ومع ذلك فقد استقطبت حملة “لا” شريحة كبيرة من البرجوازية الصغيرة والطلاب والمهنيين والمزارعين، والمثقفين، وغيرهم. إجمالا، رفض 61.3% من الناخبين اتفاق الترويكا، مما منح تسيبراس تفويضا قويا لإحداث قطيعة جذرية. وبالنظر إلى كل هذه العوامل، كان هذا تصويتًا للثورة، مدعوما بتعبئة جماهيرية واسعة.

وعلى حد تعبير أحد المعلقين البرجوازيين اليونانيين فقد:

“كشفت نتائج الاستفتاء عن سلوك خطير للغاية من جانب الناخبين، والذي تجلى على أسس طبقية […] مُحوّلا صراعا كان ينبغي أن يبقى محصورا في البرلمان، وربما في البرامج التلفزيونية، إلى الشوارع”[15].

في ليلة الخامس من يوليوز، حين أُعلنت النتائج، احتشد الآلاف في ساحة سينتاغما بأثينا للاحتفال بنصرهم. لكن لم يكن ذلك مجرد احتفال. فقد كان العمال اليونانيون يستعدون لمعركة اعتبروا أنها بدأت للتو. لقد استعرضوا قوتهم وأدركوا مدى قوتهم. وكان شعار الجماهير:  Oute vima piso! (“لن نتراجع خطوة إلى الوراء!”).

في مقابلة تلفزيونية بعد التصويت، روى الوزير لافازانيس كيف أوقفته امرأة في الشارع قائلة له: “لا يهمني إن انتهى بي المطاف آكل من القمامة، لكن عليكم ألا تتراجعوا!”[16]. وقد لخص هذا الموقف المزاج السائد في البلاد.

أدركت الجماهير الطابع الأممي للمهمة المطروحة. وتوجهوا بالدعوة، قبل كل شيء، إلى عمال إسبانيا، الذين علقوا آمالهم بشكل متزايد على حزب بوديموس اليساري الذي نشأ بدوره من العدم، بالتوازي مع حزب سيريزا، على خلفية احتجاجات عارمة من حركة indignados  التي بدأت عام 2011. كانوا يأملون أن ينضم إليهم العمال الإسبان في ثورتهم ضد أصحاب الأبناك والرأسماليين وممثلي الترويكا.

هتف المتظاهرون في الساحات: “Syriza, Podemos,  venceremos (سيريزا، بوديموس، فينسيريموس سننتصر)[17]. لو كان سيريزا حزبا ثوريا، لكان بإمكانه القضاء على الرأسمالية في اليونان، الأمر الذي كان سيتردد صداه في جميع أنحاء أوروبا وخارجها.

يمتلك الماركسيون ثقة راسخة في الطبقة العاملة. هذه ليست ثقة عمياء، بل هي مبنية على فهم دور العمال في المجتمع الرأسمالي. فهم من يمسكون بزمام الاقتصاد. وبفضل تركيزهم وانسجامهم وثقلهم الاقتصادي وطابع عملهم التعاوني وتناقضهم مع البرجوازية، يمتلكون القدرة على تطوير وعي اشتراكي متماسك، وإسقاط الرأسمالية، وإعادة بناء المجتمع على أسس أسمى.

عندما يمتلك العمال هدفا واضحا، يصير في إمكانهم إدراك قوتهم الكامنة الهائلة وإظهار أقصى درجات التضحية في سبيل النضال. وقد كشفت أحداث يوليوز 2015 عن ذلك مجددا.

لا يمكن لمزاعم اليساريين المتشائمين، الذين يسعون إلى تبرئة القيادة الإصلاحية اليسارية من كونها هي من تسببت في الهزيمة، وإلقاء اللوم بدلا من ذلك على العمال أنفسهم، أن يُخفوا حقيقة أن الطبقة العاملة اليونانية نهضت كجسد واحد وتحدّت المؤسسات الإمبريالية للرأسمالية العالمية.

الخيانة

احتفلت الجماهير واستعدت للنضال، لكن تسيبراس كان يائسا. في ليلة الاستفتاء كان مقر إقامته “باردا كالمشرحة، وحزينا كالمقبرة”، كما قال فاروفاكيس[18]. وجد تسيبراس نفسه بين مطرقة الترويكا، التي طالبت برطل اللحم[19]، وسندان الجماهير التي عبّرت عن رأيها بوضوح في الاستفتاء وخرجت إلى الشوارع.

سارع تسيبراس إلى بروكسل للحصول على اتفاق جديد. بعد الاستفتاء انقسمت الطبقة الرأسمالية. إذ أراد جناح بقيادة وزير المالية الألماني فولفغانغ شويبله وأتباعه من أوروبا الشرقية طرد اليونان من منطقة اليورو. إلا أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل كانت متخوفة من التداعيات الاقتصادية والسياسية المحتملة لذلك. كما عارض الرأسماليون الأمريكيون والفرنسيون خروج اليونان من منطقة اليورو. وجزئيا نتيجة لتلك الانقسامات أعطيت لتسيبراس مذكرة أشد قسوة مما كانت عليه في يونيو.

في 12 يوليوز، وقّع تسيبراس على الاتفاقية، متجاهلا جميع وعوده، وتفويضه الانتخابي، ونتائج الاستفتاء. ونظرا لتمرد العديد من نواب حزب سيريزا (حيث صوت 32 نائباً ضد القرار وامتنع 11 عن التصويت)، اضطر تسيبراس إلى الاعتماد على أحزاب المعارضة اليمينية لتمرير المذكرة في البرلمان.

الخيانة طبيعة متأصلة في الإصلاحية، وخاصة في الإصلاحية اليسارية. وذلك لأنها تعد بأكثر بكثير مما تستطيع تحقيقه ضمن حدود الرأسمالية الضيقة، التي لا تتصور لها بديلا.

في محاولتهم للتصالح مع الرأسماليين، سيتخلى الإصلاحيون دائما عن برنامجهم في نهاية المطاف. وعند اختبارهم عمليا، يظهر التناقض بين الأقوال والأفعال أن الخداع جزء لا يتجزأ من الإصلاحية، إذ تسعى لتبرير وإخفاء استسلامها.

يرى نقاد، مثل فاروفاكيس، أن تسيبراس خان بسبب عدم أمانته وشخصيته غير النزيهة. لكن إفلاسه الأخلاقي كان نتيجة لإفلاسه السياسي.

ولتمهيد الطريق لتلك الخيانة، أجرى تسيبراس تعديلا وزاريا وضغط على فاروفاكيس للاستقالة. يُحسب لفاروفاكيس أنه ندد بالمذكرة الثالثة، وأكد أن الخروج من منطقة اليورو أفضل من توقيع تلك الاتفاقية.

لكن فاروفاكيس لم يكن سوى اقتصادي “متقلب” يفتقر إلى القدرة أو الإرادة لتنظيم حركة معارضة لتسيبراس. كان هناك من هم أكثر قدرة على القيام بذلك، لكنهم فشلوا فشلا ذريعا في تلك المهمة.

المنصة اليسارية

تألف حزب سيريزا، ائتلاف اليسار الراديكالي، من فصائل واتجاهات متنوعة. وكانت المنصة اليسارية أكبر كتلة برلمانية، وهي فصيل فضفاض ضم شخصيات ومجموعات مختلفة.

بسيطرتها على أكثر من ثلث اللجنة المركزية للحزب، شكلت المنصة اليسارية قوة لا يستهان بها. وكان لديها نحو 30 نائبا في البرلمان، ووزارة واحدة في حكومة تسيبراس، تولاها زعيمها الرئيسي، بانايوتيس لافازانيس. لكن العديد من كوادرها كانوا قد انخرطوا في إدارة الدولة، مما عزز لديهم طموحاتهم المهنية وأضعف عزيمتهم على مواجهة تسيبراس.

خلال الأشهر الخمسة الأولى، فشل لافازانيس والمنصة اليسارية في تقديم تحليل متماسك للأحداث. فقبلوا، علنا أو ضمنا، تنازلات الحكومة، بما في ذلك اتفاق فبراير مع الترويكا وتعيين اليميني بافلوبولوس في منصب الرئيس، كل ذلك مع رفضهم العمل على تنظيم الجناح اليساري لحزب سيريزا.

أثناء الأشهر الخمسة الأولى، فشل لافازانيس والمنصة اليسارية في تقديم تحليل متماسك للأحداث. فقبلوا، صراحةً أو ضمنًا، تنازلات الحكومة المختلفة، بما في ذلك اتفاق فبراير مع الترويكا وتعيين اليميني بافلوبولوس رئيسًا، كل ذلك مع رفضهم تنظيم يسار حزب سيريزا.

ورغم أن بعض ممثلي المنصة اليسارية قد عبّروا عن بعض الانتقادات، فإنهم لم يصلوا بمعارضتهم إلى خلاصتها المنطقية، أي: التحريض العلني داخل الحزب وبين الجماهير العاملة للمطالبة بإلغاء الدين.

بعد الاستفتاء، حين تراجع تسيبراس عن وعوده، رفض نواب المنصة اليسارية وحلفاؤهم التصويت على المذكرة. وبعد أن فقد أغلبيته البرلمانية، دعا إلى انتخابات جديدة.

بعد ذلك أعلن لافازانيس انشقاق المنصة اليسارية عن الحزب. ورغم استيائهم الشديد، فقد كان ذلك موقفا انهزاميا سهل الأمور على تسيبراس. فقد رفض يسار الحزب خوض معركة جادة لانتزاع السيطرة من جناح تسيبراس.

كان إسقاط تسيبراس في يوليوز أمرا واردا تماما، إذ أصبح معزولا بشكل كامل داخل سيريزا. فقد تسيبراس اللجنة المركزية (حيث وقّع 109 أعضاء من أصل 201 على بيان ضد الاتفاق)، وخسر فروع الحزب، وشبيبة سيريزا. حتى أن أعلى هيئة في الحزب، الأمانة العامة، عبرت عن احتجاجها على الاتفاق.

كان ينبغي على المنصة اليسارية وحلفائها الدعوة إلى مؤتمر استثنائي، إذ كانت لديهم فرصة جيدة للفوز به. مع أن المنصة اليسارية اقترحت في يوليوز عقد مؤتمر حزبي، إلا أنها فعلت ذلك بتردد ودون تعبئة للقواعد. وعلاوة على ذلك فقد دعت إلى “مؤتمر حزبي دائم”، أي اجتماع لمندوبي المؤتمر السابق، وهو اجتماع لا يملك صلاحية انتخاب قيادة جديدة. وحده التيار الشيوعي (الذي يُعرف اليوم باسم المنظمة الشيوعية الثورية، الفرع اليوناني للأممية الشيوعية الثورية) من دعا إلى خوض نضال جاد لإسقاط القيادة من خلال مؤتمر استثنائي.

وبمجرد أن دعا تسيبراس إلى انتخابات شتنبر، بدأت المنصة اليسارية في تنظيم حزب جديد. وقد مثّل ذلك انفصالا وديا عن تسيبراس. لماذا فعلوا ذلك؟ ترتبط الإجابة على هذا السؤال بالحدود السياسية للمنصة اليسارية.

ضمت المنصة اليسارية أطيافا مختلفة من الآراء، لكن يمكن تلخيص الركيزة الأساسية لبرنامجها في الخروج من منطقة اليورو والاتحاد الأوروبي في إطار النظام الرأسمالي. جادل لافازانيس ورفاقه بأنه على اليونان التخلف عن سداد ديونها، وإصدار عملة جديدة لتمويل بنوكها وتأميمها، واستخدام سيادتها النقدية لتنفيذ سياسات داعمة للعمال وتحفيز التنمية الرأسمالية.

من الواضح أن مصادرة ممتلكات الطبقة الرأسمالية لم تكن أبدا جزءا من الخطة. هذه الخطة، في جوهرها، نسخة إصلاحية أكثر “يسارية”، تصورت رأسمالية يونانية “تقدمية” خارج الاتحاد الأوروبي، لا تتسم بـ”النيو ليبرالية”. إنها يوتوبيا خطيرة.

إن جبن المنصة اليسارية وترددها في خوض مواجهة جدية ضد تسيبراس نابع من افتقارها لبرنامج ثوري.

لو تمسكت اليونان بموقفها في المفاوضات مع الترويكا، لكانت بالتأكيد قد أُجبرت على الخروج من منطقة اليورو. لكنه كان من الممكن احتواء الفوضى الاقتصادية اللاحقة من خلال إجراءات اشتراكية سريعة وجريئة: تأميم ليس فقط البنوك، بل أيضا القطاعات الاقتصادية الرئيسية، وتخطيط الإنتاج لتلبية الاحتياجات الأساسية للشعب، وفرض احتكار الدولة على الواردات والصادرات. كانت تلك الإجراءات ستطرح السؤال حول ما هي الطبقة التي تملك السلطة في المجتمع اليوناني.

الدولة البرجوازية اليونانية عاجزة عن تنفيذ الإجراءات الاشتراكية. وكانت الفئات العليا في الجيش والشرطة والبيروقراطية المدنية لتكون خلية للمؤامرات الانقلابية والتخريب. كان مثل ذلك البرنامج سيستدعي تعبئة جماهيرية، واحتلال المصانع، وسلطة العمال، وإنشاء لجان عمالية، بالاعتماد على طاقات الطبقة العاملة وإبداعها ويقظتها.

كانت تلك الإجراءات ستمهد الطريق للتحول الاشتراكي للمجتمع اليوناني، بأثر هائل في جميع أنحاء أوروبا.

الاتحاد الأوروبي مؤسسة رأسمالية رجعية، ويجب إسقاطه واستبداله باتحاد اشتراكي أوروبي. لذا، كانت القطيعة مع بروكسل ضرورية.

لكن البدء بالمطالبة بالخروج من منطقة اليورو كان بمثابة تضليل للمسألة الحقيقية والتي هي: الاشتراكية أم الرأسمالية؟ كان البرنامج الإصلاحي المتخبط الذي طرحه قادة المنصة اليسارية غير كاف على الإطلاق. لم يؤمنوا بالاشتراكية، ولم يثقوا بالطبقة العاملة، ولا حتى بأنفسهم.

لهذا السبب انسحبوا من الساحة دون خوض معركة حقيقية: لأنهم كانوا يخشون تولي زمام الأمور. واكتفوا بترك الملف الشائك في يد تسيبراس، وشكلوا حزبا يساريا إصلاحيا صغيرا يضمن لهم مستقبلهم البرلماني. أدركت الجماهير ذلك الأمر بوضوح، ولم تُعر أي اهتمام للافازانيس ورفاقه.

“موازين القوى”

عندما تواجهوا مع افتقارهم إلى منظور اشتراكي، جادل ستاتيس كوفيلكيس، الذي هو أحد أبرز منظري المنصة اليسارية، بأن كل حديث عن “نوع من قوة العمال الأسطورية” [لاحظوا نبرته المستهزئة] يقلل تماما من شأن (أ) موازين القوى داخل المجتمع اليوناني، وموقف اليسار الراديكالي بالمعنى الدقيق للكلمة، و(ب) يخلط بين هدف استراتيجي وبين أهداف ومطالب انتقالية”[20].

من خلال حديثه عن “الهدف الاستراتيجي” يبدو أن كوفيلكيس يُلمح إلى أن الاشتراكية هدف بعيد الأمد للمستقبل البعيد، لكنها غير واقعية في الوقت الحاضر.

وبالمثل فقد ألقى تسيبراس ومؤيدوه باللوم على “اختلال موازين القوى في أوروبا”[21] لإجبارهم على قبول خطة إنقاذ جديدة.

فلندرس “موازين القوى” هذا الذي أرعب الإصلاحيين.

أول ما يلفت الانتباه في النزعة القدرية للإصلاحيين، بمن فيهم أكثرهم يسارية، هو أنهم لم يعتبروا قيادة الطبقة العاملة عاملا فاعلا في “ميزان القوى”.

بل على العكس، يبدو أنهم ينظرون إلى القيادة كمرآة تعكس بشكل سلبي الوضع “الموضوعي” في المجتمع. فإذا كان العمال يمتلكون قيادة سيئة، فذلك، بحسب منطقهم، لأنهم ببساطة يمتلكون القيادة التي يستحقونها. تذكرنا هذه النظرة التشاؤمية بإحدى آخر مقالات تروتسكي الجدالية حول هزيمة الثورة الإسبانية، “الطبقة والحزب والقيادة”، حيث يقول:

“بحسبه [كاتب في الدورية شبه الماركسية المسماة Que Faire]، لا يمكن تفسير السياسة الخاطئة للجماهير إلا بأنها “تظهر حالة معينة للقوى الاجتماعية”، ألا وهي عدم نضج الطبقة العاملة وانعدام استقلال الفلاحين. لن يجد الباحث عن التكرار، عموما، تكرارا أكثر سطحية من هذا. يتم تفسير “السياسة الخاطئة للجماهير” بـ”عدم نضج” الجماهير. لكن ما هو “عدم نضج” الجماهير؟ من الواضح أنه ميلهم إلى السياسات الخاطئة. أما ماهية هذه السياسة الخاطئة، ومن كان المبادر إليها: الجماهير أم القادة؟ فهذا ما يتجاهله كاتبنا. وباستخدام التكرار، يلقي بالمسؤولية على عاتق الجماهير. هذه الحيلة الكلاسيكية التي يستخدمها جميع الخونة والمرتدين والمدافعين عنهم، هي حيلة مثيرة للاشمئزاز بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بالبروليتاريا الإسبانية”[22].

وكما يشير تروتسكي، فإن القيادة، في الواقع، عامل حاسم يؤثر بقوة على موازين القوى. فلو كانت هناك قيادة ثورية جريئة، لكانت النتيجة مختلفة تماما في عام 2015. إن قدرية الإصلاحيين هي وسيلة للتهرب من مسؤولية خيانتهم، أو بالأحرى، لإلقاء اللوم على الجماهير التي خانوها للتو، والتي يتهمونها بـ”عدم النضج”.

إن قدريي سيريزا يجهلون الطبيعة الهدامة لحجتهم. فهم يقولون إن المشكلة برمتها تكمن في أن ميزان القوى اليوناني والأوروبي لم يكن مواتيا لإحداث قطيعة اشتراكية عن الترويكا. لقد اعتقدوا أنه من الأفضل التمسك بالسلطة حتى لو كان ذلك على حساب التضحية ببرنامجهم، على أمل أن “ميزان القوى” قد يتحسن يوما ما.

لكن ذلك النهج الذي دافعوا عنه لم يؤد، في الواقع، إلا إلى تفاقم ميزان القوى، وذلك بإضعاف معنويات مؤيديهم في الداخل والخارج. في الواقع، كان تراجع حزب بوديموس بعد عام 2015 مرتبطا جزئيا بالأحداث في اليونان.

شهدت الأعوام من 2010 إلى 2014 تعبئة جماهيرية غير مسبوقة. وفي عام 2015، وصل حزب سيريزا إلى السلطة وحظي بتأييد أكثر من 80% من الناخبين. وصوت أكثر من 61% من الناخبين ضد الاتفاق، متجاهلين التهديدات والدعاية التي مارستها كل القوى. وخرجت الجماهير إلى الشوارع، ليس للاحتفال فحسب، بل للنضال.

وعندما أعلنت نتائج الاستفتاء، كانت الطبقة الرأسمالية منقسمة ومرتبكة. وقد تزامن ذلك مع موجة كبيرة من التجذر في إسبانيا، حيث كان حزب بوديموس اليساري في صعود. لو حدثت تطورات ثورية في اليونان، لكانت هزت أوروبا بأكملها. كان الوعي يتطور بسرعة كبيرة.

تُعد هذه التغيرات المفاجئة في الوعي سمة أساسية للثورة، حيث يتطور “ميزان القوى” بشكل ديناميكي، أسبوعا بعد أسبوع، ويوما بعد يوم، بل وساعة بعد ساعة. إن إنكار إمكانية الثورة في ظل تلك الظروف هو إنكار لإمكانية الثورة عموما.

جادل الإصلاحيون، سواء في حزب سيريزا أو في المنصة اليسارية، بأن اليونان بلد صغير، وأنها تخاطر بالعزلة، وأنها ستعاني من مصاعب جمة إذا سلكت طريق الثورة. لقد كانوا يشبهون زعيم كريت كامباناروس في رواية نيكوس كازانتزاكيس الشهيرة “الكابتن ميخاليس”، الذي طالب بضمانات مطلقة للنصر قبل أن يُقدم على أي ثورة ضد العثمانيين، فسخر منه رفاقه بحق لجبنه.

إذا كنت تبحث عن ضمانات مطلقة، فلا ينبغي لك الخوض في السياسة. فالنصر ثمرة نضال تتصارع فيه قوى حية ضد قوى حية. لا شك أن الثورة اليونانية كانت ستتعرض للعزلة لبعض الوقت، وستواجه صعوبات جمة. لكن الرأسمالية بطبيعتها تنهار عند أضعف حلقاتها.

مع ذلك فقد كانت الحلقة اليونانية جزءا من سلسلة أطول. كان من الممكن أن تنتشر الثورة بسهولة خارج حدودها، بدءا من إسبانيا، خاصة إذا تبنت سياسة أممية نشيطة. وخلال الأشهر الأولى العصيبة، كان التضامن الأوروبي سيحبط محاولات خنق الثورة اليونانية.

كل هذا الحديث عن “ميزان القوى” غير المواتي يعكس انعدام ثقة الإصلاحيين بالطبقة العاملة، التي كانت ركيزتهم الوحيدة الثابتة في صراعهم مع الترويكا. بدونها، شعر تسيبراس بأنه بلا سند، مما يفسر شعوره العميق بانعدام الأمان. إن هذا الازدراء للطبقة العاملة كان مشتركا مع قادة المنصة اليسارية.

الحقيقة المرة هي أن الطبقة العاملة كانت مستعدة للثورة في يوليوز 2015. أما قيادة حزب سيريزا فكانت غير مستعدة: على يسار الحزب ويمينه ووسطه. كان بإمكان الجماهير سحق العدو الطبقي بسهولة. لكنهم كانوا كالأسود التي يقودها الحمير. ما كان ينقصهم هو العامل الذاتي، أي وجود تنظيم ثوري قوي.

وعلى حد تعبير تروتسكي:

“تطور الثورة يتلخص تحديدا في أن موازين القوى تتغير باستمرار وبسرعة تحت تأثير تغيرات وعي البروليتاريا، وانجذاب الفئات المتخلفة إلى الفئات المتقدمة، وتزايد ثقة الطبقة العاملة بقوتها. والمحرك الأساسي في هذه السيرورة هو الحزب، كما أن المحرك الأساسي في آلية عمل الحزب هو قيادته. إن دور القيادة ومسؤوليتها في الحقبة الثورية هائلان”[23].

الحزب الشيوعي اليوناني وعقم العصبوية

وسط هذه الأحداث الجسام، برزت في اليونان قوة سياسية تتبنى الثورة الاشتراكية. يضم الحزب الشيوعي اليوناني (KKE) بعضًا من أكثر العمال والشباب وعيا طبقيا في البلاد. وخلال سنوات الأزمة، طرح الحزب مطالب جريئة مناهضة للرأسمالية. إلا أن سياساته العصبوية أقامت جدارا بينه وبين الجماهير.

خسر الحزب الشيوعي اليوناني أصواتا كثيرة في انتخابات عام 2012، إذ اتجه معظم العمال نحو حزب سيريزا، الذي كان يدعو آنذاك إلى حكومة يسارية واسعة. لقد انتقد الحزب الشيوعي اليوناني حزب سيريزا منذ البداية، وكانت العديد من انتقاداته لبرنامجهم الإصلاحي صحيحة تماما. إلا أنها صيغت بأسلوب هستيري، بدلا من أسلوب صبور، مما حال دون وصولها إلى ناخبي سيريزا الذين كان بإمكان الحزب الشيوعي اليوناني كسب تأييدهم.

بعد انتخابات يناير 2015، كان على الحزب الشيوعي اليوناني أن يدين التحالف مع كامينوس، وأن يستنكر التأجيل المستمر لبرنامج سيريزا لصالح المفاوضات، وأن يعرض دعمه لأي إجراءات في صالح العمال من شأنها أن تساعد في إلغاء مذكرات التفاهم والخروج عن إملاءات الترويكا. كان ذلك سيساعد في كشف حقيقة تسيبراس، فضلا عن أنه كان سيلقى صدى لدى العديد من ناخبي سيريزا.

نهج الحزب الشيوعي اليوناني العصبوي الخاطئ بلغ ذروته في استفتاء يوليوز. فبدلا من الدعوة إلى تصويت حاسم بـ”لا”، دعا إلى إبطال الاقتراع! وساوى بين الحكومة وبين الترويكا، حيث قال:

“يجب على الشعب، من خلال نشاطه واختياره في الاستفتاء، أن يرد على خداع السؤال الزائف الذي طرحته الحكومة، وأن يرفض مقترح الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي، وكذلك مقترح حكومة سيريزا-أنيل”[24].

لكن الشعب رأى الأمور بشكل مختلف. ففي الوقت الذي كان فيه المجتمع اليوناني منقسما إلى معسكرين متناقضين، أحدهما يؤيد التهديد النهائي الذي فرضته الترويكا والآخر يعارضه، كان موقف الحزب الشيوعي اليوناني هو النأي بنفسه عن ذلك الصراع، الذي اعتبره مهزلة. صحيح أن تسيبراس اعتبر ذلك الصراع وسيلة لتعزيز موقفه في المفاوضات، إلا أن الجماهير رأت فيه فرصة لتوجيه ضربة قوية للترويكا.

لكي يكسب الشيوعيون تأييد جماهير الطبقة العاملة، عليهم أن يكونوا قادرين على فهم ذلك المزاج العام ومساعدة الشعب على استخلاص جميع الاستنتاجات اللازمة. هذه هي السياسة الحقيقية للينينية.

كان على الحزب الشيوعي اليوناني ألا يتوقف عن انتقاد حكومة تسيبراس. لكن ما كان ينبغي على قيادة الحزب الشيوعي اليوناني قوله لمئات الآلاف الذين عبئوا صفوفهم ضد تهديد الترويكا هو: نحن معكم، وسنناضل إلى جانبكم ضد الترويكا، لكننا لا نثق في قيادة سيريزا. حتى لو فزنا في الاستفتاء، فمن أجل إنهاء التقشف، يجب علينا رفض الديون وإحداث القطيعة مع الرأسمالية.

وهكذا فقد وقف الحزب الشيوعي اليوناني على الحياد خلال معركة طبقية حاسمة. ونتيجة لذلك، نظر إليه أولئك الذين صوتوا بشجاعة بـ”لا” بعين الريبة. وبالتالي لم يتمكن الحزب الشيوعي اليوناني من استغلال العار الذي لحق بالحكومة عندما وقعت على المذكرة الثالثة.

في الواقع، لقد أثبتت سياسة الحزب الشيوعي اليوناني برمتها أنها تأتي بنتائج عكسية، وساعدت تسيبراس بشكل غير مباشر. فبسبب انعزاليته العصبوية، رفض الحزب الشيوعي اليوناني تحمل أي مسؤولية في الصراع الطبقي، مكتفيا بتوجيه سهامه من مسافة آمنة.

تفكك حزب سيريزا

بعد توقيع المذكرة الثالثة، أجرى تسيبراس انتخابات جديدة في شتنبر 2015، وقد فاز فيها بسهولة. لم يحقق الحزب الشيوعي اليوناني أي مكاسب، إذ تراوحت نسبته حول 5%، بينما لم يتمكن حزب الوحدة الشعبية، بقيادة لافازانيس، من دخول البرلمان. وفي المقابل، استمرت الأحزاب البرجوازية المكروهة في خسارة الأصوات.

كيف فاز تسيبراس رغم أنه نكث بجميع وعوده وتجاهل نتيجة الاستفتاء؟ هذا يشبه التساؤل عن سبب فشل حزب الوحدة الشعبية.

شغل لافازانيس منصب وزير في حكومة تسيبراس، لمدة خمسة أشهر، امتنع خلالها عن توجيه أي انتقادات علنية. وعقب توقيع المذكرة انسحب لافازانيس ويسار الحزب غاضبين من الحزب. لكن ذلك الانقسام لم يكن مهيأ من الناحية السياسية.

فقد انصاعت منصة اليسار للحكومة، موجهة انتقادات مبطنة هنا وهناك، لكنها عجزت عن تقديم تفسير متماسك للوضع. وعلاوة على ذلك فكما كان متوقعا، فشل برنامجها للخروج من منطقة اليورو على أساس رأسمالي، في إثارة حماس أي أحد، بمن فيهم أعضاء الحزب أنفسهم.

بينما قدم تسيبراس التفسير الأكثر تماسكا لأحداث الصيف، حيث قال: لقد تفاوضنا بكل ما أوتينا من قوة، لكن الترويكا سحقتنا، وبعد أن تعهدنا بعدم مغادرة منطقة اليورو، لم يكن أمامنا خيار سوى قبول المذكرة، التي نتعهد بتطبيقها بأقصى قدر من العدل والإنسانية.

ولم يتمكن لافازانيس وحزب الوحدة الشعبية، اللذان التزما الصمت في الأشهر السابقة، من الرد بشكل مقنع على هذه الحجج. فالجماهير لا تنفصل بسهولة عن منظماتها القديمة.

وكما قال تروتسكي فإنه: “فقط من خلال تجربتهم الخاصة عبر مراحل متعددة، يمكن لشرائح واسعة من الجماهير أن تقتنع بأن القيادة الجديدة أكثر حزما وموثوقية وإخلاصا من القيادة القديمة”[25]. لكن لافازانيس لم يكن أكثر حزما ولا أكثر موثوقية.

في انتخابات شتنبر 2015، تجلت معارضة المذكرة الثالثة بشكل رئيسي في الامتناع عن التصويت، والذي ارتفع بنسبة 7.5 نقطة مئوية.

ومع مرور الوقت، تضاءلت سلطة تسيبراس. ونفذ حزب سيريزا المذكرة الجديدة بالكامل، مطبقا لجولات جديدة من الاقتطاعات. وكما كان متوقعا فقد خسر انتخابات 2019 أمام حزب الديمقراطية الجديدة بقيادة كيرياكوس ميتسوتاكيس، الذي استمر في السلطة منذ ذلك الحين.

يتحدث العديد من الأعضاء السابقين في سيريزا اليوم عن تحول “بنيوي” نحو اليمين في المجتمع اليوناني. منطقهم هو التالي: لم تكن الجماهير مستعدة للثورة في 2015، وبالتالي كانت الظروف الموضوعية للنضال غير مواتية لقيادة سيريزا. وبعد أحداث 2015، أصيبت الجماهير بالإحباط، واتجهت، كما يزعمون، نحو اليمين.

الهدف من هذه المغالطة هو تبرئة ذمة الإصلاحيين. لكن الحقيقة، في الواقع، هي عكس ذلك تماما: فخيانة الإصلاحيين هي التي مهدت الطريق لعودة اليمين. لقد قاتلت الجماهير ببسالة الأسود، مظهرة شجاعة وتصميما استثنائيين. لقد ثاروا دون قيادتهم، وأحيانا ضدها. كل التقدير للطبقة العاملة اليونانية. لم يكن من الممكن أن يطلب منها أكثر من ذلك.

ما كان ينقص هو القيادة الثورية الكفؤة، وهي العامل الحاسم في ذلك الوضع.

بعد مرور ما يقارب عقدا من الزمن على الاستفتاء، لم يتم حل أي من المشاكل الجوهرية. ورغم انخفاض الدين اليوناني من ذروته البالغة 210% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2020، إلا أنه ما يزال مرتفعا للغاية عند 142%. وهناك أزمة جديدة في الأفق.

لقد بدأت الطبقة العاملة بالتحرك من جديد. ويجب بناء قيادتها الثورية قبل وقوع الأحداث الحاسمة. هذه هي المهمة التي حددتها الأممية الشيوعية الثورية لنفسها، في اليونان وعلى الصعيد الأممي.

المصادر:

[1] تجميع مغرض للحروف الأولى للبلدان المعنية لتكوين كلمة “خنازير” بالانجليزية.

[2] in M Papasimakopoulos, ‘Note found on Syntagma suicide victim’, Athens News, 4 April 2012

[3] ‘Thousands join fresh Greece protests against Golden Dawn’, BBC News, 25 September 2013

[4] Οταν στις πλατείες ζεσταινόταν το «αυγό του φιδιού»’, Ριζοσπάστης, 29 September 2013, our translation

[5] ‘Πολιτική Απόφαση 1ου (Ιδρυτικού) Συνεδρίου’, Σύριζα, 22 July 2013

[6] Y Varoufakis, Adults in the Room: My Battle with Europe’s Deep Establishment, The Bodley Head, 2017, pg 90

[7] Y Varoufakis, Adults in the Room: My Battle with Europe’s Deep Establishment, The Bodley Head, 2017, pg 140

[8] ibid. pg 339

[9] ibid. pg 62

[10] Y Varoufakis, ‘Confessions Of An Erratic Marxist In The Midst Of A Repugnant European Crisis’, Z, 8 February 2015

[11] Y Varoufakis, Adults in the Room: My Battle with Europe’s Deep Establishment, The Bodley Head, 2017, pg 115

[12] ibid. pg 308-309

[13] ‘Αποφασισμένος ο Παυλόπουλος να διασφαλίσει την πορεία της χώρας στην Ευρώπη’, Πρώτο Θέμα,16 June 2015

[14] Y Varoufakis, Adults in the Room: My Battle with Europe’s Deep Establishment, The Bodley Head, 2017, pg 463

[15] C Iordanidis, ‘A short step from here to barbarity’, Kathimerini, 9 July 2015

[16] enikosgr, ‘Λαφαζάνης: Πολιτικός σεισμός το αποτέλεσμα του δημοψηφίσματος’, Youtube, 5 July 2015

[17] J L Aranda, L Almodóvar, ‘Miembros de Syriza: “Estamos en un momento histórico para Grecia”’, El País, 6 July 2015

[18] Y Varoufakis, Adults in the Room: My Battle with Europe’s Deep Establishment, The Bodley Head, 2017, pg 467

[19] المطالبة برطل من اللحم إحالة إلى مسرحية شيكسبير “تاجر البندقية”، حيث يطالب المرابي شيلوك برطل من لحم التاجر أنطونيو مقابل القرض الذي أقرضه إياه. -إشارة من المترجم-.

[20] S Kouvelakis, ‘Greece: Phase One’, Jacobin, 22 January 2015

[21] ‘Απόφαση της Κ.Ε. του ΣΥΡΙΖΑ’, 10-11 October 2015

[22] L Trotsky, ‘The Class, the Party and the Leadership’, Fourth International, Vol 1, No 7, 1940, pg 191

[23] ibid. pg 193

[24] The referendum on the 5th of July and the stance of the KKE’, kke.gr, 29 June 2015

[25] L Trotsky, ‘The Class, the Party and the Leadership’, Fourth International, Vol 1, No 7, 1940, pg 194