الرئيسية / قضايا نظرية / المسألة القومية / الماركسيون والمسألة القومية

الماركسيون والمسألة القومية

بينما يترنح النظام الرأسمالي من أزمة إلى أخرى، بدأت التناقضات القديمة تعود إلى الظهور على السطح. وتشهد جميع أنحاء العالم تصاعد الاضطرابات والاستقطاب الطبقي والتحولات السياسية الضخمة. وكجزء من هذه السيرورة، نشهد المسألة القومية التي لم يتم حلها، وهي تعود مرة أخرى بقوة متجددة في مختلف أنحاء العالم: من كاتالونيا إلى كوردستان إلى أيرلندا.

إلا أن هذه التحولات العملاقة لا تحدث فيما يتعلق بالمسألة القومية فقط. إذ أن ظهور حركات وتشكيلات سياسية جديدة، من ساندرز إلى كوربين إلى بوديموس، يعكس المأزق الذي وصل إليه النظام الرأسمالي وحقيقة مفادها أن الجماهير -المحرومة من حزب ذي برنامج ثوري واضح- تبحث عن مخرج.

تمثل المسألة القومية، بالنسبة للماركسيين، واحدة من أكثر الأسئلة تحديا وتعقيدا، وهي مسألة لا توجد لها صيغة واحدة “شاملة”. إن مبدأنا الأول عند معالجتنا لهذه المسألة، يكون دائما هو هدف توحيد الطبقة العاملة في العالم أجمع للنضال من أجل الإطاحة بالرأسمالية.

يرغب الماركسيون، بشكل عام، في إلغاء الحدود، وليس إقامة حدود جديدة. ورغم ذلك فإن موقف الماركسيين، الذي طوره لينين والبلاشفة بشكل خاص، يتمثل في الدفاع عن الحق الديمقراطي للأمم في تقرير مصيرها، بما في ذلك الحق في الانفصال. قد يبدو هذا الموقف وكأنه متناقض. إذ بما أننا نريد التخلص من كل الحدود، فلماذا إذن الدفاع عن الحق في إنشاء حدود جديدة؟

في عام 1903، ناقش الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي (الذي كان البلاشفة فصيلا داخله) هذه المسألة بالتحديد. كانت روسيا في ذلك الوقت توصف بأنها “سجن الشعوب” بسبب القمع المروع الذي كان النظام القيصري يمارسه ضد الأوكرانيين والجورجيين والبيلاروسيين والليتوانيين واليهود والأقليات القومية الأخرى. وفي مواجهة سياسة القمع القومي، التي كان النظام القيصري يطبقها، كتب الماركسيون الروس على رايتهم الدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها.

وقد عارضت روزا لوكسمبورغ هذا الموقف، في ذلك الوقت، حيث كانت تخوض صراعا شرسا ضد النزعات القومية البولندية. في تلك المناقشة أشار لينين بشكل صحيح إلى أن أفضل طريقة لتقويض الحركة القومية البولندية هي، على وجه التحديد، أن تعلن الطبقة العاملة الروسية (الطبقة العاملة في الدولة المضطهِدة) صراحة أنها ليست لديها أية مصلحة في استمرار القمع القومي القيصري الروسي. وبالتالي فإن سياسة الدفاع عن الحق الديمقراطي للأمم المضطهَدة في الانفصال كانت تهدف إلى تعزيز وحدة الطبقة العاملة ضد عدوها المشترك.

وقد أثبتت هذه الطريقة صحتها بشكل كامل. فبدون تلك السياسة، كان من المحتمل أن يؤدي اندلاع الثورة الروسية عام 1917 إلى انفصال العديد من الجمهوريات عن الاتحاد السوفياتي. وكانت تلك الحركات القومية ستنظر إلى البلاشفة بعين الريبة باعتبارهم حزبا “روسيا” بحتا.

وبعبارة أخرى فإن موقف الماركسيين من المسألة القومية يهدف على وجه التحديد إلى القضاء على العداوات القومية وانعدام الثقة، وبالتالي تمهيد الطريق من أجل تحقيق وحدة طبقية أممية حقيقية.

إلا أنه من الضروري أن نوضح أن الدفاع عن حق الأمم في تقرير مصيرها لا يعني الدفاع دائما عن الاستقلال والانفصال. يمكننا أن نقوم هنا بمقارنة مع الحق في الطلاق. نحن بالطبع ندافع عن حق أي من طرفي الزواج في الطلاق. هل هذا يعني أنه يجب على المرء أن يطالب بأن ينتهي كل زواج بالطلاق؟ كلا بالطبع!

إن مسألة ما إذا كان الماركسيون يدعون إلى تقرير المصير في هذه الحالة أو تلك، هي دائما مسألة ملموسة. لقد أيد ماركس وإنجلز ولينين وتروتسكي الحركات القومية في أوروبا في بعض الحالات وعارضوها في بعض الحالات الأخرى. وكان المحدد بالنسبة إليهم دائما هو: كيف يخدم هذا مصالح الطبقة العاملة؟

وعلى سبيل المثال، ففي أربعينيات القرن التاسع عشر، كان ماركس يرى أن النضال من أجل انتصار نضال العمال الإنجليز (الحركة الشارتية، مثلا)، كان أساسيا للنضال التحرري الأيرلندي. لكنه وبحلول ستينيات القرن التاسع عشر توصل إلى وجهة نظر معاكسة وهي: أن استقلال إيرلندا عن إنجلترا كان الشرط المسبق الضروري للثورة الاشتراكية في إنجلترا نفسها.

أوضح ماركس كيف أن انفصال إيرلندا ستكون له عواقب ثورية داخل إنجلترا. ستكون أراضي الملاكين الإنجليز الغائبين غير محمية تماما بسبب انسحاب الجيش البريطاني. وبالتالي فإن الاستقلال سيكون إشارة لانطلاق ثورة زراعية في إيرلندا. كان الانتصار الثوري على ملاك الأراضي الإنجليز في إيرلندا سيكون بمثابة مقدمة للإطاحة بالرأسمالية في إنجلترا نفسها.

كان من شأن انفصال إيرلندا أن تكون له تأثيرات إيجابية أخرى على الحركة العمالية. أدى القمع الذي تعرضت له إيرلندا إلى زيادة التوترات القومية بين العمال البريطانيين والعمال الأيرلنديين في المدن البريطانية. وقد عرفت الطبقة الرأسمالية كيف تستخدم تلك العداوات. كان من شأن انفصال إيرلندا أن يساعد في إزالة الكراهية القومية وتمهيد الطريق للوحدة بين العمال الأيرلنديين والإنجليز، في إنجلترا أيضا.

نرى إذن كيف دعم ماركس وإنجلز استقلال إيرلندا من منظور أممي. ولأجل إعطاء موقف صحيح للمظاهر العديدة للمسألة القومية في وقتنا الحالي، تمثل كتابات كبار المعلمين الماركسيين ثروة من الخبرات وأمثلة على المرونة الكبيرة والحساسية العالية في معالجة هذه المسألة.

إن عودة المسألة القومية للظهور، حتى في البلدان التي كانت تُعتبر فيها “محلولة” منذ عدة قرون، لدليل على عمق الأزمة اليوم. وهذه هي الحال في إسكتلندا، حيث بقي الاتحاد مع إنجلترا وويلز ـحتى وقت قريب- قائما بدون مشاكل نسبيا لمدة 300 عام.

لماذا إذن عادت المسألة القومية للظهور من جديد؟ إن السبب يعود بشكل أساسي إلى الوضع الاقتصادي. أدت أزمة السبعينيات إلى فترة من الصراع الطبقي شارك فيها العمال في جميع أنحاء بريطانيا. لكن ومع الهزائم التي واجهتها الحركة العمالية في الثمانينيات (عمال المناجم، وعمال الطباعة، وعمال الموانئ، وما إلى ذلك) لم تتوقف السيرورة ببساطة، إذ استمر الناس في البحث عن إجابات لمشاكلهم.

وعندما تعجز الطبقة العاملة عن إيجاد مخرج، وذلك بسبب قيادتها الإصلاحية، يصير من الممكن أن تعود المسألة القومية إلى الظهور بشكل حاد، حيث يظهر القوميون البرجوازيون والبرجوازيون الصغار وكأنهم يقدمون مخرجا. كان هذا هو الحال في إسكتلندا. في الماضي، كان الحزب الوطني الإسكتلندي (SNP) يعتبر حزبا يمينيا، ولم يكن يتمتع بدعم كبير بين العمال.

لكن مع صعود البليرية، تمكن الحزب الوطني الإسكتلندي من التفوق على حزب العمال في اليسار. وعلى هذا فقد تمكن القوميون الاسكتلنديون من تقديم وعود بحلول -من خلال الوعد بالانفصال عن إنجلترا- في حين لم يقدم حزب العمال طيلة عقود أي حلول. لذلك فقد تحول العديد من العمال والشباب الأكثر وعيا سياسيا نحو المطالبة باستقلال إسكتلندا كحل محتمل لمشاكل التقشف والفقر والمعاناة التي تفرضها الرأسمالية البريطانية عليهم.

بالنسبة لنا، نحن الماركسيون، موقفنا الأساسي لم يتغير. نحن مع وحدة الطبقة العاملة. نحن نناضل من أجل فدرالية اشتراكية لإسكتلندا وإنجلترا وويلز وإيرلندا، تكون جزءا من الولايات الاشتراكية الأوروبية المتحدة. ونستمر في توضيح أن “الاستقلال” على أساس الرأسمالية ليس استقلالا على الإطلاق. فأوضاع التقشف والفقر والاستغلال التي يريد العمال الإسكتلنديون الهروب منها، سوف تستمر لأن سببها هو أزمة الرأسمالية.

لكن الاستفتاء على الاستقلال، عام 2014، كان بمثابة نقطة تحول حاسمة. فعلى الرغم من أن التصويت بالرفض فاز بفارق ضئيل، فإن جماهير العمال والشباب دخلوا المشهد السياسي، ولم يكن مفهومهم عن الاستقلال يتوافق بأي حال من الأحوال مع ذلك النوع من “الاستقلال” الذي يدعو إليه القوميون اليمينيون.

لا يمكننا أن نتجاهل هذه التطلعات القومية بجرة قلم قائلين: “إن الاشتراكية ستحل كل هذه المشاكل”. ولذلك قام الماركسيون برفع شعار من أجل جمهورية إسكتلندا العمالية المستقلة، كجزء من التغيير الاشتراكي عبر هذه الجزر وكخطوة نحو الفدرالية الاشتراكية.

لكن ومرة أخرى، لم تصل القصة إلى نقطة النهاية. سوف تستمر المسألة القومية في التطور إلى أن تتم الإطاحة بالرأسمالية نفسها. ليس من المستبعد خلال الفترة المقبلة أن يؤدي الصراع الطبقي المتصاعد في مختلف أنحاء بريطانيا -وخاصة مع انتخاب حكومة عمالية يسارية- إلى دفع الحركة الاستقلالية إلى الوراء لبعض الوقت. لكن ذلك يعتمد إلى حد كبير على قدرة قادة حزب العمال في بريطانيا على التعامل بحساسية مع التطلعات القومية للعمال الإسكتلنديين، والتي لديها نواة تقدمية[1].

ولا بد من القول إنه في عام 2014، كان الدافع الأكبر لصعود الحركة القومية الإسكتلندية هو أنصار بلير، الذين وقفوا على نفس أرضية المحافظين كجزء من حملة “معا أفضل”.

وعلى الرغم من انتخاب كوربين، وانتخاب اليساري ريتشارد ليونارد زعيما لحزب العمال الإسكتلندي، فإن زعماء الحزب استمروا يتجاهلون المسألة القومية، كما نرى مع استمرار رفض حزب العمال دعم الحق في إجراء استفتاء ثان.

 وفي كاتالونيا أيضا شهدنا تطورا مماثلا. حتى عام 2017، لم تكن الحركة القومية الكاتالونية قد وصلت إلى نفس المرحلة التي وصلت إليها التطورات في إسكتلندا. لكن في فاتح أكتوبر 2017، حاول القادة القوميون في كاتالونيا إجراء استفتاء على الاستقلال. كانوا يتوقعون أن الدولة الإسبانية سوف تسحق الاستفتاء، وتوقعوا الحصول على بعض الرصيد السياسي. لكن من المؤكد أنه لم تكن لديهم القدرة على خوض معركة حقيقية.

ردت الدولة الإسبانية الفاسدة بمستويات من القمع تعود إلى عصر فرانكو. في الواقع، لم تحل الطبقة الرأسمالية الإسبانية المتخلفة أبدا المسألة القومية، ولم تتمكن من الحفاظ على تماسك الدولة الإسبانية، في اللحظات الحاسمة، إلا من خلال القمع الوحشي.

ومع ذلك، فقد فوجئت جميع الأحزاب عندما تحرك الملايين من العمال الكاتالونيين للدفاع عن الاستفتاء ضد القمع الوحشي للدولة الإسبانية.

قال تروتسكي ذات مرة إن القومية يمكن أن تكون “الغلاف الخارجي للبلشفية غير الناضجة”. ويمكننا أن نقول ذلك بقدر كبير من الصحة عن “القومية” التي يتبناها الآلاف من رجال الإطفاء والممرضين وطلاب المدارس، الكاتالونيين اليساريين، الذين وقفوا بشجاعة في وجه قمع الدولة الإسبانية.

ومع ذلك، فإنه يمكن للنزعة القومية أيضا أن تكون الغلاف الخارجي للفاشية الناشئة. ونحن نرى هذا في حالة القومية الإسبانية، التي تم تحريضها بطريقة رجعية من قِبَل الدولة الإسبانية -بقايا نظام فرانكو- ردا على الأحداث في كاتالونيا.

تقدم الأحداث التي شهدتها كاتالونيا درسا أكثر وضوحا حول مدى أهمية تبني اليسار لموقف صحيح فيما يتعلق بالمسألة القومية. ومن المؤسف أن حزب بوديموس اليساري قد اتخذ موقف “المسافة المتساوية” بين الحركة القومية الكاتالونية والحركة القومية الإسبانية، كما لو أن الاثنين متساويان!

إن الحركة القومية الإسبانية، التي تمثلها أحزاب مثل حزب الشعب وحزب سيودادانوس وحزب فوكس، لديها تقاليد فاسدة ويمينية وفاشية. لكن حركة الاستقلال الكاتالونية تتمتع بمضمون جمهوري تقدمي. وعلى عكس قادة بوديموس، فقد طرح الماركسيون في كاتالونيا شعار: من أجل جمهورية كاتالونية اشتراكية كشرارة للثورة الإيبيرية!

 هناك أجزاء قليلة من العالم وصلت فيها تناقضات النظام الرأسمالي المحتضر إلى تلك الأبعاد الحادة والمؤلمة التي وصلت إليها في الشرق الأوسط. في أعقاب الربيع العربي، شعرت القوى الإمبريالية بالأرض تتداعى تحت أقدامها. ميزان القوى الذي بنوه بجهد هناك تحطم. وقد أدى ذلك في سوريا إلى اندلاع الصراع فيما بينها على النفوذ، مع ما كان لذلك من عواقب رجعية.

كان للانعطاف السريع بين الثورة والثورة المضادة تأثير عميق على مصير الشعب الكوردي، الذي يعتبر أكبر مجموعة قومية بلا وطن في العالم. أربعون مليون كوردي منقسمون في معظمهم بين تركيا وسوريا والعراق وإيران.

عندما بدأت الثورة السورية عام 2011، كان من الممكن أن تتحرك في اتجاه وصول العمال إلى السلطة. لو كان هناك حزب ثوري في سوريا في ذلك الوقت، لكان قد رفع شعار فدرالية اشتراكية للشرق الأوسط، مؤكدا قبل كل شيء على ضرورة وحدة الطبقة العاملة، وحق الحكم الذاتي لمختلف المجموعات القومية. توجد في سوريا مجموعات اثنية ودينية عديدة في المناطق الأكثر اكتظاظا بالسكان: ليس العرب والكورد فحسب، بل أيضا السنة والعلويين والدروز والمسيحيين والجماعات الدينية الأخرى.

لكن ومع الانزلاق إلى الحرب الأهلية، وتزايد هيمنة الإسلاميين على المعارضة، دفع تصاعد الرجعية بالكورد في منطقة روج آفا الشمالية إلى أخذ شؤونهم الخاصة بين أيديهم. وفي الوقت نفسه، أصبحت المناطق الكوردية، على الحدود مع العراق، منفصلة بشكل متزايد عن بقية الدولة. من السهل فهم رغبة الكورد في الانفصال بالنظر إلى الاضطهاد الذي تعرضوا له من قبل النظام الطائفي في بغداد.

وقد أثارت تلك التطورات المتزامنة فكرة في مخيلة الملايين من الكورد مفادها أن إنشاء دولتهم الخاصة قد يكون في متناول اليد.

كان هذا هو السياق الذي دعا خلاله بارزاني، والذي هو قومي يميني في كوردستان العراق، إلى إجراء استفتاء على الاستقلال في عام 2017، والذي حصل على أغلبية كبيرة بلغت 92,73%. لكن ماذا كانت النتيجة؟ لقد تحركت القوى في المنطقة، بسبب خوفها من صدى ذلك بين سكانها الكورد، لتخويف البارزاني والكورد العراقيين. فأغلقت كل من إيران وتركيا حدودهما، في حين أرسل النظام العراقي قواته إلى كركوك لقطع تدفق النفط.

وفي ملاحظة جانبية، تجدر الإشارة إلى أن عصابة بارزاني قد حاولت بسط سيطرتها خارج المناطق ذات الأغلبية الكوردية، إلى مدن مثل كركوك وأماكن أخرى، حيث يوجد تجمع سكاني مختلط.

من المغري تبسيط العالم إلى لونين أبيض وأسود؛ أمم مضطهِدة وأمم مضطهَدة. لكن البرجوازية في الأمم المضطهَدة تطمح بشكل عام إلى أن تصبح هي نفسها قوة مضطهِدة!

والولايات المتحدة من جانبها لم تفعل شيئا لحماية الحقوق القومية للكورد. منذ ظهور تنظيم داعش، اعتمدت الولايات المتحدة بشكل متزايد على الكورد باعتبارهم القوة القتالية الأكثر كفاءة في المنطقة. وقد حذر الماركسيون من أن الولايات المتحدة، والقوى الإمبريالية الأخرى، سوف تستخدم الكورد (وغيرهم من القوميات الصغيرة والمضطهَدة) كأوراق بسيطة في تعاملاتهم مع بعضهم البعض. وهو ما تأكد بشكل كامل.

في سياق ذلك النضال، دعم الماركسيون حق الشعب الكوردي في الاستقلال. لكننا أوضحنا -وقد أثبتت الأحداث موقفنا- أن ذلك الاستقلال لا يمكن أن يتحقق إلا بإسقاط أردوغان في تركيا، والملالي في إيران، الخ، على يد عمال المنطقة برمتها.

وبعبارة أخرى فإنه لا يمكن تحقيق كوردستان ديمقراطية مستقلة إلا كجزء من النضال من أجل إقامة فدرالية اشتراكية في الشرق الأوسط. من الواضح أن القادة القوميين البرجوازيين والبرجوازيين الصغار ليست لديهم أية مصلحة في مثل هذا الحل للمسألة الكوردية.

يتأكد في كوردستان، ربما أكثر من أي مكان آخر، كيف أن النضال من أجل تقرير مصير الشعوب المضطهَدة -في ظل الإمبريالية- يرتبط ارتباطا وثيقا بالنضال الأممي للطبقة العاملة من أجل الاشتراكية. والحقيقة هي أنه من دون منظور طبقي أممي، من المستحيل حل عقدة التناقضات القومية القائمة في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، وأنها ستصبح مجرد مصدر للبؤس والمعاناة لشعوب المنطقة.

في حين أدت أزمة الرأسمالية في إسكتلندا وكاتالونيا وكوردستان، وأماكن أخرى، إلى ظهور نضالات قومية تقدمية، فقد قامت البرجوازية في أماكن أخرى بإثارة المسألة القومية لإجهاض الصراع الطبقي الصاعد. وحتى لو كان ذلك يعني دفع الأمور إلى حافة الحرب الأهلية، فإنه أفضل بكثير بالنسبة للطبقة السائدة من السماح بسقوط سلطتها وامتيازاتها.

في الفترة ما بين 1968-1969، اتخذت حركة الحقوق المدنية في إيرلندا الشمالية، المستوحاة من الأحداث التي وقعت في فرنسا، سمات ثورية. فتعمدت الطبقة الرأسمالية البريطانية دفع التطورات بعيدا عن الصراع الطبقي ونحو الطائفية.

تواطأ المحافظون بشكل نشط مع القوات شبه العسكرية الموالية لإنجلترا، في تنفيذ جرائم قتل طائفية. وفي الوقت نفسه، قام قسم من البرجوازية في جنوب إيرلندا بتقديم الأموال والأسلحة للجيش الجمهوري الأيرلندي المؤقت، وهو جماعة يمينية مناهضة للشيوعية. وقد أدى استخدام الإرهاب الفردي من قبل الجيش الجمهوري الإيرلندي المؤقت إلى توسيع الانقسام الطائفي. كان هذا أفضل بكثير بالنسبة للطبقة السائدة البريطانية من مواجهة طبقة عاملة ثورية موحدة.

 وفي باكستان، في أوائل عام 2018 شهدنا نمو حركة البشتون تحفظ (حركة حماية البشتون). لقد تم إنشاء باكستان بشكل مصطنع من طرف الإمبريالية البريطانية، وذلك من خلال تقسيم الهند سنة 1947. أدت تلك الجريمة إلى مقتل أكثر من مليوني شخص بسبب العنف الطائفي. وما تزال المسألة القومية دون حل حتى يومنا هذا. ونحن نرى في كشمير كيف تستخدم الطبقات السائدة في باكستان والهند تلك الجروح المفتوحة لأجل خدمة مصالحها الخاصة وتأجيج الشوفينية القومية في الداخل.

إن الطبقة الرأسمالية في باكستان عاجزة عن خلق دولة ديمقراطية مستقرة. وبدلا من ذلك فقد استخدمت الطبقة السائدة، المتمركزة بشكل رئيسي في منطقة البنجاب، القمع الوحشي لمنع قوى النبذ من تمزيق باكستان. وفي مناطق البشتون القبلية، أدى ذلك إلى الاختفاء القسري لآلاف الأشخاص، مع عدم قدرة أحبائهم على التحدث علنا خوفا من العواقب.

لكن في عام 2018 وصل هذا إلى نقطة الانهيار. تم تنظيم مسيرات واجتماعات حاشدة لمئات الآلاف من البشتون المضطهَدين دعت لها حركة البشتون تحفظ. لكن البشتون ليسوا القومية الوحيدة المضطهَدة في باكستان. فقد استوحى الهزارة المضطهَدون هم أيضا الإلهام من حركة البشتون تحفظ، وكذلك فعل البلوش.

كانت الدولة الباكستانية تخشى بشدة من أن ترتبط هذه الحركة بنضال الجماعات المضطهَدة الأخرى وتكون بمثابة عامل في تسريع هائل للصراع الطبقي في باكستان. وفعلا فقد طالب الماركسيون حركة البشتون تحفظ على وجه التحديد بربط نضالات البشتون مع نضالات الجماعات المضطهَدة الأخرى، وفي المقام الأول مع نضالات العمال.

وبالتالي فإنه لم يكن من المفاجئ أن الطبقة السائدة في باكستان كان لها موقف إيجابي جدا تجاه أعضاء حركة البشتون تحفظ الذين أرادوا دفع الحركة على أسس قومية بحتة. ولسوء الحظ، فقد تمكن هؤلاء القوميون من تحقيق بعض النجاح في الوصول إلى قيادة حركة البشتون تحفظ. وهكذا فإن تلك الحركة التي كانت في بدايتها حركة واعدة للغاية، تم تحويلها بشكل واعي من قبل الطبقة السائدة نحو مسارات قومية.

من خلال هذه الأمثلة القليلة فقط، يمكننا أن نرى كيف أن المسألة القومية مسألة متعددة الأوجه. لكل مسألة قومية خصوصياتها. كما أن كل مسألة قومية يمكنها هي نفسها، من لحظة إلى أخرى، أن تتوقف عن أن تكون كما كانت عليه. الثابت الوحيد هو التغير نفسه.

يستخدم القوميون البرجوازيون والبرجوازيون الصغار المسألة القومية لخدمة أغراضهم الخاصة: إما لتقسيم الطبقة العاملة أو لانتزاع الامتيازات لأنفسهم. والطبقة السائدة تدرك تماما كيف يمكنها استخدام الاختلافات القومية لوضع العراقيل وتقسيم العمال.

بينما المنهج الماركسي، وعلى النقيض من ذلك، يهدف إلى تسليح العمال الأكثر تقدما ووعيا طبقيا بالأفكار والشعارات والسياسات اللازمة لقيادة بقية الطبقة بعيدا عن التعصب القومي والعنصري والديني، وهدم الحواجز التي تقيمها الطبقة الرأسمالية.

لكن التوصل إلى الشعارات الصحيحة والسياسات الصحيحة والمطالب الصحيحة ليست مهمة بسيطة. لا وجود للصيغ والوصفات المعدة مسبقا. وبدلا من ذلك، من الضروري أولا دراسة كل مسألة بعناية، لاستخلاص ديناميتها الخاصة. وقبل كل شيء ينبغي النظر إلى المسألة القومية باعتبارها سيرورة. وفي هذه السيرورة، يعد تغير مواقف مختلف الطبقات أمرا أساسيا في إجراء التقييم الصحيح.

لدينا، لحسن الحظ، كنز من الأدبيات حول الموضوع تركه لنا ماركس وإنجلز ولينين وتروتسكي، والذي ينبغي دراسته من قبل جميع الماركسيين والعمال الواعين. وهو إرث يمثل التجارب المكثفة المكتسبة من دراسة تلك المسائل التي واجهها الماركسيون في الماضي.

سوف تصبح تناقضات الرأسمالية أكثر حدة من الآن فصاعدا. وسوف تتفاقم العداوات القومية أكثر فأكثر. ولكي نجيب عليها يتوجب علينا أن نتسلح بسياسة واضحة ومفهومة بشأن المسألة القومية.

بن كيوري
04 يوليوز 2019


[1]  كان هذا التحليل في سياق وجود جيريمي كوربين في قيادة حزب العمال. المترجم.

Marxists and the National Question