الرئيسية / الشرق الأوسط / لبنان / الثورة اللبنانية: ماذا بعد تنحي رئيس الوزراء؟

الثورة اللبنانية: ماذا بعد تنحي رئيس الوزراء؟

يوم الاثنين، 28 أكتوبر، أعلن سعد الحريري استقالته أمام حركة جماهيرية لمتظاهرين من جميع الخلفيات. جاء هذا التراجع من جانب الحكومة بعد اندلاع احتجاجات ضخمة شارك فيها 02 مليون شخص –ما يمثل ثلث السكان- في جميع أنحاء البلاد. وفي سياق الدعوات إلى تنظيم إضراب عام، أغلق المتظاهرون الطرق وسدت البنوك والمدارس أبوابها. لقد تمكنت هذه الحركة، التي عبرت كل الحدود الطائفية، من أن تحقق خلال أسبوعين أكثر مما حققه السياسيون الفاسدون في لبنان منذ سنوات.

وكان الحريري قد قدم قبل استقالته حزمة إصلاحات يائسة في محاولة لإرضاء الحركة، شملت تخفيض رواتب السياسيين إلى النصف، وإنشاء لجنة لمكافحة الفساد، وإلغاء كل الضرائب والرسوم في ميزانية عام 2020، والالتزام بإنفاق 13.3 مليون دولار لدعم الأسر الفقيرة، وخليط آخر من الإجراءات مثل خصخصة قطاع الاتصالات وتعزيز الحدود وإلغاء بعض الوزارات مثل وزارة الإعلام.

لكن العديد من المتظاهرين اعتبروا هذه الإصلاحات قليلة جدا ومتأخرة جدا. الطبقة الحاكمة في لبنان غارقة في الفساد، وتعيش طفيلية على حساب الجماهير العاملة. والجماهير تدرك جيدا أن هذه التنازلات الصغيرة لن تؤدي إلى تحسين ظروفها. هذا ما يفسر استمرار الاحتجاجات.

والآن بعد استقالة الحريري، انطلقت الحركة من جديد. فعوض أن تؤدي استقالته إلى وضع حد للاحتجاجات -كما كانت النخبة اللبنانية تأمل-، اندلعت مظاهرات هيمن عليها شعار “كلن يعني كلن!” (جميعهم يعني جميعهم). وهذا موقف صحيح تماما، يجب أن تستمر الثورة حتى يتمكن الشعب بنفسه من حكم البلد، لأن ذلك هو الضمانة الوحيدة لكي تتمكن الجماهير من القضاء على الفساد وتحسين ظروف عيش اللبنانيين الكادحين.

الطائفية أداة تستخدمها الطبقة الحاكمة لتقسيم صفوف الشعب

أهم ما أتضح خلال الأسبوع الماضي هو أن الثورة تتجاوز كل الانقسامات العرقية. فلعقود من الزمن استمر النظام اللبناني في لعبة توازن مع الإمبريالية وبين الفصائل المختلفة التي تشكل النخبة الحاكمة. لا أحد يمثل الشعب حقا لا حزب الله ولا الحركة الوطنية اللبنانية. وقد تمكنت الجماهير من أن تفهم أنها لا تستطيع الاعتماد إلا على نفسها.

كانت الحركات الجماهيرية السابقة مثالا على كيف يمكن أن يحدث التغيير داخل المجتمع اللبناني بشكل فعلي، وما زالت هذه الذاكرة قائمة. في عام 2011، رأينا كيف تم إسقاط الحكومة بفعل الاحتجاجات الجماهيرية ضد الفساد، وهو ما أدى إلى تنصيب نجيب ميقاتي رئيسا للوزراء. ثم اندلعت حركة مماثلة في عام 2015 احتجاجا على عجز الحكومة عن تقديم الخدمات الأساسية مثل جمع القمامة من الشوارع، حيث شارك في ذروة الحركة أكثر من 100.000 متظاهر. ومن خلال تلك النضالات الموحدة، التي ارتفعت فوق جميع الانقسامات، تم تحقيق مجموعة من المكاسب.

لقد كانت الجماهير اللبنانية دائما في طليعة النضال من أجل التغيير الحقيقي في البلد. في حين أن القادة السياسيين في لبنان كانوا دائمًا يستخدمون الانقسامات الطائفية لبث الارتباك والانقسام بين صفوف الجماهير العاملة. وبالتالي فإنه من المخيب لآمال الحريري ونصر الله وميشيل عون أن هذه الثورة قد ارتفعت فوق جميع الانقسامات الدينية داخل المجتمع. كما كشفت هذه الانتفاضة أيضا أن حزب الله، الذي ارتبط اسمه في لبنان بهزيمة إسرائيل وانسحابها في عام 2006، هو حزب يقف بحزم إلى جانب الحكومة.

كان حسن نصر الله قد قال في تصريح متلفز “لا نقبل بإسقاط العهد ولا نؤيّد إستقالة الحكومة” وأن من بين المحتجين “تجمعات وأشخاص قطعاً ترتبط بسفارات أجنبيّة وبأجهزة إستخبارات أجنبيّة”. هذا هو الخطاب التقليدي الذي يستعمله نصر الله والحريري وجميع السياسيين الآخرين في المجتمع اللبناني. فمن خلال توجيههم لأصابع الاتهام إلى هذه المجموعة أو تلك، ونشر الخوف بين الجماهير، يسعى هؤلاء القادة إلى صرف الانتباه عن الفساد والنهب الذي يحدث خلف الكواليس.

بالطبع هناك دائما ذرة من الحقيقة في ذلك، حيث ستحاول القوى الأجنبية التحكم في المتظاهرين والتلاعب بهم ودفعهم في الطريق الخطأ. يجب أن يكون موقف الثورة واضحا جدًا بخصوص هذا: لا للتدخل الإيراني أو السعودي، لا لتدخل الإمبريالية الروسية أو الأمريكية. يجب علينا أن نعتمد فقط على قوانا الخاصة وعلى دعم الطبقة العاملة في الشرق الأوسط والعالم.

كما حث نصر الله مؤيدي الحزب و”الشيعة” على ترك الاحتجاجات. ومع ذلك فقد استمرت الاحتجاجات حتى في المناطق التي تعرف أغلبية شيعية. إن هذا يمثل تطورا هاما. لقد استمر نصر الله لسنوات يصور نفسه كبطل للفقراء الشيعة وعدو للفساد في الحكومة. لكنه الآن وفي مواجهة حركة حقيقية من الأسفل، يحاول بشكل علني إخراج الثورة عن مسارها! لقد أصبح هذا أكثر وضوحا في المدن التي يهيمن عليها الشيعة مثل النبطية، حيث تعرض المتظاهرون لهجمات من طرف أنصار حزب الله. وقد كانت تلك أولى أعمال العنف التي شهدتها الثورة الحالية.

إن السبب وراء رغبة النخبة اللبنانية في تقسيم هذه الحركة واضح للغاية. إنهم خائفون، وهم محقون في أن يكونوا كذلك. في العراق هناك تطورات مماثلة تختمر، حيث يتظاهر الشباب، الشيعة والسنة، جنبا إلى جنب ضد الحكومة، ويناضلون من أجل تغيير الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهونها. لا يوجد شيء أكثر خطورة من مثال جيد يحتذى، ومن شأن هذه الحركات أن تصبح اتجاها عاما في كل أنحاء المنطقة. إن الشباب، على وجه الخصوص، يرون نفاق قادة بلدانهم واعتمادهم على الطائفية وإثارة الانقسامات، ويرفضون المنطق الذي تقوم عليه الأنظمة الحالية.

إن الطائفية والنظام الديني الذي تقوم عليه الحكومة في لبنان مجرد خداع في آخر المطاف. إذ عند اللحظة الحاسمة وعندما تتعرض مصالحهم الحيوية للخطر، يسارع القادة المسيحيون والشيعة والسنة في لبنان إلى الاتحاد معا باعتبارهم أعضاء في نفس النخبة الحاكمة، وهذا يفسر لماذا حاولوا جميعا الحفاظ على هذه الحكومة الفاسدة.

وفي نفس الحين اتحد جميع العمال اللبنانيين في الشوارع حول المطالب الاقتصادية والسياسية الأساسية. لا يميز المحتجون بين بعضهم البعض على أساس المنطقة أو الدين، بل يقبلون جميع الذين يريدون الإطاحة بالحكومة. ففي لبنان الآن يوجد معسكران فقط: معسكر الفقراء ومعسكر الأغنياء.

الجيش متعاطف مع الجماهير

والميزة الأخرى التي طبعت الاحتجاجات هي عدم قدرة الحكومة على استخدام الجيش ضد المتظاهرين. فعلى الرغم من استمرار إغلاق الطرق والمدارس والبنوك، فإن الحكومة امتنعت عن استخدام الجنود لقمع المحتجين. وقد صرح مصدر من داخل جهاز الأمن إنه: “إذا اقتنعوا [أي المتظاهرين] بها [الإصلاحات] فليكن، أما إذا لم يقتنعوا فستبقى الطرق مغلقة”. وقد أشاد كثير من المتتبعين بهذا الموقف الذي اتخذته الحكومة، لكن من الواضح أن هذا ليس عملا خيريا أو قرارا نابعا من التزامها بالمبادئ الديمقراطية. الواقع هو أن هناك خوف حقيقي من أنه إذا تم إرسال الجيش ضد الجماهير اللبنانية فإنه سينضم إليها.

لكن بعد استقالة الحريري شرع الجنود وقوات الأمن في التحرك من أجل فتح الطرق وإعادة الحياة لقطاع الأعمال. لم يمنعهم المحتجون من ذلك، بل اختاروا أن يحولوا احتجاجاتهم إلى عدة ساحات عامة في المدينة. وقد صرح أحد ممثلي حركة الاحتجاج قائلا: “سنعطيهم مهلة 72 ساعة لتشكيل حكومة جديدة قبل أن نبادر إلى التصعيد“.

تنظر حركة الاحتجاج عموما إلى الجنود ومؤسسة الجيش باعتبارهم حلفاء لها. وقد تجلى ذلك في العديد من حالات التضامن بين الجنود والجماهير. قام متظاهرون بتوزيع الزهور البيضاء على الجنود وهم يغنون النشيد الوطني. وقد شوهد جندي وهو يبكي عند أحد المتاريس عندما هتف المتظاهرون بالنشيد الوطني. وصاح المتظاهرون للجنود “نحن معكم!”. كما شوهد جنود وهم يدافعون عن المتظاهرين ضد اعتداء أنصار حزب الله في بيروت وفي عدة مدن مثل صور والنبطية.

ليس من الصعب أن نفهم سبب شعبية الجيش في لبنان. إنه رمز للوحدة لا يقوم على الطائفية. بعد الحرب الأهلية 1975-1990، كان الجيش مجرد قشرة فارغة. وبسبب ضعفه وعدم قدرته على الوقوف في وجه الميليشيات الدينية مثل حزب الله، لم يتم استخدامه قط لقمع الاحتجاجات أو الحركات في لبنان. كما أنه يتكون بشكل أساسي من أفقر فئات المجتمع اللبناني من جميع الخلفيات الدينية. ونتيجة لذلك فقد اكتسب الشعبية مع وجود العديد من أسر أو أقارب هؤلاء الجنود في الشوارع. وهكذا فإن مطالبة الجيش بإطلاق النار على المتظاهرين كان من المؤكد أن يؤدي إلى تداعيات هائلة في صفوف الجيش.

تاريخيا في أوقات الثورة، كلما خرجت أغلبية أفراد الشعب إلى الشوارع، يقوم الجنود العاديون بفك ارتباطهم بالمؤسسة وينضمون إلى الثورة. يحدث هذا حاليا في كل من الإكوادور وهايتي، وبالتالي فإن الخوف من الانقسام في صفوف القوات المسلحة يشكل تهديدا حقيقيا لحكام لبنان. من الضروري لكي تستمر الاحتجاجات وتتصاعد أن يتم كسب الجنود إلى معسكر الثورة. يجب أن يقوم المتظاهرون بمحاولة جادة لمناشدة الجنود بالانضمام إلى صفوف الثورة، ولا يمكن القيام بهذا إلا إذا نظمت الحركة نفسها بشكل صحيح ورفعت مطالب برنامجية واضحة.

أيها الشباب وفروا القيادة والتنظيم للثورة!

لقد رأينا حتى الآن تعبيرا هائلا عن الغضب في المجتمع اللبناني. وعلى الرغم من أن الطرق صارت مفتوحة الآن بعد استقالة الحريري، فإن مشاكل المجتمع اللبناني ما تزال قائمة. وما يزال هناك أمل في إحداث تغيير حقيقي في لبنان. لقد شارك الطلاب بكثافة في الثورة وهم من يقف في طليعة الحركة.

Leb protests 20 Oct 8

في بيروت نفسها، سرعان ما أصبحت ساحة الشهداء محورا للتعبئة والتنظيم داخل الحركة المستمرة. خلال الحرب الأهلية كانت ساحة الشهداء بمثابة خط فاصل بين الجماعات الدينية المختلفة في المدينة. أما الآن فقد أصبحت مكانا للوحدة. داخل هذه الساحة ينظم الطلاب صفوفهم. ويأتي الشباب من جميع الخلفيات للانضمام إلى المحادثات والمناقشات، حيث يمكنهم التعبير عن مشاكلهم. بل حتى رئيس الجامعة الأمريكية والأساتذة نزلوا إلى الساحة للنقاش مع الطلاب.

يجب تنظيم الحركة. إذ على الرغم من الجهود البطولية التي تبذل فإن هناك خطر تعرض الحركة لتحريف المسار. وقد بدأت الضباع تحوم في الجوار بالفعل. تريد السعودية تعزيز مواقعها في لبنان لمواجهة نفوذ حزب الله، كما أن للمصالح الأمريكية دورها في لبنان. وفي الوقت نفسه يحاول حزب الله كبح الاحتجاجات حتى يتمكن من الحفاظ على موقعه. يجب أن تؤخذ هذه التهديدات على محمل الجد، لأننا رأينا في سوريا عام 2011، كيف يمكن للقوى الأجنبية خطف الثورات وتدميرها.

أفضل طريقة للحماية من هذه المخاطر هي التنظيم الثوري. يجب عقد اجتماعات جماهيرية في جميع المدن والقرى، لانتخاب ممثلي الجماهير وتشكيل اللجان لتنظيم الحركة. وعوضا عن الاعتماد على الأسر السياسية التقليدية، يجب على الشعب اللبناني تنظيم صفوفه من أجل النضال ضد الفساد بشكل عام. لقد بدأ الشباب يقومون بالفعل بالخطوات الأولى لتحقيق ذلك، مع انتشار أخبار عن إرسال قادة الحركة الاحتجاجية للقاء الرئيس عون.

إن العنصر الأكثر أهمية لنجاح الثورة هو مشاركة الطبقة العاملة. ومنذ استقالة رئيس الوزراء خرجت بعض المسيرات ضد بنك لبنان بهتافات من قبيل: “هذه ثورة عمالية، فلتسقط الرأسمالية!”. لقد خرجت هذه الاحتجاجات حتى الآن بقيادة الشباب وقسم صغير من العمال، ويجب أن تستمر. يجب إرسال الممثلين إلى جميع النقابات والمصانع وأماكن العمل. يجب أن تنضم الطبقة العاملة إلى الحركة وتنظم إضرابا عاما جماهيريا.

لقد نجح العصيان المدني الحالي في إغلاق الطرق الرئيسية والبنوك والمدارس، لكن الشركات الكبرى لم تتأثر. يجب أن ينتهي هذا الوضع. أصحاب الملايير في لبنان هم الذين استفادوا من هذا النظام، وبالتالي فإن الطبقة العاملة وحدها من تملك القدرة على تغيير هذا. من شأن الإضراب العام الحقيقي أن يشل البلد بأكمله ويجبر النظام السياسي على الركوع. يجب محاربة الفساد أيضا بأن يفرض على البنوك فتح سجلاتها حتى تتمكن الجماهير من مراقبة القطاع المالي بنفسها. لا يمكننا الوثوق بالسياسيين والبيروقراطيين للقيام بذلك من أجلنا. كلهم يعني كلهم، وهذا يعني ليس فقط إيقاف العمل كالمعتاد، بل يعني أيضا ضرورة مصادرة ممتلكات الأغنياء واستخدام تلك الثروة لإصلاح المدارس وأنظمة المياه وإمدادات الكهرباء والرعاية الصحية والبنية التحتية الضرورية للحياة الحضارية.

ما تزال هناك حتى الآن احتجاجات متقطعة. والجميع يحبسون أنفاسهم لمعرفة ماذا سيحدث. يجب على الثورة أن تقوم بالخطوة الأولى. يجب ألا تتوقف. إن الوقوف في مثل هذه الظروف يعني فقدان الثورة للزخم وإعادة المبادرة إلى النخب الحاكمة. يجب ألا يعطى للحاكمين الوقت لينظموا الهجوم على الثورة أو التخطيط وراء الكواليس. يجب خوض نضال حاسم لإجبارهم على التنحي جميعا من السلطة وإلى الأبد!

إن العمال اللبنانيين وحدهم من يستطيعون، في نهاية المطاف، تسيير البلاد بطريقة صحيحة وعادلة وإنهاء الأزمة. وهذا يعني انتخاب لجان الأحياء ولجان أماكن العمل ولجان الجنود والتنسيق بينها على المستوى الوطني لتوفير هيئة قادرة على قيادة العمال والفقراء. سيتعين على هذه الهيئة الشروع في الاستيلاء على ممتلكات الأوليغارشية والإمبرياليين والبدء في تسيير المجتمع من طرف العمال من أجل العمال.

وفي الوقت نفسه ستقوم تلك الهيئة بمناشدة عمال العراق وبقية بلدان المنطقة لنشر الكفاح في جميع أنحائها. وأخيرا فإن الهدف هو تطوير الصراع الطبقي في جميع بلدان الجوار تحت شعار فدرالية اشتراكية للشرق الأوسط. إن الخيار واضح: إما هذا وإما أن الحركة، إذا تُركت بلا قيادة، ستتعرض في مرحلة ما للتراجع وتدخل قوى أشد رجعية، كما رأينا في مصر وغيرها من البلدان. على العمال والشباب اللبنانيين المتقدمين ألا يسمحوا لذلك أن يحدث.

آدم زين الدين
01 نونبر 2019

مصدر وعنوان المقال بالإنجليزية:

Prime minister steps down: what next for the Lebanese Revolution?

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *