يقدم الفيزيائي كارلو روفيلي في كتابه “هيلغولاند”، تفسيره الجديد لميكانيكا الكم، مقترنا بهجوم على لينين. وكما يوضح الرفيق بن كوري في هذا المقال، فإن روفيلي يشعر بالحاجة إلى مهاجمة لينين، الذي هو أعظم مادي في القرن العشرين، لأن روفيلي نفسه قد تخلى بوضوح عن المادية. لكنه بينما يحاول الرد على لينين، يظهر بجلاء أن لينين قد رد منذ فترة طويلة على أخطاء روفيلي الفلسفية.
[نُشرت هذه المقالة في الأصل ضمن العدد 48 من مجلة “الدفاع عن الماركسية”، المجلة النظرية الفصلية التي تصدرها الأممية الشيوعية الثورية.].

في عام 2021، نشر كارلو روفيلي كتابه “هيلغولاند”، وهو كتاب عن ميكانيكا الكم والفلسفة، باللغة الإنجليزية. وسرعان ما وصل إلى قمة الكتب “الأكثر مبيعا”، وتم اختياره “كتاب العام” من قبل صحيفة التايمز، وصحيفة فاينانشال تايمز، وصحيفة صنداي تايمز، وصحيفة الغارديان.
يبدأ الكتاب من جزيرة هيلغولاند الضبابية القاحلة في بحر الشمال، التي لجأ إليها الفيزيائي فيرنر هايزنبرغ بحثا عن ملاذ من مرض الحساسية الذي كان يعانيه، والذي تمكن في عام 1925 من تحقيق اكتشافات في نظرية الكم. لكن من هيلغولاند، ننتقل بسرعة كبيرة، إلى أرض مألوفة: عالم التصوف الكمومي:
«نراقب البحر. “إنه أمر لا يصدق حقا” همس كاسلاف. “هل يمكننا أن نصدق هذا؟ إنه كما لو أن الواقع… غير موجود…”»[1].
يصف روفيلي العالم الكمومي، الذي يعدنا بأنه سيرشدنا خلال رحلتنا فيه، بأنه «غامض للغاية ومربك بشكل ماهر. […] تبدو الأشياء البعيدة متصلة بشكل سحري. ويتم استبدال المادة بموجات شبحية من الاحتمالات»[2].
“غامض”، “سحري”، “شبحي”، المادة تختفي فجأة… لا شك أننا سمعنا كل هذا من قبل عندما يتعلق الأمر بقطار القمامة الغامضة الذي تم ربطه بعربة ميكانيكا الكم على مدى القرن الماضي. لكن لدى روفيلي وجهة نظره الخاصة في هذا الشأن. فهو في ذلك الكتاب، يقدم تفسيرا “جديدا” لميكانيكا الكم، وهو ما يسميه “التفسير العلائقي” (Relational interpretation).
لكن وفي مكان ما في منتصف هيلغولاند، يتجه روفيلي إلى منطقة غير متوقعة على ما يبدو. فمن رواد ميكانيكا الكم، نجد أنفسنا فجأة وجها لوجه مع لينين، الذي يدافع عن المادية ضد البلشفي المتحول إلى الماخية: ألكسندر بوغدانوف.
يشعر المرء بأن ضمير روفيلي الفلسفي كان مستفزا أثناء كتابته لهذا الكتاب. وبما أنه يساري سابق كان يتردد على الحلقات الشيوعية منذ سبعينيات القرن العشرين، فقد كان من المتوقع أنه سيلجأ إلى الدفاع عن نفسه (لكن ليس بنجاح كبير)، ضد أعظم الفلاسفة الماديين في القرن العشرين: لينين. وقد أهدى الكتاب في كلمة الشكر إلى خصم لينين، بوغدانوف، وهو الشيء الذي ربما يكون غير معتاد بالنسبة لكتاب عن ميكانيكا الكم، لكنه ليس صدفة على الإطلاق.
الثورة الكمومية
يبدأ روفيلي كتابه بالحديث عن الثورة في ميكانيكا الكم في أوائل القرن العشرين والتي ألقت الضوء على سمات جديدة للمادة بعيدة كل البعد عن فهمنا “العادي”.
ففي مؤتمر سولفاي الشهير عام 1927، اندلع نقاش حول تفسير تلك الاكتشافات، بين نيلز بور وألبرت أينشتاين، مما أدى إلى انقسام فلسفي استمر حتى يومنا هذا. هل يوجد العالم المادي بشكل مستقل عن المراقب الواعي؟ هذا هو لب الانقسام بين الماديين الذين يجيبون بالإيجاب، والمثاليين الذاتيين الذين يجيبون بالنفي.
ويدور قدر كبير من الجدل حول تفسير سمة من سمات الأنظمة الميكانيكية الكمومية المعروفة باسم “ثنائية الموجة والجسيم”. ولتوضيح هذه الظاهرة المتناقضة، فلنستأذن روفيلي للحظة:

لنتخيل بركة. خذ حجرا وألقه في البركة وحاول أن تصيب بها زنبقة. لن تتمكن من إصابة أكثر من زنبقة واحدة في كل مرة. وبهذا المعنى فإن الحجر يتصرف كجسيم: إنه ما يسميه الفيزيائيون “منفصلا” (Discrete)، أي أنه يتبع مسارا محددا طول رحلته.
لكنك إذا أخطأت التصويب، وسقط الحجر في الماء، تنتشر الأمواج باستمرار على شكل تموجات في الماء. ويمكن للموجات أن تحدث في أماكن عديدة في وقت واحد، مما يجعل كل الزنابق تتأرجح صعودا وهبوطا في نفس الوقت.
لكن ميكانيكا الكم تخبرنا أنه على المستوى دون الذري، فإن لَبِنات بناء المادة (ما يسمى “الكميات”، مثل الفوتونات والإلكترونات، وما إلى ذلك) تظهر سلوكيات تشبه سلوك الجسيمات وسلوكيات تشبه سلوك الموجات. كيف يمكن أن يحدث هذا؟ كيف يمكن للمادة أن تكون معزولة في مكان واحد مثل جسيم، وفي نفس الوقت منتشرة ومتواصلة مثل موجة؟

إن تجربة الشق المزدوج الشهيرة توضح هذا السلوك بشكل جلي. إذا أخذنا شعاعا ضعيفا من الإلكترونات وأطلقناه على حاجز به شقان متقاربان، نضع خلفهما شاشة كشف، فسوف يصل تيار ثابت من الإلكترونات، واحدا تلو الآخر، إلى شاشة الكشف. كيف وصلت إلى هناك؟
قد نفترض أن كل إلكترون لابد وأن يكون قد مر عبر شق واحد فقط في طريقه إلى الكاشف. هذه هي الطريقة التي تتصرف بها الجسيمات، لا يمكن للحجر أن يصطدم إلا بزنبقة واحدة فقط في كل مرة، ويتبع خطا واضحا في رحلته إلى هناك، وبالتالي فمن المفترض أن يمر الجسيم عبر شق واحد فقط في كل مرة في طريقه إلى شاشة الكشف.
وكل إلكترون يضرب شاشة الكشف في مكان واحد فقط، مثل الجسيم. لكن مع تزايد عدد الإلكترونات التي تضرب الشاشة، فإنها تكوّن نمطا يبدو وكأنه موجة مرت عبر كلا الشقين وتداخلت مع نفسها، بنفس الطريقة التي يمكن بها للتموجات في بركة أن ترتد عن ضفة البركة وتتداخل مع نفسها لتكوين نمط.
الموجة، كونها مستمرة (أي منتشرة)، قد تمر عبر شقين في وقت واحد. لكن الجسيم، لكونه منفصلا، لا يمكنه المرور إلا عبر شق واحد في كل مرة.
إذن ماذا حدث؟ هل مر الإلكترون عبر الشق (أ) أو الشق (ب) مثل الجسيم الذي لا يمكنه أن يكون إلا في مكان واحد في كل مرة؟ أم أنه مر عبر كليهما؟ أم أنه لم يمر بأي منهما؟ وإذا تأملنا نتائج التجربة، لا بد أن نستنتج أن هذا السؤال هو أبعد ما يكون عن التفاهة.
إلا أن إنكار قابلية حل هذه المشكلة بالزعم بأن العالم المادي، بحد ذاته، لا وجود له على الإطلاق بمعزل عن ملاحظاتنا، هو أمر مختلف تماما. لكن هذا هو الاستنتاج الذي توصل إليه بعض علماء الفيزياء الكمومية، ومنهم فيرنر هايزنبرغ.
وفقا لذلك الرأي، المعروف باسم “تفسير كوبنهاغن”، فإنه من غير المجدي أصلا حتى أن نسأل عن المسار الذي يسلكه الجسيم الكمومي. إذ أن كل ما هو موجود هو مجموعة من الاحتمالات التي قد تجعل الجسيم يظهر هنا ولا يظهر هناك عندما نلاحظه.
ووفقا لهذا التفسير، فإن الجسيم لا يكتسب موضعا “حقيقيا” وزخما وخصائص أخرى حقيقية، إلا عندما تتم ملاحظته. لكن المادة، وإلى أن نقوم بملاحظتها، تبقى موجودة في عالم سفلي غير معروف وغير محدد، لا هنا ولا هناك، ولا تأتي ولا تذهب. فالعشوائية الكمومية ليست سوى جزء جوهري من الطبيعة، ويتم رسم سور لا يمكن للعلم أن يتجاوزه.
وهكذا فإن المشكلة “تُحَل” (أو بالأحرى تُكنس تحت السجادة) بالتخلص من السبب والنتيجة، بل ومن الواقع نفسه، إلى أن تجلب “الملاحظة” ذلك الواقع إلى الوجود.
ليس من الصعب أن نرى كيف أن هذا التفسير، الذي يتضمن تعريفا غامضا لـ“الملاحظ” الذي يجلب العالم إلى الوجود، هو تفسير يفتح الباب أمام المثالية الفلسفية. إذ يقال لنا إن الملاحظة تجلب الواقع المادي نفسه إلى الوجود. لكن هل هذه الملاحظة واعية؟ بعض الناس، مثل رائد الرياضيات في ميكانيكا الكم، فان نيومان، قد أكدوا على ذلك. يصبح وجود العالم المادي، حسب هذه الفكرة، معتمدا على الملاحظ الواعي وليس العكس. وهكذا يتم السماح للمثالية بالتغلغل إلى العلم.
ثورة مضادة في الفلسفة
هذا التفسير الفلسفي لم يهبط من السماء. فقد كانت المثالية تمد نفوذها إلى الدوائر الفكرية والعلمية طيلة عدة عقود قبل الثورة الكمومية العظيمة، وذلك تحت راية “الوضعية”.
كانت فيينا هي مركز تلك الحركة الفلسفية في أوائل القرن العشرين. في ذلك الوقت، كانت المادية الماركسية الثورية تحقق نجاحات هائلة بين صفوف الحركة العمالية، وخاصة في الأوساط الناطقة باللغة الألمانية. وقد جاء انتشار المثالية الفلسفية بين الدوائر الفكرية البرجوازية، والذي كان رائدها هو العالم الفيلسوف إرنست ماخ، بمثابة ردة فعل على النفوذ المتزايد للماركسية.
يسلط روفيلي الضوء على التأثير الذي خلفته «المناقشات، حول العلاقة بين الواقع وبين التجربة، التي دارت في الفلسفة النمساوية والألمانية في بداية القرن» على العلماء في ذلك الوقت، إذ يقول:
«أصر إرنست ماخ، الذي مارس تأثيرا حاسما على أينشتاين، على أن المعرفة يجب أن تستند فقط إلى الملاحظات، وأن تتحرر من أي افتراض “ميتافيزيقي” ضمني. كانت هذه هي المكونات التي اجتمعت معا في تفكير هايزنبرغ الشاب…»[3].
يغفل روفيلي بشكل غير نزيه أن يذكر أن أينشتاين قد أدار ظهره لاحقا للماخية لصالح نوع من المادية المستوحاة من فلسفة سبينوزا. لكن تأثير ماخ على تفكير الفيزيائيين حتى الوقت الحاضر حقيقة لا يمكن إنكارها.
إن دور العلم، وفقا لماخ، لا يتمثل في الكشف عن قوانين عالم مادي موجود بشكل مستقل عن عقولنا، بل في تنظيم “التجربة”.
بالنسبة للماديين فإن “التجربة” -ومحتوى أحاسيسنا- هي نافذتنا على العالم المادي، ونتيجة لتأثير المادة على حواسنا المادية. أما بالنسبة لماخ، فإن ما نعتبره أشياء مادية ما هو إلا ارتباطات بين انطباعات حسية.
وفي كتاباته، يشير ماخ إلى تلك “الانطباعات الحسية” باعتبارها “عناصر العالم”. لكن مجرد استبدال كلمة “أحاسيس” بكلمة أكثر علمية لا يغير جوهر فلسفته. فالأفكار التي تبثها الأحاسيس في عقولنا هي الحقيقة بالنسبة لماخ.
فأنا عندما أشعر بكرة صلبة مقرمشة وأرى لونها الأحمر، وأتذوقها فأجدها حلوة، أسميها “تفاحة”. لكن بالنسبة لماخ، هذه مجرد كلمة تعبر عن ذلك الارتباط بين الحواس، ومن غير المعقول أن نتحدث عن تفاحة مادية مستقلة عن تلك الأحاسيس.
هذه هي المثالية الذاتية، كما سماها لينين في كتابه “المادية والنقد التجريبي”، والذي هو جدال ضد بعض من كانوا يسمون أنفسهم “ماركسيين” في روسيا، بمن في ذلك بوغدانوف، الذي تبنى أفكار ماخ.
هذا التفسير له صلة واضحة بتفسير كوبنهاغن المثالي، حيث يصبح الملاحظ الواعي هو العنصر المركزي للواقع. وعلى حد تعبير نيلز بور، الذي هو أحد مخترعي هذا التفسير، فإنه: «عند وصفنا للطبيعة، لا يتمثل الهدف في الكشف عن الجوهر الحقيقي للظواهر، بل فقط في تعقب العلاقات بين الجوانب المتعددة لتجربتنا بقدر الإمكان»[4].
لا المادية ولا المثالية؟
كثيرا ما يزعم البعض (على نحو زائف تماما) أنه من المستحيل تقديم تفسير مادي للظواهر التي تصفها ميكانيكا الكم. وعلى مدى قرن من الزمان، قوبلت محاولات تفسير ميكانيكا الكم من وجهة النظر المادية بالعداء والازدراء من طرف المؤسسة العلمية.
وعلى سبيل المثال، فإن نظرية “الموجة التجريبية”، التي طرحها لويس دي برويْ وطورها ديفيد بوم بشكل أكثر اكتمالا، تواجه هذا الموقف بانتظام. حتى أن بوم نفسه تعرض للطرد من الولايات المتحدة أثناء حملة “الرعب الأحمر” المكارثية، بسبب ارتباطاته السابقة بالحزب الشيوعي. وبقيت آراؤه على هامش الفيزياء لمدة سبعين عاما.
ووفقا لهذه النظرية -التي تشهد الآن إحياء للاهتمام بها- فإن الجسيمات الكمومية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالموجات التي تولدها ذاتيا والتي توجه حركتها. وفي تجربة الشق المزدوج المذكورة آنفا، يمر الجسيم عبر شق واحد، لكن موجته التي يولدها ذاتيا تمر عبر الشقين وترشد مساره على الجانب الآخر.
وبينما تتنبأ هذه النظرية بأن الجسيمات الكمومية تتصرف بشكل فوضوي، فإنها حتمية تماما (أي خاضعة للقوانين وتحافظ على السببية) ومادية. إنها فرضية جريئة، تحاول دفع العلم إلى الأمام بدلا من رسم حدود له، ولا تفترض ملاحظا غير محدد المعالم لجلب الواقع إلى الوجود.
ما هو موقف روفيلي من هذه التفسيرات المتضاربة؟
عندما يتطرق روفيلي لتفسير كوبنهاغن، الذي يجعل وجود الطبيعة معتمدا على ملاحظ (واعٍ على الأرجح)، يتساءل مرارا في كتابه: “ما الذي يهم الطبيعة إذا كان هناك من يراقبها أم لا؟”[5].
حتى الآن، كل شيء على ما يرام. لكن ماذا عن محاولات تفسير ميكانيكا الكم بطريقة مادية على طريقة دي برويْ أو بوم؟ إن روفيلي يرفض تلك المحاولات رفضا تاما.
ويقدم تفسيره الخاص لكيفية افتراض ميكانيكا بوم لوجود جسيم مادي يمكن ملاحظته، وموجة مادية ذاتية التوليد توجهه. لكنه يوضح بعد ذلك أنه غير سعيد بفكرة هذه الموجة، التي لا يمكن الاستدلال على وجودها إلا بشكل غير مباشر من خلال تأثيرها في توجيه الجسيمات، ويقول:
«هل يستحق الأمر أن نفترض وجود عالم غير قابل للملاحظة، بدون تأثير غير متوقع بالفعل من خلال نظرية الكم، وذلك فقط لأجل تخفيف مخاوفنا من عدم اليقين؟»[6].
إن حجته هي أنه من غير المجدي افتراض وجود جوانب جديدة للطبيعة، مثل الموجات التي توجه الجسيمات الكمومية، عندما لا نستطيع أن نرى آثارها إلا بشكل غير مباشر.
وهذا يعود إلى حجة مثالية كلاسيكية ضد المادية بشكل عام، والتي سبقت ميكانيكا الكم بزمن طويل. إذا تخلصنا من لغة “الكم”، فيمكن إعادة صياغة سؤاله على النحو التالي: «هل فقط من أجل أن تحافظوا على السببية، تقترحون أيها الماديون أنه يوجد “شيء مادي في ذاته” غير قابل للمعرفة؟».
في الواقع، لقد سبق لماخ أن استخدم هذه الحجة على وجه التحديد لرفض نظرية الذرات التي كانت مقبولة على نطاق واسع في عصره.
فبما أنه لا يمكننا أبدا “رؤية” الذرات أو “تجربتها” بشكل مباشر، ولكننا نستنتج وجودها من خلال العقل والتجريب، فلماذا بالتالي نفترض أصلا وجود عالم “غير قابل للملاحظة” مشكل من الذرات؟ كانت نظرية الذرة في زمن ماخ تستند إلى بيانات تجريبية أقل بكثير مما لدينا في الوقت الحاضر. أما اليوم، فإن المجاهر الإلكترونية وعلم البلورات بالأشعة السينية (X-ray crystallography)، وهي الوسائل المساعدة للعين البشرية، قد أعطتنا صورة أكثر وضوحا لتلك الكيانات التي كانت مرفوضة ذات يوم باعتبارها مجرد تشكيلات فكرية “غير قابلة للملاحظة”.
وللإجابة على سؤال روفيلي، نقول: أجل، نحن الماديون نؤكد وجود “شيء مادي في حد ذاته” -المادة- لكننا ننكر أنه “غير قابل للمعرفة”، أو “غير قابل للملاحظة”. مع مستوانا الحالي من الفهم، لا نستطيع الخوض أعمق، لكن هذا مختلف تماما عن القول بأننا لن نتمكن أبدا من الخوض أعمق. إن القول بمثل هذا يعني الإعلان عن توقف التقدم العلمي، وهذه على وجه التحديد هي وجهة نظر روفيلي وهايزنبرغ.
غالبا ما يعلن المثاليون الذاتيون أن أسلوبهم في التفكير متفوق على أساس “مبدأ اقتصاد الفكر”. إنهم يزعمون أن المادية أدنى من وجهة نظرهم، لأنها بالإضافة إلى التجربة، تفترض “بدون جدوى” وجود المادة باعتبارها ركيزة للتجربة.
وقد هاجم روفيلي كتاب لينين “المادية والنقد التجريبي”. لكنه فشل في ذكر حقيقة مفادها أن لينين دحض تلك الحجة بشكل مباشر، إلى جانب حجج أخرى استخدمها في كتابه “هيلغولاند”.
يقول لينين:
«هل “التفكير” في أن الذرة غير قابلة للانشطار “أكثر اقتصادا”، من “التفكير” في أنها تتألف من إلكترونات موجبة وسالبة؟ هل “التفكير” في ثورة برجوازية روسية يقودها الليبراليون “أكثر اقتصادا” من “التفكير” في ثورة يتم خوضها ضد الليبراليين؟ ما علينا إلا أن نطرح هذا السؤال حتى نرى مدى عبثية وذاتية تطبيق مقولة “الاقتصاد في التفكير” هنا. إن الفكر البشري “اقتصادي” فقط عندما يعكس الحقيقة الموضوعية بشكل صحيح، ومعيار هذه الصحة هو الممارسة والتجربة والصناعة. ولا يمكن للمرء أن يتحدث بجدية عن الاقتصاد في التفكير في نظرية المعرفة إلا في حال إنكار الواقع الموضوعي، أي من حال إنكار أسس الماركسية»[7].
إن ما يهمنا ليس فقط “الاقتصاد” الظاهري لتفكيرنا، بل درجة توافق تفكيرنا مع الواقع الموضوعي، أي صحة أفكارنا.
“التفسير العلائقي”
لذلك فإن روفيلي غير راض عن أي من التفسيرات الراسخة لميكانيكا الكم. فهو يرفض فكرة أن الطبيعة قد تهتم لما إذا كنا نراقبها، لكنه في نفس الوقت يرى بأن المادية “دوغمائية”، ويسعى إلى إيجاد طريق ثالث، بديل لكل من المادية والمثالية. وعلى هذا فإنه يتقدم بتفسيره الخاص، والذي يسميه “التفسير العلائقي” لميكانيكا الكم. لكن وعند الفحص الدقيق، نجد أن لا شيء جديد في ذلك التفسير على الإطلاق.
قد يكون من المعقول أن نطرح على أنصار تفسير كوبنهاغن السؤال التالي: إذا كانت “الملاحظة” هي التي تجلب العالم إلى الوجود، فمن الذي يُعَد ملاحظا وإلى أي مدى يجب أن يكون الملاحظ واعيا؟ ماذا لو كنت نائما؟ هل يكفي وعي الكلب؟ ربما يكفي حتى وعي الدودة الخيطية؟ هل يمكن لـ“ملاحظ” أقل وعيا -لنقل ذرة كربون- أن يمنح العالم الوجود؟

من خلال دفع تعريف “الملاحظ” إلى هذا المستوى، يصل روفيلي إلى “تفسيره العلائقي” لميكانيكا الكم: «إذا نظرنا إلى الأشياء بهذه الطريقة، فلا يوجد شيء خاص في “الملاحظات” التي قدمها هايزنبرغ، إذ يمكن اعتبار أي تفاعل بين جسمين فيزيائيين بمثابة ملاحظة»[8].
لكن بالنسبة لروفيلي، فإن “الشيء في ذاته” يوجد بين التفاعلات، في حالة عدم وجود في عالم غير محدد، تماما كما هو الحال بالنسبة لتفسير كوبنهاغن: «فالإلكترون عندما لا يتفاعل مع أي شيء، لا يمتلك أي خصائص فيزيائية. ليس له موضع، وليست له سرعة»[9]. نحتاج فقط إلى إضافة أنه: “ليس له وجود”. لكن ولحسن الحظ بالنسبة لنا، فإن الإلكترونات عندما تختفي من الوجود، تتمتع بالآداب الحميدة لكي تحتفظ ببعض الذاكرة لكي تفهم أنه يجب عليها أن تعود إلى الوجود في اللحظة المناسبة.
وهكذا بالنسبة لروفيلي، فإن الإلكترونات وجميع الأشياء المادية الأخرى لا توجد حقا. إن ما نعتبره أشياء مادية ليس في نظر روفيلي سوى “عقد” في شبكة من التفاعلات والعلاقات. فالعلاقات موجودة، لكن المادة نفسها مجرد وهم! كل ما هو موجود هو المظاهر، أي كيف يظهر هذا “الشيء” لـ“شيء” آخر، لـ“ملاحظ” ما خلال اللحظات العابرة عندما “يتفاعلان”، دون أي محتوى فعلي. إن الواقع، في نظر روفيلي، «لعبة مرايا لا وجود لها إلا كانعكاسات لبعضها البعض وفي بعضها البعض»[10].
إن ما نعتبره “مادة” من المناسب استبداله بالعدم المحض، بشكل بدون محتوى. وهذه ليست فكرة جديدة، بل إن روفيلي نفسه يجد أوجه تشابه لها مع تعاليم الفيلسوف البوذي المثالي المتطرف، في الهند في القرن الثاني، ناغارجونا، الذي قال، على حد تعبير روفيلي: «إن الواقع، بما في ذلك ذواتنا، ليس سوى حجاب رقيق وهش، لا يوجد وراءه أي شيء»[11].
إن روفيلي، بعد اكتشافه أنه لا يوجد لا العقل ولا المادة، في قاع الواقع، بل ما يوجد هو العدم الخالص، يعتقد أنه تخلى عن كل من المادية والمثالية. لكن هل فعل ذلك حقا؟
الأشباح في كل مكان؟
إذا أخذنا جسمين في الحياة اليومية وفحصناهما، سنجد أن خصائصهما تصف العلاقات مع أجسام أخرى: السرعة النسبية، والحجم النسبي، والإضاءة النسبية، وما إلى ذلك. لكن عند الفحص الدقيق، نجد أن هذين الجسمين يتألفان من أجزاء أكثر أساسية، والتي تتداخل بدورها، ونكتشف الآن أن تلك الأجزاء لها مجموعة خاصة من “العلاقات”. وهذا ليس اكتشافا جديدا على الاطلاق.
لكن هذه الفكرة تصيب روفيلي بالدوار. يبدو أن شيئا عجيبا يحدث: ففي كل خطوة، يبدو أن المادة تختفي عن الأنظار، وتتراجع إلى مسافة أبعد، ولا تترك لنا شيئا سوى تلك “العلاقات”. يشرح روفيلي مستشهدا بزميله الفيزيائي أنتوني أغويري، قائلا:
«الإلكترون هو نوع معين من الانتظام الذي يظهر بين القياسات والملاحظات التي نجريها. إنه نمط أكثر من كونه مادة. إنه نظام… وهكذا نصل إلى مكان غريب. نقوم بتقسيم الأشياء إلى قطع أصغر فأصغر، لكن بعد ذلك، عندما يتم فحص القطع، لا نجدها موجودة. فقط ترتيباتها موجودة. إذن، ما هي الأشياء، مثل القارب، أو أشرعته، أو أظافرك؟ ما هي ماهيتها؟ “إذا كانت الأشياء أشكالا لأشكال لأشكال لأشكال لأشكال، وإذا كانت الأشكال نظاما، والنظام نحن من نحدده… فإن تلك الأشكال لا وجود لها، على ما يبدو، إلا كما خلقناها، وفي علاقة بنا وبالكون. إنها، كما قد يقول بوذا: فراغ”»[12].
إن هذه الفكرة القائلة بأن كل شيء هو شكل، والشكل هو النظام، وأننا نحدد النظام على هذا النحو، تعيد تقديم المفكر الواعي باعتباره العنصر الرئيسي للواقع.
وهذه الفكرة -القائلة بأن المادة في ذاتها تختفي، والتي هي في تراجع مع تقدم العلم- بعيدة كل البعد عن أن تكون جديدة أو مبتكرة. إن حقيقة أننا مضطرون إلى إعادة تدقيق فهمنا للمادة باستمرار مع تقدم العلم، يستخدمها المثاليون على نحو دائم “لدحض” المادية وإنكار وجود المادة.
وتقدم رسالة سابقة لكتاب روفيلي، من طبعة الرابع من يناير 2014 من مجلة New Scientist، مثالا جيدا للغاية عن هذه الحجة، حيث تقول:
«كلما نظرت عن كثب إلى المادة، كلما تحللت أمام عينيك.
إن الكتلة، التي تشكل كمية الأشياء، هي في الواقع طاقة المجال التي تولدها حقول هيغز أو الغلوون (The Higgs or gluon fields). وقد يكون من الممكن أن تُفهَم الجسيمات الأساسية في نهاية المطاف على أنها كيانات هندسية بحتة. وبالتالي فإن الفيزياء تقترب أكثر فأكثر من المثالية، من فكرة أن الواقع غير مادي بطبيعته.
لذا لا ينبغي للناس أن يقلقوا من عدم وجود شبح في الآلة. فالحقيقة هي العكس تماما: لا توجد آلة. ليس هنالك سوى الأشباح في كل مكان»[13].
مؤلف هذه المقالة يتمتع على الأقل بفضيلة كونه صادقا ومباشرا بشأن مثاليته. ومع ذلك، فإن حجته مجرد خدعة: خدعة أجاب عليها لينين مباشرة في كتابه “المادية والنقد التجريبي”، حيث أوضح أن ما يتراجع أمام تقدم العلم ليس “المادة”، بل فهمنا المحدود والأحادي الجانب لها:
«إن القول بأن “المادة تختفي” يعني أن الحد الذي عرفنا فيه المادة حتى الآن يتلاشى، وأن معرفتنا تمضي أعمق؛ كما تختفي خصائص المادة التي كانت تبدو في السابق مطلقة وثابتة وأولية، والتي تتكشف الآن على أنها نسبية وملازمة لبعض حالات المادة فقط. لأن “الخاصية” الوحيدة للمادة التي ترتبط بها المادية الفلسفية هي خاصية كونها حقيقة موضوعية، وكونها موجودة خارج أذهاننا»[14].
إن كل خطوة إلى الأمام يحققها فهمنا العلمي للمادة تجبر الفلسفة على مواكبتها. ففي العصور الوسطى، كان الرأي السائد هو أنه لا يوجد شيء اسمه “الفضاء الفارغ”، وأن كل شيء مليء بالمادة. وفي وقت لاحق، أعاد المادي الفرنسي، غاسيندي، إحياء فكرة الذرات والفراغ اليونانية القديمة. وقد تم إثبات وجود الذرات علميا في القرن التاسع عشر مع اكتشاف الحركة البراونية (Brownian motion)، ولفترة طويلة كانت تلك الذرات تعتبر لَبِنات بناء للمادة مطلقة ولا يمكن اختراقها، كان ذلك عصر المادية الميكانيكية.
لكن العلم استمر في الاختراق أعمق فأعمق، وأثبتت أن الحقيقة القديمة هي نسبية جزئيا. فقد وجد أن الذرة عبارة عن فضاء “فارغ” إلى حد كبير، تشغله إلكترونات منظمة في أغلفة (shells) تتنافر مع بعضها البعض من خلال ما يُعرف بضغط الانحلال الكمومي (Quantum degeneracy pressure). وفي مركز تلك الذرات توجد نوى مضغوطة مكونة من بروتونات ونيوترونات. ومع اكتشاف النشاط الإشعاعي، تم اختراق النواة أيضا؛ لقد تبين أن البروتونات والنيوترونات تتكون من وحدات أصغر تسمى الكواركات والغلوونات.
لم يكن الأمر مجرد إثبات أن المادة “الصلبة” سابقا هي “أكثر فراغا” مما كنا نعتقد في البداية؛ بل لقد وجد أن الفضاء “الفارغ” كان “أكثر امتلاء” مما كان متوقعا في السابق. ومع اكتشاف “طاقة النقطة صفر” (‘zero-point energy’)، كان لا بد من مراجعة فكرة الفراغ باعتباره “فضاء فارغا”.
لا يوجد سبب للافتراض بأن هذه هي نهاية المطاف. ولكن يمكننا أن نقول على وجه اليقين إنه مهما ذهبنا بعيدا، فلن نجد أبدا فكرا أو “كيانات هندسية خالصة” في قاع الواقع. إن كل شريحة من الطبيعة نخترقها تُظهر أحادية فهمنا السابق للمادة، والطبيعة المحدودة وغير المكتملة لأفكارنا التي ليست سوى تقريبات لكون مليء بثروات لانهائية.
يستخدم المثاليون بانتظام خدعة الادعاء بأنهم يحاربون هذا الشكل القديم أو ذاك من المادية، وذلك فقط لتمرير المثالية.
فروفيلي يكرر مرارا أنه يكافح فقط ضد ما يسميه بـ“المادية الساذجة”، وهو المصطلح الذي لم يقدم له أي تعريف. ويوضح أن «الهدف الرئيسي لماخ في جداله كان هو ميكانيكية القرن الثامن عشر»[15]. ومع ذلك، فإنه تحت ذلك الستار الماكر لاستهداف شكل عتيق من أشكال المادية، شن ماخ في الواقع الصراع ضد المادية بشكل عام.

ومرة أخرى نجد أن لينين قد وضح كل هذا في كتابه المادية والنقد التجريبي:
«يقول إنجلز صراحةً إنه “ينبغي على المادية حتما أن تغير شكلها عند كل اكتشاف يشكل عهدا حتى في مجال العلوم الطبيعية [ناهيك عن تاريخ البشرية]”. (لودفيغ فيورباخ، الطبعة الألمانية، ص 19). وبالتالي، فإن مراجعة “شكل” مادية إنجلز، وإعادة النظر في موضوعات فلسفته عن الطبيعة، ليست فقط لا تنطوي على أي “تحريف”، بل هي، على العكس من ذلك، مسألة مطلوبة من قبل الماركسية. نحن ننتقد الماخيين ليس بسبب قيامهم بمثل هذه المراجعة، بل بسبب خدعتهم التحريفية الصرفة المتمثلة في خيانة جوهر المادية تحت ستار نقد شكلها واقتباس المبادئ الأساسية للفلسفة البرجوازية الرجعية…»[16].
الحركة بدون مادة؟
إن فكرة “العلاقات” المنفصلة عن المادة -أي العلاقات المنفصلة عن الأشياء التي تدخل في علاقة– هي فكرة سخيفة. وعلى الرغم من الطريقة التي يقدم بها روفيلي هذه الفكرة باعتبارها شيئا “جديدا”، فإن لينين قد انتقد نفس الفكرة على وجه التحديد في كتابه المادية والنقد التجريبي.
وينبغي لنا أن نقول هنا إنه بينما يبالغ روفيلي في الدفاع عن بوغدانوف ضد لينين، في كتابه “هيلغولاند”، فإننا نتعجب من السطحية التي قرأ بها كتاب لينين، لأنه فشل في ذكر أي من حججه! ومن اللافت للنظر أنه لم ير التشابه بين تفسيره “الجديد” لميكانيكا الكم وبين فكرة كانت رائجة في أيام لينين والتي تناولها لينين مباشرة، وهي فكرة “الطاقوية” (Energeticism).
لقد اعتقد ماخ، وزميله عالم الكيمياء فيلهلم أوستوالد، أنهما توصلا إلى شيء عميق عندما اقترحا استبدال “المادة”، باعتبارها اللبنة الأساسية للواقع، بـ “الطاقة” أو الحركة.
إلا إن الفكرة القائلة بأنه يمكن للحركة أن توجد بدون مادة، هي فكرة سخيفة مثلها مثل الفكرة القائلة بأن المادة يمكن أن توجد بدون حركة، أو أن “العلاقات” يمكن أن توجد بدون مادة كما يفترض روفيلي.
لقد أظهرت معادلة أينشتاين الشهيرة E=mc2 [الطاقة = الكتلة ضرب مربع سرعة الضوء] أن الكتلة والطاقة ليستا مترابطتين بعمق فحسب، بل إنهما متكافئتان وتتحولان إلى بعضهما البعض. المادة والحركة لا تنفصلان مطلقا عن بعضهما البعض. ويوضح لينين أنه حتى لو قبلنا استبدال أوستوالد وماخ لـ“المادة” بـ“الطاقة” وحدها، فما زلنا لا نستطيع تجنب الاختيار بين المعسكر المادي أو المثالي:
«إذا كانت الطاقة حركة، فأنتم لم تعملوا سوى على نقل الصعوبة من المبتدأ إلى الخبر. لقد اقتصرتم على تحوير السؤال: هل المادة تتحرك؟ إلى السؤال: هل الطاقة مادية؟ هل يحدث تحول الطاقة خارج عقلي، بصورة مستقلة عن الإنسان والإنسانية، أم أن هذه مجرد أفكار ورموز وإشارات اصطلاحية وما إلى ذلك؟ وقد ثبت أن هذا السؤال قاتل بالنسبة للفلسفة “الطاقوية”، التي تحاول إخفاء الأخطاء العرفانية (Epistemological) القديمة بمصطلحات “جديدة”.»[17].
حتى وإن استبدلنا المادة بـ“الطاقة” أو “الحركة” كأساس جوهري للواقع، فإن السؤال يظل مطروحا حول ما إذا كنا نتحدث عن حركة تحدث في عالم مادي موضوعي مستقل عنا، أم فقط في أذهاننا. وإذا استبدلنا مصطلحي “الطاقة” و“الحركة” في الاقتباس المذكور بمصطلح “العلاقات”، فإنه يتحول إلى رد مباشر على روفيلي.
هل نتحدث عن “علاقات” مادية أم “علاقات” مثالية بحتة؟ السؤال يتطلب إجابة. يجيب الماركسيون بشكل قاطع: إن علاقات الطبيعة موجودة بشكل مستقل عن عقولنا. أي أنها علاقات مادية. كل مادة موجودة فقط من خلال تدفق لامتناهي من العلاقات مع بقية الكون المادي.
تناقض روفيلي
يرفض روفيلي ما يسميه المادية الساذجة. كما يدعي أنه يرفض المثالية الفلسفية، لكنه برفضه لوجود المادة، يفتح الباب مرة أخرى للمثالية. ومع ذلك فإن فكرة المرور عبر ذلك الباب تبدو له غير مريحة. فهناك شيء ما في ضميره يخبره بما يوجد وراءه: اللاعقلانية، والروحانية، والتراجع إلى الإيمان الديني.
ونحن نحثه، على أن يكون، على أقل تقدير، منسجما في فلسفته. ونلاحظ أن هناك مثاليين منسجمين يحثونه على نفس الشيء!
لكن إذا كانت لغة روفيلي المزخرفة وغموضه المتعمد يتركانكم في شك بشأن المعسكر الفلسفي الذي ينتمي إليه، فربما تكون كلمات بيرنادو كاستروب، المدير التنفيذي لمركز الأبحاث المثالي، Essentia Foundation، كافية لتوضيح الأمور.
يصف كاستروب نفسه على مدونته بأنه “قائد النهضة الحديثة للمثالية الميتافيزيقية”. ويقدم «التأييد الكامل والترويج والدفاع عن التفسير العلائقي لميكانيكا الكم للفيزيائي كارلو روفيلي». ويكتب ما يلي:
«إن روفيلي وأنا متفقان تماما عندما يتعلق الأمر بوجهة نظرنا حول طبيعة الواقع الفيزيائي: لا يوجد هناك عالم مطلق من الطاولات والكراسي ذات الكتلة والموضع والزخم المحددين، إلخ، لكن بدلا من ذلك يوجد عالم علائقي (Relational) تماما. […] وباختصار، لا يوجد للعالم الفيزيائي واقع مستقل».
ويضيف ما يلي:
«… يدافع روفيلي عن استنتاجات ميكانيكا الكم التي ناقشناها أعلاه، لكنه يمتنع صراحةً وبشكل متعمد عن استكشاف تداعياتها الفلسفية […]
التي مفادها أن “الفراغ” هو العقل في حالة راحة، والذات بلا أشياء، والحاملة بإمكانية كل علاقة داخلية يمكن تصورها»[18].
لم يكن بوسعنا أن نعبر عن الأمر بوضوح أكثر من هذا.
لماذا الفلسفة مهمة
لم نتحدث، حتى الآن، إلا قليلا عن الرجل الذي أهدى له روفيلي كتابه هيلغولاند: أي الماخي، الماركسي السابق، ألكسندر بوغدانوف، الذي انفصل عن لينين في عام 1909. إن روفيلي، اليساري الذي يرفض اللينينية، لديه تعاطف سياسي وفلسفي واضح مع بوغدانوف. وهذه ليست مسألة عرضية. فهناك رابط بين انحراف بوغدانوف وروفيلي عن الماركسية وبين “ابتكاراتهما” الفلسفية.
يقدم روفيلي الكثير من المعلومات عن سيرة بطله، فهو: «طبيب، وخبير اقتصادي، وفيلسوف، وعالم طبيعي، وكاتب روايات الخيال العلمي، وشاعر، ومعلم، وسياسي، ومبتكر علم التحكم الآلي (Cybernetics) وعلم التنظيم، ورائد في علم نقل الدم (Blood transfusion)، وثوري طيلة حياته…»[19].
لكن فيما يتصل بهذا الجانب الأخير من حياته: سياسات بوغدانوف -أو سياسات لينين في هذا الصدد- فإن روفيلي لا يقدم سوى بعض الملاحظات السطحية المبتذلة، التي يلقيها بأقصى قدر من التهويل.
يقول لنا إن بوغدانوف، فيما يتعلق بالسياسة، كان ديمقراطيا عظيما. فقد كان يريد “أن يترك السلطة والثقافة للشعب”. بينما كان لينين (بالطبع!) مستبدا عنيدا، ومتصفا بـ“التعصب السياسي المتحجر”. وكان برنامجه السياسي «يتلخص في تعزيز سلطة الطليعة الثورية، التي هي مستودع الحقيقة الضرورية لقيادة الشعب»[20].
إننا نعود مرة أخرى إلى منطقة مألوفة. يمكنكم أن تجدوا هذه الصورة ذاتها في أي كتاب يميني متطرف عن لينين: لينين المتسلط، الدوغمائي، الذي يفرض “سياسة الحزب” على الشعب من أعلى.
لكن الأمور، في الواقع، هي عكس ما يتخيله روفيلي. فقد كان لينين أبعد ما يكون عن النظرة المتحجرة الدوغمائية، بل كان المفكر الأكثر تبصرا ومرونة بين البلاشفة.
كانت نقطة انطلاق لينين هي دراسة الواقع المادي، وليس فرض مفاهيم مسبقة عليه، بل الرجوع باستمرار إلى هذا الواقع المادي، الذي هو مصدر موضوعية فكرنا. هذه هي الطريقة المادية، على النقيض من العصبوية التي ميزت بالفعل نهج بوغدانوف بأكمله، المتمثل في فرض مخططات وصيغ مسبقة الصنع على الواقع، والتي قادته إلى سلسلة كاملة من الأخطاء، وانتهت بانفصاله عن لينين.
كان الانقسام بين الرجلين مرتبطا بشكل وثيق بالنزعتين الفلسفيتين المتمايزتين اللتين يمثلهما كل منهما. كان لينين يدافع عن المادية الديالكتيكية الثورية، التي هي حجر الزاوية لأي منظمة ماركسية. أما بوغدانوف، الذي كان، مثله مثل روفيلي، نزيها إلى حد كبير بطريقته الخاصة، فلم يكن قادرا على إدراك المحتوى المثالي الرجعي الذي يختبئ وراء تلك الأفكار الجديدة العصرية النابعة من الدوائر العلمية البرجوازية في أوروبا الغربية، والتي كانت تعني في نهاية المطاف تصفية الماركسية الثورية.
إن النضال من أجل فلسفة واضحة يشكل أهمية حيوية للنضال من أجل الشيوعية. هناك تحيز شائع مفاده أن السعي وراء الحقيقة الموضوعية في العلم يرفعه بطريقة ما فوق المعارك الطبقية الكبرى التي تدور في المجتمع. وهذا تحيز زائف، وزائف بشكل خطير. والبعض، بمن في ذلك أعداؤنا الطبقيون الأكثر وعيا، يفهمون هذا بوضوح تام كما نفهمه نحن.
إن التعليقات على الفلسفة التي كتبها رائد آخر في ميكانيكا الكم، وهو الوضعي الماخي، وعضو الحزب النازي، باسكوال جوردان، مفيدة للغاية في هذا الصدد، حيث قال:
«… إن المفهوم الوضعي لا يؤدي فقط إلى تصفية المادية، والتي هي نتيجة مهمة بما فيه الكفاية، بل أيضا يقدم إمكانيات جديدة لمنح مساحة حية للدين دون تناقض مع الفكر العلمي. دعونا نتذكر أن الوضعية تقبل الملاحظات التجريبية والتجارب باعتبارها “الواقع” الوحيد للفيزيائي. إن التركيز على هذا المفهوم يقودنا إلى حقيقة مفادها أن هناك تجارب ممكنة تختلف تماما عن تلك الملاحظات والنتائج المصنفة في النظام الفيزيائي»[21].
وضوح هذه الكلمات مثير للإعجاب. إنها كلمات عدو للثورة واع طبقيا، مدرك تماما للمحتوى الرجعي لتلك التشكيلة من الأفكار. إنه يرى فيها إمكانية لعودة الظلامية، بدعم كامل من المؤسسة العلمية نفسها.
بل وأكثر من ذلك إنه يدرك فائدتها في مكافحة الشيوعية. بل إنه عرض أن يضع عمله الفلسفي والعلمي تحت أقدام النظام النازي باعتباره “ترياقا ضد المادية البلشفية”، ويقول:
«من المؤكد أن هزيمة البلشفية -التي تطل الآن برأسها مجددا على نحو يهدد العديد من الشعوب المجاورة- هي في المقام الأول مسألة تتعلق باتخاذ القرارات السياسية والإيديولوجية والقوة القتالية القائمة على الدم، والتي لا يمكن الاستعاضة عنها بالأدلة العلمية. ومع ذلك، يبدو أن من العلامات المهمة للعصر أن يتم فضح النظرة المادية -التي ينظر إليها على أنها نظرية علمية- باعتبارها غير قابلة للدفاع عنها ومخالفة للمعرفة العلمية على وجه التحديد في تلك المجالات من العلم التي كانت تعتبر منذ عصر النهضة أكثر مجالاتها أمانا»[22].
لابد أن نتفق مع جوردان في هذا الأمر: فمن المهم حقا أن نلاحظ أن المعركة ضد المادية قد اندلعت على وجه التحديد في ساحة العلم.
إن الأبطال العظماء للثورة العلمية، التي تزامنت مع فجر العصر الرأسمالي، استخدموا نظرة فلسفية مادية جريئة في النضال ضد أفكار العصور الوسطى. ومن العلامات على تعفن الطبقة الرأسمالية، التي أنتجت ذات يوم مثل هؤلاء الرواد، أن كل اتجاه تفكيرهم قد صار يعود مرة أخرى نحو العصور الوسطى. إنهم الآن ينحرفون عن الواقع، فيطمسونه ويزرعون التصوف، من أجل خداع الجماهير.
وبالتالي فإن النضال ضد المثالية مرتبط بالنضال من أجل نظرة علمية إلى كل مجالات المجتمع والطبيعة، وهو مرتبط بنضال البروليتاريا من أجل أن تحقق فهما واضحا لمصالحها ومهامها التاريخية. وسوف نخوض هذا النضال، الذي هو في الأساس جزء من الصراع الطبقي الذي يدور على كافة المستويات، والتي يعتبر المستوى العلمي ليس أقلها أهمية.
العنوان الأصلي للمقال:
Helgoland: a quantum physicist’s crusade against Lenin
مراجع:
[1] C Rovelli, Helgoland, Allen Lane, 2021, pg 1
[2] ibid. pg 2
[3] ibid. pg 12
[4] N Bohr, ‘Atomic Theory and the Description of Nature’, Collected Works, Vol. 6, North-Holland Physics Publishing, 1985, pg 296
[5] C Rovelli, Helgoland, Allen Lane, 2021, pg 20
[6] ibid. pg 56
[7] V I Lenin, Materialism and Empirio-criticism, Wellred Books, 2021, pg 137-138
[8] C Rovelli, Helgoland, Allen Lane, 2021, pg 69
[9] ibid. pg 71
[10] ibid. pg 78
[11] ibid. pg 131
[12] ibid. pg 75
[13] New Scientist, Issue 2950, 4 January 2014
[14] V I Lenin, Materialism and Empirio-criticism, Wellred Books, 2021, pg 218
[15] C Rovelli, Helgoland, Allen Lane, 2021, pg 105
[16] V I Lenin, Materialism and Empirio-criticism, Wellred Books, 2021, pg 210-211
[17] ibid. pg 227
[18] B Kastrup, ‘Here I part ways with Rovelli’, bernardokastrup.com, June 2021
[19] C Rovelli, Helgoland, Allen Lane, 2021, pg 114
[20] ibid. pg 111
[21] P Jordan, Physics of the 20th Century, Philosophical Library, 1944, pg 160
[22] D Hoffmann, M Walker, ‘Der gute Nazi: Pascual Jordan und das Dritte Reich’, Pascual Jordan (1902–1980): Mainzer Symposium zum 100. Geburtstag, Max-Planck-Institut für Wissenschaftsgeschichte, 2007, pg 100,
ماركسي موقع الأممية الشيوعية الثورية الناطق بالعربية
