الرئيسية / قضايا نظرية / اقتصاد وعولمة / منحنى التطور الرأسمالي

منحنى التطور الرأسمالي

نشرنا في عام 2000 مقال ليون تروتسكي عن التطور الرأسمالي. كان الهدف حينها هو التأكيد على حقيقة أنه على الرغم من أن الرأسمالية كانت في فترة انتعاش، فإن الفترة التي دخلناها كانت في الواقع فترة تدهور رأسمالي شامل. كما أوضحنا في المقدمة “بدلاً من موجة جديدة من الانتعاش، تتجه الرأسمالية إلى الركود وتنزلق نحو تدهور مماثل لفترة ما بين الحربين”. تم تأكيد ذلك من خلال الأزمة المالية لعام 2008 والأحداث اللاحقة. نعيد نشر المقال كمساعدة لفهم الفترة التي مررنا بها وإلى أين نحن ذاهبون.

مقدمة (يونيو 2000)

كيف تنشأ الأفكار وتصبح قوة حاسمة في التاريخ، هذا هو السؤال الأساسي الموجه لأولئك الذين يناضلون من أجل مجتمع جديد. من الواضح أن أسباب الحركات الاجتماعية العظيمة متأصلة داخل المجتمع، وقد أوضح ماركس منذ فترة طويلة أن مفتاح تطور المجتمع هو تطوير قوى الإنتاج – الصناعة والعلوم والتقنية.

إن عدم قدرة النظام الاجتماعي على تطوير قوى الإنتاج سيؤدي حتماً إلى حدوث أزمة للنظام. ومع ذلك، هذا لا يعني، كما يحب أن يؤكد نقاد الماركسية، أن كل شيء يختصر ببساطة في الاقتصاد. هذه سخافة. يجب أن تؤخذ الظواهر الأخرى في الاعتبار: الدين والسياسة والقانون والأخلاق، إلخ. لأن العلاقة بين الاقتصاد والسياسة ليست علاقة ميكانيكية بسيطة، ولكنها علاقة ديالكتيكية. فحسب إنجلز: “العنصر الحاسم في التاريخ هو عملية إنتاج وإعادة إنتاج الواقع. أكثر من ذلك لم يؤكد ماركس ولا أنا أبداً … فالوضع الاقتصادي هو الأساس، ولكن العناصر المختلفة لبنية المجتمع ككل تمارس هي أيضاً تأثيرها على مسار النضالات التاريخية، وفي كثير من الحالات تحدد شكلها”.

إن مأزق تطوير قوى الإنتاج هو التفسير الأساسي للأزمة السياسية والاجتماعية العميقة للرأسمالية بين الحربين العالميتين. وبالمثل، فإن مأزق الستالينية في الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية، بسبب الخنق البيروقراطي للاقتصاد المخطط والمؤمم، أدى إلى انهياره والتحرك نحو استعادة الرأسمالية.

أدى إنتعاش الرأسمالية العالمية بعد عام 1947 إلى بداية مرحلة جديدة للمجتمع الرأسمالي. شرحنا أسباب هذا الصعود من قبل (انظر تيد غرانت: “هل سيكون هناك ركود؟“)، ولكن العامل الأساسي كان نمو التجارة العالمية وتوسع الأسواق الجديدة. بحلول عام 1974، كان الركود العالمي المتزامن الذي حدث مؤشراً على الأزمة الجديدة الذي دخلت فيها الرأسمالية. لقد كانت نقطة تحول ولكن بعواقب اقتصادية وسياسية عميقة. لقد بدأت، على حد تعبير تروتسكي، مرحلة ركود جديدة للنظام الرأسمالي. تميزت هذه الفترة بتفشي البطالة، وظهرت وتيرة جديدة في دورة الانتعاش والركود الاقتصادي. كانت فترات الركود أعمق بكثير وفترات الإنتعاش ضعيفة وسطحية. وقد أدى هذا بدوره إلى عدم استقرار سياسي عميق خيم بظلاله على معظم فترة السبعينيات وأوائل الثمانينيات.

فلماذا كانت فترة السبعينيات -بإضطراباتها الثورية- مختلفة تماماً عن الجزء الأكبر من الثمانينيات، حيث بدت الرأسمالية، بعد انهيار الستالينية، وكأنها تعيش حياة جديدة؟ لقد طال أمد انتعاش الثمانينيات بشكل مصطنع بسبب الإنفاق الأمريكي على التسليح وانخفاض أسعار السلع العالمية. كما أدت “سياسات تنشيط الإقتصاد” بعد انهيار أكتوبر 1987 إلى تحفيز وإطالة فترة الانتعاش التي استمرت حتى عام 1990. هذا الانتعاش أوجد أوهاماً حول الرأسمالية، وعزز من موقف الحكومات التي كانت في السلطة، وجهز الأساس المادي لتحول درامي إلى اليمين في المنظمات الجماهيرية. كما قال لينين، “السياسة هي اقتصاد مُركّز”.

لقد أفسح الركود الجديد في الفترة 1990-1992 المجال لانتعاش ضعيف مهَدد بفقدان قوته، ولكنه استمر بسبب الانتعاش الاقتصادي في الولايات المتحدة. ومع ذلك، كان لهذا الانتعاش تداعيات سياسية عميقة تمثلت في شعور عام بالقلق وانتشار إحساس بالاستياء العميق من الحكومات القائمة.

لقد أدى انتعاش التسعينيات إلى ظهور أوهام (مرة أخرى) بأن الرأسمالية قد تغلبت على مشاكلها وتعيش حياة جديدة. وفقاً للاقتصاديين البرجوازيين، ستتجنب الرأسمالية مزيداً من الركود، وستختبر “هبوطاً ناعماً” وستشهد إعادة نمو اقتصادي مستدام. لقد طرح البعض فكرة إن الرأسمالية تمر بعصر جديد من النمو على أساس التكنولوجيا الجديدة والعولمة. مثل هذا الرأي خاطئ تماماً. لم يتم حل الأزمة في جنوب شرق آسيا، والتي امتدت إلى روسيا وأمريكا اللاتينية.  وسيؤدي انهيار الاقتصاد الأمريكي إلى جانب الانهيار في وول ستريت إلى مرحلة ركود جديدة للرأسمالية العالمية، مع عواقب وخيمة على استقرار النظام الرأسمالي.

تحاول الماركسية فهم الصيرورة الأساسية في المجتمع والسياسة والاقتصاد. فهذا يمكننا من فهم الخطوط العريضة للأحداث المستقبلية. فقد ظهرت أزمة نوعية جديدة للرأسمالية العالمية ولم يعد التوسع في التجارة العالمية والذي يشهد انخفاض حاد عن مستوياته في الخمسينيات له نفس التأثير على النظام. إنه يعكس مأزق الرأسمالية. ومع ذلك، فإن شدة الأزمة بدأت تظهر الأن أمام الناس. يميل الوعي دائماً إلى التخلف عن الواقع الموضوعي ولكن عند نقطة معينة  يلحق به بانفجار عظيم. نحن في فترة تغيرات حادة ومفاجئة في الواقع الموضوعي ستنعكس حتماً على جميع طبقات المجتمع. كما أوضح تروتسكي، ليس الانتعاش أو الركود هو ما يغير وعي الجماهير، ولكن الحركة بين الانتعاش والركود والعكس صحيح. هذا التغيير السريع في الظروف الاقتصادية يميز الفترة الحالية غير المستقرة للتطور الرأسمالي.

نعيد نشر مقال ليون تروتسكي “منحنى التطور الرأسمالي”، الذي كتب في أبريل 1923، كمساهمة منا لفهم الفترة التي نمر بها والوقوف على العلاقات الجدلية بين التطورات الاقتصادية والسياسية التي تميزها. وذلك أثناء هذا الهجوم الأيديولوجي من قبل دعاة النموذج الاقتصادي الجديد، الذين يعتقدون أن الرأسمالية تشهد فترة جديدة من الصعود، من المهم فهم وجهة النظر العلمية البديلة القائمة ليس فقط على دورة الانتعاش والركود للرأسمالية، ولكن على منحنى التطور الذي يميز هذا النظام. بدلاً من انتعاش جديد، تتجه الرأسمالية نحو ركود جديد وتدهور مماثل لفترة ما بين الحربين. تتيح لنا مقالة تروتسكي فهم الطريقة الماركسية في التعامل مع هذه الظاهرة.

المحرر: Trotsky.net


في مقدمته لكتاب ماركس “الصراع الطبقي في فرنسا”، كتب إنجلز:

عند الحكم على الأحداث وسلسلة الأحداث بشكل يومي، لن يكون من الممكن أبداً لأي شخص أن يعود مباشرة إلى الأسباب الاقتصادية النهائية. وحتى اليوم، عندما توفر الصحافة التقنية المتخصصة مثل هذه المواد الغنية، في إنجلترا نفسها لا يزال من المستحيل متابعة حركة الصناعة والتجارة في السوق العالمية بشكل يومي والتغيرات التي تطرأ على أساليب الإنتاج، بطريقة تمكننا من استخلاص الاستنتاج العام، في وقت محدد، من هذه العوامل المعقدة للغاية والمتغيرة باستمرار: عديد من بين هذه العوامل، إن لم يكن أهمها في المعادلة، تعمل بشكل عام لفترة طويلة في الخفاء قبل أن تظهر فجأة وبعنف على السطح. مسح واضح للتاريخ الاقتصادي لفترة معينة ليست مسألة معاصرة أبداً، لا يمكن اكتسابها إلا بأثر رجعي، بعد جمع المواد و غربلتها. الإحصائيات هي وسيلة مساعدة ضرورية هنا، وهي دائماً متخلفة عن الأحداث. لهذا السبب، لهذا السبب فقط فمن الضروري، في التاريخ الحالي، التعامل مع العامل الأكثر حسماً على أنه ثابت، أو التعامل مع الوضع الاقتصادي القائم في بداية الفترة المعنية على أنه معطى وغير قابل للتغيير طوال الفترة بأكملها، أو ملاحظة مثل هذه التغييرات في هذه الحالة لأنها تنشأ من الأحداث التي أمامنا بوضوح، وبالتالي يمكن أيضاً رؤيتها بوضوح. ومن ثم، فإن الطريقة المادية هنا غالباً ما تقتصر على تتبع الصراعات السياسية و تحيلها مرة أخرى إلى الصراع بين مصالح الطبقات الاجتماعية ومكوناتها التي تتواجه كنتيجة للتطور الاقتصادي، وإظهار الأحزاب المعينة على أنها، بشكل أو بأخر، التعبير السياسي عن نفس هذه الطبقات ومكوناتها.

من البديهي أن هذا التقصير، الذي لا مفر منه، تجاه التغيرات المعاصرة في الوضع الاقتصادي، تجاه جميع الإجراءات الخاضعة للفحص، يجب أن يؤدي للخطأ.

هذه الأفكار التي صاغها إنجلز قبل وفاته بفترة وجيزة لم يطورها أحد بعده. حسب ما أتذكر فإن نادراً ما يتم اقتباس هذه الكلمات – أندر بكثير مما ينبغي. بل علاوة على ذلك، يبدو أن معناها لم يصل للعديد من الماركسيين. يمكن العثور على تفسير هذه الحقيقة مرة أخرى في الأسباب التي أشار إليها إنجلز، والتي تعادي أى نوع من أنواع التفسير الاقتصادي النهائي للتاريخ الحالي.

تحديد المؤثرات الخفية التي ينقلها الاقتصاد إلى سياسات التي يتم إتخاذها اليوم، هي مهمة صعبة للغاية، يستحيل حلها بشكل شامل، ومع ذلك لا يمكن تأجيل تفسير الظواهر السياسية لأن الصراع لا يمكن أن ينتظر. ومن هذا المنطلق، تضطرنا الضرورة أثناء ممارسة النشاط السياسي اليومي للجوء إلى تفسيرات عامة جداً بحيث تتحول من خلال الاستخدام الطويل الأمد إلى حقائق بديهية.

طالما استمرت ممارسة السياسة بنفس الطريقة، داخل نفس البنوك، وبنفس الوتيرة تقريباً، أي طالما أن التراكم الكمي الاقتصادي لم يتحول إلى تغيير نوعي في السياسية، فإن تلك التوصيفات المجردة ( “مصالح البرجوازية”، “الإمبريالية”، “الفاشية”) لا تزال تخدم مهمتها بشكل أو بآخر: ليس لتفسير حقيقة سياسية بكل ما تحملها من جوانب، ولكن لاختزالها إلى نمط اجتماعي مألوف، وهو بطبيعة الحال، أمر ذو أهمية لا تقدر بثمن.

لكن عندما يحدث تغيير جدي في الموقف، منعطف حاد، فإن مثل هذه التفسيرات العامة تصبح عاجزة بشكل كامل، وتتحول إلى حقائق بديهية فارغة. في مثل هذه الحالات، من الضروري دائماً البدء في التحقيق بشكل أكثر عمقاً من الناحية التحليلية من أجل تحديد الجانب النوعي، وإذا أمكن أيضاً القياس الكمي لتأثيرات الاقتصاد على السياسة. تمثل هذه “التأثيرات” الشكل الديالكتيكي لـ “المهام” التي تنشأ بشكل ديناميكي والتي يتم تقديمها للبحث عن حلول لها في حدود البنية الكلية.

تشير تذبذبات الوضع الاقتصادي (الانتعاش – الكساد – الأزمة) في حد ذاتها إلى دوافع دورية تؤدي أحياناً إلى تغييرات كمية، وأحياناً إلى تغييرات نوعية، وإلى تشكيلات جديدة في مجال السياسة. ترتبط العوائد المملوكة للطبقات (ميزان القوى الطبقي – المترجم) وميزانية الدولة والأجور والبطالة ونسب التجارة الخارجية، وما إلى ذلك، ارتباطاً وثيقاً بالظروف الاقتصادية، وهي بدورها تمارس التأثير الأكثر مباشرة على السياسة. هذا وحده كافٍ لجعل المرء يفهم مدى أهمية وثمار دراسة تاريخ الأحزاب السياسية ومؤسسات الدولة وما إلى ذلك، بالعلاقة مع دورات التطور الرأسمالي، خطوة بخطوة.

لا نقصد بهذا على الإطلاق أن نقول إن هذه الدورات تفسر كل شيء: هذا مستبعد، لأن هذه الدورات نفسها ليست ظواهر اقتصادية مستقلة بذاتها لكنها مشتقة من المجال الاقتصادي. إنها تتكشف على أساس تطور قوى الإنتاج من خلال علاقات السوق. لكن الدورات تفسر الكثير، وتشكل من خلال النبضات التلقائية ربيعاً جدلياً لا غنى عنه في آلية المجتمع الرأسمالي. إن نقطة الانهيار في الوضع التجاري-الصناعي تجعلنا نقترب بشكل أكبر من العقدة الحاسمة في شبكة تطور الميول السياسية والتشريعات وجميع أشكال الأيديولوجيا.

الدورات

لكن الدورات الاقتصادية الخاصة بالرأسمالية لا تتميز بالتكرار الدوري فقط ، وإلا فإن ما سيحدث سيكون تكراراً مركباً وليس تطوراً ديناميكياً. يختلف طابع الدورات التجارية-الصناعية في الفترات المختلفة ويتم تحديد الفارق الرئيسي بينهما من خلال العلاقات الكمية بين الأزمة وفترة الانتعاش في كل دورة معينة. إذا حققت فترة الانتعاش فائض يفوق الدمار أو الإنكماش الحادث خلال الأزمة السابقة، فإن منحنى التطور الرأسمالي يميل إلى الأعلى. إذا فاقت أثار الدمار الناتج عن الأزمة ما تم تحقيقه في فترة الانتعاش التي تليها أو حدث تقلص في قوى الإنتاج فإننا نحصل نتيجة لذلك على تراجع في الاقتصاد. وأخيراً، إذا كانت الأزمة والانتعاش يقتربان من قوة بعضهما البعض، فإننا نحصل على توازن مؤقت وركود في الاقتصاد. هذا هو المخطط البياني بشكل مجرد.

نلاحظ في التاريخ أن الدورات المتجانسة يتم تجميعها في سلسلة واحدة. توجد عهود كاملة من التطور الرأسمالي تعبر دوراتها عن فترات انتعاش حادة وأزمات ضعيفة قصيرة الأجل. نتيجة لذلك، يميل المنحنى الأساسي للتطور الرأسمالي للأعلى. وعندما يظل هذا المنحنى لعقود على نفس المستوى نتيجة لتذبذب حدة الدورات بقدر متساوي ينتج حينها فترات الركود. وأخيراً، خلال فترات تاريخية معينة، بينما تمر الدورات المكونة للمنحنى الأساسي بتذبذباتها الدورية، يميل المنحنى ​​إلى أسفل ككل، مما يشير إلى انكماش في قوى الإنتاج.

من الآمن افتراض أن فترات التطور الرأسمالي النشط يجب أن تمتلك سمات – في السياسة والقانون والفلسفة والشعر – تختلف اختلافاً حاداً عن مثيلتها في فترات الركود أو التدهور الاقتصادي. بل ويمكن أيضًا افتراض أن الانتقال من حقبة من هذا النوع إلى حقبة مختلفة ينتج عنه الصراعات الأكثر حدة في العلاقات بين الطبقات وبين الدول. في المؤتمر العالمي الثالث للكومنترن، كان علينا التأكيد على هذه النقطة – في النضال ضد المفهوم الميكانيكي البحت للتفكك الرأسمالي الجاري الآن. إذا وجدت الاستبدالات الدورية -للانتعاش “الطبيعي” بأزمات “طبيعية”- انعكاسها في جميع مجالات الحياة الاجتماعية، فإن الانتقال من حقبة الانتعاش بأكملها إلى مرحلة التدهور أو العكس، يولد أكبر الاضطرابات التاريخية، وليس من الصعب إثبات أنه في كثير من الحالات، تحدث الثورات والحروب على الخط الفاصل بين حقبتين مختلفتين من التنمية الاقتصادية، أي تقاطع قسمين مختلفين من المنحنى الرأسمالي. إن تحليل كل التاريخ الحديث من وجهة النظر هذه هو حقاً أحد أكثر المهام إرضاءً للمادية الديالكتيكية.

في أعقاب المؤتمر العالمي الثالث للكومنترن، تناول البروفيسور كوندراتيف هذه المشكلة – كالعادة، متهرباً بشق الأنفس من صياغة السؤال الذي اعتمده المؤتمر نفسه – وحاول إقامة مفهوم “الدورة الرئيسية”، التي تشمل ما يقرب من خمسين عاماً، جنباً إلى جنب، مع “الدورة الثانوية”، التي تغطي فترة عشر سنوات.

التركيب

وفقاً لهذا التركيب المتماثل، تتكون الدورة الاقتصادية الرئيسية من حوالي خمس دورات ثانوية، نصفها له طابع الانتعاش، والنصف الآخر له طابع الأزمة ويقع بينهم جميع المراحل الانتقالية اللازمة. من الضروري تناول النتائج الإحصائية التي جمعها كوندراتيف عن الدورات الرئيسية بحذر وعدم إتباعها بشكل ساذج خاصة عند دراسة كل بلد على حدى أو السوق العالمية ككل. يمكن بالفعل دحض محاولة البروفيسور كوندراتيف لدراسة الدورات الاقتصادية حيث إن بعض الدورات التي وصفها بأنها دورات رئيسية تتبع نفس “الوتيرة الصارمة” التي يمكن ملاحظتها في الدورات الثانوية، ونستنتج مما سبق أن هذا التعميم خاطئ ونابع من قياس شكلي.

إن التكرار الدوري للدورات الثانوية مشروط بالديناميات الداخلية للقوى الرأسمالية ويتجلى دائماً وفي كل مكان بمجرد ظهور السوق. فيما يتعلق بالأقسام الكبيرة من منحنى التطور الرأسمالي (خمسون عاماً) التي يقترح البروفيسور كوندراتيف -بشكل غير حذر- اعتبارها أيضاً دورات، فإن طابعها ومدتها لا يتم تحديدهم من خلال التفاعل الداخلي للقوى الرأسمالية فحسب ولكن من خلال الظروف الخارجية التي تتحقق التنمية الرأسمالية خلالها. مثل دمج مزيد من البلدان أو القارات في النظام الرأسمالي أو اكتشاف موارد طبيعية جديدة، وفي أعقاب ذلك، تحدد العوامل الرئيسية التي تصيب بنية الاقتصاد ككل مثل الحروب والثورات السمات الرئيسية للدورة الاقتصادية في النظام الرأسمالي وإذا كانت ستأخذ طابع الإنتعاش أو الركود أو الإنهيار.

في أي مسار إذن يجب أن يسير التحقيق؟ لتحديد منحنى التطور الرأسمالي في مرحلتيه غير الدورية (الأساسية) والدورية (الثانوية) ونقاط الانهيار فيما يتعلق بالبلدان المنفردة التي تهمنا، وفيما يتعلق بالسوق العالمية بأكملها – هذا هو الجزء الأول من مهمة. بمجرد أن نحصل على المنحنى الأكيد (طريقة التأكد منه، بالطبع، سؤال خاص في حد ذاته وليس بأي حال من الأحوال بسيطاً، ولكنه يتعلق بمجال التقنية الإحصائية الاقتصادية)، يمكننا تقسيمه إلى فترات، اعتماداً على مقدار الارتفاع والانخفاض مقارنة بالمحور في الرسم البياني. بهذه الطريقة نحصل على مخطط تصويري للتطور الاقتصادي، يعطي تصور للسمات المميزة الخاصة بـ”القاعدة الأساسية التي تتبعها كل الظواهر الخاضعة للبحث” (إنجلز).

اعتماداً على دقة تحقيقنا والظواهر المطلوب دراستها، فإننا قد نحتاج عدداً من المخططات البيانية الأخرى: أحدها يتعلق بالزراعة والآخر بالصناعات الثقيلة وما إلى ذلك. مع وضع هذه المخططات البيانية كنقطة انطلاق لنا، يجب علينا بعد ذلك مزامنتها مع الأحداث السياسية (بالمعنى الأوسع للمصطلح) ويمكننا بعد ذلك البحث ليس فقط عن التطابقات – أو بمعنى أدق، العلاقة المتبادلة بين فترات محددة من الحياة الاجتماعية والأجزاء المعبرة عنها من منحنى التطور الرأسمالي – ولكن أيضاً القوى الدافعة الخفية المباشرة التي تطلق العنان للأحداث.

طوال هذا الطريق، ليس من الصعب على الإطلاق الوقوع في أكثر أنواع السطحية ابتذالاً، الناتجة بشكل أساسي عن المخططات البيانية والتي تتجاهل الظروف الداخلية المتشابكة وتسلسل العمليات الأيديولوجية – لنصبح بعدها غافلين عن حقيقة أن الاقتصاد عامل حاسم فقط في التحليل الأخير. كان هناك دائماً وفرة في الاستنتاجات الكاريكاتيرية المستمدة من المنهج الماركسي! ولكن لكي ننبذ على أساس ذلك ما سبق لإنه (“يفوح منه رائحة الاقتصادوية”) هو إثبات عدم القدرة الكاملة على فهم جوهر الماركسية، التي تدرس التغيرات التي تصيب البنية الاجتماعية وتبحث عن أسبابها في الأسس الاقتصادية وليس في أي مكان آخر.

الاقتصادوية

في ظل خطر التعرض للغضب النظري لمعارضي “الاقتصادوية” (وجزئياً بهدف إثارة سخطهم) نقدم هنا رسماً تخطيطياً يصور بشكل تعسفي منحنى التطور الرأسمالي لفترة تسعين عاماً بناءًا على ما تم ذكره سابقًا. يتم تحديد الاتجاه العام للمنحنى الأساسي من خلال طبيعة المنحنيات الجزئية المتسلسلة التي يتكون منها. في مخططنا يتم تحديد ثلاث فترات بشكل حاد: عشرين سنة من التطور الرأسمالي التدريجي (الجزء A-B)، أربعين عاماً من الانتعاش النشط (الجزء B-C)،  وثلاثون عاماً من الأزمة الممتدة والانحدار (الجزء C-D).

إذا أضفنا إلى هذا الرسم البياني أهم الأحداث التاريخية المناظرة له زمنيًا، فإننا نجد أن وقت وقوع تلك الأحداث يقابله حدوث اختلافات في المنحنى مما يظهر علاقة مبدئية تمثل وحدها حجر الأساس المناسب لدراسة مادية تاريخية. إن توازي الأحداث السياسية والتغيرات الاقتصادية نسبي بالطبع. كقاعدة عامة، لا تسَجل “بنية المجتمع” أو تعكس تشكيلات جديدة في المجال الاقتصادي إلا بعد مرور كثير من الوقت. لكن يجب دراسة هذا القانون عن طريق التحقيق الدقيق في تلك العلاقات المتداخلة التي نقدم هنا لمحة تصويرية عنها.

في التقرير الأخير المقدم إلى المؤتمر العالمي الثالث، أوضحنا فكرتنا بأمثلة تاريخية معينة مستمدة من حقبة ثورة 1848، وحقبة الثورة الروسية الأولى (1905)، والفترة التي نمر بها الآن (1920-1921). نحيل القارئ إلى هذه الأمثلة. إنها لا تقدم أي شيء مكتمل، لكنها تصف بشكل كاف الأهمية الاستثنائية للنهج الذي قدمناه وخاصة لفهم القفزات الأكثر أهمية في التاريخ: الحروب والثورات. إذا استخدمنا في هذه الرسالة مخططاً تصويرياً مجرداً، دون محاولة أخذ أي فترة فعلية في التاريخ كأساس، فإننا نفعل ذلك لسبب بسيط وهو أن أي محاولة غير حذرة من هذا النوع ستؤدي بنا في شبهه ترقب حدوث النتائج التي رأيناها ولكن من خلال تحقيق معقد ومضني لم يتم إجراؤه بعد.

في الوقت الحاضر، لا يزال من المستحيل تحديد بشكل دقيق أى جزء في التاريخ سيتم إلقاء الضوء عليه وكمية الضوء التي ستلقى عليه خلال تحقيق مادي ينطلق من دراسة أكثر واقعية عن المنحنى الرأسمالي والعلاقة المتبادلة بينه وبين جميع جوانب الحياة الاجتماعية. ولا يمكن تحديد المكاسب التي يمكن جنيها من تلك الدراسة إلا بعد الشروع بها، والذي يجب أن يكون بشكل أكثر منهجية، وأكثر تنظيماً من تلك المحاولات المادية التاريخية التي سبقتها حتى الآن.

على أي حال، فإن مثل هذا النهج في النظر للتاريخ الحديث يبشر بإثراء النظرية المادية التاريخية بمكاسب أهم بكثير من محاولات التلاعب التخميني والمشكوك بجدواه بمفاهيم ومصطلحات المنهج المادي التي قام بها بعض الكتاب الماركسيين والتي أدت إلى زرع الأساليب الشكلية في مجال الديالكتيك المادي، والتي أدت إلى تقليص البحث المادي التاريخي لمجرد القدوم بتعريفات وتصنيفات أكثر دقة وتقسيم التجريدات الفارغة إلى أربعة أجزاء فارغة مثلها، باختصار، تم إفساد الماركسية بواسطة أشكال التعبيرات الأنيقة ولكن المخلة لأصولها لمقلدي كانط.

أداة

إنه لأمر سخيف إلى أبعد الحدود أن يتم شحذ سكين ما وإعادة شحذها لإزالة الفولاذ الماركسي منها، عندما يكون المطلوب فقط هو استعمالها في حالتها الخام!

في رأينا، يمكن أن يوفر هذا الموضوع مجالاً لأكبر عمل مثمر لندواتنا الماركسية حول المادية التاريخية. ستلقي التحقيقات المستقلة التي أجريت في هذا المجال بلا شك ضوءاً جديداً، أو على الأقل تلقي مزيداً من الضوء، على أحداث تاريخية منعزلة وعهود بأكملها. أخيراً، فإن عادة التفكير من منظور الفئات السابقة من شأنها أن تسهل بشكل كبير التوجه السياسي في الحقبة الحالية، وهي حقبة تكشف بصراحة أكثر من أي وقت مضى عن العلاقة بين الاقتصاد الرأسمالي، الذي بلغ ذروة التشبع، والسياسة الرأسمالية، التي أصبحت جامحة بشكل كامل.

لقد قدمت وعداً منذ فترة طويلة بتطوير هذا الموضوع لنشرة الأكاديمية الاشتراكية “Vestnik Sotsialisticheskoi Akademii”. حتى الآن منعتني الظروف من الوفاء بهذا الوعد. لست متأكداً من أنني سأتمكن من الالتزام به في المستقبل القريب. لهذا السبب أكتفي في هذه الأثناء بهذه الرسالة.

21 أبريل/نيسان 1923

ترجم عن النص الأصلي:

The capitalist curve of development