الرئيسية / البلشفية طريق الثورة / البلشفية طريق الثورة: الفصل السادس: سنة الثورة – أزمة القيادة

البلشفية طريق الثورة: الفصل السادس: سنة الثورة – أزمة القيادة

كان السبب الحقيقي وراء إصرار لينين على ضرورة اتخاذ إجراءات فورية هو خوفه من تردد قادة الحزب وامتناعهم عن التحضير للاستيلاء على السلطة وبالتالي إضاعة الفرصة. وبمجرد ما ستضيع الفرصة قد يستغرق الأمر سنوات عديدة لكي تسنح مجددا. وهذا بالضبط هو سبب ضرورة وجود الحزب والقيادة الثورية. ربما كان لينين يشك في عضوي اللجنة المركزية الجديدين، يوفي وأوريتسكي، اللذان جاءا مع ميزرايونتسي ولم يكن يعرفهما. كان يتساءل ما إذا كانا من أنصار النزعة التوفيقية؟ وما إذا كان تروتسكي سيتفق مع كامينيف وزينوفييف؟ إلا أنه كان مخطئا في عدم ثقته في عضوي اللجنة المركزية الجديدين، إذ أنهما، مثل تروتسكي، وقفا بثبات على اليسار. لكن المقاومة الشرسة التي خاضها رفاقه القدامى كامينيف وزينوفييف، وكذلك ستالين وإن بحذر أكبر، كانت ضربة موجعة له.

عند كل نقطة تحول حاسمة كانت تحدث خلافات حادة وجدال شديد بين أعضاء القيادة. وقد اندلع مثل ذلك الجدال حول مسألة المشاركة في الكونفرانس الديمقراطي. كان ذلك الكونفرانس مناورة من جانب المناشفة والاشتراكيين الثوريين داخل اللجنة التنفيذية المركزية للسوفييتات عندما شعروا بأن السلطة بدأت تنزلق من بين أيديهم. من الناحية النظرية كان السبب وراء دعوة اللجنة التنفيذية لعقد الكونفرانس هو البت في مسألة السلطة، لكنه في الواقع كان يرمي لذر الرماد في أعين الجماهير وتحويل الانتباه عن المد الثوري المتصاعد وتحريف المسار نحو الخطب والمشاريع العقيمة. بذل القادة الإصلاحيون قصارى جهدهم لتقليص تمثيلية العمال والفلاحين، وأغرقوا الكونفرانس بالعناصر البرجوازية الصغيرة. كانوا يحاولون إنشاء بديل للسوفييتات التي كان نفوذهم فيها يتراجع كل ساعة. ومما أثار اشمئزاز لينين أن اللجنة المركزية البلشفية صوتت لصالح المشاركة في تلك المسرحية وحثت المنظمات الحزبية على «بذل قصارى جهدها لتشكيل أكبر مجموعة ممكنة من المندوبين من أعضاء حزبنا»[1].

كان لينين متشككا جدا في هذا القرار، لكنه وافق عليه على مضض، شريطة أن ينفصل البلاشفة بشكل واضح عن جميع التيارات الأخرى ويقرأوا بيانا يفضحون فيه قادة السوفييتات. وقد جاء في ذلك البيان:

«إن حزبنا، في سياق نضاله من أجل السلطة من أجل تحقيق برنامجه، لم يرغب أبدا ولا يرغب في أن يستولي على السلطة ضد الإرادة المنظمة لأغلبية الجماهير الكادحة في البلد».

وعن هذا البيان كتب تروتسكي قائلا:

«هذا يعني أننا سنأخذ السلطة باعتبارنا حزب الأغلبية داخل السوفييتات. وتشير تلك الكلمات حول “الإرادة المنظمة للجماهير الكادحة” إلى مؤتمر السوفييتات القادم. وقال البيان: “وحدها قرارات ومقترحات الكونفرانس الحالي… هي التي يمكن أن تجد طريقها إلى التنفيذ، كما يعترف بذلك مؤتمر سوفييتات عموم روسيا…”»[2].

سوفييت بيتروغراد سنة 1917

في الواقع لقد كان قرار المشاركة في الكونفرانس الديمقراطي خطأ، كما أكد لينين لاحقا، لكنه كان خطأ بسيطا نسبيا، ويمكن تصحيحه بسهولة. كان الخطأ الأخطر هو موافقة الوفد البلشفي في الكونفرانس على المشاركة في ما سمي بجهاز “ما قبل البرلمان” (Pre-parliament) الذي تم الاتفاق على إنشاءه هناك. كان ذلك خطأ فادحا. كانت تلك الخطوة الهادفة لإنشاء “حكومة تصريف أعمال” محاولة مفضوحة من قبل القادة الإصلاحيين لخلق الانطباع بأن روسيا قد صار لديها الآن نظام برلماني، في حين أن جهاز “ما قبل البرلمان” كان مجرد ملحق للحكومة البرجوازية المؤقتة مع حقوق استشارية فقط . كان من الواضح أنها مناورة رجعية، ومع ذلك فقد صوت المندوبون البلاشفة بأغلبية 77 مقابل 50 لصالح المشاركة فيه. تسببت هذه الخطوة في حدوث انقسام داخل اللجنة المركزية، حيث قاد تروتسكي النضال من أجل مقاطعة “ما قبل البرلمان”. أما لينين، الذي كان قلقا بالفعل من أن القادة البلشفيين يضيعون الوقت، فقد أصيب بالغضب والإحباط الشديدين. أصر بشدة على أن ينسحب البلاشفة من “ما قبل البرلمان” ويكرسوا كل طاقاتهم للإعداد الانتفاضة.

وكتب في حاشية المقالة التي أعلن فيها عن أن المشاركة في الكونفرانس الديمقراطي كانت خطأ وطالب بانسحاب البلاشفة من “ما قبل البرلمان”:

«لقد دعا تروتسكي إلى المقاطعة. أحسنت أيها الرفيق تروتسكي! لكن المقاطعة هُـزمت داخل المجموعة البلشفية بالكونفرانس الديمقراطي. تعيش المقاطعة!

لا يمكننا أن نوافق ويجب علينا ألا نوافق، تحت أي ظرف من الظروف، على المشاركة. إن المجموعة المشاركة في أحد الكونفرانسات ليست هي أعلى جهاز للحزب، بل وحتى قرارات الهيئات العليا للحزب يمكنها أن تخضع للمراجعة على أساس التجربة.

يجب علينا أن نسعى جاهدين وبأي ثمن إلى حل مسألة المقاطعة في جلسة عامة للجنة التنفيذية وفي مؤتمر استثنائي للحزب. يجب أن تصبح مسألة المقاطعة الآن أرضية لانتخابات المؤتمر ولجميع الانتخابات داخل الحزب. يجب أن نجذب الجماهير إلى مناقشة هذه المسألة. يجب على العمال الواعين طبقيا أن يأخذوا الأمر بين أيديهم وأن ينظموا المناقشة ويمارسوا الضغط على “من هم في القمة”.

ليس هناك أدنى شك في أنه توجد في “قمة” حزبنا تذبذبات ملحوظة قد تصبح مدمرة، لأن الصراع يتطور. وفي ظل ظروف معينة، عند لحظة معينة، قد تؤدي التذبذبات إلى تدمير القضية. يجب علينا أن نعبئ كل قواتنا للنضال، يجب علينا أن نتمسك بالخط الصحيح لحزب البروليتاريا الثورية قبل فوات الأوان.

ليس كل شيء على ما يرام مع القادة “البرلمانيين” لحزبنا؛ يجب إيلاء اهتمام أكبر لهم، يجب أن يكون هناك إشراف أكبر عليهم من جانب العمال؛ يجب تحديد كفاءة المجموعات البرلمانية بشكل أوضح.

إن خطأ حزبنا واضح. ينبغي على حزب الطبقة الطليعية المكافح ألا يخاف من الأخطاء. ما ينبغي عليه أن يخشاه هو الإصرار على الخطأ، ورفض الاعتراف بالخطأ ورفض تصحيحه بدافع من الإحساس الزائف بالعار»[3].

وأخيرا (لكن ليس من دون صراع حاد داخل اللجنة المركزية حيث عارض كامينيف الانسحاب من “ما قبل البرلمان”) تم القبول بتوصية لينين وانسحب البلاشفة منذ اليوم الأول، بعد أن قرأوا أولا بيانا انتهى بشعار: «عاش النضال المباشر والمفتوح من أجل السلطة الثورية في البلد!».

في اليوم السابق على قيادة تروتسكي للبلاشفة خارج “ما قبل البرلمان”، اجتمعت اللجنة المركزية، بضغط من لينين، لمناقشة مسألة الانتفاضة مرة أخرى. وبالنظر إلى الأهمية البالغة للوضع، فإن لينين جاء من فنلندا، متنكرا بشعر مستعار، لكن لم يكن هناك أي شيء كوميدي أو مسرحي في ذلك النقاش، الذي عليه كان يتعلق مصير الثورة. شن لينين هجوما ساحقا على أنصار النزعة التوفيقية داخل اللجنة المركزية، وقد جاء في المحضر ما يلي:

«يؤكد الرفيق لينين على أن نوعا من اللامبالاة تجاه مسألة الانتفاضة كان ملحوظا منذ بداية شتنبر. لكن هذا غير مقبول إذا كنا قد رفعنا شعار استيلاء السوفييتات على السلطة بكل جدية. لذا فقد حان الوقت للانتباه إلى الجانب التقني للمسألة. يبدو أن الكثير من الوقت قد ضاع بالفعل»[4].

ويتابع سرد الأسباب التي تدعو البلاشفة إلى حسم السلطة دون تأخير. من المعبر أنه قد أشار أولا إلى الوضع الأممي، حيث أخبار التمردات في الأسطول الألماني وإضرابات العمال التشيكيين والمظاهرات والمتاريس في إيطاليا، تشير إلى أن ظروف الثورة بدأت تنضج على نطاق عالمي. كتب لينين في “رسالة إلى الرفاق البلاشفة” قائلا: «ألقوا نظرة على الوضع الأممي. إن تطور الثورة العالمية أمر لا خلاف عليه»[5].

كان التأخير غير مسموح به لأن مصير الثورة كان على المحك. إما أن يستولي البلاشفة على السلطة، أو أن كيرينسكي سينتقل إلى الهجوم على السوفييتات. قد تتعرض بتروغراد الحمراء للحصار من جانب الألمان، وسيتم تأجيل الجمعية التأسيسية إلى أجل غير مسمى: «إن ما يتم القيام به لتسليم الأراضي بنارفا ومن أجل استسلام بتروغراد يجعل الأمر أكثر إلحاحا بالنسبة لنا لاتخاذ إجراءات حاسمة». ومرة أخرى وجه نفس التحذير: إن الجماهير قد سئمت من الكلمات والقرارات، وستبدأ في اعتبار البلاشفة وكأنهم مثلهم مثل جميع الأحزاب الأخرى إذا هم لم يتحركوا لحسم السلطة:

«الغياب واللامبالاة من جانب الجماهير راجع لتعبها من الكلمات والقرارات. لدينا الآن الأغلبية وراءنا. ومن الناحية السياسية الوضع ناضج تماما لحسم السلطة»[6].

كيف يمكن أن نفسر الأزمات والتذبذبات التي ظهرت بين صفوف القيادة البلشفية خلال عام 1917؟ لا يمكن الإجابة على هذا السؤال إذا ما انطلقنا من تصور مثالي عن الحزب البلشفي. قال تروتسكي:

«كيف يعقل أن لينين، الذي سبق لنا أن رأيناه في بداية أبريل معزولا بين قادة حزبه، يجد نفسه مرة أخرى وحيدا بين نفس المجموعة في شتنبر وأوائل أكتوبر؟ لا يمكنك فهم هذا إذا كنت تصدق تلك الأسطورة الغبية التي تصور تاريخ البلشفية وكأنه انبثاق للفكرة الثورية المطلقة. لقد تطورت البلشفية، في الواقع،  في بيئة اجتماعية محددة تخضع لتأثيراتها غير المتجانسة ومن بينها تأثير البيئة البرجوازية الصغيرة والتخلف الثقافي. وعند كل موقف جديد كان الحزب يكيف نفسه فقط من خلال المرور بأزمة داخلية»[7].

إنه بمثابة قانون أنه مع اقتراب موعد الانتفاضة تتعرض قيادة الحزب الثوري لضغوط شديدة من جانب الطبقات الأخرى، ويبدأ قسم من تلك القيادة في التذبذب. وليس من الصعب العثور على سبب ذلك. إذ ليس من السهل القيام بتقييم دقيق لمزاج الجماهير. وبالنظر إلى المسؤولية الهائلة التي تقع على كاهل القيادة في مثل هذه اللحظة، والمخاطر الكبرى التي ينطوي عليها كل قرار وضغط “الرأي العام” البرجوازي وشد الأعصاب إلى نقطة الانهيار، تظهر جميع نقاط الضعف عارية. لكنه من غير المسموح بالضعف والتذبذب عشية الانتفاضة.

آلان وودز
ترجمة: هيئة تحرير موقع ماركسي


هوامش:

[1] LCW, vol. 26, p. 530, note 4.

[2] L. Trotsky, The History of the Russian Revolution, p. 836.

[3] LCWFrom a Publicist’s Diary, vol. 26, pp. 57-58.

[4] LCWMeeting of the Central Committee of the RSDLP(B) 10 (23) October, 1917, vol. 26, p. 188.

[5] LCWLetter to the Bolshevik Comrades Attending the Congress of Soviets of the Northern Region, vol. 26, p. 182.

[6] LCWMeeting of the Central Committee of the RSDLP(B) 10 (23) October, 1917, vol. 26, p. 188.

[7] L. Trotsky, The History of the Russian Revolution, p. 989.

عنوان ومصدر الكتاب بالإنجليزية:

Bolshevism: The Road to Revolution

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *