الرئيسية / البلشفية طريق الثورة / البلشفية طريق الثورة: الفصل السادس: سنة الثورة – البلاشفة والحكومة المؤقتة

البلشفية طريق الثورة: الفصل السادس: سنة الثورة – البلاشفة والحكومة المؤقتة

في مواجهة تحول جديد وغير متوقع للأحداث، شعر قادة البلاشفة في بتروغراد بالضياع التام. وبدأوا ينتظرون بفارغ الصبر وصول القادة المنفيين ليوفروا لهم التوجيه الضروري. يعترف شليابنيكوف بأن البلاشفة، الذين ركزوا كل جهودهم على كسب المعركة المباشرة من أجل السلطة، لم يفكروا كثيرا في مسألة معنى السلطة وكيف سيتم بشكل ملموس تشكيل “الحكومة الثورية المؤقتة”. كان ذلك، في آخر التحليل، نتيجة للنظرية الخاطئة التي لخصتها صيغة “الدكتاتورية الديمقراطية للبروليتاريا والفلاحين”، والتي تسببت في شل القادة البلاشفة وإرباكهم بشكل كامل بعد الإطاحة بالقيصر. لم يكن حتى لأكثرهم تجذرا منظور آخر سوى تعزيز النظام البرجوازي. كتب أولمنسكي قائلا: «يجب أن تكون الثورة القادمة ثورة برجوازية فقط»، مضيفًا أن: «ذلك كان موقفا إلزاميا لكل عضو في الحزب، كان المبدأ الرسمي للحزب وشعاره الدائم الذي لم يتغير حتى ثورة فبراير 1917، بل ولفترة من الزمن بعد ذلك». وقد عبرت برافدا عن نفس تلك الفكرة بشكل أكثر فظاظة، في عددها الصادر يوم 07 مارس 1917، أي حتى قبل أن يعطيها ستالين وكامينيف توجها أكثر يمينية، حيث كتبت: «بالطبع ليس لدينا أي وهم بخصوص راهنية سقوط حكم رأس المال، إن ما يجب أن يسقط هو فقط الحكم الاستبدادي والإقطاع»[1].

الحكومة المؤقتة في مارس 1917/ / صورة: Wikimedia Commons

وعلى عكس هؤلاء القادة فقد أظهر العمال البلاشفة في المصانع موقفا صحيا تمثل في عدم الثقة في الحكومة المؤقتة منذ البداية. لم يقم منظورهم للثورة على الشعارات القديمة، بل على غريزتهم الطبقية والثورية. لقد كانوا في كل مرحلة يقفون على يسار اللجنة المركزية، التي كانت تتأرجح كثيرا قبل أن يتولى لينين زمامها. ومن المفارقات هي أن غياب القادة في بتروغراد في البداية سمح لصوت القواعد أن يصير مسموعا بشكل أكثر وضوحا. كانوا بمجرد ما يتجاوزون فترة الارتباك الأولي، يعودون فيتبنون موقفا صحيحا إلى حد ما. وهكذا فقد أصدر بلاشفة بتروغراد بيانا، رحب به لينين بحرارة، تحت عنوان “إلى جميع مواطني روسيا”، حيث طالبوا بإقامة جمهورية ديمقراطية وإقرار يوم عمل من ثماني ساعات، والاستيلاء على ممتلكات الملاكين العقاريين ووضع حد فوري للحرب الامبريالية.

كان من شأن ذلك الموقف أن يضع البلاشفة في مواجهة جميع التيارات الأخرى داخل “المعسكر التقدمي” الذي كان يحاول كبح الثورة من أجل الوصول إلى تسوية مع الليبراليين البرجوازيين. وعلى الرغم من أنه لم يشر إلى السوفييت، فإنه قال:

«يجب على عمال المصانع والجنود الثوريين انتخاب ممثليهم على الفور لتشكيل حكومة ثورية مؤقتة، والتي يجب أن تقوم تحت حماية الشعب والجيش الثوري».

كما دعا البيان إلى إنشاء السوفييتات، حيث قال:

«انتقلوا مباشرة إلى انتخابات لجان الإضراب في المصانع. ممثلو تلك اللجان سوف يشكلون سوفييت نواب العمال، الذي سيتولى الدور التنظيمي داخل الحركة والذي سيشكل حكومة ثورية مؤقتة».

لقد انعكس الموقف الثوري الغريزي للقواعد البلشفية ومعارضتها للتعاون الطبقي في ذلك الموقف الجذري الذي تبنته برافدا خلال الأيام الأولى للثورة، قبل وصول ستالين وكامينيف. كتبت برافدا يوم 09/03/1917:

«يجب على سوفييت نواب العمال والجنود أن يتخلص فورا من هذه الحكومة المؤقتة البرجوازية الليبرالية ويعلن نفسه أنه الحكومة الثورية المؤقتة»[2].

لكن وصول القادة المنفيين غير الأمور على الفور إلى الأسوأ. فنظرا لأن لينين كان قد تقطعت به السبل في سويسرا حيث كان محاصرا، بسبب رفض الحلفاء السماح له بالسفر إلى روسيا عبر أراضيهم، فقد كان أول من عاد إلى روسيا هم أولئك الذين كانوا منفيين في سيبيريا، ومن بينهم كامينيف وستالين، اللذان قاما على الفور بتوجيه الحزب في اتجاه اليمين، مما جعلهم يقتربون من المناشفة.

انضم زعماء البلاشفة في روسيا إلى المناشفة والاشتراكيين الثوريين في دعم الحكومة المؤقتة، برئاسة الأمير لفوف، على الرغم من كل تحذيرات لينين ضد التكتل مع البرجوازية الليبرالية. كانت هناك اختلافات حادة بين بلاشفة الداخل حتى قبل عودة ستالين وكامينيف. وعندما عرض مولوتوف على لجنة بتروغراد، قرارا باسم اللجنة المركزية، ينتقد الحكومة المؤقتة ويدين سياستها المناهضة للثورة ويدعو إلى استبدالها بـ “حكومة ديمقراطية”، تم رفضه. وبدلاً من ذلك أصدرت لجنة بتروغراد قرارا تعلن فيه الامتناع عن شن أي هجمات على الحكومة المؤقتة “طالما كانت ممارساتها تتوافق مع مصالح البروليتاريا وعموم جماهير الشعب الديمقراطية”[3]. وعوض أن يعملوا على الظهور كقوة ثورية مستقلة، اكتفى قادة البلاشفة في بتروغراد بلعب دور العجلة الخامسة في عربة “الديمقراطيين التقدميين”. كان ذلك يعكس ضغط الرأي العام البرجوازي الصغير. كان المزاج العام السائد في أعقاب الإطاحة بالقيصر شهر فبراير هو النشوة والابتهاج العام. ازداد الضغط المكثف من أجل وحدة جميع “القوى التقدمية”، ونزل بثقله على كاهل الشريحة القيادية للجناح الأكثر راديكالية، الذي كان يتم حثه باستمرار على تعديل مواقفه والتوافق مع الأغلبية. لقد أدى ذلك إلى إرباك القادة البلاشفة، وجعلهم يتجهون نحو التقارب مع المناشفة. حيث شهدت العديد من المناطق دمج اللجان المحلية البلشفية والمنشفية بشكل تلقائي. يتذكر تروتسكي ذلك قائلا:

«لقد سقطت الحواجز بين البلاشفة والمناشفة، بين الأمميين وبين الوطنيين. واجتاحت البلد بأسره نزعة توفيقية نشيطة لكنها قصيرة النظر وكثيرة الاطناب. كان تخبط الناس في فوضى من العبارات البطولية هو العنصر الرئيسي لثورة فبراير خاصة خلال الأسابيع الأولى. كانت مجموعات المنفيين قد بدأت تصل من جميع أطراف سيبيريا واندمجت في تيار واحد تدفق غربا في جو من العدوى السامة»[4].

أدى وصول المنفيين من سيبيريا على الفور إلى إضفاء ميل يميني حاد على المواقف السياسية التي اتخذتها القيادة البلشفية في بتروغراد. حتى ذلك الوقت كانت القيادة المحلية، المؤلفة من شليابنيكوف وزالوتسكي ومولوتوف، قد سلكت مسارا أكثر راديكالية. لقد وقف هؤلاء القادة الثلاثة في الجناح اليساري للحزب. لكن القادمين الجديدين، كامينيف وستالين، استخدما منصبيهما لدفع خط الحزب بحدة نحو اليمين، وهو ما انعكس على الفور في صفحات الجريدة المركزية للحزب. ففي مقال افتتاحي في برافدا، يوم 14 مارس، أي بعد يومين على عودته، كتب كامينيف متسائلا: «ما الغرض من تسريع الأمور أكثر، في حين أنها تسير بالفعل بسرعة كبيرة»[5]. وفي اليوم التالي كتب مقالة أخرى علق فيها على بيان كيرينسكي قائلا بأن روسيا “ستدافع بكل فخر عن حرياتها” وأنها لن “تتراجع أمام حراب المعتدين”. وأضاف بحماس، وبلغة ناقضت بشكل مطلق سياسة لينين المعارضة للحرب:

«عندما يواجه جيش جيشا آخر، يكون من أكثر السياسات جنونا أن يقترح المرء على أحدهما أن يلقي سلاحه ويعود إلى المنزل. لن تكون تلك سياسة سلام، بل سياسة عبودية، سيتم رفضها باشمئزاز من قبل أي شعب حر»[6].

وقد تبنى ستالين نفس موقف كامينيف، لكن بحذر أكبر. نشر مقالا يوافق فيه على الموقف الذي عبر عنه السوفييت في بيانه (الذي انتقده لينين بشدة) وقال إن المطلوب هو «الضغط على الحكومة المؤقتة لجعلها تعلن موافقتها على بدء مفاوضات السلام على الفور». ووفقا لستالين فإنه “مما لا جدال فيه” أن «الشعار المتصلب “فلتسقط الحرب!”، شعار غير مناسب على الإطلاق من الناحية العملية»[7].

انعقد أول كونفرانس لسوفييتات عموم روسيا لنواب العمال والجنود في نهاية مارس 1917. وفي نفس الوقت أصدرت اللجنة المركزية البلشفية دعوة لعقد كونفرانس لعموم روسيا لعمال الحزب، والذي افتتح في 28 مارس. كان ذلك أول كونفرانس تمثيلي حقًا للحزب يعقد منذ الإطاحة بالقيصر. كان لينين ما يزال يكافح من أجل العودة من منفاه السويسري، وبالتالي فقد كان غائبا. لذلك فإن المواقف السياسية المعبر عنها فيه تمثل انعكاسا دقيقًا لرؤية القادة البلاشفة في بتروغراد للثورة. من بين القضايا الرئيسية التي نوقشت في الكونفرانس كان الموقف من الحرب والحكومة المؤقتة، وكذلك العلاقات مع الأحزاب الأخرى. قدم ستالين التقرير عن الموقف من الحكومة المؤقتة، وهو التقرير الذي جاء بأكمله مشبعا بنزعة التكيف والتوفيقية الانتهازية، ومعارضا بشكل جذري للخط الذي دعا إليه لينين بإصرار.

الفكرة الأساسية لموقف ستالين هي أنه على البلاشفة أن يقدموا دعما نقديا للحكومة المؤقتة البرجوازية، وأن يشتغلوا كنوع من المعارضة الموالية التي، رغم بقائها خارج الحكومة، وإبدائها لبعض التحفظات، تستمر في تقديم الدعم لها:

«يجب علينا أن ندعم الحكومة المؤقتة طالما استمرت تحصّن خطوات الثورة؛ لكن وبمجرد ما تصير معادية للثورة يصير دعمها غير مقبول».

لم يحظ هذا الموقف بالإجماع في الكونفرانس. في الواقع إن القرار الذي اتخذته اللجنة المركزية، وعلى الرغم من أنه غير مرضٍ بشكل كاف، قدم على الأقل بعض النقاط الصحيحة:

«إن الحكومة المؤقتة، التي أقامتها الطبقات البرجوازية المعتدلة في مجتمعنا والتي كل مصالحها مرتبطة بالرأسمالية الأنجلو-فرنسية، غير قادرة على حل المهام التي تفرضها الثورة».

ويضيف القرار:

«وبالتالي فإن المهمة الآنية هي: توحيد جميع القوى حول سوفييت نواب العمال والجنود باعتباره جنين السلطة الثورية، التي هي وحدها القادرة على التصدي لمحاولات الردة الرجعية القيصرية والبرجوازية وكذلك تحقيق مطالب الديمقراطية الثورية وشرح الطبيعة الطبقية الحقيقية للحكومة الحالية.

إن المهمة الأكثر إلحاحا والأكثر أهمية للسوفييت، والتي فقط تحقيقها ما سيضمن الانتصار على جميع قوى الثورة المضادة ومواصلة تطوير الثورة وتعميقها، هي من وجهة نظر الحزب التسليح الشامل للشعب، وعلى وجه الخصوص التشكيل الفوري للحرس الأحمر العمالي في كل أنحاء البلد».

وتذكر المحاضر أن ستالين قد أعلن صراحة معارضته لقرار اللجنة المركزية هذا:

«لقد قرأ الرفيق ستالين القرار الخاص بالحكومة المؤقتة الذي اعتمده مكتب اللجنة المركزية، لكنه أكد على أنه لا يتفق معه بشكل كامل، وأنه يتفق بالأحرى مع قرار نواب سوفييت كراسنويارسك للعمال والجنود».

كان قرار كراسنويارسك، الذي يعكس تفكير المقاطعات الأكثر تخلفا، ذا طابع انتهازي كامل، حيث استند على فكرة أن السوفييتات يمكنها أن تتعايش مع الحكومة البرجوازية المؤقتة، وتدفعها، عن طريق الضغط، إلى الخضوع لإرادتها:

«2) أن نوضح بشكل كامل أن المصدر الوحيد لسلطة الحكومة المؤقتة وسيادتها هو إرادة الشعب الذي أنجز هذه الثورة والذي يتعين على الحكومة المؤقتة الخضوع له بالكامل.

3) أن نوضح بالمثل أن خضوع الحكومة المؤقتة للمطالب الأساسية للثورة لا يمكن تأمينه إلا من خلال الضغط المتواصل من طرف البروليتاريا والفلاحين والجيش الثوري، الذين عليهم أن يحافظوا بكل حيوية على التفافهم حول سوفييتات نواب العمال والجنود النابعة من الثورة، من أجل تحويلها إلى سلطة حقيقية للشعب الثوري.

4) أننا ندعم الحكومة المؤقتة في أنشطتها فقط بقدر ما تتبع مسار الاستجابة لمطالب الطبقة العاملة والفلاحين الثوريين خلال هذه الثورة».

وفي تدخل لا يصدق في سياق النقاش، جعل ستالين الوضع السيء يزداد سوءا، حيث قال:

«هل يمكن للمرء، في مثل هذه الحالة، أن يتحدث عن دعمنا لمثل هذه الحكومة؟ على المرء بالأحرى أن يتحدث عن دعم هذه الحكومة لنا. ليس من المنطقي التحدث عن دعم الحكومة المؤقتة، بل على العكس من الأنسب الحديث عن عدم قيام الحكومة بإعاقتنا عن تنفيذ برنامجنا».

كيف يمكن للبلاشفة “تنفيذ برنامجهم” مع السماح لحكومة برجوازية بالبقاء في السلطة؟ كيف كان من الممكن الحصول على السلام من حكومة مقيدة الأيدي والأرجل بالرأسمال البريطاني والفرنسي؟ كيف يمكن نقل الأرض إلى الفلاحين من قبل حكومة يسيطر عليها “أصحاب الملكية”؟ لقد كانت فكرة القائلة بأنه يمكن لسوفييتات العمال والجنود أن تتعايش لفترة طويلة مع حكومة الرأسماليين، ناهيك عن إلزامها بالعمل ضد مصالحها الحيوية الخاصة، تتناقض بشكل صارخ ليس فقط مع أبجديات الماركسية، بل ومع بديهيات التفكير السليم. وقد استخدمت هذه الصيغة نفسها في وقت لاحق من قبل القادة الاشتراكيين الديمقراطيين الألمان لعرقلة وتدمير الثورة الألمانية في نوفمبر 1918. لو أن خط ستالين وكامينيف انتصر، لكانت الثورة الروسية ستنتهي بالتأكيد إلى هزيمة مماثلة.

إن الطبيعة المشوشة لهذه الخطب والقرارات والارتباك الذي عاشه البلاشفة في ذلك الوقت، يجد جذوره في الطبيعة المشوشة والمتناقضة للشعار البلشفي القديم: “الديكتاتورية الديمقراطية للبروليتاريا والفلاحين”، وهو ما كان تروتسكي قد نبه إليه قبل زمن بعيد. حيث أن تعريف البلاشفة للطبيعة الطبقية للثورة بأنها ديمقراطية برجوازية، جعلهم يواجهون معضلة ما الذي يجب عليهم فعله، إذا لم يكن من المفترض أن تستولي الطبقة العاملة على السلطة. استنتج ستالين وكامينيف أنه على الطبقة العاملة أن تدعم البرجوازية “التقدمية”، على الرغم من كل عبارات “إلا” و”حتى”.

لقد تسببت سياسة الاستسلام للطبقة الوسطى “الديمقراطية”، التي دعا إليها ستالين وكامينيف، في تمييع الحدود بين البلاشفة والمناشفة، إلى درجة أن كونفرانس مارس ناقش بالفعل مسألة الاندماج بين الحزبين. في الواقع لو تم القبول بسياسة ستالين-كامينيف، لما كان هناك أي سبب وجيه للإبقاء على وجود حزبين منفصلين. وفي جلسة 30 مارس، قدم كامينيف تقريرا عن اتصالاته بالمناشفة، كما يظهر في المحاضر:

«قدم كامينيف تقريرا عن أنه دخل في مفاوضات مع الاشتراكيين الثوريين الأممين والمناشفة الأممين. وطالما من الواضح أنه سيتم تمرير قرار غير مقبول مطلقا من طرف اللجنة التنفيذية [للسوفييت]، فمن الضروري معارضته بقرار مشترك من جانب الأمميين. الاشتراكيون الثوريون (22) يشكلون أقلية، ولن يصوتوا ضد قرار البلاشفة وسيسحبون قرارهم. بينما المناشفة يسعون إلى تقديم قرار موحد ومؤيدون للاتفاق على قرار مشترك. وفي حالة ما تم فرض الانضباط لإجبار الأقلية على الخضوع للأغلبية، فإن الأمميين سيؤيدون قرارنا».

لكن هؤلاء المتدخلين من يسار الحزب الذين عارضوا هذه التحركات نحو الوحدة والذين تجرأوا على إثارة مسألة استيلاء العمال على السلطة، لم يتم إعطائهم سوى فترة قصيرة للحديث خلال النقاش. وهكذا فإنه عندما تدخل كراسيكوف على هذا الأساس، منعه رئيس الجلسة من مواصلة الحديث:

«قال كراسيكوف: إن جوهر المسألة ليس في التعديلات وليس في عرض توضيحي للشعارات الاشتراكية الديمقراطية، بل في اللحظة الراهنة. فإذا اعترفنا بالسوفييتات باعتبارها الأجهزة التي تعبر عن إرادة الشعب، فإن السؤال المطروح أمامنا لن يكون هو النظر في التدابير الملموسة التي يجب اتخاذها بشأن هذه القضية أو تلك. إذا كنا نعتقد أن الوقت قد حان الآن لإقامة ديكتاتورية البروليتاريا، فعلينا أن نطرح المسألة بهذه الطريقة. لدينا بلا شك القوة المادية للاستيلاء على السلطة. وأعتقد أنه ستكون لدينا القوى المادية الكافية في بتروغراد وكذلك في مدن أخرى. [ضجة في القاعة. صراخ: “هذا غير صحيح“.] كنت حاضرا…

الرئيس (مقاطعا): إن السؤال قيد المناقشة يتضمن الخطوات العملية لهذا اليوم. أما مسألة دكتاتورية البروليتاريا فليست مطروحة للنقاش.

كراسيكوف (يتابع): إذا لم نطرح المسألة بهذه الطريقة، فعلينا أن نتخذ خطوات فيما يتعلق بالحكومة المؤقتة التي…

الرئيس يحرمه من الكلمة».

على الرغم من أن مقترح كامينيف كان يبدو وكأنه يهدف إلى ربط الاتصال مع الجناح اليساري (الأممي) للمناشفة، فإن النية الحقيقية كانت هي تحقيق الاندماج في حزب واحد. كان هناك قادة مناشفة بارزون، مثل ليبر، حاضرين في الكونفرانس وشاركوا في أشغاله. وفي جلسة 01 أبريل، تم تقديم قرار، في الكونفرانس، بشأن الوحدة، كتبه الزعيم المنشفي الجورجي، تسيريتيلي. وعلى الرغم من أن ممثلي الجناح اليساري البلشفي، بمن فيهم آنذاك الطالب مولوتوف، عارضوا ذلك القرار، فإن ستالين أعرب عن اتفاقه مع القرار بعبارات إيجابية:

«جدول أعمال اليوم: مناقشة اقتراح تسيريتيلي عن التوحيد.

ستالين: يجب أن نذهب. من الضروري تحديد مقترحاتنا فيما يتعلق بشروط التوحيد. إن التوحيد ممكن على أساس قرارات زيمروالد- كينثال.

لوغانوفسكي: إن لجنة خاركوف تجري مفاوضات على هذا الأساس بالضبط.

مولوتوف: إن تسيريتيلي يريد توحيد عناصر غير متجانسة. يسمي تسيريتيلي نفسه “زيمروالديا” و”كينثاليا” ولهذا السبب فإن التوحيد على هذا الأساس غير صحيح من الناحيتين السياسية والتنظيمية. سيكون من الأصح طرح برنامج اشتراكي أممي محدد. سنقوم بتوحيد أقلية منسجمة.

قال لوغانوفسكي (في سياق دحضه للرفيق مولوتوف): في الوقت الحاضر لسنا على علم بأي خلافات. لقد امتنع المناشفة داخل السوفييت وتحدثوا بقوة أكبر مما فعل… البلاشفة الذين عارضوا. خلافات كثيرة صارت متجاوزة. ومن غير الصحيح التركيز على الاختلافات التكتيكية. إنه يمكننا عقد مؤتمر مشترك مع المناشفة والزيمروالديين والكنثاليين».

وعلى إثر الجدال الذي أثاره هذا الاقتراح، تدخل ستالين مرة أخرى في النقاش للدفاع عن الوحدة بعبارات لا لبس فيها، والتي على الرغم من حذره المعتاد، جاءت صدى لتعليقاته السابقة، التي وصف فيها الاختلافات بين البلشفية والمنشفية بأنها “عاصفة في كوب شاي”:

«ستالين: لا فائدة من التسرع واستباق الخلافات. لا وجود لحياة حزبية دون خلافات. سوف نحل الخلافات التافهة داخل الحزب. لكن هناك مسألة واحدة مهمة: من المستحيل توحيد ما لا يمكن توحيده. سيكون لدينا حزب واحد مع أولئك الذين يتفقون على قرارات زيمروالد وكينثال…»[8].

إن وصف الاختلافات بين البلشفية والمنشفية بأنها “خلافات تافهة”، بعد كل الأحداث الكبرى، يدل على أن ستالين، “موظف الحزب”، لم يكن لديه أي استيعاب حقيقي للأفكار الأساسية للبلشفية. لقد كانت تلك “الخلافات التافهة” هي الاختلاف بين الإصلاح والثورة، وبين السياسة الطبقية المستقلة وبين سياسة التعاون الطبقي. وفي النهاية صوت الكونفرانس لصالح السماح للمفاوضات بالمضي قدما، وانتخب لجنة تفاوضية مؤلفة من ستالين وكامينيف ونوغين وتيودوروفيتش.

آلان وودز
ترجمة: هيئة تحرير موقع ماركسي


[1]: M. Liebman, Leninism Under Lenin, p. 127.

[2]: Istoriya KPSS, vol. 2, p. 674 and p. 688.

[3]: M. Liebman, Leninism Under Lenin, p. 122.

[4]: L. Trotsky, Stalin, p. 181.

[5]: M. Liebman, Leninism Under Lenin, p. 123.

[6]: E.H. Carr, The Bolshevik Revolution, vol. 1, p. 75.

[7]: J.V. Stalin, Works, vol. 3, p. 8.

[8]: منقول عن:
L. Trotsky, The Stalin School of Falsification, p. 239, p. 240, p. 241, p. 242, p. 255, p. 256, p. 258, p. 274, p. 275.
التي تعيد نشر المحاضر الرسمية للكونفرانس، خط التشديد من عندي آلان وودز

عنوان النص بالإنجليزية:

Bolshevism: The Road to Revolution

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *