لوكسمبرغ و الأممية الرابعة

ليون تروتسكي

 


تبذل الجهود حاليا في فرنسا و أماكن أخري لبناء ما يسمي لكسمبرجية كحصن مدافع عن اليساريين الوسطيين في مواجهه البلشفية – اللينينية. و ربما تكتسب هذه المسألة أهمية جديرة بالاعتبار. و ربما يكون من الضروري تكريس مقال آخر أكثر شمولا في المستقبل القريب بخصوص اللكسمبرجية الحقيقية و المزعومة. إنني أتمني هنا فقط أن أتلمس المميزات الأساسية للمسألة.

لقد تناولنا أكثر من مرة هجوم روزا لكسمبرج علي التحريفات الوقحة و البلهاء لستالين و بيروقراطيته. و يجب علينا أن نستمر في فعل ذلك. و في فعل ذلك فإننا لسنا مدفوعين بالاعتبارات الإنسانية، و لكن بمقتضي الانتقاد المادي – التاريخي. إن دفاعنا عن روزا لكسمبرج، مهما يكن، هو ليس بغير تحفظ. فالجوانب الضعيفة في تعاليم روزا لكسمبرج قد تم طرحها بطريقة ظاهرة للعيان نظريا و عمليا. إن أبناء حزب العمال الاشتراكي (.S.A.P) و العناصر القريبة لهم (انظر، علي سبيل المثال، " الثقافية البروليتارية " الفكرية المبتدئة: السبارتاكية الفرنسية، دوريات الطلبة الاشتراكيين التي تظهر في بلجيكا و في بعض الأحيان أيضا في الفعل الاشتراكي Action socialiste البلجيكية، الخ.) يستخدمون فقط الجوانب الضعيفة و الناقصة و التي لم تكن بأي حال من الأحوال حاسمة في روزا؛ فهم يعممون و يضخمون مواطن الضعف إلي الحد الأقصى، و يبنون علي هذا الأساس نظام شامل سخيف. إن المفارقة هنا تكمن في أن الستالينيين، أيضا، في تحولهم الأخير، بدون علم و حتى بدون فهم، فد أصبحوا قريبين في النظرية إلي الجوانب السلبية الكاريكاتورية للكسمبرجية. لكي لا يتركوا شيئا للوسطيين التقليديين و الوسطيين اليساريين في المعسكر الاشتراكي الديمقراطي.

لا ينكر أحد أن روزا لكسمبرج قد طرحت تلقائية الفعل الجماهيري في مقابل " النصر المتوج " للسياسة المحافظة للاشتراكية الديمقراطية الألمانية و بصفة خاصة بعد ثورة 1905. هذا الطرح المعاكس كان له صفة ثورية و تقدمية مئة بالمئة. ففي تاريخ مبكر عن لينين، أدركت روزا لكسمبرج الصفة المثبطة للحزب المتحجر فكريا و جهاز النقابات العمالية و بدأت الصراع ضدها. و نظرا إلي أنها قد اعتمدت علي المؤكدات الحتمية للصراعات الطبقية، فهي قد تنبأت دائما بحقيقة المظهر الجوهري المستقل للجماهير في مواجهة إرادة و في مواجهة خط سير طبقة الموظفين. في ظل هذه الخطوط التاريخية العريضة، فقد ثبت أن روزا كانت علي حق. فقد كانت ثورة 1918 "تلقائية"، هي كذلك، كانت قد تم إنجازها بواسطة الجماهير في مواجهة كل الاحتياطات المسبقة و التدابير الوقائية لطبقة موظفين الحزب، و من الناحية الأخرى، فإن كل التاريخ الألماني اللاحق قد أظهر بإسهاب أن التلقائية وحدها هي بعيدة كفاية عن النجاح : فنظام هتلر هو نزاع واسع ضد الدواء العام للتلقائية.

روزا نفسها لم تحصر نفسها أبدا في النظرية المجردة للتلقائية، مثل بارفوس، علي سبيل المثال، و الذي استبدل مؤخرا جبريته (قدرية) الثورية الاشتراكية بأكثر النظريات الثورية جبرية. و علي العكس من بارفوس، فإن روزا لكسمبرج قد بذلت كل ما في وسعها لتثقيف الجناح الثوري للبروليتاريا سلفا و لكي توحدهم تنظيميا بأكبر قدر ممكن. في بولندا، فهي قد شيدت تنظيم مستقل صلب جدا. إن أقصي ما يمكن أن يقال أنها في تقييمها التاريخي – الفلسفي للحركة العمالية، النخبة الإعدادية من الطليعة، بالمقارنة مع العمل الجماهيري الذي كان متوقعا، فهي قد كانت هزيلة جدا بالنسبة لروزا؛ في حين أن لينين، و بدون أن يواسي نفسه بمعجزات العمل المستقبلي، قد أخذ العمال المتقدمين و شرع باستمرار و دأب في صهرهم معا لتكوين نواة صلبه، غير قانونية أو قانونية، في التنظيمات الجماهيرية أو السرية، و ذلك بواسطة برنامج معرّف بوضوح.

لقد كانت نظرية روزا عن التلقائية سلاح مفيد في مواجهة الجهاز المتحجر للإصلاح. و بحقيقة أنه غالبا ما كان موجة ضد عمل لينين لبناء جهاز ثوري، و هو ما كشف، بالتأكيد، و فقط في الحالة الجنينية، مظاهره الرجعية. مع روزا نفسها فإن هذا كان قد حدث بصورة عرضية فقط. فهي كانت واقعية جدا من الوجهة الثورية و ذلك لتطوير العناصر الخاصة بنظرية التلقائية في ميتافيزيقية شديدة البراعة، و عمليا في التطبيق، فهي نفسها، كما كانت قد قالت بالفعل، قوضت هذه النظرية عند كل مرحلة. و بعد ثورة نوفمبر 1918، فهي قد شرعت نحو العامل المتحمس الذي يحشد الطليعة البروليتارية، معتبرة نظريتها نسخة ضعيفة جدا من الثورة السوفيتية، كتب في السجن و لكن لم يتم النشر أبدا عن طريقها – تسمح أعمال روزا التالية الاستنتاج الأكيد بأنها، يوم بعد يوم، كانت تقترب من نظرية لينين – تصور واضح لإدراك ما يتعلق بالقيادة الواعية و التلقائية. (و من الأكيد أن هذا هو كان الظرف الذي منعها من نشر مخطوطها المناهض للسياسة البلشفية و الذي تمت إساءة استعماله بخسّة مؤخرا).

دعونا نحاول مرة أخري أن نطبق النزاع بين الفعل التلقائي الجماهيري و العمل التنظيمي الهادف علي الفترة الحاضرة. فكم من نفقات جبارة من القوة و عدم الأنانية أنفقتها الجماهير الكادحة في كل الدول المتحضرة و نصف – المتحضرة منذ الحرب العالمية ! فلا يوجد في التاريخ الماضي ما يمكن مقارنته بها. و إلي هذا الحد كانت روزا لكسمبرج علي حق تماما بكونها ضد المادية القديمة، الشخصية و الحماقة الخاصة بالزحف المستقيم " النصر – المتوج " للبيروقراطية المحافظة. و لكنه فقط هذا التبديد لهذه القوي غير المحدودة هو الذي يشكل أساس الحزن و الفتور في صفوف البروليتاريا في حين تتقدم الفاشية بنجاح. و بدون أقل قدر من المبالغة يمكننا القول : أن وضع العالم كله يمكن تحديده بواسطة الأزمة الخاصة بالقيادة البروليتارية. إن مجال الحركة العمالية اليوم هو ما يزال مثقلا ببواقي ضخمة من المنظمات القديمة المفلسة. و بعد تضحيات و إخفاقات لا حصر لها، فإن معظم البروليتاريا الأوربية، علي الأقل، قد انطوي علي نفسه في داخل قوقعته. الدرس الحاسم الذي كانت أسقطته، بتعمد أو بنصف – تعمد، من التجارب المريرة، يقول : عمل عظيم يتطلب قيادة عظيمة. بالنسبة للأمور الجارية، فما يزال العمال يعطون أصواتهم للمنظمات القديمة. أصواتهم، و لكن ليس بأي حال من الأحوال ثقتهم الغير محدودة. و من الناحية الأخرى، بعد الانهيار المأساوي للأممية الثالثة، فإنه من الصعوبة بمكان أن يتم تحريكهم لوضع ثقتهم في منظمة ثورية جديدة. هنا بالضبط تقع الأزمة الخاصة بالقيادة البروليتارية. وغناء أغنية مملة عن العمل الجماهيري المستقبلي الغامض في هذه الحالة، علي النقيض من انتقاء واع لكوادر لأممية جديدة، فإن ذلك يعني الاعتماد علي عمل رجعي تماما. و هذا هو بالضبط المكان حيث يوجد دور S.A.P. في مجري "العملية التاريخية". و يمكن أن يستجمع أحد رجال الحرس القديم من الجناح اليساري لحزب العمال الاشتراكي – بالطبع – ذكرياته الماركسية من أجل أن يوقف التراجع النظري للتلقائية – البربرية. هذه المقاييس الأدبية الخالصة لا تغير شيئا من حقيقة أن تلاميذ ميلز، الكاتب المتكلف للحل السلمي و الكاتب الذي هو ليس أقل تكلفا لذلك المقال في الطبعة الفرنسية من مجلة الشباب، يعتمدون علي التلقائية الأكثر خزيا و تفاهة حتى في صفوف حزب العمال الاشتراكي. السياسات العملية ل Schwab (اصطناع "عدم الحديث عن ماذا يكون" و العزاء الأبدي إلي العمل الجماهيري المستقبلي و تلقائية "العملية التاريخية") أيضا لا تدل إلا علي استغلال تكتيكي لنوع مهذب و محرف تماما من اللكسمبرجية. و إلي هذا الحد الذي وصل إليه رجال "الجناح اليساري"، فإن "الماركسيين" قد فشلوا في شن هجوم واضح علي هذه النظرية و علي ممارسات حزبهم، فمقالاتهم المضادة لميلز تكتسب صفة البحث عن تقديم الأعذار النظرية. و مثل هذا التقديم للأعذار لا يصبح لازما إلا عندما يكون الفرد جزءا من جريمة متعمدة.

إن أزمة القيادة البروليتارية لا يمكن، بالطبع، أن يتم التغلب عليها بواسطة صيغة مجردة. فهي مسألة تتعلق بعملية رتيبة إلي حد بعيد، و لكنها لا تتعلق بعملية " تاريخية " محضه، و هكذا، بالمقدمات المنطقية الموضوعية لنشاط واع، و لكن بسلسلة متصلة من المقاييس الأيدلوجية و السياسية و التنظيمية بهدف إدماجهم ببعضهم إلي الحد الأقصى، إن أكثر العناصر وعيا من البروليتاريا العالمية هي دون مستوي الشعارات النظيفة، هذه العناصر التي يجب عليها أن تزيد باستمرار من أعدادها و ثقتها بنفسها، كما يجب تطوير و تعميق اتصالها بالقطاعات العريضة من البروليتاريا، في كلمة واحدة: أن يعيدوا إلي البروليتاري، في ظل ظروف جديدة و صعبة إلي حد بعيد و أيضا شاقة، قيادته التاريخية. و المشوشون التلقائيون الأخيرون لديهم فقط القليل من الحق لكي يشيروا إلي روزا مثل ما لدي بيروقراطيي الكومينترن البائسة لكي يشيروا إلي لينين. لنضع جانبا الحوادث العرضية و التي نتغلب علي تطوراتها، و نستطيع، و لدينا كل المسوغات، أن نضع أعمالنا من أجل الأممية الرابعة تحت لافتة "اللامات الثلاث"، و هكذا، ليس فقط تحت لافتة لينين، و لكن أيضا لكسمبرج و ليبنكخت.

الصفحة الرئيسية / ليون تروتسكي