تروتسكي و المسألة اليهودية

 

إثر قيام ثورة أوكتوبر منح البلاشفة اليهود حق تقرير المصير عبر تمكينهم من باروبيدجان كوطن يهاجرون إليه إن رغبوا في ذلك. و كان ذلك في إطار نفس السياسة التي انتهجها البلاشفة تجاه الجماعات الإثنية بما في ذلك تلك التي لم تبلغ درجة لتكوّن أمّة. إلاّ أنَّ مشروع بايروبايجان فشل و يعود ذلك إلى ثلاثة عوامل. أولها أن اليهود كانوا  مستقرين بالمناطق الحضّر و لم يكن متوقعا أن يهاجروا من المركز نحو المناطق الريفية. و تمثل العامل الثاني في أن صعود الستالينية جلب معه من بين ما جلب العداء للسامية القديم, و ثالثا كان هناك ضغطا صهيونيا كبيرا ضد المشروع.  

و حول  هذه المسألة كتب ليون تروتسكي: " لقد عشت كامل حياتي خارج الحلقات  اليهودية و عملت دائما في الحركة العمالية الروسية, و كانت لغتي الأم الروسية. و للأسف لم أتمكن حتى من القراءة  بالعبرية. و لم تشغل المسألة اليهودية  أبدا مركز اهتمامي.  و لكن لا يعني هذا أن لي الحق في غض النظر عن المسألة اليهودية القائمة و التي تدَّعي حلاّ. إنَّ 'أصدقاء الإتحاد السوفياتي' راضون بإقامة باروبيدجان.  و لن أتوقف هنا للنظر فيما كان هذا المشروع قد تأسس على  قواعد صلبة, و في طبيعة النظام الموجود هناك (فلا يمكن لباروبيدجان أن تعكس كافة رذائل ديكتاتورية البيروقراطية).  و لكن  سوف لا يعارض أي شخص تقدمي و مفكر الإتحاد السوفياتي في تخصيص منطقة  لمواطنيه اللذين  يعتبرون أنفسهم يهودا و يستعملون اللغة العبرية  عوض اللغات الأخرى و يأملون في العيش  ككتلة متراصة. هل يعتبر هذا غيتو؟

خلال فترة الديمقراطية السوفياتية, و الهجرات التطوعية الكاملة, لم يكن هناك الحديث عن الغيتوات. إلاّ أن المسألة اليهودية  تتسم  بطابع دولي  نظرا  للطريقة  التي تم بها استقرار اليهود. ألسنا على حق في القول بأن الفدرالية الإشتراكية العالمية ستخلق إمكانية  تخصيص "بيروبيجان" لليهود الذين يرغبون في ارساء جمهوريتهم المستقلة كميدان لثقافتهم؟ بالإمكان  التسليم بأن الديمقراطية الإشتراكية لن تلجأ إلى الدمج القسري. و من الممكن جدا أنه في غضون جيلين أو ثلاثة أجيال ستمحي حدود هذه الجمهورية اليهودية المستقلة, مثلما ستختفي عديد المناطق القومية الأخرى.

ليس لدي الوقت أو الرغبة في التوسط في المسألة. فسيدرك أحفادنا أفضل منا ما يجب عمله. ففي ذهني  فترة تاريخية انتقالية لا تزال فيها المسألة اليهودية حادة و تتطلب اتخاذ اجراءات ملائمة من قبل الفدرالية العالمية للدول العمّالية.  إنّ نفس الطرق لحل المسألة اليهودية التي تتخذ في فترة انحطاط الرأسمالية طابعا طوباويا و رجعيا (الصهيونية), ستصبح تحت نظام الفدرالية الإشتراكية ذات معنى. هذا ما أردت الإشارة إليه.  فكيف  يمكن لأي ماركسي أو حتى ديمقراطي مبدئي معارضة ذلك؟" (الفقرة الأخيرة من مقال تروتسكي ترميدور و العداء للسامية)

Thermidor and Anti-Semitism  

22 فيفري 1937

الصفحة الرئيسية / ليون تروتسكي