marxy.com

مؤلفات

كارل ماركس
وفريديريك انجلز

 فلاديمير إيليتش لينين

ليون تروتسكي

تيد غرانت

المغرب

إعلان المبادئ

البرنامج الانتقالي

كتب

الثورة العلمية والفلسفة المادية


في هذا المقال المكون من جزئين، يشرح بن كوري تطور الفكر العلمي من منظور ماركسي. في الجزء الأول، يقدم بن المنظور المادي الديالكتيكي ويشرح كيف ينطبق على العالم الطبيعي ويوضح كيف وضع الفلاسفة القدامى لليونان وروما الأسس للعلم الحديث.

Bookmark and Share

بن كوري
13 يوليوز 2018

على مدى مئات آلاف السنين التي عاشها البشر اتبع تطور المجتمع مسارا تصاعديا بشكل لا لبس فيه. فمن أبسط فأس حجرية إلى تسخير النار؛ ومن تطوير الري إلى تشييد المدن واختراع الكتابة والرياضيات والفلسفة والعلوم والصناعة الحديثة، الاتجاه الصاعد واضح. لقد عمل البشر على إخضاع قوى الطبيعة الواحدة منها تلو الأخرى. والظواهر التي كانت بالأمس مغطاة بالغموض، وكان من شأنها أن ترعب حتى الراشدين، صارت اليوم تشكل موضوعات عادية في الكتب المدرسية.

لكن الشيء الذي لا تتم الإشارة إليه في الكتب المدرسية اليوم هو الطابع المتقطع والعنيف في غالب الأحيان للنضال الذي تم خوضه من أجل المعرفة العلمية. ويمكن أن تكون النتيجة هي تبني موقف متغطرس تجاه العلم، بالقول بأننا نعرف أفضل من الأجيال السابقة غير المستنيرة ولا يمكن أن نكرر أخطاء الماضي . ومع ذلك، ففي حين أن المنحنى العام للتطور البشري تصاعدي، فإنه متقطع بفترات الركود والانهيار؛ إذ لا يخطو إلى الأمام إلا لكي يتراجع ثم يمضي قدما مرة أخرى.

وما تفشل الكتب المدرسية في نقله أيضا هو الصراع الفلسفي المستمر الذي صاحب تطور العلم منذ بداياته. يدور هذا الصراع بشكل أساسي بين ما اعتبره إنجلز "المعسكران الكبيران" في الفلسفة: المثالية والمادية. فمن ناحية هناك معسكر «أولئك الذين أكدوا أولوية الفكر على الواقع، وبالتالي يصلون، في آخر المطاف، إلى افتراض خلق العالم بشكل أو بآخر»، والذي نسميه معسكر المثالية؛ ومن ناحية أخرى هناك معسكر «الذين يؤكدون أسبقية الواقع، [وينتمون] إلى مختلف مدارس الفلسفة المادية».[1]

إنجلز: النظرة المادية هي الأساس الذي تقوم عليه كل العلوم الحقة.

يتضح بالفعل من هذا التعريف المختصر الذي قدمه إنجلز أن النظرة المادية هي الأساس الذي تقوم عليه كل العلوم الحقة.

إن هذه الصراعات في عالم الفلسفة، والتي صاحبت الحضارة منذ نشأتها، تعكس، في أخر المطاف، صراعات حقيقية تحدث في العالم المادي، وبشكل أساسي بين الطبقات الاجتماعية. في بداياتها غالبا ما كانت البرجوازية تناضل ضد الإقطاع تحت لواء المادية المكافحة. وفي خضم هذا الصراع كانت العلوم الطبيعية ـ كما سنرى لاحقاـ عنصرا أساسيا في النظرة المادية وسلاحا امتلكته الطبقة الثورية أثناء صعودها.

طيلة قرنين ونصف القرن استمر النظام الرأسمالي مليئا بالحيوية وأخضع المفكرون البرجوازيون كل شيء -بما في ذلك نظامهم الخاص- للتدقيق العلمي. آنذاك كان دخول الرأسمالية مرحلة الانحطاط والتفكك ما يزال مستقبلا بعيدا، إذا افترضنا أصلا أنه كان بإمكانهم توقعه. أما اليوم فإن الأمور صارت مختلفة بشكل كبير: النظام الرأسمالي في حالة انحطاط نهائي وهناك طبقة جديدة تتحدى البورجوازية من أجل الهيمنة، هي البروليتاريا الحديثة. لقد صارت البرجوازية في أيامنا هذه تدعم جميع مظاهر الدين والتصوف، وتسعى إلى تحويل انتباه الجماهير إلى فوق، وإلهائهم عن مشاكلهم الأرضية بالتفكير في السماء. وعلى حد تعبير جوزيف ديتزجن الأب، الذي كان لينين مولعا به للغاية: «إن الفلاسفة المعاصرين ليسوا أكثر من "رجال دين تخرجوا من الجامعة".»

تحتاج البروليتاريا الحديثة إلى الفلسفة في نضالها أكثر من حاجة البرجوازية إليها في أيامها الأولى، بل إنه في الواقع من المستحيل تصور قدرة الطبقة العاملة على أن تفهم بوضوح دورها التاريخي وتضع لنفسها مهمة الاستيلاء على السلطة دون أن تحرر نفسها من الأحكام المسبقة الخاطئة والجهل والتصوف التي تروجها الطبقة الرأسمالية، واكتساب موقف فلسفي مستقل.

هذه الفلسفة، كما سنرى، لا يمكنها أن تكون تلك المادية القديمة "الميكانيكية" التي عرفها القرنان السابع عشر والثامن عشر، والتي رافقت الثورة العلمية، وتحت رايتها قاتلت البرجوازية الصاعدة ضد الإقطاع والكنيسة. إن المادية الوحيدة المنسجمة، في العصر الحديث، والتي تتوافق بشكل كامل مع آخر التطورات في العلوم، هي المادية الدياليكتيكية، والتي يخدم الدفاع عنها مصلحة كل من الثوريين والعلماء على حد سواء.

ما هي المادية الديالكتيكية؟

هيراقليتس: "كل شيء يكون ولا يكون في الآن نفسه؛ لأن كل شيء يتدفق".

قبل أن نعمل على استكشاف العلاقة بين المادية الديالكتيكية وبين الفلسفة بشكل عام، والعلوم الطبيعية على وجه الخصوص، علينا بالطبع أن نبدأ بتفسير ما الذي نعنيه بالديالكتيك. هناك قول مأثور رائع للفيلسوف اليوناني القديم، هيراقليتس، يلخص جوهر الديالكتيك: "كل شيء يكون ولا يكون في الآن نفسه؛ لأن كل شيء يتدفق".

للوهلة الأولى يبدو هذا القول سخيفا تماما. فمثلا قطعة الأثاث، كالطاولة الخشبية التي أضع عليها جهاز حاسوبي بينما أقوم بكتابة هذه الكلمات، هي "موجودة" بكل تأكيد؛ ولا يمكن أن يقال عنها إنها "تتدفق". إن الفلسفة الديالكتيكية لا تنكر وجود الثبات والتوازن في الطبيعة، فإذا فعلت ذلك سيكون من السهل بالفعل تفنيدها. إن الفلسفة الديالكتيكية، على العكس من ذلك، تؤكد فقط أن الثبات والتوازن نسبيان ولهما حدودهما، وأن هذا "الثبات" إنما يخفي الحركة الفعلية. ودور العلم هو اكتشاف حدود ونسبية مثل هذا التوازن، وكذلك الكشف عن الحركة التي تختبئ تحته. لقد أوضح هيراقليتس هذه النقطة -كيف أن الحركة متأصلة في الطبيعة- من خلال مثال الأوتار المشدودة لقيثارة، فبينما تبدو ثابتة وغير متحركة فإن المظاهر خادعة، إذ هناك في الواقع قدر كبير من "الحركة" (تعرف في الفيزياء الحديثة بمصطلح "الطاقة الكامنة") الكامنة في توتر الأوتار.

وإذا عدنا إلى مثال الطاولة الموجودة أمامي فعند إجراء فحص دقيق سنجدها في عملية تغير مستمرة. إنها تمتص الرطوبة باستمرار من الهواء؛ وفي كل مرة يوضع عليها ثقل ما، يمارس عليها إجهاد وتحدث فيها كسور مجهرية؛ وتحت المجهر توجد فطريات وغيرها من الكائنات الحية الدقيقة التي تعمل على إبلائها. إنها تعرف باستمرار عملية تغيير غير ملحوظة.

وبغض النظر عن أي قرار باستبدالها قبل أن تصل إلى نهاية عمرها الطبيعي كطاولة، فإن تراكم هذه التغيرات غير المحسوسة سوف يصل في يوم من الأيام إلى نقطة تحول نوعية وسوف تنهار. لنفترض أنه بعد سنة من الآن سينكسر للطاولة قدم وسيستبدل بقدم خشبية أخرى، سيكون حينئذ من حقنا أن نتساءل: "هل هذه هي نفس الطاولة؟". لا توجد إجابة بسيطة على هذا السؤال. فكما اكتشف هيراقليتس منذ آلاف السنين: إنها في الوقت نفسه، نفس الطاولة وليست نفسها. وبنفس الطريقة فإنني أكون أنا نفسي ولست أنا من لحظة إلى أخرى، حيث تتجدد خلاياي وتنقسم باستمرار بعمليات بيولوجية طبيعية. وفي نهاية المطاف سيتم استبدال كل خلية في جسدي بأخرى، إلى أن أصير بالمعنى الحقيقي للكلمة لست الشخص "نفسه"؛ ومع ذلك فهناك استمرارية.

قد نواصل التساؤل: ما هي الطاولة؟ للوهلة الأولى تبدو الإجابة على هذا السؤال واضحة: فهي مصنوعة من الإلكترونات والبروتونات والنيوترونات، وهذه تشكل الذرات، التي ترتبط معا لصنع مركبات السليلوز. هذه الجزيئات السليولوزية عندما كانت حية كانت تشكل جدران الخلايا التي، إلى جانب العديد من الخلايا، تعطي الشجرة خصائصها، والتي تعطي عند الموت خصائص طاولة قادرة على حمل كتبي وحاسوبي وأي شيء آخر أضعه عليها. في الواقع هذا وصف دقيق لهذه القطعة من الأثاث.

ومع ذلك فمن حق أي كان أن يعترض بأن هذا ليس معنى الطاولة على الإطلاق. إنها بالأحرى كانت تصورا في عقل مهندس أو نجار، يحتل مكانة معينة في نظام اجتماعي اقتصادي، في مجتمع كامل ينتظم بطريقة يتم فيها إطعام هذا الشخص وإلباسه وتدريبه على صنع الطاولات. وهو يتزود بالخشب من خلال سلسلة توريد معقدة للغاية. والآن، في هذا المثال، لو أن الشجرة التي تشكلت منها هذه الطاولة ماتت بسبب عدوى فطرية أصيبت بها في فترة مبكرة من حياتها؛ أو كانت الشجرة التي بجانبها قد تم قطعها وتمريرها من خلال نفس سلسلة التوريد، لكانت هذه الطاولة هي نفسها، من حيث الشكل والمهمة، لكن كل ذرة منفردة تشكلها كانت ستكون مختلفة!

لدينا هنا أيضا وصف دقيق بنفس القدر لنفس الطاولة، والذي يتعارض تماما مع وصفنا الأول. إذن أي من هذين الوصفين صحيح؟ إن كلا الوصفين صحيح تماما بالطبع ومع ذلك فإنهما متناقضان. ففي المرة الأولى بدأنا بهذه الطاولة بعينها كما نراها بشكل ملموس؛ أما في المرة الثانية فقد كانت نقطة انطلاقنا المفهوم الإنساني للطاولة والمعرفة الثقافية المتراكمة تاريخيا للمواد، التي شكلت الأساس لنحت هذه القطعة المعينة من الأثاث. تتعامل النظرة الأولى مع الطاولة ككل باعتبارها تتكون من أجزاء كثيرة. أما النظرة الثانية فتعتبرها جزءا من كل أكبر. في الأولى ننظر إلى هذه الذرات كما هي مرتبة أمامنا؛ أما في النظرة الثانية فإننا نعتبر الترتيب الخاص للذرات مجرد شيء عرضي.

إن هذه التناقضات متأصلة في الطبيعة: بين الملموس والمجرد؛ بين العام والخاص، بين الجزء والكل؛ بين العرضي والضروري. ومع ذلك فإن هناك وحدة واضحة بين هذه المتناقضات الظاهرية. إن جوهر المادية الديالكتيكية هو النظر إلى الأشياء ليس بطريقة أحادية الجانب، بل في تناقضاتها على وجه التحديد، واعتبارها بمثابة سيرورات في خضم الحركة.

ومن تم يمكن اعتبار المادية الديالكتيكية شكلا من أشكال المنطق، نمطا لتنظيم العالم وفهمه. ينطبق المنطق "الصوري" أو الأرسطي على المفاهيم الثابتة. فالشيء إما "هو" أو "ليس هو"؛ إما "حيا" أو "ميتا"؛ إما "أ" أو "ليس أ". أما الديالكتيك فإنه لا ينكر حقيقة هذه الفئات، لكنه -على حد تعبير تروتسكي- ينظر إليها وكأنها غرز فردية في ثوب، حيث تبدو كل غرزة وكأنها كاملة ومستقلة عن الغرز التي إلى جانبها، لكنها في الواقع تشكل نسيجا متواصلا.

إلا أن القوانين والمفاهيم التي تتشكل في الوعي البشري ليست مستقلة عن العالم المادي، وبنفس الطريقة فإن "قوانين" المادية الديالكتيكية هي أيضا متضمنة في الطبيعة. وكما أوضح تروتسكي في دفاتره الفلسفية: إن القول بأن هناك مجموعة من القوانين تنطبق على الوعي البشري، بينما هناك مجموعة مختلفة تماما من القوانين للطبيعة -كما كان بعض الماركسيين في الماضي يقولون- إنما هو اعتبار العالم ثنائيا بدلا من اعتباره ماديا. بالنسبة لنا، نحن الماركسيين، وبالتالي الماديين، كل ما هو موجود هو مادة في حركة مستمرة. وليس الوعي نفسه إلا أحد ظواهر الطبيعة.

تحول الكم إلى نوع

الحقيقة هي أن العلماء يعملون بشكل يومي على أساس المنطق الديالكتيكي، سواء بوعي منهم أو بغير وعي. سيتضح هذا بالكامل عندما نرسم القوانين الأساسية لهذه النظرة الفلسفية. قال تروتسكي إن «"القانون الجوهري" للمادية الديالكتيكية هو تحول الكم إلى نوع».[2] يقبل جميع العلماء بشكل ضمني بهذه الفكرة الأساسية للفلسفة المادية في نشاطهم اليومي: كل شيء هو مادة في خضم الحركة. يتفق الجميع على أنه يمكن وصف هذه المادة، في جميع خصائصها الأساسية، من حيث علاقاتها الكمية المادية: الوضع النسبي والسرعة النسبية والاتجاه النسبي والقصور والكتلة، وما إلى ذلك ، إلخ. لا يمكن التعبير عن موقعي الفيزيائي، على سبيل المثال، من خلال مصطلحات "مطلقة"، فأنا على بعد خمسة كيلومترات شمال شرق وسط لندن أو على بعد ثلاثة أمتار من باب مكتبي.

عندما نكون بصدد النظر إلى نفس الظاهرة الطبيعة من الناحية النوعية، من خلال ملمسها ومظهرها وسلوكها، وما إلى ذلك، نكون بالطبع بصدد النظر إلى الطبيعة ذاتها. في جميع الأوقات وفي جميع الأماكن يعبر الكم عن نفسه من خلال النوع. إن النوع بدوره نسبي بشكل كامل ولا يمكنه إلا التعبير عن العلاقات المتبادلة بين المادة المتحركة؛ والتعبير عن تشابه شيء أو اختلافه مع شيء آخر. فمن الناحية النوعية المسافة نحو وسط لندن بعيدة... بالنسبة للمسافة نحو باب مكتبي، على سبيل المثال.

إلا أنه، وكما سبقت الإشارة، ينظر الديالكتيك إلى الأشياء في حركتها ومن خلال تحولاتها. إذا قمت برحلة بالحافلة إلى وسط لندن، سيصير مركز المدينة، من الناحية النوعية، قريبا جدا بعد قطع بضعة كيلومترات! وعندما يتحدث الماركسيون عن تحول الكم إلى نوع، فإن المقصود ليس أكثر من ذلك. إن تراكم التغيرات الكمية، التي قد لا يظهر في البداية أنه يقود إلى تغيير في نوعية شيء ما، يؤدي في النهاية إلى تحويل ذلك الشيء. إن التغيرات الكمية في الطبيعة تدفع إلى تحويل الأشياء من نوع إلى آخر. وعندما نعتبر أن الأنواع توصف بالضرورة من حيث أوجه التشابه والاختلاف، فإن ما نحيل إليه هو تحول الأشياء إلى نقيضها النوعي.

الديالكتيك في العلوم والمجتمع

يحاول بعض العلماء البرجوازيون شرح الظاهرة الاجتماعية، المعقدة والمتطورة تاريخيا، من خلال خصائصنا البيولوجية. ووفقا لمثل هذه الرؤية العالمية، ليس الجشع في العلاقات الاجتماعية سوى تعبير عن "الجشع" الطبيعي المتأصل. / صورة: دانييل فريدمان

عندما يتم شرح الديالكتيك من خلال مثال قطعة أثاث أو رحلة حافلة، يبدو أن الديالكتيك مشابه للمنطق العام! عندها يمكن للمرء أن يتساءل: ما هي أهمية مثل هذه الأفكار البديهية بالنسبة للثوريين أو للعلم الحديث؟ لكن كما يقول المثل: إن المنطق العام ليس عاما حقا؛ إذ أننا جميعا نتصادف في حياتنا اليومية مع تفسيرات غير ديالكتيكية للعالم. لا بد أن جميع الاشتراكيين صادفوا، على سبيل المثال، أحد الاعتراضات الأكثر انتشارا ضد الاشتراكية، أي حجة "الطبيعة البشرية". إن هذه الفكرة الاجتماعية المسبقة متجذرة بعمق لدرجة أنها تصاغ بنفس الشكل تقريبا في كل أنحاء العالم: قد تكون الاشتراكية جيدة من الناحية النظرية، لكنها لا يمكن أن تنجح في الواقع بسبب الطبيعة البشرية، فالبشر بطبيعتهم جشعون!

إن ما لا يتم التعبير عنه صراحة في هذه الكلمات القليلة هو النظرة غير الديالكتيكية تماما التي تتضمنها عن "الطبيعة البشرية". نادرا ما يتم صياغة مثل هذا الرأي بشكل واع ودائما ما يتم تبنيه بشكل غير واع في المجتمع. تقول الحجة: بما أننا نرى الجشع والحرب والعبودية والظلم من حولنا في المجتمع (أي في هذا المجتمع: أي الرأسمالية)، فلا بد أن ذلك يتوافق مع طبيعتنا البشرية الفطرية. إذا كانت الطبيعة البشرية شيئا ثابتا لا يتغير، سيتوجب على الاشتراكيين إذ ذاك أن يعترفوا بالهزيمة. إذا كان المجتمع البشري كله ينضح بهذه الفظائع، فلا بد أن ذلك ليس سوى تعبير ميكانيكي عن جشعنا وميلنا للحروب، ونزعتنا المتأصلة لاستعباد واضطهاد من هم حولنا. تعتبر هذه النظرة أن الكل مجرد تعبير ميكانيكي عن أجزائه، وتتخلى عن جميع الاعتبارات التاريخية بخصوص الطبيعة البشرية لصالح "الطبيعة البشرية" الثابتة والمستقرة. من الواضح أن هذه النظرة غير الديالكتيكية السائدة تخدم مصلحة طبقية محددة، أي مصلحة الطبقة الرأسمالية.

وعلاوة على ذلك فإنها ليست مرتبطة بالمجتمع فقط، بل هي مرتبطة بالعلوم أيضا، ولديها بالفعل منظريها العلميين. يحاول بعض العلماء البارزين (مثل إدوارد أوسبورن ويلسون)، ومجالات علمية بأكملها (مثل "السوسيو بيولوجيا" و"علم النفس التطوري")، شرح الظاهرة الاجتماعية، المعقدة والمتطورة تاريخيا، من خلال خصائصنا البيولوجية. ووفقا لمثل هذه الرؤية العالمية، ليس الجشع في العلاقات الاجتماعية سوى تعبير عن "الجشع" الطبيعي المتأصل، والذي هو في حد ذاته ليس سوى تعبير عن "أنانية" الجينات، التي لا تهتم سوى بإعادة إنتاج نفسها.

تنبع هذه النظرة الفلسفية بشكل طبيعي من المصالح الطبقية للبرجوازية: إنها تنشر من خلال الصحف والمنابر والفصول الدراسية وتجد طريقها أيضا إلى العلم. وكما سنرى فإن العلم بحد ذاته ليس سوى ساحة معركة أخرى، لكن ليس أقلها أهمية بأي حال من الأحوال، حيث تتصادم الأفكار الفلسفية المتعارضة مع بعضها البعض، ومن وراءها تصطدم وجهات نظر ومصالح طبقية متعارضة.

ولادة العلم

يحاول بعض العلماء البرجوازيون شرح الظاهرة الاجتماعية، المعقدة والمتطورة تاريخيا، من خلال خصائصنامن بين أبرز الاكتشافات هناك النظريات الذرية التي طورها كل من ديموقريتس وأبيقور.

عند النظر إلى العلاقة بين الفلسفة والعلم، يمكن القول إن التاريخ يبدأ باليونان القديمة. ماذا نعني بهذا؟ بالطبع إن للفلسفة والعلم -والديالكتيك أيضا- تاريخ من الأنواع التي تعود إلى أبعد من المجتمع اليوناني القديم، حيث يمكن العثور على عناصر الديالكتيك في الفلسفة الطاوية والهندوسية. وبالفعل فإن تراكما هائلا للثقافة الإنسانية والمعرفة العلمية في كل المجالات من الرياضيات إلى الكيمياء هو الذي عبّد الطريق للحضارة اليونانية نفسها. ومع ذلك ففي جميع التقاليد السابقة لليونانيين القدماء، ظلت الفلسفة والعلوم مرتبطة بالدين والتصوف.

لم تبدأ الفلسفة والعلوم الحقة، أو الفلسفة الطبيعية، إلا عندما بدأ البشر في تفسير العالم دون اللجوء إلى التأثير الخارجي أو الباطني. ومع اليونانيين القدماء حقق العلم والفلسفة ازدهارا لا مثيل له. من بين أبرز الاكتشافات هناك النظريات الذرية التي طورها كل من ديموقريتس وأبيقور. وفي غياب مسرعات الجسيمات الحديثة أو غرف الضباب (cloud chambers)ا[3]، كان عمالقة الفكر العلمي المبكر هؤلاء مجبرين على الاعتماد على أقل الإشارات شأنا لكيفية اشتغال العالم وكمّ هائل من التخمينات. لا يمكن للعالم الحديث أن يدرس كتابات الشاعر الذري في روما القديمة، لوقريتيوس، دون الإعجاب بسذاجته الطفولية وبساطته. لكن وبالرغم من كل سذاجة لوقريتيوس وغيره، فإن تلك الكتابات تحتوي على بريق العبقرية.

طور أناكسمندر، وهو شخصية بارزة أخرى، نظرية التطور البيولوجي قبل آلاف السنين من رحلة داروين على متن سفينة بيغل (Beagle)، دون القدرة على الوصول إلى تلك المجموعة الكبيرة من العينات التي وفرتها لداروين مثل تلك الرحلة؛ لم يكن لدى أناكسمندر سوى أجنة في مراحل مختلفة من تطورها وبعض التخمينات العبقرية للغاية. ومن تلك الأدلة الضئيلة، خلص بشكل صحيح إلى أن البشر لم يكن لديهم دائما الشكل الذي يملكونه حاليا، وأن أصلهم يمكن أن يعود إلى الأسماك أو الكائنات الشبيهة بالبرمائيات.

وفي حين غالبا ما تتعرض العديد من اكتشافات اليونان القدماء إلى الدحض في ما يخص تفاصيلها، فإنها، في استنتاجاتها العامة على الأقل، لم يتم تجاوزها حتى عصر النهضة، بينما ما زال بعضها يحتفظ بصحته لحد الآن. إلا أن ما يلفت الانتباه في كل هذه الحالات هو ضعف استفادة تلك الاكتشافات من التطورات التقنية للمجتمع آنذاك، مقارنة مع ما تزودنا به التطورات الحديثة في التقنية من تيليسكوبات وميكروسكوبات وغيرها من الأجهزة المتطورة. وعلاوة على ذلك فإن اكتشافات هؤلاء المفكرين لم تؤدِّ إلا تطوير ضعيف لقوى الإنتاج في المجتمع.

بالطبع لقد كانت تطورات الفلسفة والعلوم اليونانية القديمة مرتبطة بشكل كامل، في آخر المطاف، بالنظام الاجتماعي الاقتصادي الذي كان المجتمع اليوناني القديم يقوم عليه، أي النظام العبودي. في الواقع لولا عمل العبيد لتوفير الغذاء والملبس والمأوى لما كان هناك لا أبيقور ولا أرسطو ولا لوقريتيوس. لقد كان العلم والفلسفة والفكر النظري، بالنسبة إلى الإغريق والرومان القدماء، وما زال كذلك إلى حد بعيد، ملكا لطبقة حاكمة صغيرة ومتميزة. وتميل هذه الطبقة إلى رفع دورها الخاص في المجتمع واحتقار العمل اليدوي ونسيان اعتمادها عليه.

ومع ذلك فإن الاعتراف بالحقيقة الواضحة التي مفادها أن تطور العلم يعتمد، في التحليل الأخير، على التطورات العامة التي يعرفها المجتمع ككل والعلاقات الاقتصادية بين أعضاءه، لا يعني إنكار أنه يمكن للعلم أن يتطور في حدود معينة حسب ديالكتيكه المستقل الخاص به.

هوامش:

1: Engels, “Ludwig Feuerbach and the End of Classical German Philosophy”.

2: Trotsky, Notebooks 1933-1935, Columbia University Press, p88.

3: غرفة الضباب عبارة عن جهاز كاشف للجسيمات يُظهر مسار مرور الجسيمات النووية في المادة.

عنوان الحوار بالإنجليزية:

Scientific revolution and materialist philosophy


أعلى الصفحة

  الصفحة الرئيسية


التيار الماركسي الأممي


اقتصاد وعولمة


المرأة والماركسية


ثقافة وفن


الفلسفة والعلم


Audio & Video


حملات تضامنية


تاريخ وتحليلات نظرية


إفريقيا


آسيــا


أوروبا


الشرق الأوسط


أمريكا الشمالية


أمريكا اللاتينية


مواقع أممية


هدفنا


اتصل بنا