marxy.com

مؤلفات

كارل ماركس
وفريديريك انجلز

 فلاديمير إيليتش لينين

ليون تروتسكي

 
الثورة المغدورة

تيد غرانت

المغرب

إعلان المبادئ

البرنامج الانتقالي

كتب

 


سوريا: ملاحظات نقدية حول المعارضة السورية وضرورة بناء قيادة ثورية جماهيرية بديلة


نعيد نشر مقالة الرفيق غياث نعيسة، الناشط في تيار اليسار الثوري في سوريا، المنشورة في موقع الحوار المتمدن، حول تشكيلات وتيارات المعارضة السورية، ودعوته لبناء قيادة ثورية ذات عمق بين الجماهير الثائرة، نظرا لأهمية ما طرحه الرفيق، ومن أجل اثراء النقاش حول دور اليسار السوري في الثورة.

طباعة Bookmark and Share

غياث نعيسة
الأربعاء: 06 يونيو 2012

تعيش المعارضة السورية على وقع المبادرة الدبلوماسية الأخيرة لكوفي أنان ومراقبيه الدوليين. فقد أصدر مجلس الأمن قراره 2042 في منتصف نيسان، دعماً لمبادرة أنان وإرسال مراقبين إلى سوريا، بموافقة حلفاء النظام، وبالأخص روسيا والصين.

االرفيق غياث نعيسة

وفي حين كان من المفترض أن تطبق السلطة الدكتاتورية في دمشق إعلان التزامها بالبند الأول من المبادرة المذكورة، التي تخص وقف إطلاق النار، وهو ما أعلنته الحكومة السورية في 12 نيسان، إلا أن ما تشهده البلاد هو شيء مختلف تماماً، حيث تتابع قوات الجيش والأجهزة الأمنية حملات القصف والحصار واقتحام المدن، ولا سيما في حمص وإدلب ودرعا، ليصل عدد الضحايا إلى الآلاف، منذ إعلان المبادرة.

والحدث الأهم في وقائع الثورة هو أن مظاهرات الجمعة، التي تلت، مباشرة، إعلان كل من الحكومة السورية وقف إطلاق النار – من دون احترامه - وإعلان "الجيش السوري الحر" أيضا الشيء نفسه، شهدت نهوضاً ملحوظاً، في عدد المظاهرات والمتظاهرين، في أكثر من 770 نقطة انطلاق للمظاهرات، على الصعيد الوطني، تحت شعار "ثورة لكل السوريين". وهو أمر شكل عودة إلى السياق الأول والأصيل لشعارات الثورة السورية، قبل أن تحتكر تسمياتها ذات الشحنة الدينية مجموعةُ صفحة "الثورة السورية" على الفيسبوك، وهي ذات ميول إسلامية.

باركت مكونات المعارضة السورية المعروفة مبادرة أنان، فهيئة التنسيق الوطني للتغيير الديمقراطي رأت فيها تلبية لرؤيتها ولإستراتيجيتها في التغيير، والمجلس الوطني السوري أيدها وإن بتشكك من جدية التزام النظام بها، وهو المجلس الذي قام لتسويق فكرة ضرورة التدخل العسكري الخارجي، تحت يافطات عديدة منها "الممرات الإنسانية" أو "المناطق الآمنة". بل وحتى "المنبر الديمقراطي السوري"، المولود الأخير للمعارضة، الذي بادر للدعوة له عدد من تاركي هيئة التنسيق، وهو شكل من أشكال التجمع والحوار هلامي الحدود والأهداف، بارك هو أيضا مبادرة أنان.

على ارض الواقع، تقدم الثورة السورية تضحيات مرعبة، في مواجهة نظام دموي ومتوحش. فقد تجاوز عدد القتلى الخمسة عشر ألف قتيل، والجرحى الأربعين ألفا، والمفقودين السبعين الفاً، وعدد الاعتقالات يقارب الربع مليون، ويقدر عدد السكان النازحين داخل البلاد، بنتيجة القصف والدمار الذي لحق بأحيائهم ومدنهم، بحوالي المليون ونصف المليون نسمة.

وفي المقابل، ورغم دخول الثورة في شهرها الخامس عشر، عند كتابة هذه الأسطر، واستمرار الكفاح الجماهيري الثوري من اجل إسقاط النظام، ومع تزايد ظاهرة التسلح، والعسكريين المنشقين تحت اسم "الجيش السوري الحر"، إلا أن النظام ما يزال قائماً، بالرغم من علامات إنهاكه الواضحة، وقواتُه العسكريةُ والأمنية ما تزال إلى حد كبير متماسكة، ورغم تزايد الانشقاقات فيها غير أنها تبقى محدودة، وجهازه السياسي لم يشهد انشقاقات ذات قيمة. في الوجه الآخر، نشهد أن مكوني المعارضة السورية المذكورين أعلاه (المجلس والهيئة) ما يزالان يقبعان راكدين في وضعهما، الذي كانا عليه منذ أشهر، بل زاد ضعفهما وتفككهما وعزلتهما الفعلية عن الجماهير والحراك الثوري الجاري، مع تفاقم تشوش أطروحاتهما ونخبوي المتغطرسة في التعامل مع الكفاح الجماهيري، ليصلا كلاهما إلى مأزق حقيقي، يبدوان معه أسيرين لحسابات شخصية ضيقة لا تمت بأي صلة لمصالح كفاح الجماهير السورية، الثائرة من أجل حريتها وانعتاقها من نظام مستبد ودموي وفاسد.

معارضة لا ترقى لمستوى الثورة

إسطنبول، المدينة التي عرفت نشاطاً محموماً لأقسام هامة من المعارضة السورية، منذ الأشهر الأولى للثورة، شهدت في شهر آذار/مارس الماضي الاجتماع الثاني لمجموعة "أصدقاء سوريا"، بحضور ممثلين عن 83 دولة. وهو الاجتماع الذي أعلن في ختام أعماله اعترافه بالمجلس الوطني السوري، باعتباره "يمثل كل السوريين"، وأنه "طرف رئيسي" في المعارضة السورية.

وان كان هذا الإعلان أقل بكثير من ادعاء المجلس نفسه أنه "الممثل الوحيد والشرعي للشعب والثورة"، فهو شكَّل دعماً صريحاً وواضحاً له، من جانب الحكومات المعنية، ولا سيما الولايات المتحدة وأوروبا والسعودية وقطر وتركيا، وهي الدول الراعية له، والتي تقدم له الدعم السياسي والمالي والإعلامي. ورغم هذا الدعم والضخ الإعلامي الهائل لصالحه، فانه لا يستطيع أن يخفي حقيقة انه بات اقرب إلى شبح بلا روح، ولكن تحافظ عليه الدول المعنية، لأنه ورقتها السورية "المعارضة".

عندما أعلن عن تشكيل "المجلس الوطني السوري" في إسطنبول، بتاريخ 2 تشرين أول/أكتوبر 2011، وجد له بعض الصدى في أوساط الحراك الثوري، الذي كان يحتاج إلى تعبير سياسي له، ولكنه بدد سريعاً هذا الرصيد الجماهيري، بتأثيرات من سياق تشكله اللاديمقراطي، وتخبط تصريحاته، ومواقفه المستسهلة لقضية استقلالية إرادة الشعب السوري، وعدائه المعلن لمحور إيران - حزب الله، لصالح السعودية وقطر وتركيا، وموقفه المهادن من قضية تحرير الجولان، بحيث نادى "باستعادته عبر المفاوضات وفق الشرعية الدولية"، والمواقف المخزية لبعض قياداته، مثل تصريحات المديح لدولة إسرائيل، من جانب ناطقة أساسية بلسانه، هي بسمة القضماني. ولكن انسداد أفق الرهان الرئيسي لهذا المجلس على تدخل خارجي وشيك، وما خلقه من وهم كبير به، إضافة إلى النزاعات الشخصية والخلافات السياسية والفضائح المالية، أجهزت تقريباً على ما كان تبقى له من صدقية، في أعين المتظاهرين، بحيث يصلح القول بأن تعامله الأساسي في الداخل يقتصر على عدد محدود من المجموعات، ولا سيما بعض أطراف "الجيش السوري الحر". والعلة الأخيرة التي يعانيها المجلس هي ارتهانه العضوي الواضح بالدول الراعية له: الولايات المتحدة وأوروبا، وخاصة السعودية وقطر وتركيا.

ويشير تقرير حديث صدر، في كانون الثاني/يناير من هذا العام، لمركزي دراسات أوروبيين، إلى أن «المجلس الوطني السوري ليس له وزن، أو له قليل من الوزن والجذور داخل سوريا، وعدد قليل من الأعضاء، مدعوم ومحمول من قطر والسعودية والدول الغربية، ووسائل إعلامها... الهدف الرئيس لهذا الدعم هو شرعنة تدخل غربي محتمل في سوريا. وهو ما يدعو له المجلس بقوة».

والحال، فقد حمل البيان التأسيسي للمجلس الوطني السوري، منذ البداية، تناقضاً بين مبدأين، هما رفض "أي تدخل عسكري يمس بالسيادة الوطنية"، والمطالبة في نفس الوقت "بالحماية الدولية للمدنيين"، بشكل الممرات الإنسانية أو المناطق الآمنة والعازلة. لكن كل ما صدر عنه كان يستدعي تدخلاً عسكرياً أجنبيا، مثل المطالبة الأخيرة للمجلس، في منتصف نيسان/أبريل، الموجهة إلى مجلس الأمن، بالتدخل تحت الفصل السابع، وبيانه الصادر في 21 نيسان/أبريل، الذي يطالب خلاله بـ "تدخل عسكري حاسم".

هذا ويشهد المجلس، في الفترة الأخيرة، أزمة عميقة، بعد فشله في انتخاب (أو تعيين) رئيس له، إثر تقديم برهان غليون استقالته من منصب الرئاسة، بعد خلاف عميق نشب بنتيجة إعادته للمرة الثالثة إلى المنصب الذي احتكره منذ تأسيس المجلس المشار إليه، في أوائل الخريف الماضي، وما كشفه ذلك من صراع يبدو جدياً، في كواليسه، بين الإسلاميين ضمنه، وعلى رأسهم تنظيم الإخوان المسلمين، ومَنْ ينسبون أنفسهم، أو تتم نسبتهم، إلى التيارات العلمانية. مع العلم، أيضاً، أن عدداً لا بأس به من أعضائه كانوا قد غادروه، لأسباب شتى، في الأشهر الماضية. كما أن لجان التنسيق المحلية هددت بالانسحاب، وعلى الأقل بتجميد عضويتها، في حال لم تتم مراجعة الأخطاء، ومعالجة المطالب التي تراها ضرورية لإصلاح المجلس. ورأت أن المجلس بعد اجتماع روما، الذي أدى إلى تفاقم الخلافات إلى حدود قصوى، بات «في تدهور مستمر، وان هناك غياباً للتوافق على رؤية مشتركة بين المجلس والحراك الثوري»، هذا الحراك، الذي يقال إن ممثلين لـ "لجان التنسيق المحلية"، من مثل خليل الحاج صالح، وهوزان إبراهيم، وريما فليحان، كانوا يقاطعون اجتماعات المجلس، في الأشهر الأخيرة، احتجاجاً على تهميشه. وهو تهميشٌ ربما يشكل الخشبة التي قد تقصم ظهر البعير.

وهكذا يتقلص، إذاً، حال المجلس الوطني السوري، أكثر فأكثر، بالتالي، إلى مجرد مكتب علاقات عامة، وتمويل، أسير لعرابيه من الدول المذكورة. أما القوة السياسية المعارضة المعروفة الأخرى، وهي "هيئة التنسيق الوطني لقوى التغيير الديمقراطي"، فقد تشكلت في 26 حزيران/يونيو من العام الماضي، وتضم قوى معارضة تقليدية من بقايا أحزاب يسارية وقومية (ولا سيما أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي وتجمع اليسار الماركسي)، وبعض الشخصيات الإسلامية والليبرالية.

ولكنها كانت مرتبكة في تعاملها مع الثورة، في الأشهر الأولى، باستثناء عدد من الكوادر الشابة من حزب الاتحاد الاشتراكي (الناصري). أما أعضاء بقية الأحزاب الأخرى فكانوا يشاركون بصفتهم الشخصية، وعُرف عنهم أنهم قيادات عتيقة وتقليدية كانت –وما تزال- بعيدة عن فهم ما يجري، باعتباره ثورة، وبعيدة عن نبض الحراك الثوري، وتتعامل معه بتعالٍ، وبفوقية.

وقد تميزت في بداية تشكلها بأطروحات مائعة، حيث نادت بـ "إسقاط النظام الأمني الاستبدادي" و"تغيير النظام"، وكانت، في الأشهر الأولى لتشكلها، منفتحة على الحوار مع النظام، كما تجلى تخبطها وتقليدية عمل قياداتها، بتصريحات بعضهم المسيئة للحراك والثائرين، وادعائها أنها تمثل "الكتلة الصامتة". وقد طرحت جملة من المواقف المتباينة، وهي تراهن بشكل أساسي على العمل الدبلوماسي تجاه الدول الحليفة للنظام: روسيا والصين وإيران، كما أنها راهنت على المبادرة العربية، وراهنت طويلاً على مبادرة أنان. وبحسب تصريح منسقها العام، في زيارة وفد الهيئة لموسكو، في منتصف شهر نيسان/أبريل الماضي، فإنهم يراهنون على تنفيذ مبادرة أنان، ويعملون "على خلق الشروط اللازمة لفتح حوار سياسي" مع النظام. إن سمة "هيئة التنسيق" الأساسية أن موقفها من النظام هو موقف "ملتبس"، في أحسن الحالات.

هذا وتتميز الهيئة بخطاب قادتها، وبياناتها التي تتسم بالتردد الواضح في الوقوف الصريح مع الحراك الثوري، وحديثها المتعالي عنه، بوصفه "بالشارع"، أو "الحراك الشعبي"، أو أحيانا "الانتفاضة- الثورة"، باعتبار الصيغة الأخيرة أقصى ما بلغته في هذا الوصف. لقد انسحب منها الكثير من أعضائها للأسباب المذكورة، علاوة على احتجاجهم على احتكار قيادتها من قبل مجموعة محدودة من الأشخاص. وهي قوى سياسية ما يزال ينظر إليها النظام باعتبارها "معارضة وطنية" يدعوها للحوار معه، ولولا الغطاء السياسي "الآمن" نسبياً الذي توفره هيئة التنسيق للعديد من الناشطين السياسيين داخل سوريا، لغادرها عدد مؤثر ممن بقي فيها من ناشطين فاعلين.

الهيئة الأخرى في الداخل هي تيار بناء الدولة السورية (لؤي حسين)، الذي لا يعتبر نفسه معنياً بقضية السلطة، وهو معني بحوار سياسي مع النظام، وفق شروط معينة، قريب في أطروحاته لهيئة التنسيق.

وأخيراً، هنالك "جبهة التغيير والتحرير" التي تعتبر نفسها معارضة، وتضم كلا من حزبي "الإرادة الشعبية"، وهو المسمى الجديد لحزب قدري جميل، "وحدة الشيوعيين"، احد انشقاقات الحزب الشيوعي السوري – خالد بكداش، واحد انشقاقات الحزب القومي الاجتماعي السوري (علي حيدر)، وهما حزبان مقربان من السلطة، وبسبب مواقف قياداتهما البائسة من الثورة غادر الكثير من كوادرهما، وخاصة الشابة، صفوفهما، للانخراط في الحراك الثوري.

ونجد منذ شهر شباط/فبراير نشاطاً لبعض الناشطين، المحبطين من تجربتهم في هيئة التنسيق وغيرها، أو الذين لم يجدوا مكاناً لهم فيها، في محاولة لتشكيل تنظيم جديد، باسم المنبر الديمقراطي السوري (نجد من بينهم ميشيل كيلو وفايز سارة وحازم نهار وسمير العيطة)، الذي عقد اجتماعه الثاني في القاهرة في الفترة بين 13-16 نيسان/أبريل الماضي. ويقدم المنبر نفسه باعتباره ساحة للحوار والنقاش وجسراً لتوحيد المعارضة، والعمل "التوافقي" و"الفكري"، ولم يخرج عن الاجتماع أي شيء جديد يتمايز به عن القوى المعارضة الأخرى، والأشخاص المبادرون فيه هم من نفس طينة رموز الهيئة والمجلس.

تعبيرات الحراك الثوري

انطلقت الثورة السورية في 15 آذار/مارس 2011، بشكل عفوي، وانتشر اللهيب الثوري على مستوى سوريا ككل، ما تطلّب من الثوار الشباب الحاجة إلى خلق أشكال تسمح لهم بتنظيم الاحتجاجات وتدبير شؤونها الإعلامية والحراكية. فقام هؤلاء الشباب بتكوين "تنسيقيات"، وهو الشكل الذي أصبح شائعاً وواسعاً، وهي ظاهرة في حقيقتها محلية صرفة، تشكلت في الأحياء والمدن والمناطق، وبعضها يلعب دوراً حراكياً أو إعلاميا أو إغاثياً أو فيسبوكياً، والقليل منها يقوم بهذه الأدوار كلها.

لقد أدى غياب قوى سياسية فاعلة على الأرض، وتحظى بنفوذ لدى الثوار، للأسباب التي ذكرنا بعضها أعلاه، إلى حصول ما يشبه تفجراً بركانياً لظاهرة التنسيقيات، إلى حد يجعل من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، معرفة عددها فعلاً، وحقيقة حجمها ودور كل منها، ولكن يمكن القول أنها تضم تنسيقيات ميدانية، العديد منها غير معروف إعلامياً، وأخرى نشاطها الأساسي إعلامي، وهي أصبحت معروفة، وشهدنا في الأشهر الأخيرة، بسبب تدهور الأوضاع الإنسانية، تشكل هيئات أو تنسيقيات إغاثة إنسانية. ونود أن نؤكد أن أكثر التنسيقيات فعالية على الأرض ليست بالضرورة تلك المعروفة إعلاميا.

وبعد أشهر من الثورة جرت محاولات لتجميع عدد من التنسيقيات، فأعلن عن تشكيل "اتحاد تنسيقيات الثورة السورية"، الذي صدر بيان تأسيسه، في الأول من حزيران/يونيو عام 2011، وجاء فيه تعريفه كالتالي «باجتماع ممثلي عدد من التنسيقيات المحلية للثورة السورية في مدينة دمشق وريفها ودرعا ودير الزور وحمص، اتفقت تلك التنسيقيات على قرار الاتحاد في تجمع تمثيلي، يشكل نواة لتأسيس "اتحاد تنسيقيات الثورة السورية"، الذي سيضم كل تنسيقيات الثورة السورية الإعلامية والميدانية.»

والاتحاد شخصية اعتبارية تضم التنسيقيات التي تنضم إليه، ومهمته تمثيل الحراك المدني على الأرض، سياسياً وإعلامياً، وتنسيق وتوحيد العمل ميدانياً، بالإضافة إلى تشكيل قاعدة لمجلس من شباب وناشطي الثورة، لحماية أهدافها وضمان تحقيقها بشكل كامل. وتضم هيئة الاتحاد تجمعات التنسيق المحلية من شتى المناطق والمدن والأحياء السورية، ويتميز خطابها بمسحة إسلامية، من دون أن يعني ذلك انتماءها السياسي للإخوان المسلمين، أو لتيارات سلفية. وتشكلت أيضا "لجان التنسيق المحلية"، التي تفوقت على القوى السياسية المعارضة التقليدية، بأنها كانت السباقة إلى إعلان تشكيلها، من جهة، وطرح رؤيتها لمستقبل سوريا، من جهة أخرى، وذلك بتاريخ 24 نيسان/أبريل 2011، في بيان شهير ننشره كاملاً:

«مع استمرار المظاهرات المطالبة بالحرية في سوريا، وتوسعها إلى مناطق جديدة وأعداد أكبر، أسبوعاً بعد آخر، أصبح من الضروري أن نوضح، بشكل لا لبس فيه، المطالب التي نرجوها من وراء ثورتنا هذه، منعاً للالتباس، وكي لا يتم الالتفاف على مطالبنا، سواء من قبل السلطة ومناوراتها، أو بعض من يحاول التحدث باسمنا، عبر وسائل الإعلام المختلفة.

فشعارات الحرية والكرامة والمواطنة لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال مسار للتحويل الديمقراطي السلمي في سورية، يتم من خلاله إعادة صياغة مؤسسات الدولة الوطنية، على هذه الأسس، عبر جدول زمني سريع ومحدد، وواضح المعالم، يستند أولا إلى الاعتراف بعمق الأزمة الوطنية، التي نعيشها اليوم في سورية، ومواجهتها بشجاعة، بدل محاولات الالتفاف عليها، وتشويه صورتها، عبر إيغال آلة البطش والقمع والتضليل الحكومية، في انتهاك حرمة الدم السوري، وأمان المواطن والوطن، والمقامرة بمستقبل سورية، عبر المتاجرة الرخيصة بمفاهيم الوحدة الوطنية، واللعب المكشوف على الطائفية والتنوع العرقي والديني في سورية. و ذلك من خلال :

  • وقف استخدام القتل والاعتقال والتعذيب والعنف ضد المتظاهرين السلميين، ووقف البروبغندا الإعلامية المقززة، التي تمارسها وسائل الإعلام الحكومية، والوسائل التي تدور في فلكها، ومحاسبة المسؤولين عن ذلك.

  • تحمل الدولة السورية لمسؤوليتها عما حصل، وتقديم اعتذار رسمي بهذا الخصوص، والإعلان عن ثلاثة أيام حداد وطني عام على روح جميع الضحايا في سورية (من مدنيين وعسكريين)، وتشكيل لجنة تحقيق مستقلة بمشاركة المجتمع المدني، مهمتها كشف ملابسات الأحداث الأليمة، وأن يصار إلى كشف نتائج هذا التحقيق أمام الرأي العام السوري، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم، وإحالة المرتكبين إلى القضاء، مع ضمان توفر شروط المحاكمات العادلة.

  • حل الأجهزة الأمنية الحالية والاستعاضة عنها بجهاز أمني محدد الصلاحيات، وفقاً لقانون واضح.

  • الإفراج الفوري عن جميع معتقلي الرأي والسجناء السياسيين في سورية وإطلاق سراح كافة الموقوفين لدى الأجهزة الأمنية، بمن فيهم من صدرت بحقهم أحكام من قبل القضاء الاستثنائي أو العادي، بعد اعتقالهم على يد الأجهزة الأمنية.

  • انجاز التعديلات الدستورية التي تفسح في المجال أمام التحول الديمقراطي، وتكريس سوريا كدولة مدنية، بما يحترم التعدد القومي والاثني والديني في البلاد، بما في ذلك إلغاء المادة 8 من الدستور، وتحديد مدة وعدد الدورات لرئيس الجمهورية، وحصرها بدورتين غير قابلتين للتجديد، أو التمديد، وتوسيع سلطات مجلس الشعب.

  • تعديل قوانين الانتخاب الخاصة بمجلس الشعب والمجالس البلدية، بالشكل الذي تسمح به بإيصال صوت الناخبين الحر، ووضع إراداتهم وخياراتهم الحرة موضع التنفيذ.

  • انجاز جميع التعديلات والاقتراحات القانونية والدستورية، التي من شأنها ضمان استقلال السلطة القضائية.

  • إجراء انتخابات المجالس المحلية ومجلس الشعب في مواعيدها، وفقاً للإصلاحات الدستورية المنبثقة عن اللجنة سالفة الذكر.

  • احترام الدستور للتنوع الثقافي والعرقي في سورية، وضمان الحقوق الثقافية والقومية لكافة مكونات وأشكال النسيج الوطني السوري، ووقف كافة أشكال التمييز على أساس العرق أو الدين.

  • عودة المنفيين والمهجرين قسرياً، والكشف عن مصير المفقودين، وتسوية حقوقهم وأوضاعهم القانونية، والتعويض لعائلاتهم.

  • تأسيس هيئة وطنية سورية للإنصاف والمصالحة وفقا لمعايير العدالة في المرحلة الانتقالية وذلك بهدف إزالة كافة بؤر الاحتقان من المجتمع السوري وطي صفحة الماضي إلى الأبد،

  • إصدار قانون جديد للإعلام يضمن الحريات الصحفية، وفقاً للمعايير الدولية والدستورية وقانون الحق في الحصول على المعلومات، وتحرير الإعلام من سيطرة الحكومة، وخصوصاً لجهة منح التراخيص وسحبها وتحويل إعلام الحكومة إلى إعلام الخدمة العامة، وإنشاء نقابة بالمعنى الفعلي للصحفيين في سورية»

وتلي ذلك تواقيع اللجان، الخاصة بكل من مدن درعا، وحمص، وبانياس، وسراقب، وأدلب، والحسكة، والقامشلي، ودير الزور، والساحل السوري، وحماه، والرقة، والسويداء، وريف دمشق، ودمشق.

كما تميزت لجان التنسيق المحلية، في الأشهر الأولى للحراك الثوري، بموقفها الواضح من عسكرة الثورة. فقد أشارت في بيانها الصادر في 29 آب/أغسطس 2011 إلى رفضها لعسكرة الثورة، ومخاطرها على النضال الجماهيري الثوري. وانضمت هذه اللجان إلى المجلس الوطني السوري، وكانت من المؤسسين له، وأوضحت، في بيان لها صدر بتاريخ 20 أيلول/سبتمبر 2011، بخصوص انضمامها إلى المجلس الوطني السوري، أنها تنضم له "رغم وجود بعض الملاحظات على عمل المجلس، وآليات تشكيله وتمثيل القوى فيه"

وكانت لجان التنسيق المحلية متميزة أيضاً في تناولها لقضية التدخل والحماية الدولية، حيث أشارت في الفقرة الثالثة من بيانها، بخصوص الحماية الدولية، الصادر في 2 تشرين ثاني/نوفمبر من العام الماضي، إلى «أننا إذ نصر، في هذه الظروف الخاصة جداً، على حق الشعب السوري المباشر في تأكيد حقه في تقرير مصيره، أمام المجتمع الدولي، نرى بالتالي أن الدعوات القائمة على أساس "الحق في التدخل" أو "واجب التدخل" أو "التدخل الإنساني"، أو حتى "مسؤولية الحماية"، يجب أن لا تؤدي إلى تعطيل تطلع الشعب السوري إلى التغيير السلمي بقواه الذاتية، أو أن يكون مآلها معاملة الشعب السوري بوصفه مجال نفوذ في لعبة الأمم. يهتف المتظاهرون في مدن وقرى سورية كل يوم بلازمة "الشعب يريد". إن الشعب يريد التحرر من الاستبداد، وأخذ زمام القرار في الشؤون العامة بيده، بشكل مستقل وسلمي، ليقرر مصيره وجميع جوانب حياته العامة، بشكل حر وتداولي، وليبني علاقات سليمة بين الأمم. إن الشعب السوري لا يريد استبدال الاستبداد بالخضوع لنفوذ أجنبي. لقد انتزع الشعب السوري استقلاله، وأسس دولته الحديثة. وهو يتطلع لتحرير كامل أراضيه، وعلى رأسها الجولان، ومواصلة دعم نضال الشعوب في تقرير مصيرها، وعلى رأسها حقوق الشعب الفلسطيني. وكما يثور الشعب السوري على مستبديه، فإنه لن يتوانى عن الثورة ضد أشكال السيطرة الأجنبية كافة».

وعلى رغم تميز مواقف لجان التنسيق المحلية، في المجالات المشار إليها، إلا أنها ما تزال ترى في المجلس الوطني السوري غطاء سياسياً لها يعبر عن مواقفها، وأحياناً بتناقض صريح مع بعض مواقفها. كما أن معظم عملها، باستثناء بعض التنسيقيات الميدانية، التي تعتبر نفسها جزءاً منها، هو عمل إعلامي ودعمي أكثر منه ميداني. بل وقد وجهت لها انتقادات عنيفة تجاه الدور غير المفهوم لعدد من أعضائها في المشاركة في المحاكم الميدانية لبعض مجموعات "الجيش السوري الحر"، وخاصة في مدينة حمص، والتي لعب فيها هؤلاء الأعضاء دوراً شبيهاً بدور "المفوض السياسي" لأعمال انتقام أدانتها هيئات حقوق الإنسان الدولية، وأشارت إليها عدة تقارير صحفية. كما تواجه انتقاداً من قبل عدد من التنسيقيات، حول عملها الإعلامي والدعمي نفسه، كان الأخير منها هو إعلان تنسيقية مدينة السويداء (جنوب سوريا) انسحابها من لجان التنسيق المحلية، في بيان بتاريخ 20 نيسان/أبريل، لأن الأخيرة تقوم بعملية تجاهل و"تعتيم إعلامي" على نشاط المظاهرات، التي تحصل في بعض المناطق، مثل السويداء والسلمية، أي المناطق التي تقطنها الأقليات القومية والدينية، والتركيز على المظاهرات التي تناسب ما تروج له القناتان الفضائيتان المعروفتان، "الجزيرة" و"العربية"، كما جاء في بيان الانسحاب. إضافة إلى انسحاب واستقالة عدد هام من الفاعلين الميدانيين فيها. ومعروف أن بعض المسؤولين في لجان التنسيق المحلية لهم ميل سياسي لصالح "حزب الشعب الديمقراطي" (رياض الترك) و"إعلان دمشق".

وبسبب تزايد مؤتمرات المعارضة في الخارج، تم تشكيل "الهيئة العامة للثورة السورية"، كعادة هيئات المعارضة المحافظة، وذلك في اجتماع جرى في مدينة اسطنبول، بتاريخ 18 آب/أغسطس 2011 لتضم وفق بيان تشكيلها (40) تنسيقية تشمل صفحات الثورة السورية على الفيسبوك، والشبكات الإعلامية للثورة، ويطغى على بياناتها في الأشهر الأخيرة خطاب إسلامي الطابع، وعملها إعلامي بشكل أساسي.

وليست هذه التنسيقيات المذكورة الأهم في العمل الميداني حقا، إذ هنالك عدد كبير من التنسيقيات الميدانية، فالتنسيقيات الميدانية تتشكل من لجان محلية في المدن، بينما حافظت القرى والبلدات على هيئات باسم تنسيقيات، ويجمع الناشطين فيها، الذين لهم مشارب سياسية مختلفة، أو ليس لهم فكر سياسي محدد، هدف أساسي هو الكفاح المشترك من أجل إسقاط النظام. ولكن طابعها المحلي، وهذا التشظي الذي تعانيه، يبقى واحداً من أسباب ضعف الحراك الثوري.

ثمة عدد منها لا بد من التذكير به، والإشارة إليه، منها مثلاً "اللقاء الوطني لقوى وتنسيقيات الثورة". وهو يضم عدداً هاماً وفعالاً من الناشطين الميدانيين، وخاصة في ثلاث مناطق هي حماة ودرعا ودير الزور. و"أحرار ثورة الكرامة"، وهي مجموعة تنسيقيات ناشطة في دمشق وضواحيها، و"تجمع نبض للشباب المدني" الذي ينشط في حمص وريفها ودمشق وضواحيها، و"ائتلاف وطن" الذي يضم عدداً من الهيئات النشطة ميدانياً على المستوى الوطني، والذي لم يتحول بعد، على رغم نشاطه الميداني، إلى صوت سياسي ملحوظ. فهو يتعرض لضغوط متعددة الاتجاهات: من الأجهزة الأمنية، وهذا متوقع. وأيضا من كل من هيئة التنسيق، والمجلس الوطني السوري، والمنبر الديمقراطي، ولكل منهم أجندته الخاصة به. وقد جاء في بيان تأسيسه:

«تداعت مجموعة من القوى والتيارات والشخصيات المستقلة لتأسيس "ائتلاف وطن"، بهدف تعزيز الانخراط في ثورة شعبنا السوري، والمساهمة في تذليل العقبات التي تعترضها، من أجل المساهمة في إنتاج رؤية سياسية للثورة، وردم الهوة بين القوى السياسية والحراك الشعبي، وتعزيز السلم الأهلي. واتفقت على ما يلي:

  • إنَّ هدف ثورتنا الذي لا محيد عنه هو إسقاط النظام، وبناء الدولة المدنية الديمقراطية، دولة القانون والعدالة والمواطنة المتساوية، دولة جميع مواطنيها، بصرف النظر عن القومية والجنس والدين والطائفة؛

  • إنَّ إسقاط النظام وبناء الدولة المدنية الديمقراطية يتطلّب إقامة أوسع تحالف ممكن يضمّ كل فئات شعبنا وأطيافه وتعبيراته السياسية، التي نحن جزء منها، وندعوها جميعاً إلى رصّ صفوفها وتنسيق عملها؛

  • إن ثورة شعبنا السوري هي ثورة من أجل الحرية والكرامة، مثلما هي ثورة لتحقيق مطالب الشعب في الخلاص من الفساد والنهب وإخفاق التنمية وهدر كافة حقوقه السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وهي بهذا المعنى تعبّر موضوعياً عن مصلحة الشعب السوري، بكل طبقاته وأطيافه، وتنتظر انضمام الجميع إليها، مهما تأخروا؛

  • التأكيد على حقوق الأقليات القومية، في إطار وحدة سوريا أرضاُ وشعباً، ومن خلال مبادئ دستورية واضحة؛

  • إنّ الطابع السلمي للثورة قيمة أخلاقية تتفوق فيها على النظام القمعي الوحشي، وإستراتيجية ناجعة في مواجهته.

  • مع التأكيد على سلمية الثورة، فإننا نرى أن انشقاق العسكريين، لدوافع أخلاقية وسياسية، وتشكيل ما يعرف اليوم بالجيش السوري الحر، هو نتيجة لإقحام الجيش في قمع أخوته وأهله، ونشدد على ضرورة التزامه بما تراه القيادة السياسية التي تفرزها قوى الثورة؛

  • تأكيد حرصنا على إقامة علاقات متوازنة مع كل دول المنطقة والعالم (باستثناء إسرائيل)، بما فيها تلك الدول التي تقف الآن إلى جانب النظام، وندعو هذه الأخيرة إلى تصويب مواقفها بحيث تربط مصالحها بمصالح الشعب السوري الباقي لا بمصالح النظام الزائل، كما نؤكد على بناء هذه العلاقات بما يحفظ سيادة سوريا الكاملة غير المنقوصة ويساعد في الوقت نفسه على حقن دماء السوريين

  • التأكيد على أنَّ تحرير أرضنا المحتلّة والوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني في نضاله لتقرير مصيره ليس محلاً لأيّة مساومات في سياق إنجاز الثورة....»

وان كنا وما نزال نعتبر أن ائتلاف "وطن"، الذي يضم حتى الآن 17 مجموعة، يمتلك إمكانية أن يكون نقطة ارتكاز لبناء قيادة جماهيرية ثورية بديل، ولا سيما انه يضم في صفوفه عدداً هاماً من المجموعات اليسارية النضالية، ونعتقد أنه يجب العمل على ضم تلك التي ما تزال خارجه، وعلى سبيل المثال وليس الحصر "تنسيقيات الشيوعيين السوريين"، التي تضم شباباً رائعين في حماسهم ونشاطهم، ومجموعة آفاق يسارية وغيرهما، لكن "ائتلاف وطن"، الذي تشكل في 13 شباط/فبراير 2012، لم يطرح بعد ديناميته التنظيمية، والسياسية الواضحة. واستمرار هذا التأخير مضر جداً، سياسياً وميدانياً.

ومما لا شك فيه أن الوحشية الفظيعة التي يمارسها النظام الدكتاتوري، بحق الثوار والأهالي في الأحياء والمدن، وازدياد عدد الجنود المنشقين، مع ارتفاع الميل إلى العسكرة والتسلح، كرد فعل على همجية السلطة الدموية، وكآلية للدفاع عن النفس، كل ذلك جعل العديد من التنسيقيات تعاني بعض الارتباك بين الكتلة الكاسحة منها، التي ترتكز على آليات النضالات الجماهيرية غير المسلحة، والبعض القليل، الذي بدأ ينزاح نحو حمل السلاح، في مواجهة نظام متوحش بلا أخلاق.

الإشكالية الثانية، التي يمكن ملاحظتها، على صعيد الحراك الجماهيري، هي مسعى المجلس الوطني السوري، مؤخراً، وبالأخص المكون المهيمن داخله، ونعني جماعة الإخوان المسلمين، لأن يكسب تعاطفاً، وإن لم ينجح بعد أو بقي نجاحه محدوداً، من جانب ناشطين في التنسيقيات، من خلال تقديمه مساعدات إغاثة، أو دعماً مالياً للناشطين، مستفيداً في ذلك من الدعم المالي الضخم الذي يصله من الدول العرابة للمجلس الوطني السوري. ولكن لم يستطع المجلس الوطني، ونواته الأساسية، جماعة الإخوان المسلمين، تحقيق هدفهما، بالشكل الذي يتمنيانه، لأن القليل النادر من الناشطين الميدانيين يمكن أن يتقبلوا أي مساعدة مشروطة، ولأن الثوار قد تحرروا من مفهوم التبعية، ويعتبرون أن تقديم إعانة، أو مساعدة، هو بالنسبة لهم واجب وليس منة من أحد.

الوضع الكردي

لقد أدركت غالبية القوى المعارضة العربية أهمية القوى السياسية الكردية، متأخرة، حيث وضعت انتفاضة آذار/مارس للشعب الكردي، في عام 2004، القضية الكردية، في القلب من النضالات السورية. لقد شعرت القوى السياسية الكردية أنها تركت وحيدة وتخلت عنها القوى المعارضة العربية، لتواجه في انتفاضتها عنف السلطة ووحشيتها. والحقيقة أن موقف غالبية القوى السياسية العربية المعارضة، خلال الانتفاضة، كان مخزياً، وترك موقفها هذا تبعاته لاحقاً في الحذر وعدم الثقة، الذي تبديه القوى الكردية بخصوص حقيقة وصلابة مواقف القوى المعارضة العربية. وهو حذر مشروع، لأن مواقف عدد من القوى العربية المعارضة غير واضحة، ومتناقضة، في كثير من الأحيان. ولن نعيد للأذهان المواقف الرعناء والمتناقضة لبرهان غليون والمجلس الوطني السوري، حيال القضية الكردية.

فمنذ الانتفاضة الكردية لعام 2004، تسعى كل القوى المعارضة العربية إلى كسب ود القوى الكردية، ولكنها في الوقت نفسه تلاعبت طويلاً، على صعيد مدى صدق قناعتها بحقوق كرد سوريا.

هذا الوضع دفع بشتى الأحزاب الكردية (باستثناء الاتحاد الديمقراطي) إلى الانسحاب من هيئة التنسيق، أواخر تشرين أول/أكتوبر من العام الماضي، لتشكيل المجلس الوطني الكردي. كما انسحبت المكونات الكردية - باستثناء بعض الأشخاص - من المجلس الوطني السوري، اثر اجتماع الأخير في 26-27 آذار/مارس 2012، في اسطنبول، الذي عقد تحت شعار "توحيد المعارضة السورية". إلا أنه، بعد إصدار المجلس الوطني السوري، في ما بعد، "الوثيقة الوطنية حول القضية الكردية"، عاد أغلب أعضاء الكتلة الوطنية الكردية، المنسحبين خلال اجتماع اسطمبول، إلى المجلس الوطني السوري، ثانيةً.

ويضم اليوم المجلس الوطني الكردي غالبية القوى السياسية والتنسيقيات الكردية، باستثناء كل من حزب الاتحاد الديمقراطي، وهو الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، الذي يتزعمه عبد الله أوجلان، المعتقل في السجون التركية. وترتبط سياسات هذا الحزب بما يقرره الحزب الأم في تركيا، وهو الحزب الكردي العضو في هيئة التنسيق، وأيضاً تيار المستقبل الكردي، الذي أسسته الشخصية البارزة، الشهيد مشعل التمو، الذي تعرض للاغتيال، في 7 تشرين أول/أكتوبر من العام الفائت. وهو حزب كردي جديد نسبياً، لأنه تشكل عام 2005، وكانت مواقفه حازمة، في معاداته للنظام الدكتاتوري، وفي مسعاه لإسقاط النظام.

وقد شارك الشباب الكردي بحماس واسع في الاحتجاجات، منذ بداياتها وما زالوا، وشكلوا، كما حصل في بقية المناطق السورية، تنسيقياتهم الميدانية النشطة. والمعروف أن اغلبها قد انضم إلى المجلس الوطني الكردي.

وباستثناء منطقة عفرين، التي تقع تحت هيمنة حزب الاتحاد الديمقراطي، والتي تشهد هدوءاً نسبياً في الاحتجاجات، فإن اغلب المناطق الكردية مشتعلة، ولها ديناميتها الوطنية، وخصوصيتها القومية في نفس الوقت. فقد خرجت، مثلاً، المظاهرات في 30 آذار/مارس الماضي، في هذه المناطق، تحت شعار "الحقوق الكردية"، على خلاف بقية مناطق سوريا، للتأكيد على رفض الشعب الكردي لمواقف المجلس الوطني السوري، وبقية المعارضة العربية، من القضية الكردية.

وتتشارك القوى الكردية بمجملها بمطالب تدعو إلى نوع من حق تقرير المصير، في "دولة لا مركزية" لعموم سوريا، والاعتراف الدستوري بالحقوق القومية للشعب الكردي في سوريا، وخصوصاً أنها القومية الثانية في البلاد، ورد المظالم وإلغاء كل القوانين والإجراءات المجحفة بحقهم، التي صدرت خلال العقود الماضية. ولكن لا تُسمع دعوات إلى الانفصال.

ويلقى حزب الاتحاد الديمقراطي معاملة خاصة من النظام الحاكم، وهي سياسة "غض الطرف" عن ممارساته في المناطق الكردية، ويعود السبب في ذلك إلى العداء الواضح الذي يبرزه هذا الحزب للحكومة التركية، التي تشكل تهديداً راهناً للسلطة السورية. ويبني هذا الحزب في مناطقه مجالس "إدارة ذاتية ديمقراطية" تعمل على إدارة مناطق نفوذه وتواجده. ولحقت قوى المجلس الوطني الكردي بحزب الاتحاد الديمقراطي، وأنشأت هي أيضاً "مجالس محلية" أقل فعالية من الأولى.

ما يتميز به حزب الاتحاد الديمقراطي هو انضباط أعضائه، وحزمه في التعامل مع المنشقين عنه أو المنافسين له، وامتلاك الحزب الأم في تركيا قوات مسلحة لها امتدادها في سوريا. وأدت خشية تزايد النزاعات بينه وبين قوى المجلس الوطني الكردي إلى وثيقة تفاهم بينهما في 3 آذار 2012، لمنع الاقتتال الكردي – الكردي.

ومما لا ريب فيه أن أي إستراتيجية في سوريا لا يمكنها أن تلغي ضرورة الإجابة الواضحة عن القضية القومية الكردية، ما يسمح بخلق ثقة بين الشعب الكردي وقواه السياسية (التي بالمناسبة تعاني نفس إشكاليات المعارضة العربية، ولكنها تتميز عنها بأن غالبية القوى الكردية علمانيتها واضحة) والقوى الثورية والجماهير العربية الثائرة، ويسمح فعلاً بتوحيد النضالات من اجل إسقاط النظام وبناء سوريا حرة وديمقراطية علمانية، يتساوى فيها مواطنوها، بغض النظر عن أصلهم العرقي أو الديني أو الجنسي.

والجدير بالذكر أنه لا يمكن للمناطق الكردية المهمشة والمفقرة أن تدفع بنضالاتها السياسية والاجتماعية المشتركة إلا حين يتوضح موقف ثوري واضح من القوى الثورية العربية حيال القضية القومية الكردية. وإن كنا لا نشجع على انفصال الشعب الكردي في سوريا، لأننا نرى، في الواقع الراهن، أن ذلك يضر بمصالح النضال المشترك للشرائح الاجتماعية الشعبية ضد برجوازيتها، من مختلف القوميات، ولأن ذلك يضعف الكفاح ضد الدكتاتورية، وكفاحنا المشترك من اجل العدالة الاجتماعية، ويدفع بالبلاد إلى حرب أهلية كارثية، كما أن ذلك سيخضع الجماهير الشعبية الكردية لقيادات قومية ليست أفضل من تلك العربية.

لذا فإن موقفنا المبدئي الواضح يقوم على التالي: الحرص على المصلحة المشتركة الكردية - العربية، في النضال ضد النظام الاستبدادي، والاعتراف بالمظالم القومية، التي تعرض لها الشعب الكردي من قبل كل الحكومات العربية في سوريا، ومنها النظام الحالي. والاعتراف بهذه المظالم كلها يعني التراجع عنها وإلغاءها والدعوة للالتزام بتحقيق المساواة الكاملة بين كل المواطنين السوريين، بغض النظر عن انتمائهم القومي أو العرقي أو الديني أو الجنسي، والاعتراف دستورياً بالحقوق القومية الكاملة للشعب الكردي في سوريا، ومنها – بالنسبة لليسار الثوري السوري- الحق في تقرير المصير والانفصال، في الحد الأبعد، وإن كنا نشجع أهلنا الكرد، في آن معاً، على البقاء ضمن الوحدة الشعبية السورية.

وفقط على أساس هذا الموقف، يمكن تعزيز لحمة الكفاح المشترك لكل المكونات القومية للجماهير السورية، في نضالها الموحد من اجل إسقاط نظام الاستبداد، وتحقيق الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية.

ملاحظات أولية حول بناء قيادة جماهيرية ثورية

اعتماداً على ما سبق ذكره، ولأن القوى المحركة للثورة، عادةً، هي الطبقات الكادحة والمفقرة وشبابها، ولأن الشريحة الاجتماعية الوحيدة تقريباً التي نزلت إلى ساحة الفعل، بصفتها كذلك، هي الطلبة، الذين يمكن القول، من دون أن نخطئ كثيراً، إن اغلبهم من أصول اجتماعية كادحة أو وسطى، وإنهم يمثلون في هكذا ظروف "مثقفي" هذه الشرائح، لا بد من توضيح أننا لم نجد نشاطاً يستحق الذكر للطبقة العاملة، بصفتها تلك، حتى الآن. نستثني من ذلك الاحتجاجات المتصاعدة للشرائح المتوسطة والدنيا ضمن النقابات العمالية، التي تهيمن عليها أجهزة السلطة، والتي ارتفع صوتها خلال الحراك الثوري، مطالبة باستقلاليتها عن الدولة، وبتحقيق المطالب العمالية في زيادة الأجور، وشروط أفضل لعقود العمل وكبح، إن لم يكن منع، التسريح، ولا سيما أن نحو مئة ألف عامل تم تسريحهم خلال العام الماضي، وأغلقت السلطة أكثر من 180 مصنعا. ورغم ارتباط بيروقراطية الاتحاد العام للعمال بالسلطة، لكن احتجاجات متزايدة تجتاحه منذ العام 2006، وتفاقمت مع السيرورة الثورية الجارية، علماً بأن أياً من القوى السياسية المعارضة لم تهتم بالعمل في صفوف الطبقة العاملة السورية، التي يقارب عددها الستة ملايين، وفق الأرقام الرسمية، وأي منها لم يقدم برنامجاً يدافع عن مصالحها أو مطالبها، أو الدعوة لاستقلاليتها عن الدولة أو بناء نقابات مستقلة. من دون أن نغفل واقع التهميش ومصادرة الأراضي الذي تعرضت له المناطق الريفية في السنوات الماضية، وضرورة إعادة طرح برنامج تنموي فيها يعيد للفلاحين الصغار حقوقهم، ويعيد لهم إدارة شؤونهم مباشرة، بمساعدة الدولة.

في المقابل، فإن المجتمع السوري مجتمع تعددي القوميات والأديان والطوائف، ولا يمكن إقناع قطاعات واسعة منه، وخاصة الوسطى منها، من سكان المدينتين الكُبريين (دمشق وحلب)، من دون طرح برنامج انتقالي يتضمن الاعتراف بالحقوق القومية للأقليات القومية، وعلمانية الدولة المنشودة، على أنقاض النظام الحالي. وهذه العلمانية لا تعني بأي حال عداء للأديان أبدا، بل هي تعني فصل الدين عن الدولة، وأيضا الاعتراف بحقوق المرأة، ومساواتها بالرجل، بما يعني مساواة جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، مهما كان انتماؤهم العرقي أو القومي أو الديني أو الجنسي.

والشعب السوري الثائر هو شعب متمسك باستقلالية إرادته، ورافض لكل محاولات استلابها، أكان عن طريق السلطة القائمة، أو قوى إقليمية ودولية، وهو متمسك باستعادة أراضيه السليبة، وبدعم كفاح الشعب الفلسطيني، من اجل استعادة كل حقوقه التاريخية. ولقد اختبرت الجماهير الثائرة، خلال عام، مدى ارتباط السيرورات الثورية الدائرة في المنطقة، قي ما بينها، وتأثيرها المتبادل.

هذا ونعتقد أن برنامجاً انتقالياً ثورياً لقيادة جماهيريةٍ بديلٍ عليه أن يشمل، بين ما يشمل، القضايا المذكورة أعلاه.

في ظروف الحرب الأهلية الاسبانية، في الثلاثينيات من القرن الماضي، وفي خضم الكفاح الجماهيري، الذي كانت تعيشه اسبانيا، كان تروتسكي يرى «أن المهمة العاجلة للشيوعيين الإسبان ليست (فقط) النضال من اجل انتزاع السلطة، بل النضال، أيضاً، من أجل الجماهير»

وفي سوريا اليوم، نجد أن على القوى اليسارية المناضلة (والديمقراطية العلمانية والجذرية) أن تنهض في تحالف ثوري، من اجل كسب الجماهير، على أساس برنامجها، من خلال الانخراط المباشر في الحراك الثوري، ودعم مبادرات الجماهير الثورية في بناء هيئات تنظيمها – الذاتي وإدارتها – الذاتية للأحياء والمعامل والمدن، وطرح المطالب الاقتصادية والاجتماعية والعمالية، عالياً، في الصراع العنيف الدائر على طريق إسقاط النظام. وعليها أن تطرح كشعار انتقالي قيام حكومة ثورية مؤقتة، بعد إسقاط النظام، تكون لها مهمتان أساسيتان، في سياق برنامج انتقالي ديمقراطي ثوري ينبغي أن تتلاقى حوله أوسع أوساط الجماهير الثائرة: الأولى، هي تفكيك الدولة الأمنية، والثانية هي الانتخاب الحر والنزيه لجمعية تأسيسية تقوم على التمثيل النسبي غير الطائفي.

إن بروز هذه القيادة الجماهيرية الثورية يشكل مسألة جوهرية في السيرورة الثورية، ومآلاتها. وهو الضامن لتحقيق إسقاط النظام وأعمق التغييرات السياسية والاجتماعية، في السيرورة الثورية المستمرة، والانتهاء من خرافة تخلف وعي الجماهير، الذي يبرر به البعض تخاذلهم في طرح هكذا برنامج. وذلك لأننا، كما يقول تروتسكي، «لا نتضامن ولو للحظة مع تلك الأوهام الجماهيرية، ولكن علينا أن نغتنم كل ما هو تقدمي من بين هذه الأوهام، بأقصى درجة ممكنة، وإلا فنحن لسنا ثواراً، بل أدعياء تافهون».

إذاً ليكف الانتظاريون والنوّاحون عن النُّواح والتشكي، والبحث عن حجج للتقاعس، وليحل محل ذلك النضالُ والعمل على بناء هذه القيادة الجماهيرية الثورية البديل، الآن وفوراً.


أعلى الصفحة

  الصفحة الرئيسية


اقتصاد وعولمة


المرأة والماركسية


ثقافة وفن


الفلسفة والعلم


Audio & Video


حملات تضامنية


إفريقيا


آسيــا


أوروبا


الشرق الأوسط


أمريكا الشمالية


أمريكا اللاتينية


مواقع أممية


هدفنا


Français

Englishh

Español

إتصل بنا