العراق - الهدوء قبل العاصفة


 ألن وودز



مع صباح كل يوم جديد يسمع صوت دق طبول الحرب من واشنطن  أعلى فأعلى. المراقبون السياسيون مشغولون بفحص كلّ  الخطابات التي تخرج من واشنطن مثل كاهن  روماني قديم  يحاول التنبؤ بالمستقبل من خلال أحشاء الحيوانات الميتة، ولكن بدون نجاح يذكر . الرّئيس بوش نفسه يبقى هادئا جدا، ما عدا إصراره بأنّ هدف سياسته في العراق "تغيير في نظام" - اي إسقاط صدام حسين - ومؤكدا  بأنّه "رجل صبور".

إنّ الايحاء بأنّ القرارات النهائية حول العمل العسكري لم تتخذ الى  حدّ الآن  يبدو بالكاد محتمل. فبعد الصخب والغضب العلني فان اي تنازل الآن يعني فقدان ماء الوجه لجورج دبليو بوش. إنّ الرئيس صامت لكنه يسمح لآخرين بالكلام بإسمه (ويتقبّل كلّ إنتقاد). يصرّ نائب الرئيس تشيني بأنّ القرار قد  أتّخذ و"أخطار عدم التحرك أعظم جدا من خطر التحرك ." هذا بلا شك الصوت الأصيل لإدارة بوش.

 

الإعلانات الأخيرة لبوش وتشيني ورمسفيلد لا تترك أي مجال للشكّ بالنسبة إلى نوايا الزمرة الحاكمة في الولايات المتحدة الأمريكية. هم مستعجلون للقيام بعملية عسكرية ضدّ العراق. أوضحوا بأنّ الرئيس ليس من واجبه أن يستشير الكونجرس قبل الشروع في العدوان وبأنّ دعم حلفاء أمريكا ليس شرطا ضروريا لذلك.  بالطبع، لا شيء جديد في الزعم  بان البيت الأبيض ليس من واجبه أن يطلب رخصة الكونجرس لكي تعلن الحرب.  في 1941، عشية الحرب ضدّ اليابان كان مثال اخر على ذلك! و منذ ذلك الحين شاركت  الولايات المتحدة الأمريكية في مئات الأعمال العسكرية على اراض أجنبية وما سبق أن شعرت برغبة ملحّة لإستشارة ممثلي الأمة المنتخبين. فهي دائما تجد بعض التبرير لقضية عادلة!

وطبيعي انّ اصحاب القلوب الضعيفة تطلب بأنّ المسألة يجب ان توضع في أيدي الأمم "المتّحدة" - كما لو أنّ ذلك سيكون ضمانا ان  لا تكون هناك حرب! في الحقيقة، هو محتمل جدا ان  الأمم المتّحدة توافق في النهاية على العمل العسكري ضدّ العراق، كما سبق ان فعلت (و لم  ننسى  ذلك) قبل عشر سنوات. الأمريكان عندهم الكثير من الاوراق للسحب في الأمم المتّحدة، حيث يسيطرون على اللعبة.  على كل فان بوش مصمّم على تجاوز الأمم المتّحدة ومجلس الأمن  لأنه  يخاف أنّ الولايات المتّحدة يمكن أن تخسر ورقة النقض، ربما على ايدي  الروس، او غير الروس . و الصين - عضو دائم في مجلس الأمن - يعارض  أيّ هجوم على العراق.  فقد كرّرت  كل من الهند والصين في 28 اوت/آب إعتراضاهما على أيّ عمل عسكري.

و كما هو متوقع، ردّ صدام حسين على تهديدات واشنطن بلعب  لعبة القط والفأر التي يبرع فيها. يفهم الأمريكان بأنّ بالمناورة على مسالة السماح لمفتشي الأمم المتّحدة بالدخول، قد يؤخّر خطط حرب أمريكية لشهور أو سنوات، خصوصا في ضوء صعوبة القتال في الصيف العراقي. و هذا ما  يريدون تجنّبه بأي ثمن.
 
توضّح هذه المناورات الدبلوماسية في بغداد لماذا كان  خطاب تشيني الأسبوع الماضي مجادلة إنفعالية حول عبث عملية  التفتيش على الاسلحة قائلا  ان صدام حسين يدير "نظاما إستبداديا عمل بحنكة في خداع المجموعة الدولية". تذهب أمريكا بأنّه يملك أسلحة بيولوجية وكيميائية  و بصدد محاولة  تطوير أسلحة  نووية، ويجب أن يوضع حد لذلك. سائرا على طريق تشيني، قارن رمسفيلد موقف الرّئيس جورج من العراق بتحذيرات وينستن تشرشل في الثلاثينات من صعود ألمانيا النازية!

 جيد جدا، ماعدا حقيقة أنّه، على خلاف ألمانيا هتلر في الثلاثينات، عانى العراق من هجوم قاتل لمدة عشر سنوات حطّم الته الحربية عمليا. فمنذ ذلك الحين كان خاضعا لحصار إقتصادي شرير شلّ كامل طاقة البلاد الصناعية  و الإقتصادية . و أخضعت المواقع العسكرية والمدنية لفحص دقيق. و قد صرّح مفتشو الاسلحة  السابقون تابعون للأمم المتحدة بأنّه مستحيل ماديا على العراق أن أعاد بناء صناعات الاسلاحة  منذ أن إنسحبوا من البلاد.

المعارضة في الشرق الأوسط

كانت سلسلة الإنتقادات حادة في الشرق الأوسط. فالعربية السعودية، حليف الولايات المتحدة القوي، إستبعد إستعمال قواعده للهجوم على العراق، وهو موقف لم يتغيّر - علنا على الأقل -  منذ إجتماع 27  اوت/  أغسطس بين الرئيس  الامريكي والسفير السعودي في مزرعة السّيد بوش في تكساس.

وزير خارجية قطر، إمارة صغيرة في الخليج للجيش الأمريكي فيها قواعد عسكرية  وكخيار ان تكون مركز قيادة بديل محتمل لحرب، ذهب إلى العراق مؤخرا لإبداء معارضته للعمل العسكري.و بشكل ملحوظ قال رئيس مصر، حسني مبارك، في خطاب في 27  اوت/ أغسطس  بأنّ في حالة هجوم أمريكي على العراق "لن  يكون زعيم عربي واحد قادر على السيطرة على الإنفجار الغاضب للجماهير."

هذه الأصوات و التحذيرية هي تعبيرعن الموقف الغير الثابت للأنظمة العربية المؤيّدة للغرب. لا يوجد نظام واحد مستقرّ في الشرق الأوسط.و هجوم أمريكي على العراق سيكون  بمثابة اشتعال علبة كبريت في حقول جافّة. الأنظمة العربية اليمينية يمكن أن تسقط الواحدة تلو الاخرى. تعترف مجلة  الإقتصادي ( 29 اوت/ أغسطس, 2002) الاسبوعية و الصادرة بالانجليزية  "بأنّ الخوف من الغضب الشعبي يساعد على توضيح المواقف الرسمية المتّخذة من قبل الزعماء العرب الذين  حسب الأمريكان  هم في الخفاء  أقل صلابة في معارضة العمل العسكري."

رغم  التحذيرات المسعورة من الأنظمة الودّية في الشرق الأوسط، لما يظل بوش أصمّا امام جميع التضرعات؟ لما يصرّ على الابقاء على مسار المصادمة ، بالرغم من أنّ ذلك  يمكن أن يقود الى ردّ فعل الأكثر عنفا في كافة أنحاء المنطقة؟

من جهة، هو إستمرار منطق دور أمريكا العالمي بعد 11 سبتمبر/أيلول 2001، عندما منح بوش لنفسه عمليا حق التدخّل عسكريا ضدّ أيّ بلد في العالم، و بذلك  يرمي بعرض الحائط كلّ القوانين الأساسية التي حكمت العلاقات الدولية منذ القرن السابع عشر. تباعا ، فان ذلك هو نتيجة وضع دولي لم يسبق له  مثيل منذ سقوط الإتحاد السّوفيتي، بحيث ان كامل العالم يقع تحت  سيطرة قوّة عظمى منفردة مسؤولة عن حوالي 40 بالمائة من الانتاج العالمي العسكري.

تعتقد أمريكا أنّها بالإمكان أن تتحدّى بقيّة العالم بكل اطمئنان ، وتتصرف كما يحلو لها بمنطق "من يستطيع ان يوقفنا؟ "  الهزيمة وإزالة صدام حسين سيكون تحذيرا قويا إلى شعوب العالم بأكمله وخصوصا الشرق الأوسط: افعل كما نقول، أو تحمل العواقب!

توجد، بالطبع، عوامل إقتصادية مهمة في هذه المعادلة. إنّ الكفاح في الشرق الأوسط مرتبط بشكل متين بمسالة من يسيطر على مصادر النفط  العالمي  (لا ننسى أنّ جورج دبليو بوش تاجر نفط). و في  خضم  ازمة كساد إقتصادي عالمي لا
نعلم كم ستستغرق، فان الولايات المتحدة الأمريكية قلقة للحصول على المقابض الرئيسية للقوة الإقتصادية في العالم -و بشكل خاص تريد ضمان منابع النفط. يمتلك العراق ثاني أكبر الإحتياطيات المعروفة للنفط في العالم. هذه ليست مسألة ثانوية، خاصة  ان  العربية السعودية  فريسة لعدم الإستقرار.

 و لم تعد العلاقات بين العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية  مؤخرا كما كانت عليه من قبل . فالنظام السعودي يبدو غير مستقر وعاجز عن السيطرة على الأحداث في البلاد. و لم يتمكن حتى من الهجوم  الجدي  على تنظيم  القاعدة.و يبدو سقوط ذلك النظام المؤيّد للأمريكان امرا محتملا. في هذه الحالة، ستتحرّك القوات الأمريكية في العربية السعودية للإستيلاء على الشريط الساحلي الضيّق حيث أهمّ تركّز للنفط و تترك الرمال للسكّان.

يهدّد الصخب في الشرق الأوسط، الذي لن يظهر أي علامات هدوء، ويمكن أن يؤدّي إلى إندلاع الحرب، بإرتفاع حادّ في أسعار النّفط ، و لن يكون للولايات المتحدة الأمريكية قدرة السيطرة عليها. و تبعا لذلك، يدخل الإقتصاد الأمريكي و الإقتصاد العالمي معا في دوامة  لا يمكن التحكم فيها.

إذا امكن للأمريكان أن يضعوا أيديهم على النفط العراقي، فانهم سيحصلون على ما يمثل وثيقة تأمين للمستقبل. سيكونون في وضع، حسب ما تذهب اليه النظرية ،  يمكنهم من إستخراج كميات هائلة من النفط، وهكذا يسيطرون  على الاسعار، كما يضمنون  حاجيات أمريكا للمستقبل المنظور.و الشرط المسبّق لهذا هو  إزالة صدام حسين. وهذا لا يمكن أن ينجز بالوسائل السلمية.

الا ان الخطّة بكاملها خاطئة من موقع الإمبريالية. فالزمرة العدوانية التي تسيطر على البيت الأبيض لم تضع  نهاية لخطتها. فإزالة صدام حسين لا يمكن أن تتحق بالقصف وحده. و ليس  هناك أيّ قوة داخل العراق مشابهة لتحالف الشمال في أفغانستان. لانجاز هذه النهاية (وبوش لا يخفي حقيقة انها النهاية)، من الضّروري  نشر قوة بريّة أمريكية كبيرة. علاوة على ذلك،  فان النزاع لن يكون سهلا أو قصيرا. و قد تجد  الولايات المتّحدة نفسها في مستنقع حرب و مغامرة عسكرية دامية  تمتد لسنوات ، الامر الذي يضع الشرق الأوسط بالكامل في هشيم كبير. و سبّبت مثل هذه الإعتبارات إنشقاقات عميقة في الإدارة الامريكية  اجبرت بوش  على تأخير خططه "العزيزة" للحرب.

الإنشقاقات في الإدارة

إنّ الإدارة
 الامريكية تعيش  إنقسامات عميقة  في صفوفها عرضت في الصحافة بشكل لم يسبق له مثيل. فخطابات كل من رمسفيلد وتشيني كانت جزئا من  المعركة  الداخلية لهذه الفئة مما جعل جيمس بيكر، سكرتير الدولة  زمن الرّئيس جورج دبليو بوش الاب، يحثّ على التزام الحذر. و بما ان بيكر نظّم الحملة القانونية في فلوريدا التي بها  فاز جورج دبليو بوش بالرئاسة في عام 2000، تمثل  هذه المعارضة وزنا هاما.

أكّدت تحذيرات بيكر أخطار العمل العسكري الأحادي الجانب: حجم العملية؛ الإلتزام ب"بناء البلاد" من طرف الولايات المتّحدة  خلال ما لا يقل عن عشر سنوات و الكلفة المالية الضخمة؛ وأخطار التحالفات الطويلة المدى في الشرق الأوسط وفي مكان آخر. و شدّد الآخرون  على خطر إستعمال  صدام حسين  ما بقي لديه من الأسلحة ضدّ إسرائيل في حالة احتلال العراق.

وزير الخارجية الأمريكي كولن باول، الذي له طموحاته الرئاسية، إستعمل مخاوف الزعماء الأوروبيين والدول العربية، خصوصا العربية السعودية ومصر، لتعبئة المعارضة  للحرب من  بين المحافظين في المؤسسة الجمهورية. هذا بلا شك يعقّد الامرعلى بوش ورمسفيلد وتشيني. لكنّ  من السذاجة  التفكير بأنّ هذا عامل حاسم.

حلفاء باول "المحبون للسلام" - برينت سكاوكروفت، نورمان شوارتسكوف وجيمس بيكر والبقية لم  يعارضوا غزو العراق من حيث المبدأ. وتصرّ تعليقاتهم بأنّ الإحتلال يجب أن يتم بإسم التحالف ضد الإرهاب ويجب أن لا يقع تفكيك  التحالف. لذا هم لا يعارضون الحرب و لكن يعارضون  تقسيم التحالف.

إنّ موقف رمسفيلد- تشيني هو ان التجديد في الحرب لا يجعل من الممكن شنّ هجوم على العراق بدون الإعتماد على الشركاء في التحالف اي العرب أو الأوروبيين.  اقتنعوا ان التخلص من صدام ممكن بدون الحاجة لإنتشار أعداد هائلة  من  القوّات البرية. طبقا لهذه النظرية، تسمح التقنيات الجديدة للقوة الجوية والعمليات الخاصّة (إس أو سي أو إم ) SOCOM 
بتحطيم نظام الرّئيس العراقي. هذا إفتراض أحمق. فأيّ هجوم على العراق سيفتح نزاع يمكن أن يستغرق سنوات. لذلك لم يضغط  الأمريكان  على بغداد في نهاية حرب الخليج.

مسؤولو الجيش الأمريكيين الآخرين، بما فيهم شوارزتسكوف، لا يوافقون على هذه الأوهام التكنولوجية. يعلمون أنّ، في اخر الامر، قوّات أرضيّة هائلة و مدرعات يجب أن ترسل للعراق لهزيمة جيش صدام حسين على الأرض. هذا يتضمّن صعوبات لوجستيكية هائلة. و نظرا لحجم الجيش الأمريكي، والحاجة لقواعد مناسبة قرب مسرح العمليات، فان  إشتراك قوّات التحالف في المبادرة ضروري.

  هناك حاجة لقوة كبيرة من المدرّعات ، وهذا يتطلّب دعم لوجستيكي كبير. تسهيلات واسعة النطاق  من الموانئ. بما ان لا العربية السعودية،و لا الكويت أو أيّ من الدول الخليجية الأخرى مستعدّ للسماح  باستعمال موانئهم أو مطاراتهم ، كلّ الانظار تتجّه إلى تركيا. فضربة من الاراضي التركية،  لن تكون ذات فعّالية كهجوم على جبهتين من الشمال والجنوب. رمسفيلد يدافع على فكرة "تقنية جديدة" فقط لأنه ليس له خيار اخر يتقدم به.  في المقابل حجة  باول بأنّه  يجب الابقاء على التحالف تستند الى منطق سليم.

يعمل الأمريكان بكلّ ما في وسعهم لكسب الزعماء الأوروبيين، الذين، بإستثناء توني بلير، يعترضون على العمل العسكري ضدّ العراق على أساس أنّ الولايات المتّحدة لم تستشرهم بشكل صحيح. الى حد الآن  لم تنفك  واشنطن  تطلب  من أوروبا  ما يمثل شيك على بياض :"
نحن نقود و انتم توالون"  كخطاب أساسي.

أوروبا وأمريكا

كما هو معتاد تتصرف الدبلوماسية الأمريكية بحذق كفيل في دكان للخزف.فالجائزة الأولى للمهارة الدبلوماسية يجب أن تذهب إلى دونالد رامسفيلد، الذي أخبر حلفاء أمريكا الإئتلافي، مجازيا، بأنّ وجهات نظرهم ليس لها ادنى  اهمية  لديه  أو لرئيسه و  إذا دعت الضرورة فان  أمريكا، ستذهب للحرب بمفردها وبعد ذلك  من المفترض ان تجر حلفائها ورائها. تشيني ورمسفيلد يروجون للعمل الوقائي عن طريق اضعاف ترسانة العراق القتالية  لإزالة صدام حسين، سواء قبل او لم يقبل مطلب الأمم المتّحدة بالسماح بعودة المفتشين  للتحرّي  حول تصنيع العراق لاسلحة الدمار الشامل.

يوضح المسؤولون الأمريكان بأنّه  مهما سيكون  دور منظمة حلف شمال الأطلسي فانه  لن يشمل العراق.و يبدو بوش مصمّما للمضي بخططه لإزالة صدام حسين، الا أنّه نتيجة للفوضى في فلسطين والتهديد بتوسيع رقعة النزاع في الشرق الأوسط أجبر مؤقتا على التراجع و بدلا من العمل العسكري تحاول أمريكا الدفع عن طريق الوسائل الدبلوماسية. لكن إذا فشلت في ذلك  - وهو ما سيحدث - ستقوم واشنطن بعمل عسكري أحادي الجانب. من له ادنى شكّ في هذا عليه  فقط بقراءة بيانات جورج دبليو بوش بما في ذلك خطابه في الريخشتاج (
برلين 24 ماي 2002 ) ، حيث كرّر بأنّ أمريكا ستستعمل جميع ما لديها من وسائل في "حربها على الإرهاب".

كتبنا في 31 ماي: "التناقضات بين أوروبا وأمريكا ما زالت في بداياتها المبكّرة، وتعبر  عن نفسها بسرية أو في شكل ثانوي، يعكس مزاجا من الإرتياب والتذمّر المتبادل. في الوقت الحاضر، يقع تغطية  الشروخ بالورق.فالإدارة الأمريكية تقول ان  منظمة حلف شمال الأطلسي تريد العمل ' خارج المنطقة '. نفس شيء يتردّد صداه في أوروبا. و يؤكّد المسؤولون الألمان والبريطانيين بأنّ كلّ شيء على ما يرام  داخل التحالف. فمنظمة حلف شمال الأطلسي لها السلطة الآن للتصرّف حيثما هناك تهديد لأيّ عضو فيها.و لكن سلسلة كاملة  من الأسئلة تطفوا على السطح: كيف ستتصرّف منظمة حلف شمال الأطلسي ؟ - اين؟ - بأي أسلحة؟ -، وقبل كل شيء، من  سيأمر؟"  أحداث الأسابيع القليلة الماضية أكّدت هذا التحليل بما لا يدع مجالا للشكّ.

للرأسماليين الأوروبيين مصالحهم الخاصة  في الشرق الأوسط، االتي لا تتماشى بالضرورة مع مصالح أمريكا. حاولوا ربط "الحرب على الإرهاب" ومشكلة القاعدة بحلّ النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، ذاهبين ان  لا يمكن أن يكون هناك تقدّم على القاعدة  ما لم يوجد حلّ للنزاع الاسرائيلي- الفلسطيني. و مثل رجل يغرق يتعلق بخشبة  إعتنقوا الخطّة السعودية  بحماس. لكنّهم يعرفون جيدا ان التسوية  ليست على جدول الأعمال. فسياسة شارون "الذي لدينا نحافظ عليه". و بما ان  إسرائيل حليف أمريكا الوحيد الموثوق به في المنطقة، غضت واشنطن النظر حينما كانت القوّات الاسرائيلية تسحق الفلسطينيين. في هذا  الظرف، أيّ تفشّي للعدوان في العراق سيكون له نتائج متفجّرة في الشرق الأوسط. و هذا  ما يريد الأوروبيون  تجنّبه بأي ثمن.

الردّ الدولي على خطابات واشنطن الحربية، وهو ما كان متوقعا ، كان يسوده  الشكّ  أو المعارضة بشكل علني. فإقتراح الإدارة الأمريكية بتشنّ حرب من طرف واحد، بدون طلب الموافقة المجدّدة من مجلس الأمن التابع للامم المتحدة، وربما بدون  اذن من الكونجرس الأمريكي فشل فشلا ذريعا. فقد أوضحت فرنسا بأنّها سوف لن تدعم عملا عسكريا.و إتّخذت ألمانيا موقفا مماثلا.

السفير الأمريكي في ألمانيا وبّخ المستشار، جيرهارد شرويدر، لتعليقاته التي تدعو خطط الحرب ب"مغامرة". حتى معارض شرويدر المحافظ و المترشح في إنتخابات الشهر القادم، إدموند شتويبر، قال ان الحرب تحتاج لمصادقة  الأمم المتّحدة.  ذلك يترك بريطانيا في حالة من العزلة غير مريحة . كعميل صريح للإمبريالية الأمريكية، يقوم  توني بلير بكلّ ما يمكن لارضاء البيت الأبيض. لكنّه يتعرّض لضغط كبير من الجبهة الداخلية.

يظهر إستطلاع الرأي الاخير بأنّ  قرابة  ثلاثة أرباع البريطانيين لا يدعمون عملا عسكريا ضدّ العراق. فالمعارضة حادّة جدا في حزب العمل. هناك نمو لانشقاق في الوزارة نفسها. وزراء الحزب الكبار يبتعدون  عن الخطّ  الذي يروّج له  تشيني ورمسفيلد. جاك سترو، وزير الخارجية، يشدّد بأنّ الحرب ليست حتمية اذا ما  سمح صدام حسين لمفتشي الاسلحة التابعون للأمم المتحدة بالعودة إلى البلاد. تقول بريطانيا بأنّها تعمل على فرض طلب من الأمم المتّحدة ل"موعد نهائي " لإعادة دخول المفتشين، الذين انسحبوا في 1999.

 هذا يعني أنّ جناح يمين العمل يودّ أن يدفع بالعدوان الامريكي على العراق، لكن يريد ان يسبق ذلك تحضير جيد  مثل مجرم يوشك أن يرتكب جريمة قتل، لكن يدرك بأنّه يحتاج لإعداد عذر مناسب مقدما. نفس الشيء يصحّ على النداءات إلى الأمم المتّحدة. على أية حال، الأمريكان سيجيبون بأنّهم عندهم تفويض كافي من الأمم المتّحدة في شكل قرارات قبل عشر سنوات. إنّ تشديد بلير وشركائه على ان  الولايات  المتّحدة يجب أن تغيّر اسلوبها، لا على أن تتخلى عن خططها العدوانية. يريدون  من  واشنطن أن تجبر العراق على قبول التفتيش الدولي التدخلي. ولكن أمريكا ترفض بعناد أن تستبعد الاحتلال حتى و ان  دخل المفتشون  و لم يجدوا  شيئا. فالقاتل يريد المضي لتنفيذ عمله  بدون إعتبار اي عذر!

في هذه الظروف، و كما أشار السّيد شرويدر الى جانب آخرين ، ليس هناك حافز لصدام حسين للسماح للتفتيش، أيّ هو يمكن أن يجادل، و بشكل صحيح جدا، ان ذلك خدعة للتجسّس عليه. و هنا مربط الفرس!
فأمريكا لا تريد العراق أن يقبل  بالتفتيش لأن ذلك يجعل تبرير العمل عسكري أكثر صعوبة. فإن تسقط أمريكا تهديداتها، فانها ستقيد نفسها بنفسها إذا سمحت بغداد للمفتشين بالدخول للراق مجددا، و لم  يجدوا الدليل الكافي. لذا، على خلاف جودفاضا ( Godfather) بطل فيلم للمخرج الامريكي فرنسيس فورد كوبولا يحمل اسمThe Godfather - الذي منح الناس عرضا لا يمكنهم رفضه" فان جورج بوش منح الشعب العراقي عرضا لا يمكنهم قبوله.

 

ماذا بعد؟

إنّ التذبذب الظاهر الان من المحتمل ان تكون فترة الهدوء التي تسبق العاصفة. ستشنّ واشنطن  قريبا هجوما دبلوماسيا لإسكات نقّاد أمريكا في أوروبا و العربية السعودية  و خاصة  تركيا. فإدارة بوش ستستغل ذكرى 11  سبتمبر/أيلول لإعداد الارضية داخليا و خارجيا لتجديد العدوان.

الإعلانات الأخيرة المنبثقة عن واشنطن تقترح بأنّ نوعا من العمل العسكري يمكن أن يبدأ فجأة وبدون سابق انذار. ان تجربة سابقة تشير الى أنّ الأمريكان قد ينظّمون بعض الإستفزاز أولا. فالهجوم الياباني على بيرل هاربور، الذي يوصف  دائما  بكونه  هجوما مفاجئا وغير استفزازي لامريكا من قبل خصم غادر، في الحقيقة كان استفزازا متعمدا من قبل الرّئيس روزفيلت، الذي أراد و بأي ثمن جر الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب العالمية ضدّ ألمانيا، وإحتاجت عذرا لذلك.

لم يكن صعب ابدا على امريكا  ايجاد تبرير. هو مقترح أولّي في الحرب حيث يجب  دائما أن يظهر طرف كضحيّة لعدوان  لا كمعتد. و طرف آخر ينظر اليه "كمبتدء  بالعدوان". في واقع الامر، ان مسالة من  يضرب أولا في الحرب هي مسالة  ثانوية. إنّ  مسالة  من هو المعتدي و من هو المعتدى عليه  لا يمكن أن تحلّ بمناشدة مثل هذا الاعتبار بما انه  كما من  السّهل بمكان  إثارة حادثة تعطي إنطباعا "بالعدوان" فان  العكس  هو الحقيقية بعينها.

"برّرت" أمريكا تدخّلها في فيتنام بما يسمّى بحادثة تونكين. و مؤخرا إستغلت أحداث 11 سبتمبر/أيلول كعذر لمهاجمة أفغانستان ولتشنّ ما يسمى "حربا عالمية على الإرهاب".  وتحت هذا الغطاء الملائم،  فان اعظم قوّة  تمنح لنفسها حق التتدخّل حيثما ترغب  وحينما تريد. وكل من  يقف  في طريقها يجب نسفه. تلك الرسالة الحقيقية ل"الحرب على الإرهاب" والتحضيرات للعمل العسكري ضدّ العراق.

في الحرب  الأسباب المثارة لتبرير شن العدوان لها أهمية ثانوية. هي فقط ستارة دبلوماسية يراد بها صرف الإنتباه عن الأهداف الحقيقية. إنّ مسالة "أسلحة الدمار الشامل" واضح انها ذريعة لهدف الحرب الحقيقي وهو التخلّص من صدام حسين. إنّ البيت الأبيض مكشوفة جدا نواياه.

ستشهد الشهور القليلة القادمة إستمرار نفس عدم الإستقرار الذي ميّز الوضع العالمي للسنتين الماضيتين. قد تكون هناك هجمات جديدة وهائلة من قبل القاعدة. و إن لم يحدث ذلك، فسيقع اثارته او اصطناعه.
 يمكن أن نتوقّع أعمالا إرهابية في الأسابيع أو الشهور القليلة القادمة.  و سيكون إختلاقات حول ملكية العراق المزعومة لأسلحة الدمار الشامل أو نوايا بغداد فيما يتعلق بالولايات المتحدة الأمريكية و حلفائها في الشرق الأوسط. أو لربّما  يقع اسقاط طائرة أمريكية. إنّه من المستحيل  التنبؤ بدقة  بطبيعة الحادثة  بما  أن ذلك يندرج ضمن صنف الحادث العرضي التأريخي،و لكن مثل هذا الحادث ضروري لكي يليّن الرأي العامّ قبل الحرب.

 

يريد الأوربيون إستشاراة و على الاستشارة سيحصلون. فستتّخذ واشنطن الخطوات المطلوبة للمناقشة مع حلفائها في الأسابيع و الشهور القادمة. و هذا لن يغيّر الكثير، ويبقى بوش مصمما على شنّ هجومه على العراق. المساومة الدبلوماسية البارعة بين أمريكا وأوروبا ستوفر الغطاء اللازم للتحضير للحرب.و الولايات المتحدة الأمريكية قد تلعب لعبة التظاهر باتخاذ إجراءات دبلوماسية أخرى مع العراق.  الغرض الوحيد سيكون منح بغداد عرضا لن يستطيع قبوله، وبعد ذلك  يقع لومه لرفضه التعاون.

على الرغم من كلّ خدعهم، فان الأوربيين عاجزين عمليا. هم ليس لديهم خطّة ولا إستراتيجية. تتمثل كلّ "حكمتهم" في التصرّف لكسب الوقت. فمحاولة ربط النزاع الإسرائيلي الفلسطيني  بالحرب على الإرهاب هي بجلاء ربح للوقت .و ستكشف الولايات المتّحدة في النهاية خدعتهم. في نهاية الامر، سيقدّم لهم بوش إنذارا نهائيا: "مع أو ضدّ الحرب على الإرهاب؟ "

الضغط الكبير سيمارس على العربية السعودية وتركيا. و يمكن شراء الأخيرة  بعرض مساعدة مالية جديدة ووعد بقطعة أرض عراقية  من ضمن ذلك حقول النفط في الشمال.و ستتعرّض الكويت والأردن للضغط أيضا، ومن الصعب التكهن  بنتائج ذلك. و هكذا، لا أحد سيكون قادرا على قول بأنّهم لم "يستشاروا" بالكامل. سيكون الامر واضحا للجميع. و لن يكون  لأوروبا والعربية السعودية  إقتراحات فعلية مضادّة.  عندها ستشعر واشنطن بالحرية للشروع في برنماجها.

 يجب لفت الانتباه هنا  بأنّ باول وزمرته لا  يعارضون فكرة حرب، و لكن يودّون  أن يبقوا الزعماء الأوروبيين والسعوديين في السفينة. إنّ الفرق تكتيكي محض. في اخر الامر، سيدعم باول العمل العسكري، و على "الحلفاء" أن يعملوا عقولهم. و الدعوة الى عدم شن حرب على العراق ومعارضة  اية  مبادرة عسكرية رئيسية ستلاقي آذانا صمّاء في واشنطن.

فعندما تبدأ عجلة الحرب في العمل، كلّ الاذهان ستغرق في الاحداث بشكل رائع . والخوف من  الاقصاء الكامل من  طرف الولايات المتحدة الأمريكية سيكون له دفعا قويّا. بدئا ببريطانيا، سينضم آخرون للصف  أو على الأقل سيلتزمون الصمت . و ستتحرّك الولايات المتحدة الأمريكية بقوة لا تقاوم وتسحب الآخرين خلفها. و من المرجح ان يكون هذا هو السيناريو.  و هكذا،  تبدو الحرب نتيجة حتمية. فلم يعد السؤال "إذا" و لكن "كيف" و"متى".

عندما يصبح هذا المنظور حقيقة سيكون هناك إمكانية هائلة  لتحرك عالمي هائل مضادّ للحرب. و أفضل النشطاء ضمن العمّال والحركة الطلابية سيعبرون عن غضبهم ومعارضتهم للحرب. يجب أن نكونوا على استعدادّ!  يجب أن نظهر الأكثر وضوحا و الاشد نضالية في معاداة الإمبريالية. يجب على الماركسيين أن ياخذوا بزمام المبادرة في تشكيل لجان ضدّ الحرب بتنظيم  الاعتصامات والاإجتماعات و المظاهرات والعرائض و الاشكال أخرى من الإحتجاج. فمن الضروري إثارة المسالة  في إجتماعات الحركة العمالية، و اتخاذ القرارات في فروع الإتحادات.
و قبل كل شيء، علينا  أن نوضّح للعمّال والشباب الرابطة السببية  بين الحروب التي تعصف بكوكبنا كالوباء الخبيث والأزمة الهيكلية للرأسمالية العالمية. فالمسالة ليست في وصف شرور الحرب . فأيّ سياسي رأسمالي سيوافق على ذلك بسهولة - بدءا بجورج دبليو بوش. و سيقولون أنّ الحرب شرّ.و لكنّه شرّ لا بدّ منه.

و هذا لا يجانب الصواب. فالحرب ضرورية جدا للنظام الرأسمالي في عهد الإمبريالية. فالأزمة العامّة للرأسمالية تتمظهر في الصراع  الشرس بين الإمبرياليين  لتقسيم العالم لأسواق ودوائر نفوذ. و مالم يقع  اسقاط الرأسمالية ، ستظل هناك حرب  بعد الاخرى. ان  الطريق الوحيد لإنجاز سلام دائم ولحلّ مشاكل العالم  يكون بتحطيم سلطة المصارف والشركات العملاقة التي تدمّر الكوكب.

العدوان الجديد للقوّة االعضمى المنفلتة من عقالها  ضدّ أرض نازفة جروحها هو  إهانة إلى كافة القيم  الانسانية. هو فعل بشع لا يمكن أن يبرّر. يامل الإمبرياليون الأمريكان أنّ بمثل هذه الوسائل سيرهبون ويخيفون الشعوب. ان  هذا يمثل في حد ذاته  إرهاب من أسوأ  أنواع الارهاب. ومحاولة  تبرير مثل هذه الأفعال بإسم ما يسمّى بالحرب على الإرهاب هي نكتة سخيفة. و بعيدا عن تحقيق ما يصبون له  سيسبّب الإمبرياليون موجة ثورية  هائلة  يمكن ان  تهزّ الشرق الأوسط بالكامل. و هو  ما سيولد حتما أعمالا إرهابية جديدة ومروّعة وينثر بذور حروب جديدة وكراهية وعنف في بلد تلو الاخرى.

ان النظام الذي يمكن أن يخلق مثل هذه البشاعات يقف مدانا امام محكمة التأريخ.


ألن وودز
لندن،
سبتمبر/أيلول 2, 2002
ترجمة:
نديم المحجوب  

الصفحة الرئيسية / الشرق الاوسط و شمال افريقيا