مذبحة فلوجة

الن وودز

30 افريل 2003

"تمر اليوم عشرون سنة عن اخر مرة كنت فيها هنا و انا الان في شغف للنظر في عيون ابنائنا لاعبر لهم عن عظمة العمل الذي قاموا به هنا." ( دونالد رمسفالد في بغداد هذا الصباح).

بامكان للعالم الان رؤية الوجه الحقيقي للاحتلال الانغلو-امريكي للعراق. فقد قتل يوم الاثنين 13 شخصا على الاقل و جرح عديد الاخرين عندما فتح جنود امريكيين النار على حشد من المتظاهرين العزل كانوا يتظاهرون ضد احتلال مدرسة محلية من قبل الجيش الامريكي. و رغم ادعاءات الامريكان بانه تم اطلاق النار عليهم من قبل المتظاهرين فانه لا يوجد ادنى دليل يدعم ادعاءاتهم هذه.

قامت القناة التلفزية الب.ب.س. الليلة البارحة الثلاثاء .الاربعاء- بعرض صور عن مسرح المذبحة في الفلوجة المدينة السنية المهدمة الواقعة على بعد 35 ميلا غرب بغداد. و كان مراسل الب.ب.س الحاضر على الواقعة لا يراوده شك ان الجنود الامريكان فتحوا النار بطريقة عشوائية على الحشد مصيبين منازلا في منطقة سكنية فقتلوا مدنيين لم يكونوا من المشاركين في المظاهرة. بالمقابل لم يكن هناك اثر لرصاصة واحدة عى بناء المدرسة و لم يصب اي جندي امريكي. انها مذبحة بكامل معنى الكلمة.

و يقول الاطباء العراقيون و المسؤولون في المدينة ان 13 عشر شخصا قتلوا و اصيب العديد بجروح. في حين يقول الجيش الامريكي ان عدد القتلى عشرة و لكنه "يعترف" انه من الممكن ان يكون العدد ثلاثة عشر. ان العدد النهائي من المحتمل ان يكون اعلى بكثير. و يصف تقرير صحيفة الانديباندنت البريطانية -  اليوم الثلاثاء- حالة الرعب في المدينة: "بقع كبيرة من الدم المتجمد و احذية تركها اصحابها من الفزع و جوار في غضب و اقرباء في نواح و حديث عن قصة القتل العشوائي للفتيان الذين كانت جريمتهم المطالبة من اولي الامر فيهم الجدد و المدججين بالسلاح بمغادرة المكان."

يبدو ان تسلسل الاحداث التي اسفرت عن اطلاق النار كان على النحو التالي: تجمع يوم الاثنين في حدود الساعة التاسعة صباحا حشد مكون من حوالي 200 متظاهر امام مدرسة كان قد احتلها ما يقارب 100 جندي امريكي قبل اربعة ايام. و كان الدافع العاجل للمسيرة هو طلب رحيل الجنود لان الناس هناك يريدون اعادة فتح المدرسة. و لكن ما هذا شعور عام لدى العراقيين بان على الغزاة وغادرة البلاد.

يقول الامريكان انه تم فتح النار عليهم فكان رد فعلهم مجرد دفاع عن النفس ضد حشد كان 25 شخصا فيه يحملون بنادق. الا انه يوجد شك كبير حول الرواية الامريكية و كذلك غياب الدليل الذي يدعمها. يورد تقرير الانديباندنت كلمات احمد العيساوي البلغ 15 سنة و الذي اصيب في ذراعه و ساقه و يقول انه لم يرى اية بنادق:

"كان جميعنا يحاول الهرب. لقد اطلقوا النار علينا مباشرة وكان الجنود في ذعر كبير فلم تكن هناك طلقات تحذيرية و لا اعلام من مكبرات الصوت." واحمد كريم- الحداد- البلغ من العمر 21 سنة و الذي اصيب في فخذه لم يرى هو الاخر اية اسلحة. "كنا نصيح 'لا اله الا الله' ووصلنا الى بناء المدرسة على امل التحدث الى الجنود لكنهم بدؤوا في اطلاق النار علينا بعشوائية. اظن انهم كانوا يعلمون اننا لا نحمل سلاحا و لكنهم ارادوا اظهار قوتهم و ايقافنا عن التظاهر."

كذلك لم يرى - حسين علي عواري - عامل يسكن على الجانب الاخر من الطريق اية بنادق. يقول انه عندما بدا اطلاق النار هب الفزع في المتظاهرين و جرح البعض منهم و اندفعوا الى ساحة منزله للاحتماء و من بينهم كان طفل في السابعة عشر لقى حتفه في ما بعد.

"لقد كان الحادث مرعبا" - يضيف حسين "اظن ان الامريكان كانوا في خوف و على استعداد لفعل اي شيء. كان هناك خارج البيت جرحى يطلبون المساعدة. و عندما حاولت الخروج لمساعدتهم طلب مني الجنود ان الزم مكاني بالداخل و الا فانهم سيفتحون علي النار."

حسن  - تلميذ في التاسعة عشر من عمره طلب عدم ذكر اسمه بالكامل هو الاخر لم يلاحظ بنادق. "كنا نرفع صورة لصدام, صورة و احدة. و كان هناك الكثير منا, حوالي المائتين. لم نكن مسلحين و لم نلق اي شيء. و كان هناك اطلاق للنار بالجوار و لكنه بعيد شيء ما. لا ادري لماذا بدا الامريكان في اطلاق النار. و حينما فعلوا ذلك سارعنا بالهروب."

بالاضافة الى هذه الشهادات فانه يجب الاخذ بعين الاعتبار الدليل الساطع من ساحة الواقعة. فالجنود الامريكان كانوا من الفرقة 84 التي حشدت اواخر الاسبوع الماضي بغاية ايقاف اعمال السلب و الاتجار في الاسلحة. لقد فتحوا النار على المحتشدين قرب المدرسة الابتدائية و الثانوية الكعاط. و كانوا يطلقون النار على الناس من الطابق العلوي و من اعلى سطح البناية.

وحسب المتحدث الامريكي الملازم الاول اريك نانتز و قع اطلاق النار على الجنود و تم رميهم بالحجارة. و حاولوا تفريق الحشد باستعمال مضخم الصوت و لكن كما يقول بدون جدوى و تحت التهديد قاموا بفتح النار. و تعلق الانديباندنت

بالقول:

"الا انه لا يوجد اي اثر للرصاص على واجهة البناية يدل على وجود اطلاق نار. فالمكان لم يصب. بالمقابل فان المنازل رقم 5 و 7 و 9 و 13 المواجهة للمدرسة تحمل ثقوب الرصاص و تتطايرت من حيطانها فلذات من الاسمنت المسلح بحجم اليد. و عند طلب تفسير لعدم وجود ثقب الرصاص قال الملازم الاول نانتز ان نيران العراقيين مرت فوق رؤوس الجنود و عندما ذهبنا لنرى اثر الرصاص في اعلى احدى النوافذ و على الحائط و جدنا ان الثقب في الجانب الاخر من بناء المدرسة.

"وكانت هناك اسئلة اخرى مربكة. فقد قال الملازم الاول ان الجنود تعرضوا لاطلاق النار من بيت على الجانب المقابل من الطريق. و قدمت لنا عدة رشاشات قال الامريكان انهم عثروا عليها هناك. و ان كان هذا صحيح يعني انها كانت عملية انتحارية. فاي شخص يهاجم المركز من موقع ثابت على بعد 35 مترا  لا يمكن ان تكون له اية فرصة للنجاة.

"يدعي الامريكان كذلك انه كانت هناك 25 بندقية لدى المتظاهرين و هذا يعني ان هؤلاء كانوا اغبياء او كانوا ياملون الموت. فقد تعلم العراقيون خلال الاسابيع القليلة الماضية انه اذا لم يقفوا بسرعة كافية عند نقطة التفتيش فسيطلق عليهم النار.

فان تمشي ليلا نحو مركزا للجيش الامريكي رافعا بندقية و مرددا لشعارت معادية للامريكان هو عمل من قبيل الجنون."

خلاصة الامر هو ان لا احد يشك في ان القوات الامريكية اقترفت مذبحة ضد العراقيين المدنيين. فالحادثة كما وصفت هنا تكشف عن تضليل مقرف من وزارة الدفاع الامريكية بدعايتها الكاذبة عن "تحرير" الشعب العراقي. ان الجيش الامريكي يتصرف كجيش احتلال.

و لا تتعب ماكينة الدعاية الامريكية و البريطانية ابدا من تكرار ان الامبرياليين الذين لا يعيرون ادنى اهتمام للديمقراطية و حيوات العراقيين العاديين وكل تلك الدعاية حول "القنابل الذكية" و اجتناب المدنيين بان بالكاشف انها كذبة ساخرة.

خلال الحرب قتل الامريكان مدنيين عراقيين من الجو و بدون ان يروا وجوه ضحاياهم و كانوا يعتذرون عن ذلك بكونها "حوادث يؤسف لها" و لكن لم يعد الحال كذلك الان. اذ يظهر الغزاة احتقارا كاملا للشعب الذي يدعون انهم قاموا بتحريره. و ما هم الا سفاكي دماء يعاملون العراقيين كعرق دني لا يصلح الا ان يخضع و يضطهد و ينهب. و اذا ابدوا مواجهة فانهم سيقتلون كالكلاب. هذا هو الوجه البشع الامبريالية و المالوف لدى شعوب الشرق الاوسط و اسيا و افريقيا و امريكا اللاتينية.

لم يكن هذا بالحدث المنعزل. ففي الاسبوع الفارط في الموصل قتل عشرة عراقيين برصاص الجنود الامريكان. و اعلن هذا الصباح الاربعاء- ان الجنود الامريكان قتلوا عراقيين اثنين من المدنيين. و لكن. ليس بمستطاع الامبرياليين ان يخضعوا شعبا كاملا بهذه الطريقة. و لن ينسى الشعب العراقي هذه الفضاعة ابدا و ستتكثف في العراق بعد مذبحة فلوجة المعارضة الجماهيرية للاحتلال الامريكي-البريطاني .

نبه نابليون مرة ان لا يمكن الجلوس على الحراب. و الامبرياليين في العراق اليوم ليس بمقدورهم قمع امة ذات 25 مليون شخصا الى ما لا نهاية. فكل حدث مثل  حادثة فلوجة سيؤجج الصمود و يعمق تعاطف عموم العراقيين مع الكفاح المسلح ضد الامبرياليين. هذا الصمود هو في نمو و اخذ يتعمم. ففي الاسبوع الماضي تعرضت القوات الامريكية للنيران بشكل يومي. وقد ادى هجوم على مصب للاسلحة الامريكية في بغداد الى انفجار اودى بحياة 10 اشخاص كما اصبح قذف الجنود بالحجارة وهو رمز عال من رموز الصمود الماخوذ عن الفلسطينيين عملا معتادا.

و يسقط قناع "الديمقراطية" و "التحرير" ليكشف عن واقع فج لاحتلال اجنبي و قمع عنيف. وبدات لغة القوات الامريكية تتجلى مثل لغة قوى الاحتلال  الاسرائيلي في الضفة الغربية و غزة. فهم يتشكون ان عليهم اطلاق النار على راميي الحجارة لان الشباب العراقي يمكنه حسب ادعائهم -  القاء قنابل يدوية الى جانب الحجارة كما حدث في مناسبة في الرمادي قبل ثلاثة ايام. ويتحدثون عن اناس من الحشد يطلقون عليهم النار. فهم يعيشون في خوف من تفجير سيارة مفخخة او هجوم انتحاري.

تكشف هذه الحقائق بالكامل عن الاسطورة التي يروجها بلير و بوش حول ترحيب الشعب العراقي بقوات التحالف كمحررين و ان معظم الشعب العراقي يحبهم ما عدى حفنة صغيرة من المتعصبين مصممين على احداث الشغب. و طبعا هذه هي نفس الاغنية التي سمعناها عديد المرات من قبل الاسرائيليين.

ان سلوك العراقيين العاديين تجاه قوات الاحتلال لا تنبع من "متعصب" بل من مدير المدرسة اين وقعت المذبحة. لقد كان كثير من تلامذته من ضمن المتظاهرين. وجاء في تقرير الانديباندنت انه عند سماعه بالحادثة هرع الى المستشفى للتبرع بالدم:

"انه لرجل فصيح و هادئ الا ان عيناه كان يملؤها الحنق و الالم. الان قال في هدوء انه مستعد ان يموت شهيدا لينتقم من الامريكان."

لندن في 30 افريل 2003

الصفحة الرئيسية / الشرق الاوسط و شمال افريقيا