نقد برنامج غوتا


كارل ماركس
 

مقدمة لفريدريك انجلس1


ان المخطوطة التي تطبع في هذا الكراس، - سواء الرسالة الى براكه او نقد مشروع البرنامج - قد ارسلت الى براكه في عام 1875 ، قبيل انعقاد مؤتمر غوتا التوحيدي2، لكي يعرضها بدوره على غيب وآوير وبيبل وليبكنخت ثم يعيدها الى ماركس. ولما كانت مناقشة برنامج غوتا واردة في جدول اعمال مؤتمر الحزب في هاله3، فاني اعتقد اني اقترف جريمة اذا ما تماهلت زمناً آخر ايضاً بنشر هذه الوثيقة الهامة ، والتي ربما تكون اهم الوثائق التي تتعلق بهذه المناقشة.

ولكن للمخطوطة شأناً آخر ايضاً، واكبر بكثير. فللمرة الاولى نجد فيها الموقف الذي اتخده ماركس ازاء الخطة التي تبناها لاسال منذ بداية نشاطه التحريضي ، نجده معروضاً بوضوح ودقة، شاملاً في آن مبادىء لاسال الاقتصادية وتكتيكه.

فان الصرامة القاطعة التي حلل بها ماركس مشروع البرنامج، والتصلب الذي اورد فيه استنتاجاته، ونقاط الضعف التي كشفها وعرّاها في المشروع ، كل ذلك لو يعد بالامكان ان يجرح اليوم احداً ، بعد مضي خمسة عشر عاماً . فلم يبق من اللاساليين الاصليين الا في الخارج، بصورة انقاض منفردة ، بل ان واضعي برنامج غوتا قد تخلوا عنه في هاله باعتباره غير مرض اطلاقاً.

ورغم ذلك، حذفت، حيث لا يهم الحذف، التعابير والتقديرات القاسية المتعلقة ببعض الشخصيات، واستعضت عنها بنقط. ان ماركس كان فعل الشيء نفسه لو انه نشر مخطوطته اليوم. فان عنف اللهجة الذي نجده فيها احياناً انما نجم عن اعتبارين. الاول، هو اننا كنا، ماركس وانا، ملتحمين في الحركة الالمانية اكثر مما في اية اخرى، فكان لابد للتراجع البين في مشروع البرنامج من ان يبعث فينا بالغ الاشمئزاز. اما الاعتبار الثاني، قهو اننا كنا حينذاك، وما كادت تمضي سنتان على مؤتمر الاممية في لاهاي4، في ذروة المعركة ضد باكونين واتباعه من الفوضويين الذين كانوا يعتبروننا مسؤولين عن كل ما يجري في صفوف الحركة العمالية في المانيا ؛ ولذا كان لابد لنا ان نتوقع ان تنسب الينا ابوة هذا البرنامج السرية. ولكن هذين الاعتبارين قد بطلا اليوم ، كما بطلت في الوقت نفسه ضرورة المقاطع المذكورة آنفاً.

وفضلا عن ذلك ، ثمة جمل استعيض عنها بالنقط ، لاسباب تتعلق برقابة الصحافة. وحيث ترتب علي ان اختار تعبيراً ألطف، وضعته بين معقفين. وما عدا هذا، طبعت المخطوطة بنصها الحرفي.

 

فريدريك أنجلس
لندن، 6 يناير 1891
نشرت في مجلة "Die Neue Zeit"
(الازمنة الحديثة)


رسالة كارل ماركس الى براكه


لندن، 5 ماي 1875

عزيزي براكه !

بعد مطالعة الملاحظات الانتقادية الواردة ادناه بخصوص البرنامج التوحيدي، تفضل بارسالها الى غيب وآوير وبيبل وليبكنخت للاطلاع عليها. ان لدي من الشغل لما فوق رأسي فأراني مضطراً لأن اتخطى بعيداً حدود وقت العمل الذي يسمح لي به الاطباء. ولذا لم اجد "لذة" خاصة في خربشة هذه الكمية البالغة من الورق. ولكن هذا كان ضرورياً لكي لا يستطيع الاصدقاء الحزبيون الذين حررت من اجلهم هذه الملاحظات ان يفسروا فيما بعد تفسيراً خاطئاً التدابير التي سيترتب علىّ ان اتخدها من جانبي. – اقصد بذلك بياناً موجزاً سننشره انجلس ولنا بعد المؤتمر التوحيدي ونعلن فيه انه لا علاقة لنا اطلاقاً ولا صلة بهذا البرنامج المبدئي المشار اليه.

وهذا المسعى ضروري لأنه تروج في الخارج اشاعة كاذبة تماماً يغذيها اعداء الحزب بامعان وتزعم اننا نوجه من هنا، سرّاً، حركة الحزب المسمى بحزب ايزيناخ5. فان باكونين، مثلاً، قد نشر لأمد قريب كتاباً باللغة الروسيى6 جعلني فيه مسؤولاً، لا عن كل برنامج هذا الحزب وغير ذلك من وثائقه فحسب، بل ايضاً عن كل خطوة خطاها ليبكنخت منذ بداية تعاونه مع حزب الشعب7.

وما عدا ذلك، لا يسمح لي واجبي بان اعترف، وان بصمت ديبلوماسي، ببرنامج انا مقتنع بانه غير صالح اطلاقاً وبانه يهدم من معنويات الحزب.

ان كل خطوة تخطوها الحركة الفعلية لأهم من دزينة من البرامج. ولذا، اذا كان قد تبين انه من المستحيل تجاوز برنامج ايزيناخ – والظروف لم تكن تسمح بذلك – فقد كان من المترتب عقد اتفاق، على الاقل، من اجل العمل ضد العدو المشترك. ولكنهم، اذ عمدوا الى وضع برامج مبدئية (بدلا من تأجيل هذا الامر الى مرحلة يحضره فيها نشاط مشترك اطول)، يقيمون بالتالي امام العالم كله صوى يحكم الناس بالاستناد اليها على المستوى الذي بلغته حركة الحزب.

لقد جاء زعماء اللاساليين الينا بدافع الظروف. فلو قيل لهم منذ البدء بانه لن يقدم احد على اية مساومة حول المبادىء، لكان ترتب عليهم طبعاً الاكتفاء ببرنامج عمل او ببرنامج تنظيم بغية القيام بعمل مشترك. ولكن بدلا من هذا يسمحون لهم بان يأتوا مسلحين بتفويضات ويعترفون بمفعولها الالزامي، وهكذا يستسلمون ويضعون انفسهم تحت رحمة اناس هم انفسهم بحاجة الى المساعدة. وزيادة في الطين بلة، عقد هؤلاء مؤتمرهم قبل المؤتمر التوفيقي في حين عقد الحزب بالذات مؤتمره post festum*.

. ومن الجلي انه كان ثمة سعي الى درء أي انتقاد والى منع الحزب بالذات من الفكير في المسألة. ومعلوم ان واقع الاتحاد بالذات يرضي العمال، ولكنهم يخطئون اولئك الذين يعتقدون ان هذا النجاح العابر لا يكلف غالياً جداً.

وفضلا عن ذلك، فان البرنامج لا قيمة له، حتى ولو لم نأخذ بعين الاعتبار انه يضفي صفة القداسة على قوانين الايمان اللاسالية.

وفي القريب العاجل، سارسل لك الكراريس الاخيرة من الطبعة الفرنسية ل"رأس المال". وقد تأخر طبعها زمناً طويلاً بسبب من منع الحكومة الفرنسية. ان الكتاب سيكون جاهزاً في هذا الاسبوع او في مطلع الاسبوع القادم. فهل تلقيت الكراريس الستة الاولى ؟ ارجوك ايضاً ان ترسل لي عنوان برهارد بيكر الذي يتعين عليّ ان ارسل له ايضاً هذه الكراريس الاخيرة.

ان لدار الطبع"Volksstaat" عاداتها الخاصة. فاني لم استلم مثلا حتى الآن اية نسخة من الطبعة الجديدة لكتاب "محاكمة الشيوعيين في كولونيا"**.

مع اطيب تمنياتي
 

المخلص كارل ماركس


ملاحظات على برنامج
حزب العمال الالماني


1- "العمل مصدر كل ثروة وكل ثقافة، ولما كان العمل المفيد غير ممكن الا في المجتمع وبواسطة المجتمع، فان دخل العمل يخص بشكله غير المنقوص، وبالحق المتساوي، جميع اعضاء المجتمع".

القسم اول من هذه الفقرة : "العمل مصدر كل ثروة وكل ثقافة".

ان العمل ليس مصدر كل ثروة. فالطبيعة هي مصدر القيم الاستعمالية (التي هي بالضبط تؤلف الثروة المادية !) بقدر ما هو عليه العمل الذي ليس هو نفسه سوى ظاهرة لقوة من قوى الطبيعة أي لقوة عمل الانسان. وهذه الجملة الواردة اعلاه تعثرون عليها في جميع كتب الالفباء، ولا تصح الا بقدر ما تعني ان العمل يجري عند توافر الاشياء والادوات المناسبة. ولكنه لا يجوز لبرنامج اشتراكي ان يحتوي مثل هذه التعابير والجمل البرجوازية التي تلزم الصمت حول الشروط التي وحدها تستطيع ان تعطيها معنى. فان عمل الانسان لن يصبح مصدر القيم الاستعمالية، وبالتالي مصدر الثروة، الا شرط ان يسلك، منذ البدء، سلوط المالك ازاء الطبيعة، ازاء هذا المصدر الاول لجميع وسائل العمل ومواد العمل، شرط ان يعاملها كأنها شيء يخصه. ان للبرجوازيين اسبابا وجيهة جدا لكي ينسبوا الى العمل هذه القوة الخلاقة الفائقة الطبيعة ؛ اذ ينجم من كون العمل مشروطا بالطبيعة، ان الانسان الذي لا يملك غير قوة عمله، يصبح بالضرورة، مهما كانت احواله الاجتماعية والثقافية، عبد الذين وضعوا ايديهم على شروط العمل المادية. فلا يستطيع ان يعمل، وبالتالي ان يعيش، الا باذن هؤلاء.

ولكن لندع الآن هذه الجملة كما وردت ومهما كانت عيوبها. فاي استنتاج يمكن ان نتوقعه ؟ طبعاً، الاستنتاج التالي :

لما كان العمل مصدر كل ثروة، فما من انسان في المجتمع يستطيع ان يستاتر بالثروة بدون الاستئثار بنتاج العمل. فاذا كان هذا الانسان لا يشتغل بنفسه، فانه يعيش على حساب عمل الآخرين، بل انه يكسب ثقافته ايضاً على حساب عمل الآخرين".

وبدلا من هذا الاستنتاج، يضيفون الى الجملة الاولى جملة ثانية بواسطة التعبير "ولما"، لكي يستخلصوا من الثانية، لا من الاولى، استنتاجاً.

القسم الثاني من الفقرة : "العمل المفيد غير ممكن الا في تامجتمع وبواسطة المجتمع".

وفقاً للموضوعة الاولى، كان العمل مصدر كل ثروة وكل ثقافة، وبالتالي لا يمكن ان يكون ثمة مجتمع دون عمل. ولكن، ها نحن نعتم بالعكس ان العمل "المفيد" غير ممكن بدون المجتمع.

وعلى هذا المنوال، يمكن القول ايضاً ان في المجتمع فقط يمكن للعمل غير المفيد، وحتى الضار اجتماعياً، ان يصبح فرعا من فروع الصناعة، وان في المجتمع فقط للمرء ان يعيش بدون عمل، الخ.، الخ.. – أي انه، بكلمة موجزة، يمكن استنساخ كل روسو.

وما هو العمل "المفيد" ؟ انه ليس العمل الذي يعطي النتيجة المفيدة المرغوب فيها. فالانسان المتوحش – وقد كان الانسان متوحشاً بعد ان كف عن يكون قرداً – الذي يقتل حيواناً بضربة حجر، او يقطف الثمر، الخ.، انما يقوم بعمل "مفيد".

ثالثا. الاستنتاج : "ولما كان العمل المفيد غير ممكن الا في المجتمع وبواسطة المجتمع، فان دخل العمل يخص بشكله غير المنقوص، وبالحق المتساوي، جميع اعضاء المجتمع".

فيا له من استنتاج ظريف ! فاذا كان العمل المفيد غير ممكن الا في المجتمع وبواسطة المجتمع، فان دخل العمل يخص المجتمع، ولا يعود الى الشغيل بمفرده من هذا الدخل الا شيء يزيد عما لا غنى عنه لبقاء المجتمع بوصفه "شرط" العمل.

وبالفعل، كان المدافعون عن كل نظام اجتماعي قائم يتقدمون في جميع الازمان بهذه الموضوعة. اولا، ترد ادعاءات الحكومة، مع كل ما ياتصق بها، لأن الحكومة، كما يقال، هي جهاز المجتمع للمحافظة على النظام الاجتماعي ؛ ثم ترد ادعاءات شتى انواع الملكية الخاصة، لأن شتى انواع الملكية الخاصة هي كلها، كما يقال، اساس المجتمع، الخ.. وهكذا نرى ان جميع هذه الجمل الفارغة يمكن قلبها وتفسيرها حسب الرغبة.

ولن يكون ثمة أي ترابط منطقي بين القسم الاول والقسم الثاني من هذه الفقرة الا اذا وضعناها كما يلي :

"ان العمل لا يكون مصدراً للثروة والثقافة الا اذا كان عملا اجتماعياً"، او، بتعبير آخر يؤدي المعنى نفسه، "في المجتمع وبواسطة المجتمع".

ان هذه الموضوعة صحيحة لا جدال فيها لأن العمل المنفرد (هذا اذا افترضنا وجود شروطه المادية)، اذا كان يستطيع ان يخلق قيماً استعمالية، انما لا يستطيع ان يخلق لا الثروة ولا الثقافة.

ولكن الموضوعة الاخرى صحيحة ايضاً ولا جدال فيها :

"وبقدر ما يتطور العمل تطوراً اجتماعياً ويغدو بالتالي مصدراً للثروة والثقافة، بقدر ما يشتد الفقر والاملاق عند العامل، وتتعاظم الثروة والثقافة عند غير العامل".

ذلك هو قانون التاريع برمته حتى الآن. فبدلا من الجمل والتعابير العامة حول "العمل" و"المجتمع"، كان ينبغي اذن ان يوضع هنا بدقة كيف تكوّنت في نهاية الامر، في ظل المجتمع الرأسمالي الحالي، الشروط المادية وغيرها من الشروط التي تجعل العمال قادين على دك هذه اللعنة الاجتماعية وتدفغهم الى تحطيمها.

ولكن كل هذه الفقرة، غير الموفقة شكلا والخاطئة اساساً، لم ترد هنا الا لكي يستطاع كتابة الصيغة اللاسالية "دخل العمل غير المنقوص"، كاول شعار على راية الحزب. وسأعود فيما بعد الى "دخل العمل" و"الحق المتساوي"، الخ..، لأن الشيء نفسه يتكرر فيما بعد على نحو مختلف نوعاً.

2- "ان وسائل العمل في المجتمع الحالي هي احتكار الطبقة الرأسمالية. وتبعية الطبقة العاملة، الناجمة عن هذا الوضع، هي سبب البؤس والاستبداد بكل اشكالهما".

ان هذه الفقرة، المقتبسة من نظام الاممية الداخلي، خاطئة بهذه الصيغة "المحسنة".

فان وسائل العمل في المجتمع الحالي هي احتكار الملاكين العقاريين (بل ان احتكار الملكية العقارية هو ساس الاحتكار الراسمالي) والرأسماليين. الا ان نظام الاممية الداخلي ى يذكر في المقطع المعني، لا الطبقة الاحتكارية الاولى ولا الثانية. انما يشير الى "احتكار وسائل العمل أي مصادر الحياة". ان اضافة كلمتي "مصادر الحياة" تبين كفاية ان الارض هي فب عداد وسائل العمل.

وقد اجري هذا التحسين لأن لاسال، لاسباب غدت معروفة اليوم لدى الجميع، كان يهاجم الطبقة الراسمالية وحدها، دون الملاكين العقاريين. ففي انجلترا، لايكون الرأسمالي، عادة، مالكا حتى للارض التي يقوم عليها مصنعه.

3- "ان تحرير العمل يتطلب رفع وسائل العمل الى مستوى ملكية المجتمع باسره، وضبط العمل الاجمالي بصورة جماعية مع توزيع دخل العمل توزيعا عادلاً".

"ان رفع وسائل العمل الى مستوى ملكية المجتمع باسره" (!) يعني على ما يبدو "تحويلها الى ملكية للمجتمع باسره"، ونقول هذا عرضاً.

ما المقصود ب"دخل العمل ؟" أهو نتاج العمل ام قيمته ؟ فاذا عنيت قيمته، فهل قيمة النتاج الاجمالية او فقط القسم من البقية الذي اضافه العمل الى قيمة وسائل الانتاج المستهلكة ؟

ان "دخل العمل" عبارة عن فكرة غامضة كان لاسال يتخدها بدلا من مفاهيم اقتصادية واضحة.

وما هو "التوزيع العادل" ؟

الا يدّعي البرجوازيون ان التوزيع الحالي "عادل" ؟ وبالفغل، اليس التوزيع الحالي التوزيع "العادل" الوحيد على اساس اسلوب الانتاج الحالي ؟ وهل العلاقات الاقتصادية تنظمها المفاهيم الحقوقية ام الامر على العكس، أي ان العلاقات الحقوقية هي التي تنبثق من العلاقات الاقصادية ؟ ثم، ألا يتبنى اصحاب الشيع الاشتراكية المختلفة، اكثر الآراء تبايناً حول هذا التوزيع "العادل" ؟

فلكي ندرك ما هو المقصود هنا بهاتين الكلمتين : التوزيع "العادل"، ينبغي لنا ان نقارن الفقرة الاولى بالفقرة الثالثة. فالفقرة الثالثة تفترض مجتمعاً "تكون قيه وساءل العمل ملكية المجتمع بأسره، ويضبط فيه العمل الاجمالي بصورة جماعية"، بينما تقول لنا الفقرة الاولى "ان دخل العمل بخص بكليته وبالحق المتساوي، جنيع اعضاء المجتمع".

"جميع اعضاء المجتمع" ؟ حتى اولئك الذين لا يشتغلون ؟ واذ ذاك، اين هو "دخل العمل غير المنقوص" ؟ مجرد اعضاء المجتمع الذين يشتغلون ؟ فاين هو اذن "الحق المتساوي" بين جميع اعضاء المجتمع ؟

ولكن "جميع اعضاء المجتمع" و"الحق المتساوي" ليسا سوى مجرد جملتين. اما الجوهر، فقوامه انه ينبغي في هذا المجتمع الشيوعي ان ينال كل شغيل، كما يقول لاسال، "دخل العمل غير المنقوص".

فاذا اخدنا اولا كلمتي "دخل العمل" بمعنى نتاج العمل، فان دخل العمل الجماعي يعني حينذاك النتاج الاجتماعي الاجمالي.

والآن، ينبغي ان نقتطع منه :
اولاً، ما نستعيض به عن وسائل الانتاج المستهلكة ؛
ثانياً، قسماً اضافياً لتوسيع الانتاج ؛
ثالتاً، اموالا للاحتياط او للتأمين ضد الطوارىء، والكوارث الطبيعية، الخ..

ان هذه الاقتطاعات من "دخل العمل غير المنقوص" تحتمها الضرورة الاقتصادية، وتتحدد مقاديرها وفقاً للوسائل والقوى المتوافرة، وجزئياً بموجب حساب الاتفاق ؛ ولكنها في مطلق الاحوال لا يمكن تحديدها على اساس العدالة.

يبقى القسم الآخر من النتاج الاجمالي، وهو القسم المعد للاستهلاك.

ولكن قبل الشروع بتوزيعه على الافراد منه ايضاً :

اولا، النفقات الادراية العامة، التي لا علاقة مباشرة لها بالانتاج.
ان هذا الجزء سيهبط فوراً هبوطاً ملحوظاً بالقياس الى قدره في المجتمع الحالي، وسيقل بقدر ما يتطور المجتمع الجديد.

ثانياً، ما هو معذّ لتلبية حاجيات المجتمع المشتركة، من مدارس، ومؤسسات صحية، الخ..
ان هذا الجزء سيزداد فوراً زيادة كبيرة بالقياس الى قدره في المجتمع الحالي، وسينمو بقدر ما يتطور المجتمع الجديد.

ثالثاً، الاموال الضرورية لإغاثة العاجزين عن العمل، الخ.، أي، بكلمة موجزة، ما يعود الى ما يسمى اليوم باغاثة الفقراء الرسمية.

وبعد ذلك فقط، نصل الى ذلك "التوزيع" الذي لا يعني البرنامج الا اياه، تحت تأثير لاسال، وبصورة ضيقة، محدودة، أي الى هذا القسم من اشياء الاستهلاك الذي يوزع بصورة افرادية بين منتجي المجتمع

وهكذا تحوّل "دخل العمل غير المنقوص" بصورة غير محسوسة الى "دخل منقوص"، رغم ان ما يؤخذ من المنتج، بوصفه فرداً، انما يعود عليه بالنفع من جديد، مباشرة ام بصورة غير مباشرة، بوصفه عضواً في المجتمع.

وكما ان تعبير "دخل العمل النتقوص" قد ذاب واختفى، كذلك يذوب ويختفي تعبير "دخل العمل" بوجه عام.

في مجتمع قائم على المبادىء الجماعية، قائم على الملكية العامة لوسائل الانتاج، لا يتبادل المنتجون منتجاتهم ؛ ان العمل المبذول على المنتجات لا يظهر في هذا النظام الاجتماعي على انه قيمة هذه المنتجات، على انه صفة مادية تنطوي عليها المنتجات، اذ انه خلافاً لما يجري في المجتمع الرأسمالي، يغدو عمل الفرد بصورة مباشرة، لا بصورة غير مباشرة، جزءاً لا يتجزأ من عمل المجتمع. وهكذا، ان تعبير "دخل العمل"، الذي لا يصمد للنقد حتى في ايامنا هذه بسبب ابهامه، يفقد كل معنى.

ان ما نواجهه هنا، انما هو مجتمع شيوعي لا كما تطور على اسسه الخاصة بل بالعكس، كما يخرج لتوه من المجتمع الرأسمالي، أي مجتمع لا يزال، من جميع النواحي، الاقتصادية والاخلاقية والفكرية، يحمل سمات المجتمع القديم الذي خرج من احشائه. فالمنتج يتلقى اذن بصورة فردية –بعد جميع الاقتطاعات- ما يوازي تماماً ما قدمه للمجتمع. وما قدمه للمجتمع، انما هو نصيبه الفردي من العمل. مثلا، ان يوم العمل الاجتماعي يمثل مجمل ساعات العمل الفردية ؛ ووقت العمل الفردي الذي بذله كل منتج هو النصيب الذي قدمه من يوم العمل الاجتماعي، هو القسط الذي اسهم به في هذا العمل. وهو يتلقى من المجتمع سنداً يثبت انه قدّم قدراً معيناً من العمل (بعد اقتطاعات العمل المبذول من اجل الصناديق الاجتماعية) وبهذا السند، يأخذ من المخزون الاجتماعي كمية من اشياء الاستهلاك تناسب قدر عمله. وهطذا فان نفس النصيب من العمل الذي قدمه للمجتمع بشكل معين، انما يتلقاه من المجتمع بشكل آخر.

ومن الواضح اننا نواجه هنا نفس المبدأ الذي ينظم تبادل البضائع طالما انه تبادل قيم متساوية. ان المحتوى والشكل يتغيران لأنه، نظراً لتغير الاحوال، لا يستطيع احد ان يقدّم شيئاً غير عمله، هذا من جهة، ولأنه، من جهة اخرى، لا يمكن لغير اشياء الاستهلاك الفردي ان يدخل في ملكية الفرد. اما فيما يتعلق بتوزيع هذه الاشياء بين المنتجين بصورة فردية، فان المبدأ الموجه هو نفس المبدأ الذي يسود فيما يتعلق بتبادل البضائع المتعادلة : فان قدراً معيناً من العمل بشكل ما يبادل لقاء نفس القدر من العمل بشكل آخر.

وهكذا فان الحق المتساوي يظل هنا، من حيث المبدأ، الحق البرجوازي، رغم ان المبدأ والتطبيق العملي يكفان عن التناقض هنا، في حين ان تبادل القيم المتعادلة لا يبقى في ظل تبادل البضائع الا بصورة وسطية، لا في كل من الحالات.

ورغم هذا التقدم، يظل هذا الحق المتساوي محصوراً من ناحية واحدة ضمن حدود برجوازية. فان حق المنتج يتناسب مع العمل الذي بذله ؛ والمساواة تتجلى هنا في اتخاذ العمل وحدة مشتركة للقياس.

ولكن، رب فرد يتفوّق جسدياً او فكرياً على فرد آخر، فهو اذن يقدّم، خلال القت نفسه، قدراً اكبر من العمل او انه يستطيع ان يعمل وقتاً أطول ؛ ولكن يكون العمل مقياساً، ينبغي ان يتحدد بمدته او شدّته، والا كفّ عن ان يكون وحدة للقياس. ان هذا الحق المتساوي هو حق غير متساو لقاء عمل غير متساو ؛ فهو لا يقر باي امتياز طبقيلأن كل انسان ليس سوى شغيل كغيره ؛ ولكنه يقرّ ضمناً بعدم المساواة في الملكات الفردية، وبالثالي في الكفاءات الانتاجية بوصفها امتيازات طبيعية. فهو اذن، من حيث المحتوى، حق قائم على عدم المساواة، ككل حق. فالحق، بحكم طبيعته، لا يمكن ان يتجلى الاّ في استعمال نفس الوحدة القياسية ؛ ولكن الافراد غير المتساوين (ولن يكونوا افراداً متمايزين اذا لم يكونوا غير متساوين) لا يمكن قياسهم وفقاً لوحدة مشتركة الا بقدر ما يرى اليهم من وجهة النظر نفسها، الا بقدر ما يرى اليهم من زاوية معينة، واحدة، مثلا، في الحالة المعينة، حيث لا يرى اليهم الا بوصفهم عمالا، لا اكثر، وبصورة مستقلة عن كل الباقي. وبعد : رب عامل متزوج، والآخر عازب ؛ ورب رجل عنده من الاولاد اكثر من رجل آخر ؛ الخ.. وهكذا، لقاء العمل المتساوي، وبالتالي مع الاستفادة المتساوية من الصندوق الاجتماعي للاستهلاك، يتلقى احدهم بالفعل اكثر من الآخر، ويظهر اغنى منه، الخ.. ولإجتناب كل هذا، لا ينبغي ان يكون الحق متساوياً، بل ينبغي ان يكون غير متساو.

ولكنها تلك عيوب محتومة لا مناص منها في الطور الاول من المجتمع الشيوعي كما يخرج من المجتمع الرأسمالي بعد مخاض طويل وعسير.فالحق لا يمكن ابداً ان يكون في مستوى اعلى من النظام الاقتصادي ومن درجة التمدن الثقافي التي تناسب هذا النظام.

وفي الطور الاعلى من المجتمع الشيوعي، بعد ان يزول خضوع الافراد المذل لتقسيم العمل ويزول معه التضاد بين العمل &