marxy.com

موضوعات حول الثورة والثورة المضادة في فنزويلا
-الجزء الأول-

طباعة
ألان وودز
20 ماي 2004

  1.   تقف الثورة الفنزويلية في ملتقى الطرق. فالثورة التي هزمت الثورة المضادة خلال مناسبتين اثنتين، تواجه الآن هجوما شرسا جديدا. هذا يعني أن قوى الثورة المضادة لم يستسلموا للهزيمة. إنهم يشعرون بالحقد، وحقدهم هذا يجعلهم أكثر إصرارا وعنفا. إنهم يزاوجون في صراعهم بين استعمال الوسائل الشرعية والنصف الشرعية (من قبيل حملة "الاستفتاء") وبين التحضير للعمل المسلح. ليست الوسائل الشرعية سوى لغرض الدعاية والاستهلاك الخارجي وهي ثانوية من حيث الأهمية، بينما العمل المسلح هو ما يشكل جوهر استراتيجيتهم. وتنضاف إليه عمليات التخريب الاقتصادي وعرقلة توزيع الغذاء وسلسلة من عمليات الشغب.

  2.   إن اعتقال قوات شبه عسكرية كولومبية في فنزويلا يعطي الدليل على وجود مؤامرة محكمة التدبير هدفها إسقاط الحكومة واغتيال تشافيز. ومن تم فإن الخطر الذي يتهدد الثورة حقيقي جدا. إن الوقت قد حان إذن لكي يتم استخلاص جميع الدروس الضرورية، واتخاذ جميع الخطوات لتوجيه ضربة قاسية للثورة المضادة.

  3.   يعيش المجتمع الفنزويلي حالة استقطاب قوية بين أنصار الثورة البوليفارية وأعدائها، بين اليسار واليمين. فعلى اليسار يقف العمال الفنزويليون وصغار الفلاحين والفقراء، الذين يناضلون للدفاع عن الثورة ودفعها إلى الأمام. أما على اليمين فيقف الرجعيون الفنزويليون، بقيادة أصحاب الأبناك والملاكين العقاريين والرأسماليين، والذين نجحوا في جر جزء كبير من الطبقة الوسطى ورائهم. إن الهوة بين هذين المعسكرين المتناقضين شاسعة، لا يمكن الوصل بين طرفيها وجميع المحاولات للتوفيق غير مجدية.

  4.   تواصل الإمبريالية الأمريكية تشجيع قوى الثورة المضادة ودعمهم وتمويلهم، على أمل أن يقوموا بالمهمة القذرة نيابة عنها. لكنها توصلت، عن حق، إلى خلاصة أن المعارضة أضعف من أن تنجح في مهمتها اعتمادا على قواها الخاصة. لهذا بدأت واشنطن تجهز لحملتها الرهيبة، مستعملة قوات شبه عسكرية كولومبية، تعمل بتنسيق مع قوى الثورة المضادة الداخلية. الشيء الذي يعتبر إعلانا للحرب.

  5.   إن عاجلا أو آجلا سوف تحل القضية بانتصار حاسم يحققه هذا الطرف أو ذاك. فالثورة لم تصل بعد مرحلة اللاعودة. وجميع المكاسب التي حققتها الجماهير في ظل حكومة تشافيز يمكنها أن تتعرض للتصفية ويمكن أن يطوح بالحركة بعيدا إلى الوراء. هذا هو ما تصارع قوى الثورة المضادة لتحقيقه، بينما يصارع العمال لهزمهم. لحد الآن لم يتم حل مسألة السلطة بعد. وفي المستقبل الغير بعيد سوف يصبح من اللازم خوض المعركة الحاسمة وكسبها.

  6.   ممن تتكون قوى الثورة المضادة؟ إنها تتكون من نفس البرجوازيين الذين حكموا فنزويلا لعقود من الزمان، نفس الذين نهبوا البلد وخربوه، بينما يملؤون جيوبهم وأرصدتهم بالثروة التي يخلقها الشعب العامل. إنهم العملاء المحليون للإمبريالية الأمريكية. إنهم نفس هؤلاء السياسيين والبيروقراطيين المتعفنين المرتشين الذين انتفض ضدهم هوغو تشافيز معبرا عن رغبة الشعب الفنزويلي.

  7.   إن برنامج الثورة المضادة هو خليط من الكذب والتدليس والنفاق، إنهم يدّعون الدفاع عن "الديموقراطية"، لكنهم يتغاضون عن حقيقة انتصار تشافيز بأغلبية ساحقة في جميع الانتخابات. إنهم يدّعون الدفاع عن سيادة القانون، لكنهم يعملون بشكل دائم على خرق القانون – إلى درجة تنظيم انقلاب لإسقاط الحكومة المنتخبة ديموقراطيا. إنهم يدعون الدفاع عن النظام، لكنهم يعملون بشكل دائم على خلق الاضطرابات والفوضى، كغطاء لمؤامراتهم المعادية للثورة. إنهم يدعون كونهم وطنيين، لكنهم باعوا وطنهم للإمبريالية الأمريكية وأودعوا ثرواتهم في حسابات بنكية في فلوريدا. وهاهم الآن يدعمون، بشكل نشيط، اجتياح فنزويلا من طرف القوى الأجنبية المعادية لثورة.

  8.   للثورة المضادة في صراعها ضد الثورة امتياز كبير: إنه سيطرتها على مفاتيح الاقتصاد الرئيسية. لقد تمكنت قوى الثورة المضادة، طيلة ما أسمي آنذاك بالإضراب (الذي لم يكن في الحقيقة سوى عمليات إغلاق للمعامل قام بها أرباب العمل)، من إلحاق ضرر عظيم بالاقتصاد. وتقدر مجمل الخسائر بأكثر من سبعة ملايير دولار. إضافة إلى هذا، عمل هؤلاء " الوطنيون") كما يسمون أنفسهم(بتهريب ملايير الدولارات نحو مصارف فلوريدا، لضرب اقتصاد فنزويلا المحتاج إلى استثمارات. كما أنهم يعملون- إلى جانب تخريب الاقتصاد على هذا الشكل- بعرقلة عملية توزيع الغداء، (التي يحتكرها ثلاثة أو أربعة من الشركات الاحتكارية الكبرى) بهدف خلق ارتفاع مصطنع للأسعار والتسبب في نقص المواد الغذائية الرئيسية. إنهم يخلقون نزيفا للثروات لكي يسببوا اكبر قدر من التفكك والبطالة والألم. إنهم يفترضون أنهم بهذا سوف يدفعون الجماهير إلى التخلي عن دعمها للثورة. إنهم يرغبون أيضا في خلق الفوضى والاضطرابات، لتهيئة الشروط لانقلاب تقوم به قمة الجيش "لإعادة الاستقرار".

  9.   إن العامل المحدد في المعادلة هو الطبقة العاملة. وعمال فنزويلا قد بدؤوا يخوضون النضال ضد هجوم أرباب العمل. لقد أخذوا المبادرة، وفي بعض الحالات عملوا على احتلال المعامل المتخلى عنها من طرف أرباب العمل وبدؤوا يطبقون أشكالا من الرقابة العمالية على بعض الشركات، ويؤسسون اتحادات نقابية ديموقراطية، ويجبرون أرباب العمل على دفع الأجور المستحقة والفوائد. يجب أن يتم تشجيع هذه المبادرات وتعميمها. إنها ترينا الطريق الذي يجب إتباعه.

  10.   هناك دور مشئوم، بوجه خاص، يلعبه من يسمون أنفسهم "القادة النقابيين" لكونفدرالية العمال الفنزويليين ("ك.ع.ف." "C.T.V"). إن هؤلاء العملاء المرتشين والمنحطين، الذين يلعبون دور خدم الرأسمال، قد باعوا أنفسهم، منذ وقت طويل، لأرباب العمل والمخابرات المركزية الأمريكية. لقد تخلوا عن كل حق في اعتبارهم مكونا شرعيا للحركة العمالية، لهذا يجب طردهم خارجها.

  11.   إن بناء الاتحاد الوطني للعمال ("إ.و.ع" "U.N.T") صارت مهمة عاجلة. ينبغي علينا بناء وتقوية اتحادات نقابية ديموقراطية، وتمكينها من برنامج كفاحي. فلتبنى فدرالية نقابية جماهيرية! ينبغي طرح ملف مطلبي مبني على أساس المطالب الملحة للعمال: النضال ضد إغلاقات المعامل وضد البطالة، الرفع من مستوى المعيشة، الخ.

  12.   لقد أعلن(إ.و.ع.) مؤخرا حملة لتنظيم 80% من العمال في النقابات (وهو الشيء الذي أيده الرئيس تشافيز علنا). إن هذه خطوة في الاتجاه الصحيح. إذ بتنظيمنا للفئات الغير منظمة، سوف تتمكن الثورة من سحب البساط من تحت أرجل البيروقراطية النقابية اليمينية المتعفنة. يتوجب حمل هذه المهمة بحيوية على جميع الأصعدة. وفي نفس الوقت، يجب توجيه دعوة إلى جميع العمال الذين لا يزالون في نقابات منضوية تحت (ك.ع.ف.) أن يناضلوا من اجل دمقرطتها والالتحاق بـ (إ.و.ع.). وفي حالة ما إذا كان هذا مستحيلا، يتوجب بناء اتحادات نقابية ديموقراطية جديدة، لكن دائما بهدف تنظيم جماهير العمال وليس فقط الفئات الطليعية منهم.

  13.   للحيلولة دون وقوع عمليات التخريب وضياع الثروات والفساد، يجب على العمال في القطاع الصناعي، أن يبدؤوا في ممارسة الرقابة على الإنتاج. الموظفون الفاسدون يجب طردهم. يجب إعطاء خيار وحيد للمدراء الذين يقفون إلى جانب قوى الثورة المضادة ويخربون الإنتاج هو: إما التوقف عن مثل هذه النشاطات والعمل في خدمة الشعب، وإما الطرد مع الحرمان من المعاش وجميع الحقوق الأخرى. أما حالات التخريب الخطيرة، فيتوجب أن يعتقل القائمون بها ويرمون في السجن. كما يتوجب تعويض المدراء المرتشين والرجعيين بعناصر من الشعب شريفة ومخلصة لقضية الثورة. إن هذا ممكن فقط إذا ما تم تطبيق الرقابة والتسيير العمالي الديموقراطي بشكل فعلي.

  14.   هل باستطاعة العمال تسيير الصناعة؟ إن هؤلاء المتشائمين الذين كانوا يطرحون هذا السؤال قد أعطيت لهم الإجابة. فقد كان العمال هم من هزم محاولات أرباب العمل لتخريب الاقتصاد، خلال حملة الاغلاقات التي قاموا بها قبل عشرين شهرا. وقد أظهر عمال مصفاة النفط (P.D.V.S.A.) عن قدرتهم على تسيير حتى أكبر الصناعات وأكثرها تعقيدا. وقد قاموا بذلك بقدر كبير من المهارة والكفاءة.

  15.   على كل حال، سوف لن يكون العمال وحدهم. إذ أنهم سوف يعتمدون على مساعدة أغلبية المهندسين الشرفاء والعلماء والتقنيين والمدراء الذين ليسوا مخربين ولا رجعيين، والذين يرغبون بصدق في رؤية بلدهم متطورا ومزدهرا. إن للشعب الفنزويلي احتياطي عظيم من المواهب والطاقات الخلاقة. وسوف يستقطب إلى جانبه أفضل مكونات المجتمع الفنزويلي، بما فيها خلاصة المثقفين. إن طاقات الشعب الخلاقة يتم وئدها في ظل الرأسمالية، ذلك النظام الذي يضع مصالح الأقلية فوق مصالح الأغلبية. نفس الشيء يمكن قوله عن هؤلاء الذين يشغلون مناصب إدارية من مستوى أدنى، الذين لا يمكن لمواهبهم أن توظف بشكل جيد ويتمكنوا من استخدام أحدث التقنيات والطرق للرفع من الإنتاجية في خدمة مصالح الجميع، إلا في ظل اقتصاد اشتراكي مخطط.

  16.   بتطبيق الرقابة العمالية، سوف يصبح من الممكن فضح جميع أشكال الفساد والتبذير والمحسوبية، والأرباح والعلاوات الهائلة التي يحصل عليها أرباب العمل. افتحوا السجلات! افرضوا على جميع الشركات أن تصرح بأرباحها الحقيقية. مكنوا العمال من الحصول على جميع المعلومات حول الأرباح الهائلة والعلاوات وعمليات الخداع والسرقة. إن هذا سوف يمكن من الحد من التبذير إلى درجة كبيرة، وسيوجه تلك الثروات للإنتاج لصالح التطور في فنزويلا. لكن بالرغم من ذلك لا يمكن للرقابة العمالية، في حد ذاتها، أن تحل المشاكل الجوهرية للمجتمع. إنها ليست سوى خطوة انتقالية في اتجاه تأميم وسائل الإنتاج والاقتصاد المخطط.

  17.   إن عناصر الرقابة العمالية موجودة منذ الآن. إذ أن بعض المعامل، التي أغلقها أصحابها، قد تم احتلالها من طرف العمال. وخلال حملة تخريب الصناعة النفطية، التي قام بها الرأسماليون، عمل هوغو تشافيز نفسه على مساندة شعار: "كل مصنع يتم إغلاقه، هو مصنع في ملكية العمال". إلا أن الحكومة لم تقم باتخاذ إجراءات جدية لحل مشاكل العمال الذين احتلوا المصانع. إن بعض الأمثلة المعزولة لرقابة العمال لا يمكنها أن تنجح إلا بشكل جزئي ومؤقت. إن المطلوب هو مخطط شمولي للإنتاج يعمل على إدماج مختلف قطاعات الاقتصاد وفروع الإنتاج. لكن هذا التخطيط الشمولي وهذا الدمج، يصطدم مباشرة بحدود النظام الرأسمالي الفوضوي ("السوق"). لا يمكن تحقيق أي تطور حقيقي ما لم يتم القضاء على تلك الحدود.

  18.   تتمثل القوة الرئيسية التي تمتلكها الثورة المضادة في ملكيتها لوسائل الإنتاج الرئيسية. وهي تواصل سيطرتها على مفاتيح الاقتصاد التي تستعملها لوضع الحبل حول عنق الشعب الفنزويلي. إن الطريق الوحيد لمنع عمليات تخريب الاقتصاد والحد من التبذير والفساد - التي هي نتائج حتمية للرأسمالية- هي القضاء على السيطرة البرجوازية على الاقتصاد. وما دامت الثورة المضادة مسيطرة على الاقتصاد، ما دامت الثورة تصارع بيد مغلولة وراء ظهرها.

  19.   إن الأرض والأبناك وشركات التامين والصناعات الكبرى، كلها يجب أن تؤمم. يمكن تطبيق هذا عبر قرارات مستعجلة يصدرها البرلمان ويتم دعمها بدعوة، موجهة إلى العمال، لأخذ المبادرة من الأسفل لفرض الرقابة العمالية، للحيلولة دون قيام أرباب العمل بتخريب الاقتصاد وضمان انتقال سلمي وهادئ نحو الاقتصاد المخطط. يمكن لرئيس الجمهورية أن يشرح هذه الخطوة للشعب عبر استخدام القناة التلفزية ليفضح الأرباح الفاحشة التي يحصل عليها أرباب العمل والتبذير والفساد والمحسوبية ويفضح كذلك التخريب الممنهج الذين يقومون به للاقتصاد.

  20.   إنه وعبر تأميم القطاعات الرئيسية للاقتصاد ووضعها تحت الرقابة والإدارة العمالية، سوف يصير من الممكن تطبيق مخطط حقيقي للإنتاج يوجه جميع ثروات فنزويلا لتلبية حاجيات الشعب: يمكن البدء في برنامج لبناء دور السكن والمدارس والمستشفيات، باستخدام مداخيل النفط العالية لتمويل مخطط استثماري طموح. البطالة سوف يتم الحد منها، وسوف يصبح من حق كل مواطن ومن الواجب عليه أن يشتغل. إن مخططا كهذا يمكنه أن يضمن الرفع الفوري لمستوى عيش الأغلبية الساحقة، إلا أنه غير ممكن إلا على قاعدة اقتصاد مؤمم. لا يمكنك أن تخطط اقتصاد لا تتحكم فيه ولا يمكنك التحكم في اقتصاد لا تملكه.

  21.   إذا لم يتم اتخاذ خطوات حاسمة للتحكم في الاقتصاد، سوف يواجه الشعب الفنزويلي في المستقبل فوضى اقتصادية متزايدة، كما سيواجه البطالة والفقر. ولن تكون ثروة فنزويلا الهائلة من النفط كافية لتلافي هذا الوضع. إن أرباب العمل سيستعملون قوتهم الاقتصادية لتخريب وعرقلة تطور البلد. لكن وحتى إذا لم يحدث هذا، فإن محاولة الجمع بين سياسة التأميم وبين اقتصاد السوق، سوف تؤدي إلى حدوث تشوهات وستؤدي، خصوصا، إلى حدوث التضخم الذي سيبتلع كل ما تم تحقيقه وسيؤدي إلى تفكك الاقتصاد. ومن تم، فإن تأميم القطاعات الاقتصادية الرئيسية، يشكل ضرورة مطلقة وإجراءا عاجلا من إجراءات الدفاع الذاتي التي تتخذها الأغلبية لحماية مصالحها الأشد إلحاحا وحقها الأكثر حيوية: الحق في الحياة.

  22.   يجب أن تكون الخطوة الأولى هي تأميم الأبناك. إن قطاعا هاما من النظام البنكي في فنزويلا يوجد تحت سيطرة مجموعتين بنكيتين إسبانيتين. إضافة إلى هذا فإن قسما كبيرا من جميع الأموال التي تدور في السوق المالية طيلة عام، هو في الواقع ملك للدولة بشكل مباشر، أو ملك لشركات في ملكية الدولة، خاصة شركة (P.D.V.S.A.). إلا أنه وبالرغم من ذلك، تظل السيطرة على هذه الثروات المالية في أيدي الخواص وتستعمل لتمويل الثورة المضادة وعمليات تخريب الاقتصاد. سوف يكون من المستحيل التخطيط للاقتصاد دون تأميم الأبناك. إن السيطرة على نظام القروض يشكل واحدا من الدعامات الأساسية للاقتصاد الحديث، بدونها لن يمكن تحقيق أي شيء. يجب على الدولة أن تعرف كم يوجد هناك من الأموال، ومن أين تأتي وإلى أين ستذهب. إن إجراء حساب دقيق على المستوى الوطني هو الشرط الأولي للاقتصاد المخطط.

  23.   إن تأميم الأبناك سوف يمكن الدولة من ممارسة رقابة حقيقية وليس وهمية على الاقتصاد، كما سيمكنها من ممارسة الرقابة على تدفق الرساميل والاستثمارات في تلك القطاعات التي تخدم مصالح الأغلبية ومعرفة المتطلبات الموضوعية للاقتصاد. إن موظفي الابناك أنفسهم يمكنهم أن يلعبوا دورا محوريا في عملية تأميمها. فهم يعرفون كل شيء عن عمليات الغش والمضاربات. يعرفون كيف توظف قوى الثورة المضادة مبالغ هائلة من الأموال في عمليات تخريب الاقتصاد والمؤامرات. يجب توجيه الدعوة إلى موظفي الأبناك لفرض الرقابة على حركة الرساميل، وضمان تحقيق سيطرة سلسة على الأبناك ومنع حدوث عمليات تخريب.

  24.   إن مكاسب الثورة حقيقية وملموسة. إذ تم اتخاذ إجراءات هامة في خدمة مصالح العمال وصغار الفلاحين والفقراء، ونذكر بالخصوص الإصلاح الزراعي والصحة والتعليم، التي استفادت منها الملايين. لكن جميع هذه المكاسب مهددة. حيث يمكن أن يُقضى عليها، وسوف يُقضى عليها حتما، إذا ما استعادت قوى الثورة المضادة السيطرة. ومن ثم، فلكي يتم ضمان مكاسب الثورة، يجب أن تصبح غير قابلة للتصفية. وهذا يعني ضرورة إجراء تغيير جذري للمجتمع. وهو ما يطرح مسألة السلطة.

  25.   لقد انتهت جميع الثورات في التاريخ إلى الإجابة عن سؤال: من يمتلك السلطة؟ من هو سيد البيت؟ وما دام لم يتم الإجابة عن هذا السؤال، فإن الثورة تكون غير منتهية بعد. وفي فنزويلا عملت الثورة البوليفارية وهوغو تشافيز، منذ البداية، على تحدي الأوليغارشية القديمة، لكن لم يتم إسقاط سلطتها كليا. وقد بدأ نضال ضار لم يتم التقرير، بعد، من الرابح فيه. وعلى نتائج هذا الصراع يتوقف كل شيء.

  26.   في النهاية، يمكن تلخيص مسألة السلطة في شيء واحد: من يتحكم في سلطة الدولة؟ إن هذا السؤال جوهري. إن الدولة تتشكل - في آخر المطاف- من رجال مسلحين (الجيش، البوليس،..الخ) وفي النظام الرأسمالي تتحكم البرجوازية في الدولة وتستعملها لقمع أغلبية المجتمع وضمان سيطرتها وامتيازاتها. إنها لا تسيطر فقط على الجيش والبوليس، بل كذلك على القضاء والبيروقراطية وجميع الفروع الأخرى للسلطة التنفيذية.

  27.   إلا أنه مع ذلك، توجد فترات استثنائية في التاريخ، حيث يصل الصراع الطبقي إلى مأزق تكون الأشياء فيه غير محسومة بشكل واضح. وفنزويلا تمر اليوم من مثل هذا الوضع المعقد. هل الدولة الفنزويلية دولة برجوازية؟ طالما بقيت البرجوازية هي الطبقة السائدة، وطالما بقيت تتحكم في القطاعات الاقتصادية الرئيسية، وطالما لم يقضى بعد على سيطرتها الاقتصادية، ستبقى فنزويلا بلدا رأسماليا ومن تم ستبقى دولتها دولة برجوازية. إن هذا يعني أن الثورة لم يتم إنجازها حتى النهاية، إنها توقفت في منتصف الطريق ومن تم لا زال من الممكن العودة إلى الوراء.

  28.   لا تزال الدولة في فنزويلا دولة برجوازية، لكنها دولة برجوازية بمميزات خاصة. وأخص هذه المميزات هو كون البرجوازية قد فقدت (مؤقتا على الأقل) السيطرة على أجزاء هامة في دولتها. يبدو هذا وكأنه تناقض، لكنه تعبير عن تناقض حقيقي موجود داخل المجتمع. إن فنزويلا منقسمة على نفسها إلى قسمين. والتقاطب الطبقي الحاد يخترق كل شيء - بما في ذلك الدولة- التي هي بدورها انقسمت، حيث انضم قسم من الجيش إلى جانب الثورة البوليفارية. ويضم هذا القسم الأغلبية الساحقة من الجنود العاديين والضباط ذوي الرتب الدنيا، لكن كذلك عددا من الضباط الكبار من أمثال تشافيز نفسه. إن هذا الواقع يخلق مصاعب كبيرة للبرجوازية الفنزويلية، التي لا تتمتع بنفس السيطرة، على الجيش وفئة الضباط، التي تتمتع بها نظيرتها في بريطانيا أو الولايات المتحدة.

  29.   هناك العديد من الضباط الذين يدعمون الثورة بصدق. ومن المفترض أن يكون قد تم تطهير قيادة الجيش من العناصر المعادية بعد فشل انقلاب أبريل 2002. إن الجو السائد في صفوف الجيش هو عموما معاد للثورة المضادة. وسوف يؤدي التهديد الخارجي، الذي تمثله الإمبريالية الأمريكية وكولومبيا، إلى إذكاء الحمية الوطنية لدى الجيش وسيلفهم حول شخص الرئيس. إن قوى الثورة المضادة تجد نفسها - على الأقل حاليا- في وضع صعب. لكن من الصعب تحديد موازين القوى السائدة داخل الجيش بالنسبة للمتتبع من الخارج. فقط الأحداث هي من ستوضح ذلك.

  30.   إن موازين القوى داخل الجيش تتحدد - في آخر المطاف- بموازين القوى بين الطبقات في المجتمع. فكلما تقدمت الثورة ووجهت ضربات حاسمة ضد أعدائها، الداخليين والخارجيين على السواء، وكلما انتفضت الجماهير وبقيت نشيطة، كلما بقي الجناح الثوري داخل الجيش جريئا وقويا. لكن التذبذبات والتراجعات سوف تؤدي إلى إحباط الجناح الثوري وتشجع الرجعيين.

  31.   يستند تشافيز وأنصاره على دعم الجماهير لتوجيه الضربات إلى الأوليغارشية والإمبرياليين. إنهم لم يكونوا، في البداية، يمتلكون منظورا اشتراكيا، بل فقط رغبة في تطوير فنزويلا وتطهيرها من الفساد. لقد كانوا يطمحون إلى بناء مجتمع أكثر عدلا ومساواة، إلا أنهم كانوا يعتقدون أنه بامكانهم تحقيق ذلك دون القضاء على الرأسمالية. لكن مشروعهم جعلهم يدخلون رأسا في مواجهة مع البرجوازية والإمبريالية. فخرجت الجماهير إلى الشوارع وأعطت دينامية مختلفة لتلك السيرورة. لقد شكلت حركة الجماهير حافزا لتشافيز، الذي عمل بدوره على تشجيعها على السير في اتجاه ثوري.

  32.   عندما أسس تشافيز الحركة البوليفارية، إنما كان يطمح إلى تنظيف إسطبلات أوغياس التي كانت عليها الحياة السياسية في فنزويلا. لقد كان هذا هدفا محدودا وجد متواضع، لكنه اصطدم بالمقاومة الشرسة التي أبانت عنها الأوليغارشية الحاكمة وخدامها. مما جعله ينال الحقد الأعمى من جهة الأثرياء والأقوياء، والحب من جهة الجماهير. إن تشافيز أعطى للفقراء والمضطهدين، للمرة الأولى، صوتا وبعض الأمل. وهذا هو السر وراء الإخلاص والولاء الرائعين اللذين أولوهما إياه. لقد أخذ هو بأيديهم وبدؤوا هم يرون فيه أنفسهم.

  33.   وهذا يفسر أيضا الحقد الكبير الذي تظهره الطبقة السائدة نحوه. إنه حقد الأغنياء على الفقراء، حقد المستغِل على المستغل. ووراء هذا الحقد يكمن الخوف، الخوف من فقدان ثرواتهم وسلطتهم وامتيازاتهم. توجد هنا هوة لا يمكن ردمها بالكلمات. إنها الانقسام الطبقي الرئيسي في المجتمع.

  34.   إن الثورة تناضل من أجل الديموقراطية. لكن النضال الحازم من أجل الديموقراطية، سوف يُدخِل الثورة حتما في صراع مع الرساميل المستثمرة من طرف الملاكين العقاريين وأصحاب الأبناك والرأسماليين والإمبرياليين. هذا يعني أنه إذا ما أرادت الديموقراطية الثورية أن تحقق أهدافها، فإنه سوف يكون عليها أن تجهز نفسها للسير أبعد من حدود النظام الرأسمالي. يجب عليها أن تتخذ إجراءات للقضاء على سيطرة الأوليغارشية على الاقتصاد. إن فشل الثورة في القيام بهذا، سوف يعني الهزيمة حتما، سوف يعني انتصار الثورة المضادة والقضاء الكلي على الديموقراطية في فنزويلا.

  35.   بالرغم من كونهم يقسمون بالديموقراطية في كل كلمة يقولونها، فإن الأوليغارشية الفنزويلية والإمبريالية، هم ألذ أعداء الديموقراطية. إنهم يريدون "ديموقراطية" يكون فيها الحق مضمونا للجميع في قول ما يشاء ما دامت الأقلية المالكة هي من يقرر ما يحدث. إن الطبقة الوحيدة المخلصة حقا للديموقراطية هي الطبقة العاملة وحلفاؤها الطبيعيون- أي الفلاحون الفقراء وفقراء المدن-. إن الديموقراطية الحقيقية لا يمكن بناءها إلا عندما يتم تدمير سلطة الأوليغارشية إلى الأبد وتصير السلطة في يد الطبقة العاملة. إنما يجب بناءه ليس الوهم الأجوف للديموقراطية البرجوازية الشكلية، حيث السلطة الحقيقية في يد أصحاب الأبناك والرأسماليين، بل الديموقراطية الحقيقية للعمال، المبنية على أساس تأميم الأرض والأبناك والصناعات الكبرى وعلى أساس التخطيط الديموقراطي للإنتاج.

  36.   يجب أن يكون البرنامج المباشر هو:

    1.   العمل على إدماج الأبناك وتأميمها.

    2.   إدماج شركات التامين وتأميم القطاع المالي.

    3.   إلغاء السر التجاري: افتحوا السجلات!

    4.   الرقابة العمالية على شركة (P.D.V.S.A.) وجميع الشركات الأخرى وتأميم جميع قطاعات الصناعة البيتروكيماوية والغاز والطاقة.

    5.   تنظيم الجماهير في جمعيات المستهلكين وتعاونيات لممارسة الرقابة على الأسعار وتوزيع الغذاء.

    6.   تأميم الأرض ومصادرة الملكيات الكبرى وتشكيل تعاونيات فلاحية لتسيير الزراعة.

    7.   تأميم جميع شركات النقل الكبرى وخلق نظام موحد للنقل.

    8.   احتكار الدولة للتجارة الخارجية.

  37.   إن الإمبريالية الأمريكية تلعب لعبة القط والفأر مع فنزويلا. فبعد أن هُزمت في محاولتين للهجوم المباشر، ها هي تلجأ لطريقة الحصار. إنها تعمل على ممارسة الضغوطات على حكومات أمريكا اللاتينية لمساعدتها على عزل الثورة الفنزويلية، التي تنظر إليها كبؤرة خطيرة تشكل مثالا بالنسبة للجماهير الغاضبة في كل القارة. إنها تهدد بتركيع فنزويلا، عبر فرض عقوبات اقتصادية عليها، في نفس الوقت الذي تهيئ فيه بنشاط لحملة من الإرهاب والتخريب.

  38.   إن واشنطن وخوفا من أن تتدخل مباشرة، تعمل بنشاط على التآمر مع الدوائر الحاكمة في كولومبيا، ليس فقط لعزل فنزويلا والضغط عليها، بل أيضا للتهيئة لتدخل مباشر ضد الثورة فيها. إنها تحيك الدسائس، بشكل مستمر، في منظمة الدول الأمريكية (O.A.S.) للتدخل في شؤون فنزويلا الداخلية. تشبه منظمة الدول الأمريكية ذلك "الجار الصديق" الذي ينصح جاره الذي تعرض للهجوم على بيته من طرف عصابة من اللصوص، بأن يبقى هادئا وألا يصرخ بصوت مرتفع، لأن ذلك سوف يؤدي إلى استفزاز اللصوص ويقلق راحة الجيران. إن شعب فنزويلا بامتلاكه "لأصدقاء" مثل هؤلاء، ليس بحاجة إلى أعداء!

  39.   من الضروري، طبعا، استخدام العمل الدبلوماسي، واتخاذ جميع الإجراءات الضرورية لتلافي العزلة، وتطوير علاقات صداقة وتجارة، الخ، مع الأرجنتين والبرازيل وطبعا مع كوبا. إلا أنه سوف يكون من قبيل النظرة الضيقة الاعتماد على هذا فقط. إن الحكومات يمكنها أن تتغير ويمكنها أن تخضع لضغوط الإمبريالية. ليس هناك من ضمانة أن لا يحدث هذا مع البرازيل والأرجنتين.

  40.   إن الحلفاء الحقيقيين للشعب الفنزويلي هم - في آخر المطاف- عمال وفلاحوا أمريكا اللاتينية المضطهدون. هم من يمكنه الاعتماد عليهم دائما للدفاع عن الثورة الفنزويلية وليس حكوماتهم. أخيرا إن الدفاع عن الثورة الفنزويلية لا يمر عبر الدبلوماسية، بل عبر نهج سياسة ثورية، أممية، حازمة، هدفها نشر الثورة عبر كل أمريكا اللاتينية وخارجها.

  41.   لقد وقف تشافيز بشجاعة في وجه الإمبريالية. لقد قال: « إذا ما كان هناك أي تدخل إمبريالي في بلادنا فسوف نحاربه مائة عام». طبعا ستكون الجماهير بكل تأكيد مستعدة لتقديم أعظم التضحيات في سبيل الثورة. إذ أنهم نهضوا إلى الحياة السياسية وأعطى لهم أمل جديد وإحساس بكرامتهم الإنسانية. للجماهير إذن طاقات وإمكانيات ثورية جبارة. وهذا شيء تعجز الإمبريالية والرجعيون عن فهمه. لكن من الخطأ، رغم ذلك، الاعتماد فقط على استعداد الجماهير لتقديم التضحيات. إن الجماهير قادرة على التضحية "باليوم" من أجل "الغد" في حدود معينة فقط. يجب أن نضع هذا في اعتبارنا دائما.

  42.   في النهاية يبقى العامل الاقتصادي هو المحدد. وفي سنة 2003 وحدها انخفض الإنتاج الداخلي الخام بـ 18%، بالرغم من ارتفاع أسعار النفط. وحسب بعض الإحصائيات انخفض مستوى المعيشة إلى ما كان عليه سنوات الخمسينات. عبر هذه الوسائل تطمح قوى الثورة المضادة إلى ضرب الدعم الذي تلاقيه الحكومة، حيث أن هذا الواقع ناتج عن عمليات التخريب التي قامت بها. إلا أن مخطط تلك القوى لم ينجح لحد الآن. فالجماهير ما زالت مخلصة كليا للثورة وللرئيس هوغو تشافيز. لكن مثل هذه الوضعية لا يمكنها أن تدوم إلى ما لا نهاية.

  43.   في وقتنا الحالي ساعد ارتفاع أسعار النفط الاقتصاد الفنزويلي. فسنة 2003 وصل سعر برميل النفط الفنزويلي إلى 25,65 دولار أي، أعلى بحوالي 17% من سعر 2002. وقد حاول الرئيس تشافيز أن يخفف من تأثيرات الأزمة عبر اعتماد الرقابة على الأسعار والمبادلات. وتم توجيه جزء من مداخيل (P.D.V.S.A.) لتمويل برامج اجتماعية وسكنية. وقد رفعت إجراءات الرقابة الصارمة على المبادلات من مداخيل البنك المركزي الفنزويلي (B.C.V.) من 13 مليار دولار خلال شهر يناير إلى 22 مليار الآن. كما أن انخفاض معدل الدولار الرسمي من 16000 بوليفار إلى 1920 بوليفار، قد ساعد على تحسن الوضعية. إن معدل النمو عرف ارتفاعا مفاجئا، بالرغم من أنه ليس، في جزء منه، سوى انعكاس لانتعاش طبيعي بعد الانهيار الكبير الذي سببته اغلاقات أرباب العمل.

  44.   لقد نجحت هذه الإجراءات، جزئيا، في الرفع من مستوى عيش الجماهير. وقد مكنت من ربح الوقت. لكن سوف يكون هناك ثمن يجب دفعه. إذ في ظل نظام رأسمالي تؤدي مثل تلك الإجراءات إلى خلق التضخم. تعرف قيمة البوليفار انخفاضا مفاجئا في السوق السوداء. التضخم وصل إلى 27% سنويا. الشيء الذي يجعله أعلى نسبة في كل المنطقة. وهو الشيء الغير ممكن احتماله على المدى البعيد. وسوف ينفجر هذا، إن عاجلا أو آجلا، في شكل أزمة اقتصادية خانقة جديدة. وهكذا ستظل الفاقة والبطالة مشاكل قائمة.

  45.   إذا لم تتقدم الثورة إلى الأمام، إذا لم تأخذ بين يديها زمام القطاعات الاقتصادية الرئيسية، فإن ارتفاع البطالة والفقر سوف يؤدي إلى كسر الروح القتالية للجماهير. لحدود اللحظة لم يحدث هذا. وقد خلق الانتعاش الاقتصادي نسمة أوكسجين. الجماهير لا تزال مطلقة الولاء لتشافيز. كما أن موازين القوى لا تزال مائلة لصالح الثورة ضد الثورة المضادة. لكن هذا يمكن أن يتغير فإذا لم ترى الجماهير أي تحول جوهري، قبل كل شيء إجراءات حاسمة ضد الرجعيين، فإن الإحباط واليأس يمكنهما أن ينالا منها. ويمكن للمؤشر أن يميل، مرة أخرى، نحو اليمين.

  46.   سوف يبدأ جو من اللامبالاة يسود بين الجماهير، بدءا من الفئات الأقل وعيا والغير المنظمة. وعندما لا يرى العمال أي تقدم حقيقي، سوف يتعبون ويصيبهم اليأس. ومع كل خطة إلى الوراء تخطوها الثورة، ستصبح الثورة المضادة أكثر جرأة وستنتقل إلى الهجوم. ويمكن للعناصر المتذبذبة أن تنتقل إلى صف الثورة المضادة. ويمكن لهذا الجو أن ينعكس على جهاز الدولة، حيث سيتخلى بعض "أصدقاء" الثورة، من بين كبار الموظفين وقادة الجيش والشرطة، عن الرئيس وينقلبون إلى معسكر الرجعية، بدعوى أن الثورة يقودها "متطرفون" وأنها لم تأتي سوى بالفوضى. وستسعر الصحافة المأجورة من حملتها في التشويه والافتراء. ليصبح المجال مفتوحا آنذاك أمام حدوث انقلاب مضاد للثورة تحت راية "إعادة النظام".

  47.   لقد بذلت الجماهير طاقات هائلة لإيصال الثورة إلى ما هي عليه اليوم. لقد سارت طريقا طويلا، لكن المرحلة الحاسمة لم يتم قطعها بعد، ولا يزال هناك خطر حقيقي في أن يتم إعادة كل هذه الصيرورة إلى الوراء. هنالك وعي متزايد بهذا الواقع في صفوف القواعد. والإحباط قد بدأ ينتشر بين المناضلين. إن هذا تحذير. يمكن لهذا الإحباط أن يخلق جوا من انعدام الصبر والمغامرات اليسراوية المتطرفة عند فئة من المناضلين الذين تحركوا أبعد من باقي الطبقة، الشيء الذي سيكون له نتائج سلبية على الثورة.

  48.   إن الثورة المضادة قد هُزمت، لكنه لم يقض عليها بعد. إنها تنتظر الفرصة الملائمة لكي تتحرك من جديد. إن الاعتقاد في إمكانية تهدئة قوى الثورة المضادة عبر نهج "الاعتدال"، ليس سوى جنون مطبق وعمل بدون جدوى إطلاقا. فقوى الثورة المضادة والإمبريالية لا يمكن أن تهدأ بالكلمات الجميلة، وقد أعطي الدليل الواضح على هذا من خلال عملية القوات الشبه عسكرية الكولومبية. إن ما يجب القيام به ليس هو "الاعتدال"، بل إجراءات حازمة.

  49.   لقد استقطبت الثورة العديد من الأصدقاء. أغلب هؤلاء أصدقاء حقيقيون وشرفاء. لكن بعض هؤلاء "الأصدقاء" لا يعملون لصالح الثورة. إنهم ليسوا ثوريين على الإطلاق، بل مجرد إصلاحيين. إنه دائما قدر الإصلاحية التاريخي أن تصل إلى نتائج متناقضة تماما مع تلك التي كانت تهدف إليها. إنهم مدفوعون، طبعا، بأفضل النوايا. لكن الطريق إلى جهنم مفروش بمثل هذه النوايا الطيبة.

  50.   يقول الإصلاحيون أنه يجب علينا أن لا نقوم بأي شيء يمكنه أن يستفز الإمبرياليين، يجب علينا أن نكون حذرين، دبلوماسيين، الخ، الخ. إن مبرر "استفزاز" الإمبرياليين مبرر خاطئ حتى النخاع. فالإمبرياليون لا يحتاجون إلى استفزاز. إذ أنهم كانوا معادين للثورة منذ اليوم الأول. إنهم لم يتركوا أية فرصة سنحت لهم للهجوم عليها ولم ينتهزوها. لقد نظموا، حتى الآن، محاولتين للانقلاب وهم الآن يحضرون للثالثة، تحت راية الاستفتاء. ليس هذا الخطاب أو ذاك، وليس هذا العمل أو ذاك هو ما يستفز الإمبرياليين، إنهم ينظرون إلى الثورة، في حد ذاتها، باعتبارها استفزازا. ولن يهدأ لهم بال إلا إذا سحقوها.

  51.   يجادل أصدقاء الثورة المزيفون والماركسيون المزيفون أنه ما دامت الثورة الفنزويلية ثورة ديموقراطية شعبية، وليست ثورة اشتراكية، فإنها لا تستطيع القيام بإجراءات ضد الملكية الخاصة. ليس هذا القول سوى سفسطة. لقد كانت الثورة الأمريكية خلال ق 18، ثورة برجوازية ديموقراطية، لكن ثوار 1776 لم يترددوا في مصادرة ملكية أنصار التاج البريطاني. وبعد نهاية الحرب الأهلية الأمريكية، لم تتردد الحكومة الأمريكية في مصادرة ملكية ملاكي العبيد الجنوبيين والتي كانت تقدر بملايير الدولارات. إن هذه الأمثلة من تاريخ أمريكا، تعطي الدليل الواضح على أن حاجيات الثورة تعلوا فوق ما يسمى بحق الملكية المقدس.

  52.   منذ متى كانت حقوق ملكية أقلية مستغِلة وقمعية، أهم من حاجات الأغلبية الساحقة؟ إن الديموقراطية تعني حكم الأغلبية، ونحن نؤيد الديموقراطية الحقة. إن الثورة الفنزويلية وسيرا على نهج أفضل الأمثلة التي قدمتها الثورة الأمريكية، لن تتردد، هي أيضا، في اتخاذ الإجراءات الضرورية للقضاء على سيطرة الأقلية المعادية للثورة على الاقتصاد.

ـ الجزء الثاني ـ

مدينة مكسيكو  

عنوان النص بالإنجليزية :

Theses on revolution and counterrevolution in Venezuela. Part 1


أعلى الصفحة

الصفحة الرئيسية


الشرق الأوسط وشمال إفريقيا


آسيــا


أوروبا


أمريكا الشمالية


أمريكا اللاتينية


Audio & Video


المرأة والماركسية


ثقافة وفن


الفلسفة والعلم


هدفنا


Français

English

Español

اتصل بنا

مواقع

www.struggle.com.pk

www.javaan.net