marxy.com

مؤلفات

كارل ماركس
وفريديريك انجلز

 فلاديمير إيليتش لينين

ليون تروتسكي

 
الثورة المغدورة

تيد غرانت

المغرب

إعلان المبادئ

البرنامج الانتقالي

كتب


منظورات للثورة العالمية 2014 - الجزء الثاني


Bookmark and Share

التيار الماركسي الأممي
الأربعاء: 30 يناير 2014

أزمة أوروبا

إن الطابع العالمي للأزمة يجعل من المستحيل "فصل" أوروبا عن أمريكا. فإعلان الولايات المتحدة عزمها تقليص التيسير الكمي تسبب على الفور في حدوث اضطرابات في الأسواق، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الفائدة في منطقة اليورو. وكانت النتيجة هي تشديد السياسة النقدية في الوقت الذي يفترض الركود وارتفاع البطالة تطبيق السياسة المعاكسة.

ظهرت الأزمة في أوروبا بشكل أكثر حدة من أي مكان آخر. وبسرعة تحولت كل أحلام البرجوازية الأوروبية حول بناء أوروبا رأسمالية موحدة إلى رماد. لقد صعدت كل التناقضات الوطنية إلى السطح، مما يهدد مستقبل، ليس فقط منطقة اليورو، بل الاتحاد الأوروبي نفسه.

ثقل الديون بمثابة حجر رحى عملاق مربوط في رقبة الاقتصاد الأوروبي، يسحبه إلى أسفل ويمنع حدوث انتعاش حقيقي. لا أحد يعرف المدى الحقيقي لديون الأبناك الأوروبية. وقد وصل مبلغ القروض الرديئة لأبناك الاتحاد الأوروبي، وفقا لصحيفة وول ستريت جورنال، إلى 1,05 تريليون دولار [التريليون هو ألف مليار -المترجم-] على الأقل (أي ضعفي مقدارها عام 2008). ولكن هذا مجرد تقدير (أي تخمين) أما الرقم الحقيقي فأكبر من ذلك بكثير. تَعتبر معظم الأبناك الاستثمارية أن القطاع البنكي الأوروبي يجب أن يتقلص ما بين 2 تريليون دولار إلى 2,5 تريليون دولار، للوصول إلى الحجم الذي يمكن وصفه بأنه ملائم.

كان هناك انتعاش بطيء في ألمانيا، لكن إيطاليا وإسبانيا ما زالتا في حالة ركود، بينما اليونان غارقة في ركود عميق. وقد فقدت إيطاليا 9٪ من ناتجها المحلي الإجمالي منذ بداية الأزمة، وفقدت اليونان 25٪ على الأقل. ولن يكون من الممكن لألمانيا الحفاظ على النمو إذا لم يكن هناك انتعاش في منطقة الأورو ككل، والتي تشكل السوق الرئيسي لصادراتها. في عام 2012 تراجعت مبيعات السيارات الأوروبية إلى أدنى مستوى لها منذ بدء الاحتفاظ بالسجلات قبل 24 عاما، أي عام 1990. وقد واصلت مبيعات السيارات في أوروبا التراجع خلال الستة أشهر من بين الأشهر الثمانية الأولى من عام 2013.

لقد تم الاحتفال بإطلاق عملة الأورو في عام 1999 باعتبارها المفتاح لمستقبل ذهبي من السلام والازدهار والتكامل الأوروبي. لكنها في ظل ظروف الأزمة صارت، كما توقعنا، مصدرا للصراع القومي والتفكك.

على الرغم من أن الأورو ليس السبب في مشاكل بلدان مثل اليونان وإيطاليا وإسبانيا، كما يتصور القوميون ضيقو الأفق، فإنه بدون شك قد فاقم تلك المشاكل إلى أقصى درجة.

في الماضي كان في إمكان هذه البلدان إيجاد حل لأزمتها من خلال تخفيض قيمة العملة. أما الآن فهذا مستحيل. وبدلا من زيادة حصتها من الأسواق على حساب المنافسين الأجانب من خلال تخفيض قيمة العملة، هي الآن مضطرة إلى اللجوء إلى سياسة "تخفيض داخلي"، أي تطبيق سياسة تقشف وحشية. لكن هذا لن يؤدي سوى إلى تعميق الركود واحتداد الانقسامات الطبقية في المجتمع.

كان العامل المباشر هو الأزمة اليونانية، التي تهدد الأورو والاتحاد الأوروبي نفسه. وقد كان من الطبيعي أن تظهر الأزمة لأول مرة في أضعف حلقات سلسلة الرأسمالية الأوروبية. لكن تداعيات الأزمة اليونانية تؤثر على أوروبا كلها. خلال النهوض الاقتصادي الذي أعقب إطلاق عملة اليورو، كسبت ألمانيا الكثير من تصدير سلعها إلى منطقة اليورو. وما بدأ كنقطة إيجابية تحول إلى نقطة سلبية. وعندما وعد ماريو دراجي، رئيس البنك المركزي الأوروبي، بأنه سيستخدم جميع الموارد الاقتصادية الموجودة تحت تصرفه لإنقاذ اليورو، نسي أن يشرح لنا من أين ستأتي هذه الموارد.

إن أي تحويل مالي لإنقاذ منطقة اليورو، سيكون دائما تحويلا لأموال دافعي الضرائب الألمان إلى مكان آخر. وهذا يطرح بعض المشاكل الخطيرة لأنجيلا ميركل. لقد تبنت ألمانيا موقف المدافع العنيد عن التقشف والانضباط المالي. ويمكنها ان تتحمل القيام بذلك، فهي أقوى الاقتصادات الأوروبية، والقوة الاقتصادية لا بد أن تترجم عاجلا أو آجلا إلى قوة سياسية. وعلى الرغم من أوهام البرجوازية الفرنسية في الماضي، فإن ألمانيا هي من يقرر كل شيء.

ومع ذلك، فإن لسياسة التقشف حدودا اجتماعية وسياسية معينة. وقد وصلت بلدان مثل اليونان والبرتغال بالفعل إلى هذه الحدود، كما أن إسبانيا وإيطاليا ليستا بعيدتان عنها. وعلى الرغم من التفاؤل الأخير للبرجوازية، فإنه لم يتم حل أي مشكل. إن أزمة منطقة الأورو يمكنها أن تندلع مرة أخرى في أية لحظة. وقد أثار فرض سياسة التقشف المشؤومة أزمة سياسية حادة في البرتغال، حيث كادت الاحتجاجات الجماهيرية الحاشدة أن تتسبب في انهيار الحكومة. إن الدين العام في البرتغال آخذ في الارتفاع، ومن المرجح أن يصير فوق 130٪ من الناتج القومي بحلول عام 2015. وبالتالي ما الفائدة من كل تلك التضحيات والآلام؟

بعض "اليساريين" في أوروبا – من بينهم على سبيل المثال لافازانيس- زعيم حزب سيريزا، يدعون إلى التخلي عن اليورو، بل وحتى الخروج من الاتحاد الأوروبي نفسه، كحل للأزمة ولمشاكل الطبقة العاملة. إلا أننا نحن الماركسيين لا نرى أن سبب الأزمة هو وجود الاتحاد الأوروبي، بل نعتبر أن سبب الأزمة هو النظام الرأسمالي.

ليس الاتحاد الأوروبي أكثر من نقابة لأرباب العمل تهدف الى تعزيز مصالح الرأسماليين الأوروبيين الكبار. يفرض الاتحاد الأوروبي سياسات مضادة للطبقة العاملة في كل مكان. ولا يمكن إصلاح هذه الهيئة وتحويلها إلى نوع من "أوروبا اجتماعية". نحن نعارض هذا الوهم، لكن الحل لا يكمن في تشكيل سلسلة من الرأسماليات الوطنية الصغيرة، بل يكمن في وحدة عمال أوروبا في النضال من أجل الولايات المتحدة الأوروبية الاشتراكية.

ينعكس عدم الاستقرار السياسي، الذي تسببت فيه تدابير التقشف، في توالي صعود حكومات ائتلافية ضعيفة وفي التقلبات العنيفة للرأي العام. ففي إيطاليا لم يتمكنوا إلا بصعوبة بالغة من تشكيل ائتلاف للحزب الديمقراطي مع برلسكوني، وقضى قادة الائتلاف معظم وقتهم في مهاجمة بعضهم البعض بشكل علني. إن اهتمام برلسكوني الرئيسي هوالإفلات من السجن. لكن هذا الاهتمام الوجيه لا يحتل، من وجهة نظر المصالح العامة للرأسمالية الإيطالية، سوى مكانة ثانوية.

لقد تسبب مشهد المشاحنات المقززة والانقسامات في القمة، وفضائح الفساد (كما هو الحال في إسبانيا)، وعدم الوفاء بالوعود (كما في فرنسا)، وتكالب السياسيين على ملئ جيوبهم (كما في اليونان)، في الوقت الذي يتسببون بأشد الآلام لبقية المجتمع، في تراجع عام لشعبية كافة الأحزاب الموجودة وقادتها. هذا تطور ينذر بالخطر للبرجوازية، التي تستخدم الأسلحة السياسية الاحتياطية التي تمتلكها للدفاع عن نظامها. إن شروط انفجار أزمة اجتماعية وسياسية واسعة النطاق في أوروبا تتراكم باستمرار.

إن البرجوازية تحدق في الهاوية، وقد تضطر الى التراجع. وبصرف النظر عن أي شيء آخر، فإن سياسة التقشف قد فشلت فشلا ذريعا في إعادة تنشيط الاقتصاد. بل على العكس من ذلك، تسببت في تحويل الوضع السيء إلى الأسوء. لكن ما هوالبديل؟ إن البرجوازية محصورة بين الرمضاء والنار. ليس من الواضح ما إذا كانت منطقة الأورو سوف تتفكك بشكل كامل، وهو الاحتمال الذي يرعب البرجوازية ليس فقط في أوروبا. ومن أجل منع حدوث انهيار كامل، سيضطر زعماء الاتحاد الأوروبي إلى التخلي عن بعض الشروط الأكثر صرامة. وفي النهاية لن يتبق سوى القليل جدا من الفكرة الأصلية عن الوحدة الأوروبية، التي هي أمر مستحيل في ظل الرأسمالية.

يمكن تلخيص مشكلة البرجوازية الأوروبية ببساطة: إن الطبقة الحاكمة لا تستطيع أن تستمر في تحمل المكتسبات التي فرضتها الطبقة العاملة على مدى نصف القرن الماضي، لكن الطبقة العاملة لا يمكنها أن تقبل أي تخفيضات أخرى في مستويات المعيشة. إننا نشهد في كل مكان تراجعات حادة في مستويات المعيشة؛ وتخفيضات الأجور؛ وعادت إلى الوجود ظاهرة الهجرة من بلدان جنوب أوروبا نحو بلدان مثل ألمانيا. لكن إلى أين يمكن الهجرة عندما سيضرب الركود ألمانيا أيضا؟

لقد تقوت الطبقة العاملة بشكل كبير منذ الحرب العالمية الثانية. بينما انخفضت بشكل حاد الاحتياطيات الاجتماعية للردة الرجعية. إن الفلاحين، الذين كانوا يشكلون نسبة كبيرة جدا من المجتمع في الماضي، ليس فقط في اسبانيا وايطاليا وفرنسا واليونان، بل أيضا في ألمانيا، قد صاروا الآن أقلية صغيرة. وبعض الفئات الاجتماعية مثل المعلمين وموظفي القطاع العام وموظفي الأبناك، الذين كانوا في الماضي يعتبرون أنفسهم من الطبقة الوسطى، ولا يتخيلون إمكانية الانضمام إلى نقابة أوالمشاركة في إضراب عن العمل، هم الآن من بين أكثر الفئات كفاحية في صفوف الحركة العمالية. وينطبق الشيء نفسه على الطلاب، الذين كانوا قبل عام 1945 موالين في الغالب لليمين أوحتى للفاشيين، والذين صاروا الآن يتجهون بحزم نحواليسار وينفتحون في كثير من الحالات على الأفكار الثورية.

لم يتعرض العمال الأوروبيون لأية هزيمة ساحقة منذ عقود. ولن يكون من السهل إجبارهم على التخلي عما حققوه من مكتسبات. وقد تبين هذا في أكتوبر 2013 مع رجال الاطفاء البلجيكيين الذين احتجوا أمام البرلمان بثلاثين شاحنة، حيث أغلقوا كل المنافذ، ورشوا الشرطة بالماء والرغوة، مطالبين بزيادة ميزانيتهم بمبلغ 75 مليون أورو اضافي للرفع من عدد الموظفين إلى مستويات مقبولة. وفي الأخير اضطرت الحكومة إلى الاستسلام عندما قدم عمال السكك الحديدية المساعدة لرجال الاطفاء بإيقافهم لمحطات السكك الحديدية. إن هذا التغيير في ميزان القوى يشكل معضلة خطيرة للبرجوازية في تطبيق تدابير التقشف اللازمة. ومع ذلك، فإن الطبقة الحاكمة مضطرة بسبب الأزمة لمواصلة هجماتها.

ألمانيا

ظاهريا يبدو أن ألمانيا قد نجت من الأزمة. لكن دور ألمانيا سوف يأتي. إن نقطة ضعف الرأسمالية الألمانية هو اعتمادها غير المسبوق على التصدير: ففي عام 2012 بلغت الصادرات الألمانية 44٪ من الناتج المحلي الإجمالي (1,1 تريليون أورو). وكان السبب وراء هذا النجاح الواضح هو أن الأجور الحقيقية للعمال الألمان قد تجمدت في نفس المستوى الذي كانت عليه سنة 1992. ووفقا لصحيفة الفايننشل تايمز: «لدا ألمانيا الآن أعلى معدل للعمال ذوي الأجور المنخفضة، بالنسبة إلى متوسط الدخل الوطني، في أوروبا الغربية». ربع القوى العاملة هم من ذوي "الدخل المنخفض". وقد تضاعف عدد العمال المؤقتين ثلاثة مرات خلال عشر سنوات.

الصادرات الألمانية، التي تشكل المصدر الوحيد للنمو في الفترة الأخيرة، قامت بالتالي على أساس الأجور المنخفضة ومستويات عالية من الاستثمار. ولقد أعطت المستويات العالية للإنتاجية، التي تعتصر من العمال الألمان، للصناعة الألمانية ميزة كبيرة على منافسيها الأوروبيين، كما نرى من خلال الارقام التالية :

أداء الإنتاج الصناعي ما بين سنة 2000 وأكتوبر 2011:

ألمانيا: + 19,7٪

البرتغال: - 16,4٪

إيطاليا: - 17,3٪

اسبانيا: - 16,4٪

اليونان: - 29,9٪

والحقيقة هي أن الرأسمالية الألمانية قد ربحت على حساب منافسيها الأوروبيين الأضعف والذين لا يمكنهم أن يتنافسوا مع صناعاتها. كانت خسارتهم مكسبا لألمانيا. وبالتالي فإن الأورو قد خدم بالأساس مصالح ألمانيا قبل كل شيء. لقد كانت البنوك الألمانية سعيدة جدا بإقراض المال لبلدان مثل اليونان لتمكينها من شراء البضائع الألمانية. لكن هذه السيرورة قد انقلبت الآن إلى نقيضها. وعلى الرغم من أنه لا يمكنهم الاعتراف بالحقيقة علنا، فإن التقارير المسربة عن برنامج صندوق النقد الدولي الأول لإنقاذ اليونان قد أثبتت ما سبق لنا أن أكدناه في الماضي، أي: أن برامج إنقاذ اليونان هي قبل كل شيء ضرورية لإنقاذ الأبناك الألمانية (والفرنسية).

يصب الديماغوجيون اليمينيون في ألمانيا الآن سيلا من اللعنات على أوروبا وعلى الأورو. لكن منظري الرأسمالية الألمانية الأكثر جدية يشعرون بالقلق الشديد. إنهم يفهمون أن ألمانيا لا يمكنها استعادة التوازن الاقتصادي طالما استمرت بقية منطقة الأورو غارقة في الأزمة. إذ إلى أين يمكنهم تصدير بضائعهم ؟

في حديثه خلال قمة اقتصادية هامة في مدينة هامبورغ الألمانية، حذر الزعيم السابق للحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، هيلموت شميت، من أن: «ثقة الرأي العام في الحكومات الأوروبية والاتحاد الأوروبي قد تحطمت، وأوروبا تقف على حافة الثورة». وأكد كذلك على ضرورة إحداث تغييرات سياسية واقتصادية كبرى في أوروبا. لكن ما هي التغييرات المطلوبة؟ ومن الذين سوف يعملون على تنفيذها؟

بريطانيا

بريطانيا التي كانت القوة الصناعية الأكبر في العالم فقدت قاعدتها الصناعية وصار يهيمن عليها بالكامل رأس المال المالي الطفيلي والخدمات. تضم المملكة المتحدة عددا من المصرفيين الذين يكسبون أكثر من مليون جنيه استرليني سنويا أكثر من بقية دول الاتحاد الأوروبي. وبالرغم من أنها تدعي حدوث "انتعاش" فإن الحقيقة هي أنها تعيش تراجعا.

لقد شهدت بريطانيا خلال الفترة الأخيرة أكبر انهيار في مستويات المعيشة تعرفه منذ ستينيات القرن التاسع عشر، أي قبل أكثر من 150 عاما. وهناك تحذيرات من انفجار جديد بين الشباب على غرار الاحتجاجات التي اجتاحت البلدات والمدن في جميع أنحاء بريطانيا قبل بضع سنوات. تقول الاحصائيات أن 2 مليون طفل في بريطانيا يذهبون كل صباح إلى المدرسة جياعا. لقد صدمت هذه الحقائق الرأي العام مما اضطر الحكومة إلى المسارعة إلى تقديم وجبات مجانية لجميع الأطفال في المدارس الابتدائية.

لقد شهدت المواقف الاجتماعية في بريطانيا تحولا هائلا. فقد تحولت المواقف القديمة المبنية على الاحترام والتوقير تجاه المؤسسات إلى كراهية. والناس الذين كان ينظر إليهم بنوع من التقدير كأعضاء البرلمان، ورجال الصحافة والقضاء والشرطة، صار ينظر إليهم نظرة الشك والاحتقار.

وأكد جون ماك ديرموت في الفايننشل تايمز أنه:

«يبدو أن الناس صاروا يعتقدون بأن هناك شيء فاسد في المؤسسات، وفي عام 2010، وجد استطلاع للرأي أن 81٪ من البريطانيين يتفقون مع الرأي القائل بأن: "السياسيين لا يفهمون العالم الحقيقي على الإطلاق". وذكرت هيئة مسح الموقف الاجتماعي البريطاني أن 18٪ فقط من المستجوبين يثقون في إمكانية أن تضع الحكومات مصالح البلاد فوق مصالح أحزابها، مقابل 38٪ في عام 1986. والموقف من البنوك أسوء بكثير. ففي عام 1983، كان 90٪ من المستجوبين يعتقدون أن الأبناك "تدار بشكل جيد"، مقارنة مع 19٪ فقط اليوم، وهو ربما التحول في المواقف الأكثر دراماتيكية في تاريخ تقارير هذه المؤسسة البالغ 30 عاما.

«إن مواقف البريطانيين من المؤسسات تتغير صعودا ونزولا، وإسألوا عن ذلك صاحبة الجلالة. لكن الفضائح المتتالية التي تضرب الأبناك والبرلمان ووسائل الإعلام تؤدي إلى انهيار هائل في الثقة في أولئك الذين يديرون السلطة في البلاد... وهناك جهل عميق بين الأقوياء بعمق مشاعر العداء ضد النخبة، في بريطانيا وخارجها». (الفايننشل تايمز: 28/09/2013)

اضطر زعيم حزب العمال إد ميليباند في النهاية إلى التعبير، ولو بأكثر الطرق احتشاما، عن الغضب المتنامي ضد الشركات الكبرى والبنوك بعد ضغوط متزايدة من قواعد الحركة العمالية. وعلى الرغم من أن انتقاداته كانت محدودة وضعيفة، فإنها أثارت موجة من الغضب لدا الصحافة البرجوازية. لقد اتهمت صحيفة الفايننشل تايمز ميليباند بـ "الاتجار في الحيل الشعبوية". لدينا هنا بالفعل صورة عن الضغوط المتناقضة التي من شأنها أن تتضاعف ألف مرة عندما سيدخل حزب العمال الحكومة في ظل ظروف الأزمة.

فرنسا

في البداية كان الهدف من الاتحاد الأوروبي أن يكون اتحادا تلعب فيه فرنسا دور الزعيم السياسي لأوروبا وتكون ألمانيا هي المحرك الاقتصادي. لكن الآن اتضح أن مخططات الطبقة الحاكمة الفرنسية هذه مجرد أحلام طوباوية. فبرلين تقرر كل شيء، بينما لا تقرر باريس في أي شيء.

في الانتخابات الأخيرة حقق الحزب الاشتراكي فوزا كاسحا على كل المستويات. لكن سرعان ما تبخر ذلك الدعم الذي تمتع به هولاند. فهو، مثله مثل أي زعيم إصلاحي آخر، قبل بلعب دور إدارة أزمة الرأسمالية. ونتيجة لذلك صار يحتل الآن أسوء تصنيف لرئيس فرنسي منذ عام 1958. وقد سجلت أحدث استطلاعات الرأي زيادة في الدعم لليمينية مارين لوبان، بينما تخلف هولاند في الوراء.

ستحاول وسائل الإعلام تصوير ذلك بكونه ميلا نحواليمين. لكنه في الواقع يعبر عن مزاج عام من الإحباط والاستياء تجاه الأحزاب القائمة وخيبة الأمل في "اليسار"، الذي قدم الكثير من الوعود ولم يحقق سوى القليل. يبقى أن نرى ما إذا كان الحزب الشيوعي مع سياساته الإصلاحية يستطيع كسب تأييد الاشتراكيين أو جبهة اليسار أو يسترد النجاحات الانتخابية السابقة.

من أجل صرف الأنظار جزئيا عن مشاكله الداخلية، أطلق هولاند سلسلة من المغامرات العسكرية الخارجية في أفريقيا (مالي وجمهورية إفريقيا الوسطى). وبسبب محاصرته من طرف ألمانيا في أوروبا، يحاول إحياء دور فرنسا القديم في أفريقيا والشرق الأوسط. لكن الإمبريالية الفرنسية، في الواقع، تفتقر إلى العضلات للقيام بدور مستقل على الصعيد العالمي. وسوف تنتهي هذه المغامرات العسكرية حتما بخسائر، مضيفة وقودا جديدا لنيران السخط المشتعلة في الداخل.

تبقى فرنسا البلد الرئيسي للصراع الطبقي في أوروبا. وقد أظهر العمال الفرنسيون مرارا وتكرارا أنهم لم ينسوا أبدا تقاليدهم الثورية. إن الجماهير تبحث عن طريقة للخروج من الأزمة. لقد وضعت ثقتها في القادة الاشتراكيين، لكن هؤلاء الأخيرين مرتبطون عضويا بالنظام الرأسمالي والوضع القائم. لقد حطم "اليسار" آمال الجماهير. قادة الحزب الشيوعي وحزب اليسار عملوا على تحطيم جبهة اليسار في الانتخابات البلدية. يوجد الحزب الشيوعي في تحالف مع الحزب الاشتراكي، وهو حزب الحكومة، في حين أن حزب اليسار في بعض البلديات متحالف مع حزب الخضر، الذي لديه هو أيضا وزيران في الحكومة الحالية. من خلال تحطيمهم لجبهة اليسار - على الأقل على مستوى البلديات – تسببوا في خيبة آمال هؤلاء العمال والشباب الذين يبحثون عن بديل على يسارالحزب الاشتراكي. إن تلك الخطوة مؤشر على العمى الإصلاحي الكامل لقادة الحزب الشيوعي الذين يتشبثون بأذيال الحزب الاشتراكي بالضبط في الوقت الذي فقد فيه هولاند وحكومته مصداقيتهما وصارا فاقدان بشكل كبير للشعبية. وبدلا من الحفاظ على موقف معارضة واضحة للحكومة، فإنهم يحاولون بعناد الحفاظ على مواقعهم في الحكومة المحلية. يجب على الماركسيين أن يطالبوا قادة جبهة اليسار بالقطع مع الاشتراكيين والخضر وتعزيز جبهة اليسار على أساس سياسات يسارية واشتراكية حقيقية.

إن ما نراه أمامنا هو سيرورة استقطاب واضحة بين الطبقات والتي سيتم التعبير عنها على شكل انفجار اجتماعي في مرحلة معينة. يمكن للعمال والشباب المحبطين من المسار الانتخابي أن ينزلوا الى الشوارع كما فعلوا في كثير من الأحيان في الماضي. ويجري الإعداد لتكرار أحداث ماي 1968. لكنها هذه المرة ستكون على مستوى أعلى، ولم يعد الستالينيون يمتلكون القوة أو النفوذ لخيانتها.

إيطاليا

تتأرجح إيطاليا على شفا هبوط لولبي وارتفاع عائدات السندات. وستكون العواقب كارثية، ليس فقط لايطاليا بل أيضا لمنطقة الأورو. لقد وصلت ديونها المتراكمة إلى حوالي 2 تريليون أورو. وتهدد تكاليف الاقتراض الحكومي بخنق الاقتصاد الإيطالي على المدى الطويل.

البطالة آخذة في الارتفاع. وخلال السنوات الثلاث الماضية، فقد مليون شخص تتراوح أعمارهم بين 25 و34 وظائفهم. ومن بين الذين تقل أعمارهم عن 35 لا يعمل سوى أربعة من أصل عشرة. ورسميا هناك أكثر من ثلاثة ملايين عاطل عن العمل في المجموع، لكن كثيرا من الناس توقفوا عن البحث عن وظيفة لأنهم لا يثقون في إمكانية الحصول على منصب شغل. في عام 2012، تم تصنيف أكثر من 9 ملايين شخص كفقراء، من بينهم 4,4 مليون يعيشون في ظروف فقر مدقع.

أكدت دراسة حديثة أنجزتها مؤسسة Legacoop (أكبر شبكة للأسواق الممتازة) ما كان واضحا منذ مدة: ثلاثة ملايين أسرة – 12,3٪ من السكان- غير قادرين على توفير وجبة عالية البروتين كل يومين؛ 9 ملايين ايطالي عاجزون عن تلبية نفقات غير متوقعة تبلغ 800 أورو؛ صار الايطاليون يتخلون بشكل متزايد عن استخدام السيارة (25٪ من السكان)؛ ولم يعودوا قادرين على الذهاب في عطلة (انخفض عدد الذين خرجوا في عطلة بأربعة ملايين شخص هذا الصيف)، ولا يشترون ملابس جديدة (23٪ من السكان). وانخفض الإنفاق على الغذاء في السنوات الست الماضية بنسبة 14٪، أي انخفض إلى مستويات سنة 1971 (2400 أورو للفرد الواحد).

وصفت الفايننشل تايمز المهام التي تواجه إيطاليا بأنها "مؤلمة اقتصاديا وانتحارية سياسيا" (07/10/2013). لا يمكن لإيطاليا الرأسمالية أن تتنافس مع ألمانيا وفرنسا وهي تتراجع إلى الوراء. في الماضي كان في إمكانها تخفيض قيمة عملتها، لكن مع الأورو صار هذا الطريق مسدودا. وبدلا من ذلك عليها أن تلجأ إلى "تخفيض داخلي" (أي إجراء تخفيضات كبيرة في مستويات المعيشة). لكن للقيام بذلك هناك حاجة إلى حكومة قوية. إلا أن هذا غير ممكن.

كل الأحزاب الإيطالية منقسمة على نفسها. فداخل الحزب الديمقراطي يوجد انقسام بين الشيوعيين القدامى وبين العناصر البرجوازية الصريحة الديمقراطية المسيحية. وانفجر حزب مونتي الصغير إلى فصائل، ويتوقع أن يسقط من 10٪ إلى 4٪ في الانتخابات القادمة. بل وحتى حركة غريللو "خمسة نجوم" قد انقسمت، مع بعض الميل الواضح للتعاون مع الحزب الديمقراطي.

لقد لعب قادة النقابات دورا مشؤوما بدعمهم لما يسمى بحكومة الوحدة الوطنية، وتقبلهم لتدابير التقشف المعادية للطبقة العاملة. ينطبق هذا بشكل خاص على القادة "اليساريين" لنقابة عمال المعادن،FIOM، الذين، بعد أن دغدغوا آمال العمال، التحقوا بكاموسو زعيم الكونفدرالية العامة الإيطالية للشغل CGIL، في توقيع وثيقة مشتركة لمؤتمر الكونفدرالية العامة CGIL. نرى هنا بشكل ملموس الدور الحقيقي للإصلاحيين اليساريين. فقادة النقابات العمالية الإصلاحيون اليمينيون يرتمون في حضن البرجوازية، بينما يرتمي قادة النقابات العمالية الإصلاحيون اليساريون في أحضان اليمين. لا أحد منهم لديه أي ثقة في الطبقة العاملة، التي تركت بدون قيادة في اللحظة الحرجة.

يمكن لخيانة القادة أن تؤدي إلى خلق مزاج مؤقت من الإحباط واللامبالاة بين صفوف العمال. لكن ذلك لن يكون نهاية المسألة. إذ للعمال الإيطاليين، مثلهم مثل العمال الإسبان واليونانيين والفرنسيين، تقليد طويل من الحركات النضالية العفوية. وأمام انسداد الطريق في منظماتهم الجماهيرية التقليدية، سوف يجدون وسيلة للتعبير عن غضبهم بطريقة متفجرة. كان هذا هو معنى خريف عام 1969 الساخن. وقد أظهرت الخمسة أيام من الاضراب المفتوح ضد الخصخصة الذي خاضه عمال النقل بجنوة، في نوفمبر 2013، المزاج الحقيقي الذي يتطور بين صفوف الطبقة العاملة الإيطالية. إن الوضع في إيطاليا يحبل بمثل هذه التطورات. وهذا يصدق أكثر على الشباب.

إسبانيا

بعد خمس سنوات على بداية الركود، سيتراجع الاقتصاد الاسباني بمعدل 1,4٪ في عام 2013. وقد ارتفعت البطالة إلى مستوى قياسي قريب من 27٪ من القوة العاملة، ووصلت بطالة الشباب إلى 57٪. وقد تم تدمير أكثر من 6 ملايين وظيفة منذ عام 2007، وأجبر مئات الآلاف من الشباب على الهجرة.

بعد عدة سنوات من فرض حزم ضخمة من التخفيضات التقشفية، ما يزال من المتوقع أن يسجل عجز الميزانية عام 2013 رقم 6,5٪ من الناتج المحلي الإجمالي، في حين سيقترب الدين من 100٪ من الناتج المحلي الإجمالي. وقد تم الجمع بين الإجراءات التقشفية وبين سياسات جارفة مضادة للإصلاحات في سوق العمل، والتي سمحت لإسبانيا باستعادة قدرتها التنافسية مع جيرانها الأوروبيين. وهو ما يعني، بعبارة أخرى، فرض على العمال دفع الثمن الكامل للأزمة الرأسمالية. وبعد كل هذا الألم والمعاناة كل ما تم تحقيقه هوالحديث الغامض عن انتعاش ضئيل في العام المقبل مع نمو يتوقع أن يبلغ 0,2٪ فقط في عام 2014، وربما 1٪ في عام 2015. وعلى هذا الأساس، سيستغرق الأمر حتى عام 2021 لاستعادة مستوى النمو الذي كان قبل الركود، أي ضياع حوالي 15 سنة !

والحقيقة هي أن الكمية الهائلة من ديون الشركات والأسر، والآن ديون الدولة، التي تراكمت خلال سنوات طويلة من الازدهار لم يتم امتصاصها بالكامل من قبل النظام. وإلى أن يتحقق ذلك، لن يكون هناك أي انتعاش مستدام حقيقي للرأسمالية الإسبانية. تستند التوقعات الحالية "المتفائلة" على انتعاش الصادرات، التي تعتمد كليا على خروج أوروبا من الركود، وهو ما يعتبر أساسا هشا للتفاؤل.

لقد كان تأثير الأزمة الاقتصادية على وعي الجماهير عميقا وسيستمر مدة طويلة. وإلى جانب الركود الاقتصادي يجب علينا أن نضيف فضائح الفساد التي تضرب جميع مؤسسات الديمقراطية البرجوازية (القضاء والنظام الملكي والبرلمان والحزب الحاكم). إن ما نراه في اسبانيا هوأزمة النظام التي فضحت فساد كل الصرح الذي بنت عليه الطبقة الحاكمة شرعيتها منذ نهاية ديكتاتورية فرانكو. كل أشباح الماضي القديمة تعود لتقبض على البرجوازية الإسبانية الضعيفة الرجعية. وقد عادت المسألة القومية في كاتالونيا، التي تغذيها الأزمة الاقتصادية، إلى الحياة مرة أخرى. وعاد النضال من أجل العدالة لضحايا نظام فرانكو إلى الواجهة ليكشف الطابع الرجعي لجهاز الدولة والطبقة الحاكمة من تحت القشرة الرقيقة للديموقراطية.

اندلعت موجات متتالية من التحركات الجماهيرية، وخاصة منذ عام 2011: حركة Los indignados، والحركة المناهضة للإخلاء، وإضرابات قطاع التعليم، ومعركة عمال المناجم، والحركة العفوية لموظفي القطاع العام، والإضرابات العامة لمدة 24 ساعة، إلخ. لا يمكن للجماهير بطبيعة الحال أن تبقى في حالة تعبئة وحركة دائمة وسوف تكون هناك فترات صعود وهبوط، وفترات توقف. لكن الغضب الذي تراكم تحت السطح والذي لا يجد قناة للتعبير عن نفسه، ما يزال موجودا، ويمكن أن ينفجر في أي وقت.

البرتغال

ما تزال البرتغال غارقة في الركود، مع توقعات لحدوث انكماش في الناتج المحلي الإجمالي عام 2013 ما بين 1,6٪ و2,7٪ و(ربما) نمو ضعيف جدا في عام 2014. وصلت البطالة مستوى قياسيا قدره 16٪، وسوف تفشل الحكومة في تحقيق هدف خفض العجز لهذا العام (الهدف هو 5,5٪ من الناتج المحلي الإجمالي، بينما الرقم الحقيقي سيكون أقرب إلى 6٪)، على الرغم من سنوات من الإجراءات التقشفية القاسية المفروضة من طرف خطة الإنقاذ الأوربية لعام 2010، والتي بلغ مقدارها 78 مليار أورو.

وتشمل ميزانية 2014 المزيد من التخفيضات في الأجور في القطاع العام تتراوح بين 2٪ و12٪ للعامل الواحد، وخفض المعاشات التقاعدية بـ 728 مليون أورو. وهناك حاجة إلى مزيد من التخفيضات تساوي 3,3 مليار أورو في عام 2014، إضافة إلى خطة إنقاذ أخرى. وقد أدى ذلك إلى انهيار في الدعم للحكومة اليمينية. في الانتخابات المحلية لعام 2013 تعرضت أحزاب الائتلاف الحاكم لهزيمة ساحقة. وعلقت صحيفة الفايننشل تايمز بحزن قائلة: "الوضع السياسي يتدهور".

إن الحكومة البرتغالية، التي نفذت بخنوع جميع تدابير التقشف التي يمليها عليها الاتحاد الأوروبي، تطالب بالصبر، وتتوسل قائلة: "من فضلكم اعطونا مزيدا من الوقت". لكن أصحاب الأموال في واشنطن وبروكسل وفرانكفورت والترويكا غير مستعدين للصبر. وكمقابل لخطة إنقاذ جديدة سيطالبون بضمانات أكيدة بمواصلة تنفيذ برنامج التقشف. وبهذا يتم تحضير الشروط لاحتجاجات جماهيرية أكبر.

باسوس دي كويلهو، الذي تفاخر بأنه رجل قوي وبأنه تلميذ نموذجي للترويكا عندما انتخب في يونيو 2011، يظهر الآن كزعيم ضعيف لائتلاف مفكك. وحكومته، التي اكتسبت كراهية الشعب البرتغالي، وصلت إلى حافة الانهيار بعد الإضراب العام يوم 27 يونيو2013. والذي كان الأخير بعد سلسلة من التحركات الجماهيرية المستمرة ضد الائتلاف اليميني.

تعيد الطبقة العاملة البرتغالية اكتشاف تقاليد ثورة 1974- 1975. لقد خرج مليون شخص إلى الشوارع في شتنبر 2012، ثم خرج مليون ونصف المليون شخص في مارس 2013. إن المشكلة هي غياب القيادة. فالحزب الاشتراكي "المعارض" ما يزال فاقدا للمصداقية (فقد وقع على خطة الإنقاذ مباشرة قبيل طرده من الحكومة) ولم يكسب سوى من حيث النسبة المئوية بسبب ارتفاع معدل الامتناع عن التصويت.

الحزب الشيوعي هوالمستفيد الرئيس من هذه الموجة غير المسبوقة من السخط. لكن الحزبين المتواجدين على يسار الحزب الاشتراكي يعانيان من عدم وجود بديل جدي للأزمة، فكتلة اليسار (Bloco de Esquerda) تدافع عن سياسة كينزية إصلاحية حول "أوروبا الاجتماعية" و"التدقيق في حسابات الديون"، في حين يدعوا الحزب الشيوعي البرتغالي إلى سياسة شبه ستالينية تقوم على اقتصاد "وطني وديمقراطي" خارج الأورو.

اليونان

بعد خمس سنوات من الإجراءات التقشفية القاسية لم تحل مشاكل اليونان بل صارت أسوء من أي وقت مضى. لقد أغرقت سياسات "انهب واحرق"، التي طبقتها الترويكا، البلاد في ركود عميق. 1,4 مليون شخص عاطلون عن العمل، من بينهم شابان اثنان من كل ثلاثة. وأصبحت مستويات الفقر التي لم يسبق لها مثيل منذ سنوات الحرب هي القاعدة.

تشتكي حكومة أثينا (وهي محقة) من أن التخفيضات التي طالبت بها بروكسل تدفع الاقتصاد إلى مزيد من الركود، وتؤدي إلى تخفيض عائدات الضرائب، وزيادة العجز وتجبرهم على الاقتراض أكثر. لكن هذه النداءات لا تجد آذانا صاغية. فالألمان وغيرهم من المقرضين يردون بأن الأوروبيين الجنوبيين قد عاشوا فوق مستواهم لسنوات، ويجب عليهم الآن أن "يتعلموا الانضباط ".

لم تؤد كل حزم الإنقاذ المتتالية إلا إلى كسب بعض الوقت. لكن الأسواق لا تخدع. وقد تم فقط تأجيل المآل النهائي للأزمة اليونانية، لكن عاجلا أم آجلا سوف يصبح لا مفر منه.

وفي نفس الوقت تعتبر اليونان أرض الفرص بالنسبة للمضاربين الماليين. نشرت صحيفة الفايننشل تايمز مقالا بعنوان: "ربح صناديق التحوط في أرض الفرص اليونانية " حيث نقرأ:

«لقد كان القطاع المصرفي في اليونان محط أكبر قدر من الاهتمام. وقد كانت شركات Paulson & Co وBaupost وDromeus وYork Capital وEaglevale وOchZiff من بين الشركات التي اشترت حصصا في بنك Alpha وبنك Piraeus. وقد حققت جميع تلك الشركات أرباحا كبيرة. إن التداول المحموم في الضمانات العقارية يعني أيضا أن صناديق التحوط يمكنها أن تنتهي بالسيطرة على سجلات أسهم البنك اليوناني». (11/10/13)

هذا النهب الذي تتعرض له اليونان، والإملاءات المشؤومة التي تفرضها الترويكا، وانهيار مستويات المعيشة، أدى إلى اندلاع موجة هائلة من الإضرابات العامة والمظاهرات والاحتجاجات الجماهيرية. لقد تم إسقاط حكومتين بالفعل، والثالثة على وشك السقوط. يكافح ساماراس للحفاظ على تماسك ائتلاف هش لا يمكنه أن يستمر طويلا. وسوف يكون المستفيد الرئيس هو حزب سيريزا. لكن على اليمين تمكن حزب الفجر الذهبي بدوره من النمو.

توصل أصحاب القراءات السطحية إلى الاستنتاج بأن صعود الفجر الذهبي يعني أن هناك خطر وشيك للفاشية. لكن ما حدث للفجر الذهبي يؤكد صحة موقفنا بشأن آفاق الفاشية في عصرنا الحالي. إن البرجوازية اليونانية طبقة حاكمة مجرمة رجعية، ويمكن لقسم منها ربما أن يكون مستعدا لتسليم السلطة لحزب الفجر الذهبي، إذا تمكن من ذلك. وفي الواقع، فإن الفئات الأكثر رجعية بين صفوف الطبقة الحاكمة قد أيدت الحزب علنا ومولته.

وعلى عكس التشكيلات السياسية اليمينية الأخرى في أوروبا (فيني في ايطاليا ومارين لوبان في فرنسا)، التي تسعى إلى النأي بنفسها عن ماضيها الفاشي وتقديم نفسها على شكل أحزاب برلمانية "محترمة"، فإن الفجر الذهبي منظمة فاشية واضحة، وقد انفضحت صلاتها الوثيقة مع ضباط الشرطة والجيش. لهذه الكلاب المسعورة أجندتها الخاصة، والتي يبدو أنها تشمل الاستيلاء على السلطة.

مشكلتها هي أن الطبقة العاملة اليونانية قوية وكفاحية وغير مهزومة. تخشى البرجوازية من أن الفاشيين قد يثيرون، عن طريق اتخاذ إجراءات سابقة لأوانها، حركة جماهيرية سيكون من المستحيل السيطرة عليها. لقد ذهب بلطجية الفجر الذهبي بعيدا جدا عندما قتلوا مغنيا يساريا شهيرا، مما أثار احتجاجات واسعة النطاق. فاضطرت البرجوازية اليونانية إلى اتخاذ بعض التدابير ضدهم.

بطبيعة الحال، ليس لدا البرجوازية أية نية في محو الفاشيين. لقد اتخذت بعض التدابير لأغراض تجميلية من أجل تهدئة غضب الجماهير. ولاحقا سيعيد الفاشيون تنظيم صفوفهم تحت راية أخرى، ربما كجزء من ائتلاف يميني مع صورة أكثر احتراما (أقل نازية). وفي الوقت نفسه، سوف تظل العناصر الأكثر سعارا من بين حثالة البروليتاريا تلعب دور قوات مساعدة لأجهزة القمع (التي ترتبط بها عضويا)، وسيعملون بوصفهم كاسري إضرابات وبلطجية، ويعتدون على المهاجرين ويهاجمون المناضلين اليساريين.

إن المنظور المباشر لليونان ليس قيام نظام فاشي ولا نظام بونابارتي، بل المزيد من الميل نحو اليسار. إن الانهيار الحتمي لحكومة ساماراس ستطرح مسألة صعود حكومة سيريزا على جدول الأعمال. لكن بقدر ما يقترب تسيبراس من السلطة، بقدر ما تصير لغته أكثر مهادنة أملا منه في الحصول على عدد أكبر من الأصوات. لكن وعلى العكس من ذلك، يثير هذا السلوك الشكوك بين صفوف الشعب اليوناني الذي اعتاد على قادة يعدون بالكثير ويقدمون القليل عندما يتم انتخابهم.

لقد ظهر المزاج الحقيقي للجماهير في استطلاع للرأي كشف أن العمال اليونانيين قد بدأوا بالفعل في استخلاص استنتاجات ثورية. ذكر الاستطلاع أن 63٪ من الشعب اليوناني يريدون حدوث "تغيير عميق" في المجتمع، وهو ما يعني ثورة، في حين قال 23٪ صراحة إنهم يريدون الثورة. ليست المشكلة هي عدم النضج الثوري من جانب الجماهير، بل هي حقيقة أن لا أحد من الأحزاب الموجودة أو القادة الحاليين مستعد لتقديم تعبير واع للرغبة الشديدة للجماهير في تغيير المجتمع.

خلال الأربع أو الخمس سنوات الماضية أظهر العمال اليونانيون بوضوح رغبتهم في تغيير المجتمع. لقد شنوا الإضرابات العامة واحدا تلوالآخر. لكن خطورة الأزمة تجعل أنه ليس في مقدور حتى أشد الإضرابات والمظاهرات قوة وكفاحية حل المشكلة. وسوف تقابل الدعوة إلى مزيد من الإضرابات ليوم واحد بمزيد من الشكوك في المصانع. إن العمال الذين سدت أمامهم طريق الإضرابات والمظاهرات، سيتحركون على الصعيد الانتخابي. وعاجلا أو آجلا سوف ينتخبون حكومة يسارية، وهو ما سيطرح على سيريزا الخيار التالي: إما تنفيذ سياسة اشتراكية أو القبول بلعب دور إدارة أزمة الرأسمالية اليونانية الفاسدة والمنحطة. وسيشكل هذا مؤشرا على انفتاح مرحلة جديدة في الثورة اليونانية، وسيفتح إمكانيات هامة للماركسيين اليونانيين.

عنوان النص بالإنجليزية:

Perspectives for World Revolution 2014- part Two


أعلى الصفحة

  الصفحة الرئيسية


التيار الماركسي الأممي


اقتصاد وعولمة


المرأة والماركسية


ثقافة وفن


الفلسفة والعلم


Audio & Video


حملات تضامنية


تاريخ وتحليلات نظرية


إفريقيا


آسيــا


أوروبا


الشرق الأوسط


أمريكا الشمالية


أمريكا اللاتينية


مواقع أممية


هدفنا