marxy.com

مؤلفات

كارل ماركس
وفريديريك انجلز

 فلاديمير إيليتش لينين

ليون تروتسكي

 
الثورة المغدورة

تيد غرانت

المغرب

إعلان المبادئ

البرنامج الانتقالي

كتب


منظورات للثورة العالمية 2014 - الجزء الثالث


Bookmark and Share

التيار الماركسي الأممي
الجمعة: 31 يناير 2014

البريكس[1]

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية شكل النمو في التجارة العالمية القوة المحركة الأكثر أهمية بالنسبة للاقتصاد العالمي. لكن في الوقت الحالي تتوقع وكالة مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية UNCTAD أنه من المرجح أن تظل التجارة العالمية في حالة ركود لسنوات عديدة، وهو ما سيكون له آثار عميقة على الاقتصادات الصاعدة التي تعتمد على الصادرات.

إن الآمال المبالغ فيها بخصوص إمكانية لعب آسيا لدور القوة المحركة للاقتصاد العالمي قد تبددت. النمو في الصين يتباطأ، ويتراجع في الهند بوتيرة أسرع. ما يزال الاقتصاد الأوروبي متعثرا كما أن آفاق اليابان قاتمة. وقد حاولت الحكومة اليابانية إنعاش اقتصاد راكد عن طريق ضخ الأموال. لكن هذه السياسة غير صحية مطلقا. لقد وصل الدين الحكومي الياباني إلى 250% من الناتج الداخلي الإجمالي. بلدان البريكس كلها في نفس الموقف وحتى توقعات صندوق النقد الدولي لاقتصادات جنوب شرق آسيا يمكن تخفيض سقفها بشكل حاد. ويتحدث صندوق النقد الدولي الآن عن "حدوث تباطؤ هيكلي" في الاقتصادات الصاعدة.

لقد تباطأ النمو في ما يسمى بالأسواق الصاعدة. وهو الوضع الذي ليس من الصعب تفسيره. فإذا كانت أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية عاجزتان عن الاستهلاك، فإن الصين لا يمكنها أن تنتج. وإذا كانت الصين غير قادرة على الانتاج، فإن بلدانا مثل البرازيل والأرجنتين وأستراليا لن تكون قادرة على تصدير سلعها.

أموال المضاربة التي تدفقت إلى بلدان البريكس في الفترة الماضية قد بدأت الآن تفر إلى الخارج، مما تسبب في انخفاض حاد في قيمة عملاتها. فالروبية الهندية والروبية الإندونيسية والبيزو الأرجنتيني والريال البرازيلي والراند الجنوب إفريقي قد سجلت جميعها انخفاضات حادة. وقد حذر وزير المالية النيجيري من أن نهاية التسهيل الكمي في الولايات المتحدة سوف يهز الأسواق الصاعدة ويرفع تكاليف الاقتراض. نفس الموقف عبر عنه رئيس الوزراء الماليزي، نجيب رزاق، الذي توقع أن يتدفق المال عائدا إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

قلل النمو الاقتصادي القوي وارتفاع مستويات المعيشة من حدة الصراع الطبقي خلال العقد الماضي، لكن معدلات النمو في تراجع في كل من البرازيل وتركيا. في الواقع لقد تباطأ النمو بشكل ملحوظ، في جميع أنحاء العالم النامي إلى مستويات تجعل من الصعب أو من المستحيل دخول الجيل الجديد من الشباب أسواق العمل.

الصين

ترتبط أزمة البريكس عضويا بتباطؤ الاقتصاد الصيني. إن صعود الصين، الذي كان ينظر إليه من قبل البعض، وحتى بعض الذين أطلقوا على أنفسهم اسم "ماركسيين"، كضمانة لمستقبل الرأسمالية العالمية، قد أدى فقط إلى شحذ كل التناقضات. لقد وفر النمو الهائل الذي كان الاقتصاد الصيني يحققه نسمة أوكسجين للرأسمالية العالمية طيلة فترة من الزمن. والآن تبين أن هذه الميزة الهائلة قد صارت مشكلة هائلة. كان لا بد أن تعبر الاستثمارات الضخمة في الصناعة الصينية عن نفسها من خلال كمية ضخمة من السلع الرخيصة، والتي عليها إيجاد أسواق خارج الصين. وبالنسبة لأرباب الصناعة العالمية، أدى سيل الصادرات الصينية الرخيصة على مدى العقد الماضي إلى تفاقم أزمة فائض الإنتاج.

إن الجمع بين عرض كثيف لليد العاملة الرخيصة القادمة من الريف وبين الآلات الحديثة والتقنيات التي يغذيها الدعم الحكومي، قد مكن الصين من تطوير قاعدة صناعية قوية بسرعة. لقد دمرت مناصب الشغل والقدرات الانتاجية في جميع أنحاء العالم، وتسببت في إغلاق المصانع في البلدان المنافسة. وقد تعودت الشركات الأجنبية على الارتعاش خوفا أمام تدفق السلع الرخيصة القادمة من الصين. في البداية كانت هناك نسبة عالية جدا من الأرباح، لكن، وكما شرح ماركس، فإن كل ما يحدث هو أن الرأسماليين الآخرين يدخلون إلى السوق فيتراجع معدل الربح ليصل إلى مستويات أكثر طبيعية. ونحن نرى هذا يحدث في الصين الآن. لقد وصلت فترة النمو الهائل إلى حدودها. وفي الوقت الحالي تجد الصين نفسها في مواجهة نفس المشاكل التي تعاني منها جميع الاقتصادات الرأسمالية.

تمكنت البضائع الصينية منخفضة التكلفة من السيطرة على العديد من القطاعات. لكن بمجرد ما ينتقل الجزء الأكبر من قطاع صناعي معين إلى الصين، فإن فائض الإنتاج يأتي بسرعة خلفه. وهم الآن قلقون بشكل متزايد من ارتفاع فائض الإنتاج في الاقتصاد الصيني. وهو ما يشكل خطرا كبيرا على ما يعتبر الآن ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

خلال الأزمة المالية العالمية، ساهمت الصين في إنقاذ النظام الرأسمالي من خلال إطلاق حزمة تحفيزات هائلة وفرت إمدادات أوكسجين للسوق العالمية. ونتيجة لذلك، نما الاقتصاد الصيني بمعدل 8,7% و10,3% في عامي 2009 و2010. وكانت هذه أكبر تجربة لتطبيق الاقتصاد الكينزي في التاريخ. لكن التناقضات الآن أصبحت جلية. إن العديد من الصناعات التي استفادت من التحفيزات: من الصلب إلى بناء السفن إلى صهر المعادن، قد صارت الآن مشلولة بسبب فائض هائل في الإنتاج. ويتسبب تباطؤ النمو الاقتصادي في الصين في خسائر فادحة وهناك ضرورة لإجراء عملية تطهير مؤلمة.

قالت صحيفة الفايننشل تايمز (17/6/2013): «من المواد الكيميائية والاسمنت إلى الجرافات والتلفزيونات ذات الشاشات المسطحة، تعاني الصناعة الصينية من القدرة الزائدة (excess capacity) التي تدفع الأرباح إلى الانخفاض داخل البلد وخارجه، وتنذر بمزيد من زعزعة استقرار النمو الصيني الهش أصلا».

تنتج الصين ما يقارب نصف الانتاج العالمي من الألومنيوم والصلب وحوالي 60% من الانتاج العالمي للاسمنت، لكن تتم زيادة القدرة الإنتاجية الجديدة بسرعة، حتى مع تباطؤ الاقتصاد وتضاؤل أسواق التصدير. وعلى الرغم من أن إنتاج الصلب فى الصين يسجل مستويات قياسية، فإنه لا يتم استخدام سوى حوالي 80% من الطاقة الإنتاجية للبلد. ويقول قادة الصناعة والمسؤولون الحكوميون إنه ينبغي المزيد من تخفيض القدرة الزائدة من أجل العودة بالقطاع إلى التوازن.

وتضيف نفس الصحيفة :

«في العام الماضي لم يتم استخدام سوى حوالي ثلثي القدرة الإنتاجية لقطاع الإسمنت، وفقا لدراسة أصدرتها كونفدرالية الشركات الصينية.

«كتب أوشا هالي قائلا: "هناك قدرة زائدة مفرطة بدون قياس العرض والطلب، ووجدنا أن الدعم يمثل حوالي 30% من الناتج الصناعي. ومعظم الشركات التي رأيناها من المحتمل أن تفلس إذا لم تحصل على الدعم".

«تقريبا كل خطط الشركات الصناعية للاستثمار والنمو قد بنيت على الاعتقاد بأن الحكومة لن تسمح أبدا بأن يتراجع النمو إلى أقل من 8 أو 9%. لكن الوضع لم يعد كذلك. لقد انخفض معدل النمو في الصين إلى 7,5% وارتفع لاحقا إلى حوالي 7,8%. لكن حتى هذا الرقم الأخير كان أبطأ معدل سجل خلال 13 عاما.

«الطاقة المفرطة (overcapacity) في صناعة السيارات متفشية، وفي حالة شركة جيلي[2] التي اشترت فولفو في عام 2010، جاء أكثر من نصف صافي أرباحها مباشرة من الإعانات في عام 2011. وفي الواقع، كانت مداخيل الدعم لشركة جيلي في ذلك العام أكبر بـ 15 ضعفا من ثاني أكبر مصدر للأرباح أي "مبيعات الخردة" وفقا لتحليل Fathom China». (صحيفة الفايننشل تايمز 17/6/2013).

إن حجم الطاقة المفرطة والتباطؤ في النمو الصيني يشيران الى أن العديد من الشركات ستواجه الإفلاس. وسيكون لذلك آثار عميقة على وعي كل طبقات المجتمع الصيني.

منظورات الصراع الطبقي

لقد استندت كل نجاحات الاقتصاد الصيني في نهاية المطاف على عمل العمال الصينيين الذين يكدحون مقابل أجور زهيدة في ظروف تشبه تلك التي كان العمال يعيشونها في انكلترا الفيكتورية. لا يوجد مكان آخر في العالم فيه التفاوتات الموجودة في الصين، التي من المفترض أن تكون بلدا "اشتراكيا". لقد ظهرت طبقة جديدة من البرجوازيين الصينيين الذين يرفلون في كماليات غير معروفة لدى الغالبية العظمى من السكان.

تحكم الصين نخبة صغيرة من الأوليغارشيين الفاحشي الثراء الذين اغتنوا من خلال نهب الدولة والاستغلال الوحشي لقوة عمل العمال الصينيين. لكن القاعدة الاجتماعية للطبقة الرأسمالية الصينية ضيقة جدا. فمن بين عدد سكان يبلغ حوالي مليار و354 مليون نسمة، هناك فقط 1,2 مليون مليونير (بالدولار الأمريكي). أي ما مقداره 0,1% من عدد السكان. عدد المليونيرات بالدولار ينمو بسرعة لكن ذلك يظهر أيضا مدى ضعف الرأسماليين في الصين. إن 1,2 مليون مليونير هو أقل من العدد المطلق لأصحاب الملايين في بريطانيا أو إيطاليا.

صحيح أن تحتهم توجد شريحة من صغار المستغِلين وصغار صغار المستغِلين: مديرو المصانع والمسيرون والمهندسون والبيروقراطيون والمسؤولون في مؤسسات الدولة والحزب. والذين يشكلون إلى جانب أسرهم جزءا من النظام. لكن رغم ذلك فإن الأغلبية الساحقة من الشعب مقصية من الثروة الاقتصادية والنفوذ السياسي المرتبط بها. إن الثروة الفاحشة التي تمتلكها النخبة الحاكمة وأبنائها ("الأمراء") تقابل باستياء كبير من طرف الشعب. والفساد الواسع الانتشار الذي يزدهر على كل المستويات يشكل سببا إضافيا للسخط.

إن المحاكمات التي تحظى بتغطية إعلامية مكثفة، والتي غالبا ما تنتهي بالحكم بالإعدام على المسؤولين، الذين ذهبوا بعيدا جدا في ممارساتهم الفاسدة، هي طريقة تحاول النخبة الحاكمة من خلالها تهدئة غضب المواطنين الصينيين العاديين، بينما تحاول في نفس الوقت منع الفساد، الذي هو صفة حتمية للنظام البيروقراطي الشمولي، من استهلاك كمية مفرطة من الثروة التي تنتجها الطبقة العاملة.

إن الجيل الجديد من العمال الشباب ليس مستعدا للتعايش مع الأجور المتدنية والظروف السيئة كما كان الجيل القديم من الفلاحين السابقين الذين جاءوا من القرى الفقيرة. ويتم التعبير عن مزاج السخط المتصاعد في المجتمع الصيني من خلال ارتفاع عدد الإضرابات والمظاهرات وحالات الانتحار في المصانع. في مجتمع شمولي مثل الصين، حيث يتم قمع كل أشكال السخط بالقوة، وحيث لا يوجد سوى القليل من صمامات الأمان القانونية، يمكن أن تحدث الانفجارات فجأة ودون سابق إنذار. وليس من قبيل الصدفة أن الدولة الصينية قد صارت للمرة الأولى في تاريخها تنفق على الأمن الداخلي أكثر مما تنفقه على الدفاع.

روسيا

إن روسيا وعلى عكس غالبية الدول الأوروبية، لا تواجه بعد مشكلة ديون خطيرة. فبفضل صادرات النفط والغاز ونمو الاقتصاد في الفترة الماضية، تمكنت من توفير احتياطيات مالية كبيرة. لكن هذا قد بلغ الآن حدوده. ومن بين ما يشترك فيه الاقتصاد الروسي مع بقية بلدان البريكس الأخرى هو التراجع، مع معدل نمو يقدر بحوالي 1%.

هذا هو العامل وراء ارتفاع مزاج الاستياء، ليس فقط بين صفوف الطبقة العاملة، بل أيضا بين صفوف شرائح واسعة من البرجوازية الصغيرة، والذي يظهر في تصاعد المعارضة المناهضة لبوتين. ونتيجة لتوسع الاقتراض صار أغلبية العمال والشباب الآن يجدون أنفسهم تحت وطأة ديون ثقيلة. نفس الشيء ينطبق على الشركات والبلديات. والنتيجة هي انخفاض الاستثمارات والركود الاقتصادي. وللمرة الأولى بدأت قطاعات اقتصادية مثل صناعة السيارات تعاني من مشاكل خطيرة في المبيعات.

يجري دعم الاقتصاد من قبل الدولة من خلال تطبيق سياسات كينزية تتمثل في الاستثمار المباشر للدولة في البنية التحتية، أو في مشاريع مثل ألعاب سوتشي الأولمبية الشتوية لعام 2014، وكأس العالم لكرة القدم عام 2018. إن هذه المشاريع التي تمثل المعادل الحديث لبناء أهرامات الفراعنة المصريين، لا يمكن تحقيقها إلا على أساس استغلال العمال ذوي الأجور المنخفضة وارتفاع أسعار النفط والغاز. ومع ذلك، فقد كان للفترة الطويلة من ارتفاع أسعار النفط نتيجة حتمية فيما يخص التكنولوجيات الجديدة لإنتاج النفط والغاز في الولايات المتحدة الأمريكية. لقد تحول مشروع بوتين “imperial energy” إلى مهزلة. وكان رد فعله الهستيري على تحركات منظمة السلام الأخضر Greenpeace في بحر بارنتس علامة واضحة ليس على القوة، بل على الذعر.

لقد مكن نمو الاقتصاد خلال الفترة الماضية بوتين من تطبيق نوع من السياسة شبه الأبوية. وهذا ما أعطى لنظامه مظهر الاستقرار. لكن لا يمكن لهذا أن يستمر لفترة طويلة. يواجه أغلبية العمال الجدد أجورا منخفضة وظروف عمل سيئة. وقد كانت هناك زيادة حادة في أعداد المهاجرين غير القانونيين أو شبه القانونيين من آسيا الوسطى. وبدأ الوضع الاجتماعي والسياسي يظهر منذ الآن علامات على الاختلال، وهذا ما يحدد سياسات بوتين وكذلك سياسات المعارضة.

إن الهدف الرئيسي للمعارضة الليبرالية هو انتزاع العناصر البرجوازية الصغيرة من قبضة بوتين. الوجه الرئيسي في المعارضة الآن هو أليكسي نافالني. في الانتخابات الأخيرة لمنصب رئيس بلدية موسكو، التي أجريت في شتنبر عام 2013، حصل نافالني على 27,24% من الأصوات مقابل 51% لمرشح بوتين، سوبيانين. بينما لم يحصل مرشح الحزب الشيوعي وزعيم الجناح "اليساري" داخل الحزب، ايفان ميلينكوف، سوى على 10,69%.

كان المحامي والمقاول الصغير نافالني قد طرد من الحزب الليبرالي يابلوكو. ويشمل برنامجه مكافحة الفساد و"حكومة رخيصة" وتخفيض الضرائب وتطبيق نظام التأشيرات على بلدان آسيا الوسطى السوفياتية السابقة وترحيل الأجانب العاطلين عن العمل.

لقد أدت عودة الرأسمالية في روسيا إلى تقاطب شديد للثروة. ويبين أحدث إصدار لـ Credit Suisse Wealth Report بشكل واضح أن الثروة العالمية ما تزال تتركز في أيدي الولايات المتحدة من حيث الأعداد المطلقة لأصحاب ملايين الدولارات، ومقدار الثروة المتراكمة التي تتركز في أيديهم. لكنه يسلط الضوء أيضا على حقيقة أن روسيا قد أصبح لديها أعلى مستوى من التفاوت في الثروة في العالم، بصرف النظر عن البلدان الكاريبية الصغيرة والمليارديرات المقيمين بها. يمتلك أصحاب الملايير في جميع أنحاء العالم، ما بين 1% و2% من إجمالي ثروات الأسر؛ أما في روسيا اليوم فإن 110 مليارديرا يمتلكون 35% من مجموع الثروة.

لقد خف التوتر بين الطبقات جزئيا وبشكل مؤقت بفعل النمو الاقتصادي. لكن الاقتصاد الآن تباطأ بشكل حاد، مما يعكس الأزمة العامة للرأسمالية العالمية. وقد خفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي في روسيا عام 2013 إلى 1,5%، مقارنة مع 5% و8% قبل الأزمة المالية.إن الوضع في روسيا يشير إلى اقتراب انفجار اجتماعي، حتى على المدى القصير.

قال لينين إن الشرط الأول للثورة هو أن تكون الطبقة الحاكمة في أزمة وغير قادرة على الاستمرار في الحكم بالطريقة القديمة. وبالفعل هناك مزاج عام من التشاؤم في صفوف النظام، بل وحتى الذعر في بعض الأحيان. إن هدف بوتين الرئيسي هو بناء دولة بوليسية قوية قبل اندلاع الأزمة.

شرط لينين الثاني للثورة هو وجود حالة غليان بين صفوف الشرائح الوسطى في المجتمع، والتي تتأرجح بين الثورة والثورة المضادة. وتوضح المظاهرات الحاشدة ضد تزوير الانتخابات، والتي كان أغلبية المشاركين فيها من الطبقة المتوسطة، أن هذه السيرورة قد بدأت بالفعل.

لكن الشرط الثالث، والذي هو أن يكون العمال على استعداد للنضال وتقديم التضحيات من أجل تغيير المجتمع، لم ينضج بعد في روسيا. لكن قدوم الأزمة الاقتصادية وخيبة الأمل المتزايدة في بوتين يعني أنها ليست سوى مسألة وقت قبل أن تواجه روسيا انفجارات اجتماعية مشابهة لما حدث في تركيا والبرازيل.

المشكلة هي غياب القيادة. إن العجز المطلق لما يسمى بالحزب الشيوعي عن تقديم بديل للجماهير يعني أن الاحتجاجات تتم بقيادة الليبراليين البرجوازيين والديمقراطيين البرجوازيين الصغار. لكن هذه الحركة ليست سوى عرض من أعراض الاضطرابات المتنامية، والتي ستعبر عن نفسها عاجلا أم آجلا في انفجار اجتماعي. وفي الوقت المناسب سوف تعيد الطبقة العاملة الروسية، في الممارسة، اكتشاف التقاليد الحقيقية لثورة أكتوبر والبلشفية.

الهند وباكستان

كانت البرجوازية الهندية مصابة بأوهام العظمة. ولقد ادعى رئيس الوزراء مونامهان سينغ أن النمو في الهند يساوي 8% إلى 9%. والآن هو حوالي نصف هذا العدد. لقد جفت الاستثمارات الخاصة. والتضخم بلغ أكثر من 10% وما يزال في تصاعد. كما انخفضت قيمة الروبية بـ 13% في غضون ثلاثة أشهر عام 2013. وقد حذرت صحيفة الإيكونوميست (24/8/2013) قائلة: «ملوك المال الذين كانوا يهتفون لصعود الهند كقوة عظمى صاروا يحذرون الآن من احتمال اندلاع اضطرابات مدنية».

هذا التوقع قد أصبح بالفعل حقيقة واقعة. وينعكس الغليان الموجود داخل المجتمع الهندي في سلسلة من الحركات الجماهيرية حول مختلف القضايا. في البداية كانت هناك حركة مكافحة الفساد، وتلتها مظاهرات حاشدة ضد الاغتصاب وضد الاعتداءات على النساء. كلا الحركتين كانتا إلى حد كبير ذات طبيعة برجوازية صغيرة، لكنهما كشفتا عن وجود تيار استياء عميق من الأساس الهندوسي القومي المحافظ للدولة الهندية.

كانت هذه المظاهرات مثل الزبد فوق أمواج المحيط؛ أو بعبارة أخرى كانت أعراضا لتيارات أعمق وأقوى تعتمل تحت السطح. إن استياء الجماهير، التي لم تستفد من النمو الذي عرفه الاقتصاد الهندي، قد بدأ يتحول إلى غضب. وقد تبين ذلك من خلال سلسلة من التمردات الفلاحية وقبل كل شيء من خلال الإضراب العام لمدة يومين في فبراير 2013.

وعلى الجانب الآخر من الحدود المصطنعة، انحدرت باكستان إلى مستوى من البؤس أسوء من أي شيء سبق لها أن شهدته منذ الاستقلال. الانهيار الاقتصادي والهجمات الإرهابية والتفجيرات الانتحارية وانقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار وحالات الانتحار داخل الأسر الفقيرة وبيع الأطفال والأعضاء البشرية وتعذيب وقتل النساء... كل هذا يعيد إلى الذهن مقولة لينين: "إن الرأسمالية هي الرعب بدون نهاية".

آمال الجماهير في تحسين أوضاعها تعرضت للخيانة في ظل حكومة حزب الشعب الباكستاني. والآن تطبق حكومة الرابطة الإسلامية اليمينية المزيد من الهجمات. لقد نهبوا ممتلكات الدولة من خلال خصخصة الشركات العمومية مثل شركة الطيران الباكستانية الدولية والخدمات البريدية والسكك الحديدية وشركة الماء والكهرباء (WAPDA)، وغيرها من الشركات.

ونتيجة لذلك، سيكون هناك المزيد من التسريحات والمزيد من البطالة والمزيد من الفقر والمزيد من التفكك الاقتصادي. ويتفاقم بؤس الشعب بسبب الطائفية الدينية الهمجية والمذابح الجماعية والحروب بالوكالة الدامية في بلوشستان وهجمات الطائرات بدون طيار في بختونخوا، وما إلى ذلك. وما تزال المخابرات الباكستانية (ISI) تعمل وكأنها دولة داخل الدولة، حيث تثير الصراعات وتقوم بعمليات القتل وتمارس العنف لخدمة مؤامراتها السرية. وكوسيلة لتحويل انتباه الجماهير عن المعاناة الرهيبة التي تعيشها، تلعب الطبقة الحاكمة الباكستانية المنحطة بالنار في الصراعات في أفغانستان ومع الهند. وما يزال النزاع في كشمير مستمرا في تسميم العلاقات بين البلدين.

ليس هناك من حل على أساس الرأسمالية. لا الرابطة الإسلامية ولا حزب الشعب الباكستاني ولا الدكتاتورية العسكرية يمكنها أن تنجح. وحدها الثورة الاشتراكية يمكنها أن تقدم وسيلة للخروج من الجحيم الذي يعيش فيه الملايين من الناس في باكستان والهند وبنغلاديش ونيبال وسريلانكا. لقد صارت ظروف العيش الرهيبة لا تطاق. ويجري الآن إعداد الشروط الموضوعية لنهوض ثوري على غرار ثورة 1968-1969. لقد خرجت تلك الثورة [ثورة 1968-1969] عن مسارها بسبب عدم وجود القيادة. لكن تصاعد قوة التيار الماركسي الأممي في باكستان، في ظل أصعب الظروف التي يمكن تخيلها، يقدم الأمل بالنصر في المستقبل. يجب علينا أن نضاعف جهودنا لتعزيز قوات الماركسيين الباكستانيين لضمان النصر.

أفغانستان

بعد ثلاثة عشر عاما من القتال الدموي، يسعى الامبرياليون جاهدين لتخليص أنفسهم من المستنقع الأفغاني. عندما ذهب جيش التحالف، الذي تقوده الولايات المتحدة، إلى أفغانستان، توقعنا أن نجاحه الأولي سينتهي في الأخير بالفشل. وقد كتبنا في ذلك الوقت:

«لقد أدت سرعة انهيار دفاعات طالبان، والسهولة التي دخلت بها قوات التحالف الشمالي إلى كابول، بالكثير من الناس إلى الاستنتاج بأن الحرب قد وضعت أوزارها وأن طالبان قد انتهت. إن هذا فهم خاطئ جدا للوضع. [. .. ]

«لقد فقدت طالبان سيطرتها على السلطة، لكنها لم تفقد قدرتها على خوض الحرب. إنها مدربة جيدا على خوض حرب العصابات في الجبال. لقد فعلت ذلك من قبل وتستطيع ان تفعل ذلك مرة أخرى. في الشمال كانوا يقاتلون في أراضي غريبة ومعادية. لكن في قرى وجبال منطقة البشتون، هم في وطنهم. ينفتح احتمال خوض حرب عصابات طويلة الامد يمكن أن تستمر لسنوات. كان الجزء الأول من حملة الحرب التي شنها الحلفاء هو الجزء السهل. لكن الجزء الثاني لن يكون بنفس السهولة. سيتوجب على القوات البريطانية والأمريكية أن ترسل بعثات عسكرية للبحث والتدمير إلى المناطق البشتونية، حيث ستكون أهدافا للعصابات. سوف تكون الخسائر حتمية. وهو ما سيكون له في مرحلة معينة تأثير على الرأي العام في بريطانيا وأمريكا.

«كان الأمريكيون يأملون أن يكونوا قادرين على تنفيذ ضربة جراحية سريعة ضد بن لادن، بالاعتماد بشكل رئيسي على القوة الجوية. لكن عوض ذلك صار الصراع أكثر تعقيدا وصعوبة من أي وقت مضى، واحتمال انتهاء الصراع تأجل إلى أجل غير مسمى تقريبا. سيكون عليهم إبقاء قواتهم متمركزة ليس فقط في أفغانستان، بل أيضا في باكستان وغيرها من البلدان من أجل دعمها. [. .. ]

«هذا موقف أسوء بكثير وأكثر خطورة من ذلك الذي وجد فيه الأمريكيون أنفسهم يوم 11 شتنبر. سيكون على واشنطن الآن التحالف مع النظام المفلس والمضطرب في باكستان، وكذلك على جميع الدول الأخرى "الصديقة" في المنطقة، والتي تتسبب بممارساتها في زعزعة استقرارها. إذا كان الهدف من هذه العملية هو مكافحة الإرهاب، فسوف تجد أنها قد حققت العكس. قبل هذه الأحداث كان في إمكان الإمبرياليين أن يحافظوا على مسافة آمنة نسبيا من التشنجات والحروب التي تدور في هذا الجزء من العالم، لكنهم الآن متورطون تماما فيها. لقد تسببت الولايات المتحدة وبريطانيا من خلال تصرفاتهما منذ 11 شتنبر في جر أنفسهما إلى مستنقع سيكون من الصعب عليهما تخليص أنفسهما منه».

لقد كتبنا هذا في 15 نوفمبر 2001 (أفغانستان بعد سقوط كابول : هل انتهت الحرب؟). وبعد اثنتي عشر عاما ليست هناك حاجة لتغيير ولو كلمة واحدة مما كتبناه في ذلك الحين.

مع ناتج محلي إجمالي للفرد الواحد يساوي 528 دولارخلال سنتي 2010- 2011، تعتبر أفغانستان من بين أفقر عشر بلدان في العالم. 36% من السكان، في عام 2008، يعيشون تحت خط الفقر، ويعتبر أكثر من نصف عدد السكان في وضعية هشاشة. وتسجل أفغانستان أعلى معدل لوفيات الأطفال الرضع في العالم بمعدل يبلغ 134 لكل 1000 مولود حي. متوسط أمد الحياة هو 48,1 سنة. و75% من السكان أميون. كما أن أفغانستان هي أيضا أكبر مصدر للأفيون في العالم.

إن المبالغ الهائلة من الأموال التي تنفق على حرب عديمة الفائدة كافية لتغيير حياة الشعب. لكن بدلا من ذلك عمل الامبرياليون على تدمير البلاد وهم الآن مضطرون لمغادرتها بعد أن لم يحلوا أي مشكل. إنهم يتفاوضون مع طالبان، التي سيكون لها حتما رأي مؤثر في أي حكومة مقبلة في كابول. لم يتحقق أي شيء ما عدا المزيد من زعزعة استقرار المنطقة بأكملها، بدءا من باكستان.

هوامش:

[1] كلمة مكونة من الأحرف اللاتينية الأولى لأسماء البلدان صاحبة أسرع نمو اقتصادي بالعالم (BRICS): البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا. – المترجم -

[2] جيلي Geely أكبر شركة صينية لصناعة السيارات

عنوان النص بالإنجليزية:

Perspectives for World Revolution 2014 - Part three


أعلى الصفحة

  الصفحة الرئيسية


التيار الماركسي الأممي


اقتصاد وعولمة


المرأة والماركسية


ثقافة وفن


الفلسفة والعلم


Audio & Video


حملات تضامنية


تاريخ وتحليلات نظرية


إفريقيا


آسيــا


أوروبا


الشرق الأوسط


أمريكا الشمالية


أمريكا اللاتينية


مواقع أممية


هدفنا