marxy.com

مؤلفات

كارل ماركس
وفريديريك انجلز

 فلاديمير إيليتش لينين

ليون تروتسكي

 
الثورة المغدورة

تيد غرانت

المغرب

إعلان المبادئ

البرنامج الانتقالي

كتب


منظورات للثورة العالمية 2014 - الجزء الرابع


هذا هو الجزء الرابع من تحليل التيار الماركسي الأممي للوضع العالمي الحالي وآفاق تطوره. إن هذا المشروع سيكون أساسا للنقاش داخل صفوف التيار الماركسي الأممي مع التعديلات الممكنة خلال المؤتمر الأممي الذي سيعقد خلال صيف هذه السنة 2014، ويتناول الجزء الرابع تحليلنا للوضع في أمريكا اللاتينية والعلاقات العالمية وآفاق الثورة في الشرق الأوسط (مصر، سوريا وإيران) .

Bookmark and Share

التيار الماركسي الأممي
الأربعاء: 05 فبراير 2014

أمريكا اللاتينية

اقتصادات عدد من بلدان أمريكا الجنوبية (بما في ذلك البرازيل وشيلي وبيرو وبوليفيا والإكوادور وكولومبيا)، التي استفادت من تصدير المواد الخام والسلع الأساسية ومصادر الطاقة للصين، تعاني الآن من انعكاسات تباطؤ الاقتصاد الصيني. وسيكون لذلك تداعيات سياسية واجتماعية عميقة في الفترة المقبلة، مثلما سبق لنا أن رأينا بالفعل خلال التحركات الجماهيرية ضد ارتفاع ثمن تذاكر النقل العمومي في البرازيل.

الاحتجاجات الجماهيرية ضد حكومة مرسي في 30 يونيو 2013

بعد فترة من احتداد الصراع الطبقي في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية (وبالخصوص في فنزويلا وبوليفيا والإكوادور)، مع إسقاط الحكومات اليمينية في انتفاضات جماهيرية، وانتخاب رؤساء اتخذوا تدابير دفعت بهم إلى الصراع مع الإمبريالية، والانتفاضات الإقليمية، الخ، يبدو أن الموجة الثورية في القارة قد وصلت إلى نقطة توقف. هناك الآن نوع من الجمود في الصراع بين الطبقات، حيث لا أحد من الطرفين قادر على تحقيق نصر حاسم.

تعرضت محاولات الانقلاب الرجعية إلى الهزيمة على يد الجماهير في فنزويلا (في عدة مناسبات) وفي الإكوادور وبوليفيا. ولم تتمكن القوى الرجعية والإمبريالية من إلحاق هزيمة حاسمة بأي من هذه الحركات الجماهيرية، باستثناء الانقلابين في باراغواي وهندوراس، واللذان مع ذلك لم يضعا حدا للحركة الثورية في هذين البلدين.

في كولومبيا أدت بداية مفاوضات السلام بين الحكومة والقوات المسلحة الثورية الكولومبية، والتي تدل على عدم قدرة قوات المغاوير على كسب الحرب، إلى فتح الطريق أمام تطور الصراع الطبقي على أسس طبقية. وقد شهد الرئيس الجديد سانتوس انهيار شعبيته (من 46% إلى 21% ما بين شهري يونيو وغشت 2013) بعد سلسلة من الإضرابات من قبل مزارعي البن وعمال قطاع القضاء، والطلاب، والإضراب الوطني للمزارعين مؤخرا والذي وضع وجه حكومته أمام الجدار. محاولة الطبقة الحاكمة الكولومبية "تجميل" أساليب حكمها (بعد أن اعتمدت بشكل كبير على القوات شبه العسكرية في عهد أوريبي) أتت بنتائج عكسية، كما أطلقت العنان لموجة من الصراع الطبقي.

مع عودة الحزب الثوري المؤسساتي (Partido Revolucionario Institucional) إلى السلطة، تمكنت الطبقة الحاكمة المكسيكية من الحصول على حكومة قوية نسبيا مما سمح لها بتنفيذ التدابير التي كانت تخطط لها منذ سنوات. وحتى قبل أداء بينيا نيتو لليمين، كانوا قد طبقوا بالفعل إصلاح قانون الشغل. لقد قضى هذا الإصلاح على العديد من المكتسبات التي تم تحقيقها خلال الثورة المكسيكية، مما يسهل استغلال الطبقة العاملة.

وكانت الخطوة الرئيسية الأخرى هي الإصلاح المضاد في قطاع الطاقة، والذي يفتح الباب أمام الشركات متعددة الجنسيات للاستثمار في قطاعات الكهرباء والنفط. كان تأميم قطاع النفط، من طرف حكومة لازارو كارديناس عام 1938، يعني تحقيق المكسيك، طيلة عدة عقود، لاستقرار اقتصادي واجتماعي نسبي. أما الآن فقد انتهى ذلك. قبل الإصلاح الذي شهده قطاع الطاقة، كانت شركة النفط بيميكس تساهم بـ 40% من الموازنة العامة للدولة. أما الآن فسيتم توجيه جزء كبير من تلك الموارد إلى جيوب الرأسماليين الخواص. سيؤدي ذلك إلى عجز في الميزانية، وهو ما ستتم معالجته عبر الزيادة في الضرائب والتخفيضات في الإنفاق الاجتماعي.

ينعكس انحطاط النظام الرأسمالي المكسيكي في نمو البطالة ونمو الاقتصاد غير المهيكل وتصاعد البؤس والتفكك الاجتماعي. ويتم التعبير عن هذا بكل وضوح في تطور سوق المخدرات والحرب على المخدرات الناتجة عنه، وهو ما أدى إلى زيادة معاناة الجماهير. تشكل هذه الإصلاحات المضادة نقطة تحول، وسوف تؤدي إلى تفاقم الأوضاع المعيشية للشعب المكسيكي، في السنوات المقبلة.

قيادة النقابات وحزب حركة التجديد الوطني (Morena)، بمنظورها الانتخابي الإصلاحي، كانت بمثابة الفرامل التي منعت تنظيم مقاومة موحدة الصفوف استنادا إلى أساليب العمل الجماهيري الثوري. ومع ذلك، فإن هناك مزاجا متزايدا من الغضب. وقد اتضح ذلك من خلال تشكيل حركة مورينا، وفي النضالات النقابية الكفاحية - مثل نضالات المعلمين وعمال الكهرباء- مع دخول جيل جديد من الشباب الكفاحيين إلى ساحة النضال، وتطوير العديد من المليشيات الجماهيرية ومجموعات الدفاع الذاتي.

في ولاية غيريرو كانت هناك تحركات جماهيرية مسلحة، وفي ميتشواكان هناك بلديات في حالة حرب أهلية مفتوحة. وعلى الرغم من أن هذه السيرورة مليئة بالتناقضات، فإنها أعراض للضغط الهائل الذي تمارسه الرأسمالية المكسيكية المتحللة على الجماهير، التي بدأت تتوصل إلى خلاصات ثورية. حكومة بينيا نيتو ستواصل سياستها الهجومية والإصلاحات المضادة، والتي تعبد الطريق لاندلاع حركة مقاومة عمالية واسعة النطاق.

ومع ذلك، ونظرا لعدم وجود العامل الذاتي، أي: قيادة ثورية واضحة، فإن الجماهير في أمريكا اللاتينية عجزت عن الاستيلاء على السلطة والقضاء على الرأسمالية. وقد أدى هذا إلى دخول الصراع الطبقي في مأزق وحدوث توازن مؤقت وغير مستقر بين الطبقات، وهو الوضع الذي ساهم الازدهار الاقتصادي في إطالة أمده. إن الركود العالمي الذي بدأ في 2007-2008 لم يصب أمريكا الجنوبية إلا جزئيا، وتعافت المنطقة منه بسرعة، بفعل تعطش الصين للموارد. لكن هذا الوضع يصل الآن إلى نهايته. وقد اتضح ذلك بطريقة مثيرة للغاية في الأحداث التي شهدتها البرازيل.

البرازيل

في الفترة الماضية (حتى عام 2011)، تمتعت البرازيل بمعدلات عالية من النمو، وذلك أساسا بفضل التصدير إلى الصين. لقد مكن هذا الرأسماليين من تقديم التنازلات فيما يتعلق برفع الأجور عندما واجهوا النقص في اليد العاملة والإضرابات. لقد ارتفعت الأجور بمعدل 3% و5% بين عامي 2002 و2013. وانتهت 95% من المفاوضات حول الأجور بزيادات في الأجور أعلى من معدل التضخم. هذا إضافة إلى إنجازات برنامج لولا للرعاية الاجتماعية “bolsa familia” الذي هدف إلى دعم شروط عيش أفقر الفئات الاجتماعية (25 مليون نسمة)، وهو ما يفسر جزئيا أسباب استقرار حكومة حزب العمال لفترة طويلة.

لكن الآن كل شيء قد تغير. فالتباطؤ الحاد للاقتصاد في عام 2011 (+2,7%) و2012 (+0,9%) كشف فجأة عن وجود إحباط واسع النطاق، بلغ ذروته في اندلاع حركة جماهيرية في يونيو 2013. إن المستويات المنخفضة نسبيا للاستثمار من قبل الرأسماليين يعني أن ارتفاع الأجور لم تقابله زيادة في الإنتاجية. منذ عام 2003، تضاعفت تكاليف اليد العاملة في البرازيل، بل إنها بالدولار قد بلغت ثلاثة أضعاف.

أدى انخفاض مستويات الاستثمار في البرازيل إلى انخفاض حاد في الإنتاجية بالمقارنة مع غيرها من الاقتصادات الكبيرة. وقد مكنت طفرة الصادرات إلى الصين من إخفاء الوضع الكارثي في البرازيل لفترة من الزمن. أشار تقرير خاص لصحيفة الإيكونوميست عن البرازيل (28 شتنبر 2013) إلى أن البرازيل تسير نحو فترة من تزايد الأزمة والصراع الطبقي. والتضخم الذي يقترب من 6% يتسبب في خفض مستويات معيشة الناس العاديين وتأجيج المطالب الاقتصادية للطبقة العاملة. هذا الواقع يفسر رغبة قسم من البرجوازية البرازيلية في التخلص من حزب العمال. لا يعتقدون أن حزب العمال قادر على غرس السكين سريعا وعميقا بما فيه الكفاية. بينما يشعر قسم آخر من البرجوازية بالرعب من احتمال التعامل مع احتداد الصراع الطبقي بدون مساعدة من قادة حزب العمال.

لقد عكست الحركة ضد ارتفاع أسعار تذاكر النقل، والتي انتشرت بسرعة في مختلف أنحاء البلاد، السخط الواسع المتراكم في المجتمع. إنها تمثل دليلا على وصول الموجة الثورية من البلدان العربية وبلدان جنوب أوروبا إلى البرازيل. وعلى الرغم من أن الحركة كانت بلا قيادة وكانت تضم حتما العديد من العناصر المرتبكة، فإنها مثلت نقطة تحول هامة، وتبعتها سلسلة من الأيام النضالية الوطنية من قبل الحركة النقابية وتعبئة ضخمة حول إضراب المعلمين. لن تتمتع ديلما روسيف بالتأكيد بالطفرة الاقتصادية الطويلة التي ضمنت استقرار لولا في السلطة. وسيخلق هذا ظروفا استثنائية للماركسيين البرازيليين في الفترة المقبلة.

فنزويلا

في فنزويلا، شكل النصر الصغير الذي حققه مادورو في الانتخابات الرئاسية في أبريل، بعد وفاة تشافيز، تحذيرا جديا للحركة البوليفارية. ومع ذلك، فإن محاولة الأوليغارشية لاستخدام النتيجة المتقاربة للإطاحة بمادورو أدت إلى نتائج عكسية. فمرة أخرى خرجت الجماهير إلى الشوارع وهزمت الاستفزازات اليمينية من خلال التعبئة الثورية.

والعامل الرئيسي الآن هو أن الاضطراب الاقتصادي الناجم عن محاولة تنظيم الاقتصاد الرأسمالي، والتخريب المتعمد الذي تقوم به الطبقة السائدة، والإضراب عن الاستثمار من جانب الرأسماليين، قد أدى إلى تآكل خطير في الأساس الاجتماعي لدعم الثورة. تتظافر ندرة المنتجات الأساسية مع تفشي التضخم، الذي بلغ الآن 50%. لا يمكن أن يستمر هذا الوضع لفترة طويلة جدا من الزمن. فإما أن تتخذ الثورة خطوات حاسمة في اتجاه إلغاء الرأسمالية، أو أن الفوضى الاقتصادية ستهيئ الظروف للبرجوازية لتعود إلى السلطة وتحاول سحق الثورة.

كانت سياسة حكومة مادورو، بعد انتخابات ابريل، هي مهاجمة المعارضة في المجال السياسي، بينما تحاول في نفس الوقت التوصل إلى اتفاق مع الرأسماليين في المجال الاقتصادي. قدمت تنازلات للشركات الخاصة فيما يتعلق بالحصول على العملة الصعبة، بما في ذلك تحرير الرقابة على الأسعار، وتم اقتراح فكرة إنشاء مناطق اقتصادية خاصة على غرار الصين. كانت هذه سياسة طوباوية لا يمكنها حل أي مشكل. فأي تنازل للطبقة السائدة سيقوض القاعدة الاجتماعية للثورة في حين لن يحل أيا من المشاكل الاقتصادية الجوهرية.

خلال التحضير للانتخابات البلدية، دجنبر 2013، اتخذت الحكومة مسارا مختلفا، حيث وجهت عدة ضربات ضد الرأسماليين. وكانت هذه الضربات ضمن نفس منطق تنظيم الرأسمالية، لكنها أثبتت شعبيتها الكبيرة بين صفوف الجماهير العاملة وأدت إلى إشعال الحماس الثوري بين القواعد. كانت هذه التدابير ضد المضاربات والغلاء هي التي ضمنت الفوز في الانتخابات البلدية. وحتى لو تمكنت الأوليغارشية من العودة إلى السلطة، فإن هذا لن يكون نهاية الثورة. يمكن أن يكون لذلك تأثير مفيد في تجذر الحركة البوليفارية، مثلما حصل مع الهزيمة في إسبانيا في أكتوبر 1934 (“bienio negro”)، والذي لم يكن سوى مقدمة لمعركة أكثر حسما بين الطبقات. لا يمتلك أي زعيم داخل الحركة البوليفارية نفس السلطة التي كان تشافيز يمتلكها، وبالتالي فإن انتقاد القيادة والبيروقراطيين والإصلاحيين من قبل الجماهير صار يكتسب طابعا أكثر حدة وأكثر وضوحا.

تبقى المهمة الرئيسية هي بناء قيادة ثورية ذات جذور في صفوف طليعة الطبقة العاملة، وقادرة على تسخير الطاقة الاستثنائية التي أظهرتها الجماهير الثورية لأكثر من 15 عاما، وتوجيهها نحو الاستيلاء على السلطة والقضاء على الرأسمالية.

العلاقات العالمية

كتب لينين ذات مرة عن "مادة ملتهبة في السياسة العالمية"، وليس هناك نقص في هذه المادة في عالم اليوم. إن الممارسات العدوانية التي تقوم بها القوى الامبريالية تؤدي إلى اندلاع المعارضة الداخلية ويمكن أن تكون بمثابة عامل آخر للتجذر. يمكن للمزاج الثوري أن ينشأ ليس فقط من العوامل الاقتصادية ولكن أيضا من الحروب والأعمال الإرهابية، والكوارث الطبيعية والأحداث العالمية. رأينا هذا في الماضي خلال حرب فيتنام، ونفس الشيء يمكن أن يحدث مرة أخرى.

فضحت تسريبات ويكيليكس وتصريحات سنودن الآراء والدوافع والمصالح الحقيقية للإمبريالية الأمريكية، ومزقت القناع الدبلوماسي المبتسم للكشف عن الوجه القبيح للمصلحة الذاتية الكلبية. وقد فضحت أيضا عدم قدرة الولايات المتحدة الحفاظ على أسرار الأنظمة الأخرى. وأظهرت المدى الذي وصلته الولايات المتحدة في التجسس على حلفائها. وكشفت أمام الرأي العام في العالم الطبيعة الحقيقية للدبلوماسية البرجوازية بوجه عام. وبقيامها بذلك قدمت خدمة مهمة للطبقة العاملة العالمية.

أدى سقوط الاتحاد السوفياتي منذ أكثر من عشرين عاما إلى تحول كبير في العلاقات العالمية. كانت الولايات المتحدة آنذاك هي القوة العظمى العالمية الوحيدة. ومع القوة الهائلة جاءت الغطرسة الهائلة، كما ظهر بكل وضوح في ما يسمى بعقيدة بوش. أعلنت الإمبريالية الأمريكية حقها في التدخل في أي بلد، لإسقاط الحكومات وفرض إرادتها في كل مكان. لكن وبعد عقدين من الزمن تراجعت أوهام العظمة هذه إلى حد ما.

لقد أدى صعود الصين كقوة اقتصادية وعسكرية إلى إحداث تعديل جذري في ميزان القوى في آسيا والمحيط الهادئ. النخبة الحاكمة الصينية لديها طموحات لتأكيد دورها السياسي والعسكري في ارتباط مع قوتها الاقتصادية المتنامية. وهذا ما يؤدي بشكل متزايد إلى حدوث صراعات مع البلدان الأخرى في تلك المنطقة الهامة، وبالدرجة الأولى مع اليابان. وليس الصراع حول الجزر المتنازع عليها سوى مظهر واحد فقط عن ذلك. واشنطن تراقب هذه الظاهرة بقلق متزايد. لطالما اعتبرت الإمبريالية الأمريكية المحيط الهادئ عنصرا محوريا في إستراتيجيتها العالمية. ولهذا فإن صعود الصين يشكل تهديدا مباشرا لمصالحها، الشيء الذي يمكن أن يؤدي إلى حدوث مواجهات خطيرة في المستقبل.

تلعب روسيا دورا أكثر استقلالية في العلاقات الدولية مما كانت عليه في الماضي. فبعد أن عانت الإذلال في يوغوسلافيا والعراق (كلاهما كانا مجالا نفوذ روسي سابقا)، لم تعد روسيا مستعدة لقبول الإملاءات الإمبريالية الأمريكية على الصعيد العالمي. وقد تبين ذلك من خلال تصرفاتها في جورجيا، التي كانت الولايات المتحدة الأمريكية تحاول إدخالها تحت سيطرتها. لقد استخدمت روسيا القوة المسلحة في عام 2008 لإعطاء جورجيا درسا دمويا ومنعها من الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي. وفي سوريا كذلك رسمت موسكو خطا آخر على الرمال لم يتجرأ الأميركيون على عبوره.

لكن هذا ليس بسبب قوة روسيا، بل بسبب الضعف والشلل النسبيين اللذان تعاني منهما الإمبريالية الأمريكية. في السنوات العشر الماضية تصرفت الامبريالية الأمريكية مثل فيل داخل متجر للخزف الصيني. ونتيجة لذلك لم يعد لديها في أي مكان تقريبا أي حلفاء يمكنها الاعتماد عليهم. كان غزو العراق كارثة. كانت نية بوش إظهار قوة أمريكا. لكن مغامرة العراق جاءت بنتائج عكسية سيئة، حيث زادت في زعزعة استقرار منطقة كانت أصلا شديدة الاضطراب. ومن خلال تدمير الجيش العراقي، تسبب بوش في فوضى داخل العراق وسمح باتساع نفوذ إيران في المنطقة.

تسبب كل هذا في إحداث تغيير كبير في مزاج الرأي العام في الولايات المتحدة. فبعد الفشل الواضح في العراق وأفغانستان، تعب الرأي العام الأميركي من المغامرات العسكرية الخارجية، وبدأ يتصاعد في الكونغرس وبين المواطنين مزاج يذكر بالنزعة الانعزالية الأمريكية القديمة. ونتيجة لذلك، لم يتمكن أوباما من تنفيذ قراره المعلن بقصف سوريا. وفي خطاب مثير للشفقة، كان فيه أوباما يتناقض مع نفسه في كل جملة، قال إن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على فعل كل ما تحب في العالم.

الشرق الأوسط الآن مرجل يغلي بالاضطرابات. وقد تفاقم هذا بفعل السياسة الخرقاء وقصيرة النظر للإمبريالية الأمريكية. نمو القوة الإيرانية في المنطقة أغضب المملكة العربية السعودية. وجدت الرياض نفسها مضطرة للاعتراف بفكرة أن طهران تمتلك الآن سيطرة حقيقية على أجزاء كبيرة من العراق. وقد أدت الفوضى في العراق إلى صراع طائفي دموي بين السنة والشيعة مع تفجيرات ومجازر إرهابية يومية. تخشى العائلة المالكة السعودية من أن السلطة قد تنزلق من بين يديها. وقد تأكدت هذه المخاوف بفعل الانتفاضة الجماهيرية التي شهدتها البحرين في عام 2011.

في الشرق الأوسط نرى حدود قوة الولايات المتحدة. وقد تسبب الضعف الواضح للإمبريالية الأمريكية في أن يقوم حلفاءها التقليديون في الشرق الأوسط بالسعي نحو مصالحهم الخاصة بشكل أكبر بكثير مما كان في الماضي. وفي العديد من الحالات أدى ذلك إلى تصادم المصالح وتحد سافر للولايات المتحدة. وقد تبين ذلك من خلال الوعد الذي قدمته السعودية بتعويض أي تخفيض في المساعدات الأمريكية للجيش المصري. لقد غضب السعوديون من إزالة مبارك الذي كان حليفا يمكنهم الاعتماد عليه. وقد حاولت واشنطن الضغط على المؤسسة العسكرية المصرية من خلال خفض المساعدات العسكرية في أعقاب الإطاحة بمرسي.

ضخت الزمرة الحاكمة القطرية ثمانية ملايير دولار من الدعم المالي في رصيد مصر، وكانت الداعم الخليجي الرئيسي لحكومة مرسي. كانت تراهن على أن الفراغ الذي خلفه سقوط رموز الأنظمة الاستبدادية العربية سيملأ من قبل الإسلاميين، وكانت تأمل في تسخيرهم من أجل تعزيز مكانتها في المنطقة.

لقد أحرقت قطر أصابعها في ليبيا، ثم في سوريا، وأيضا خسرت مليارات الدولارات في مصر. كان من المفترض أن يساهم ذلك المال في تحقيق مكاسب سياسية، لكنها راهنت على الحصان الخطأ. ستتقدم الإمارات العربية المتحدة والسعودية لمساعدة الاقتصاد المصري على الوقوف على قدميه. كل هذا يشبه الحروب بين "عائلات" المافيا، وهي حقيقة العصابات الحاكمة الغنية بالنفط.

سوريا

إن ما بدأ كانتفاضة شعبية ضد النظام البعثي في سوريا تحول الآن إلى حرب أهلية طائفية. لقد تدخلت الأسر الحاكمة السعودية والقطرية من أجل سحق العناصر الثورية وتحويل الصراع إلى حرب طائفية.

حاولت واشنطن الاعتماد على العناصر البرجوازية "الديمقراطية" في ما يسمى بالجيش السوري الحر، لكنها هزمت تماما على يد السعوديين والقطريين الذين سلحوا ودعموا الميليشيات الجهادية. ومع ذلك، فإن السعوديين والقطريين يدعمون أجنحة مختلفة من الميليشيات السورية. يعتمد السعوديون على السلفيين من العناصر الموالية لهم في محاولة لتقويض هيمنة جبهة النصرة والقاعدة.

لقد تم تشكيل الائتلاف الوطني المدعوم من الغرب والمقيم في اسطنبول في نوفمبر 2012، واعترف به من قبل أكثر من 100 دولة كممثل "شرعي" للمعارضة السورية. إن الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي يرغبان في الاستناد على العناصر البرجوازية "المعتدلة" في صفوف المعارضة. لكنهما واجها مشكلة لا يمكن التغلب عليها، حيث أعلنت إحدى عشر ميليشيا إسلامية عدم اعترافها بالائتلاف، بما في ذلك بعض الميليشيات التي تنتمي رسميا للجيش الحر.

من المعروف أن الميليشيات الجهادية هي التي تخوض أكثر عمليات القتال، وهي ليست على استعداد للخضوع للائتلاف الوطني. وكانت النتيجة هي اندلاع القتال بين جماعات المعارضة المختلفة والمزيد من تشرذمها. أما الأكراد فقد استفادوا من ضعف السلطة المركزية وصاروا الآن مستقلين بشكل كامل تقريبا في شمال شرق البلاد، وهو ما يعني أن هناك الآن دولتان كرديتان مستقلتان في المنطقة. هذا يضيف عوامل جديدة لعدم الاستقرار وسوف يشجع النزعات الانفصالية الكردية في كل من تركيا وإيران.

تمتلك العناصر الإسلامية الرجعية الآن السيطرة الكاملة على حركة التمرد المسلح. والآن هناك قتال مفتوح بين الجهاديين وبين الجيش الحر، وبين الجهاديين وبين الأكراد. وهناك أيضا عدد من الميليشيات التي تقاتل إلى جانب الحكومة والتي هي خارج سيطرة الأسد. تتجه سوريا الآن في نفس الاتجاه الكارثي الذي سار فيه العراق وأفغانستان، مع استيلاء أمراء الحرب المحليين على السلطة في المناطق. إن البلاد تتفكك أمام أعيننا. وما لدينا الآن في سوريا هو الثورة المضادة من كلا الطرفين.

حارب الطرفان بعضهما إلى أن وصلا مأزقا دمويا، لكن تدخل حزب الله والإيرانيين، في صيف عام 2013، غير ميزان القوى لصالح الحكومة. كان الأمريكيون يبحثون عن ذريعة للتدخل في سوريا لتغيير الوضع، لكن ضعف الإمبريالية الأمريكية ظهر من خلال حقيقة أن أوباما عجز حتى عن الحصول على تصويت في الكونغرس لصالح قصف سوريا. ونتيجة لذلك وقف عاجزا تماما أمام الروس، الذين أخذوا المبادرة الدبلوماسية، عندما قدم جون كيري ما يمكن اعتباره تصريحا مرتجلا مفاده أن سوريا يمكنها أن تتجنب التعرض للهجوم إذا ما تخلت عن أسلحتها الكيميائية.

تظهر مسألة الأسلحة الكيميائية نفاق الإمبرياليين المقرف. لنترك جانبا حقيقة أن الولايات المتحدة نفسها تمتلك أكبر مخزون من الأسلحة الكيميائية في العالم، وأنها استخدمت أسلحة كيماوية على نطاق واسع ضد الشعب الفيتنامي، فضلا عن أسلحة أخرى مثل النابالم. ففي الآونة الأخيرة استخدمت قنابل الفوسفور الأبيض في قصف الفلوجة، مما تسبب في عواقب مروعة على السكان. كما لم يكن لديهم أي اعتراض على استخدام الأسلحة الكيماوية من قبل صدام حسين عندما كانت تُستخدَم ضد الجنود الإيرانيين خلال الحرب بين إيران والعراق.

من الجلي أن مسألة الأسلحة الكيميائية استخدمت كذريعة لمهاجمة سوريا لأن القوات الحكومية، بمساعدة من إيران وحزب الله، كانت تلحق هزائم فادحة بالمتمردين. كان هدف واشنطن توجيه ضربة ضد القوات المسلحة السورية من شأنها أن تساعد المتمردين. لم يكن الهدف هو السماح لهؤلاء الأخيرين بتحقيق النصر العسكري، بل فقط استعادة توازن معين بين الجانبين من أجل فتح المجال أمام المناورات الدبلوماسية. أما مصالح الشعب السوري البئيس والاعتبارات الإنسانية فهي بعيدة جدا عن حساباتهم.

فشلت هذه المناورة بسبب قبول النظام السوري (بطلب من موسكو) تسليم ترسانته الكيميائية بأكملها. لم يكن لهذه الخطوة أي تأثير عملي على القدرة العسكرية للنظام السوري، والذي استخدم الأسلحة التقليدية بشكل فعال جدا لذبح أعدائه طيلة مدة الحرب. وبعد أن راوغ بشكل فعال الأمريكيين بشأن قضية الأسلحة الكيميائية، أطلق الأسد هجوما كبيرا ضد المتمردين، وألحق بهم هزائم فادحة. ومع ذلك، فإنه يبدو من المشكوك فيه ما إذا كان أي من الطرفين لديه ما يكفي من القوة لتحقيق انتصار عسكري حاسم.

يناور الروس والأميركيون مع القوى الإقليمية الأخرى لتنظيم "مؤتمر للسلام" في جنيف. لكن حتى وإن تم عقد ذلك المؤتمر، فإن النتائج لن تخدم مصالح الشعب السوري. فمن جهة يساند السعوديون والقطريون القوى الجهادية الرجعية. أما هدف الأمريكيين الوحيد فهو الحفاظ على سيطرتهم على المنطقة ومقاومة تصاعد النفوذ الإيراني. الروس بدورهم مهتمون فقط بالحفاظ على سيطرتهم على سوريا، حليفتهم التقليدية. لقد دعموا الأسد حتى الآن، لكنهم سيكونون مستعدين كليا للتضحية به، بشرط أن تبقى مصالحهم الأساسية في سورية محمية. بعد الهزيمة في العراق، صار كل من الروس والأميركيين (وحلفائهم الأوروبيين "الديمقراطيين") متفقين على أنه يجب الحفاظ على الدولة السورية في مصلحة دعم "النظام والقانون".

يوفر الجمود على الجبهة العسكرية فرصة للقوى الأجنبية لتكثيف بحثها عن "تسوية متفاوض عليها". وقد يؤدي ذوبان الجليد الجزئي في العلاقات بين واشنطن وطهران إلى فتح الطريق أمام مشاركة إيران في مؤتمر السلام في جنيف. وقد استقبل هذا الاحتمال بالابتهاج في دمشق وطهران، وبالغضب في إسرائيل والمملكة العربية السعودية.

رأي الناس العاديين في سورية في كل هذه المناورات غير معروف. إنهم لن يكونوا حاضرين في جنيف، وآرائهم ليست مهمة بالنسبة لأي من القوى المعنية. السبيل الوحيد للخروج من الفوضى التي تعيشها سوريا هو انتصار الثورة الاشتراكية في أحد البلدان الرئيسية في المنطقة، وهو الأمر الذي من شأنه أن يغير بشكل كبير ميزان القوى الطبقي. إن مستقبل سوريا الآن يعتمد على تطور الأحداث خارج حدودها: أي على التطورات الثورية في تركيا وإيران، وقبل كل شيء في مصر.

الثورة المصرية

إن الثورة العربية الرائعة، والتي لم تنته بعد، قد أطلقت قوة هائلة لملايين الأشخاص، الذين تسميهم الصحافة البرجوازية "الشارع العربي". لقد كانت نقطة تحول في تاريخ العالم. سوف يكون للأحداث التي تجري في الشرق الأوسط تأثيرات عميقة سواء على الصعيد الاقتصادي أو السياسي. مصر هي الدولة الرئيسية في العالم العربي. وما يحدث فيها يكون له دائما تأثير حاسم على العالم العربي بأسره والمنطقة كلها. لقد دخلت الثورة مرحلة جديدة مع النهوض الجماهيري الهائل الذي أطاح بمرسي والإخوان المسلمين.

لقد أخرجت الحركة الثورية الجماهيرية التي أطاحت بمرسي 17 مليون شخص إلى شوارع مصر. ليس لحركة بهذه الأبعاد مثيل في التاريخ. في الواقع، كانت السلطة في أيدي الجماهير في يونيو عام 2013، لكنها لم تدرك ذلك، ولم يكن هناك أحد ليشرح لها ذلك. يمكن تلخيص المشكلة الرئيسية ببساطة: لقد كانت الجماهير قوية بما يكفي لقلب نظام الحكم، لكنها لم تكن منظمة وواعية بما يكفي لكي تأخذ السلطة التي كانت بالفعل بين أيديها. ونتيجة لذلك ضاعت الفرصة وكان قادة الجيش قادرين على التدخل لملء الفراغ.

كانت تصرفات الجيش مماثلة تقريبا لتصرفات نابليون يوم 05 أكتوبر من عام 1795، عندما سحق مجموعة من الغوغاء الملكيين في شوارع باريس. ثم، كما هو الحال الآن، شن الرجعيون حركة في الشوارع كان يمكنها لو نجحت أن تؤدي إلى انتصار الثورة المضادة. في مصر أظهرت الجماهير دعما حماسيا لقمع الإخوان المسلمين، الذين رأت فيهم، عن حق، قوى الرجعية القاتمة. لكن هذا التشبيه التاريخي له حدوده. لم يتمكن نابليون من فرض ديكتاتوريته المعادية للثورة إلا بسبب استنزاف الجماهير الثورية لطاقتها. أما في مصر، فعلى العكس من ذلك، تمتلك الثورة احتياطيات كبيرة، تعلن عن نفسها في كل مرحلة حاسمة.

ظهرت قوة الثورة في ضعف الإخوان وعدم قدرتهم على تنظيم رد فعل قوي ضد هزيمة مرسي. لم يتمكنوا من تنظيم مظاهرات كبيرة سوى في القاهرة والإسكندرية، وحتى هناك لم يكونوا ناجحين إلا في الضواحي الأكثر ثراء وأحياء الطبقة المتوسطة. أما في كل مكان آخر فقد كانوا يستقبلون بمعارضة شرسة من طرف الجماهير الثورية التي طردتهم من حي تلو الآخر. وأخيرا شتتهم الجيش وسحقهم بسهولة.

في غياب حزب ماركسي ثوري حقيقي، كان قادة الجيش قادرين على المناورة بالاستناد على الجماهير، بطريقة بونابارتية، لتوجيه ضربات ضد الإخوان المسلمين، ثم قام في اليوم الموالي باعتقال زعماء العمال وكسر الإضرابات.

إن الثورة مدرسة واسعة للجماهير التي لا يمكنها أن تتعلم إلا من خلال التجربة فقط. وقد كانت الثورة الثانية على مستوى أعلى بكثير من الأولى. لقد ذهبت كل الليونة والسذاجة الممثلة في شعارات من قبيل "كلنا مصريون"، وبدلا منها تطورت إرادة ثورية صلبة حازمة مما يعني أن العملية برمتها لم تأخذ إلا جزءا بسيطا من الوقت الذي أخذته الثورة في عام 2011. لكن تسليم السلطة إلى المجلس العسكري يعني تسليم السلطة مرة أخرى إلى نفس الطبقة الحاكمة القديمة، وإن إلى قسم مختلف من ذلك الذي كان مرسي يمثله. وهذا يعني أنه سيكون على الجماهير المرور من درس صعب جديد.

صحيح أن السيسي معادي للثورة، تماما مثلما كان البونابارتي كيرينسكي في روسيا بعد ثورة فبراير. لكنه أكثر ذكاء بكثير من مرسي. لقد كانت طبيعة مرسي المعادية للثورة واضحة، لكن دور السيسي ليس واضحا بما فيه الكفاية أمام أعين الجماهير، التي ما تزال حتى الآن تعتبره حليفها. إنها ترى في حملات الجيش ضد الإخوان عملا ثوريا. وهذا هو السبب الذي جعلها مستعدة لإعطاء السيسي الوقت، لكن صبر الجماهير لن يستمر إلى ما لا نهاية. وبالفعل فإن الحكومة الببلاوي، التي عينها السيسي، فاقدة للشعبية بشكل كبير.

بعد انتخابات البرلمان والانتخابات الرئاسية، سوف تتصاعد الانتقادات ضد الحكومة وستصبح التناقضات بين الثورة وبين الحكام الجدد أكثر وضوحا من أي وقت مضى. والأساس هو الأزمة الاقتصادية التي سببت البطالة الجماهيرية والفقر. وتستمر مسألة الأسعار ومناصب الشغل بدون حل. إذا ما ترشح السيسي في الانتخابات القادمة فإنه سينتخب بأغلبية كبيرة. لكن وبمجرد وصوله إلى السلطة، سوف يكون من المتوقع منه أن يقدم الأشياء التي ينتظرها العمال والفلاحون والعاطلون: مناصب الشغل والخبز والمأوى. لكن هذا غير ممكن على أساس الرأسمالية. عندها ستنفتح مرحلة جديدة وعاصفة من الاضطرابات الثورية.

تدخل فئات جديدة إلى ساحة النضال في كل وقت. أما كبار السن والفئات المتعبة، بما في ذلك بعض الذين لعبوا دورا قياديا في وقت سابق، فسوف يميلون إلى الابتعاد، بسبب خيبة أملهم وارتباكهم أمام الأحداث التي لم يتوقعوها ولم يفهموها. إنهم يشتكون باستمرار مما يسمونه "انخفاض مستوى وعي" الجماهير. لكن هم الذين يرتكبون الجريمة الخطيرة المتمثلة في الخلط بين الثورة والثورة المضادة.

إن هؤلاء "اليساريين" التائهين، الذين يرددون صدى دعاية البرجوازية والإمبريالية، والذين يقفون ضد الحركة الجماهيرية الرائعة التي أطاحت بمرسي بالادعاء أنها "انقلاب"، لم يفهموا شيئا مما يحدث. إن الحركة التي اندلعت في يونيو الماضي كانت بالفعل الثورة المصرية الثانية. لقد حصلت الجماهير التي أطاحت بنظام الإخوان المسلمين الرجعي الممقوت على الشعور بقوتها الجماعية، والتي لم تفقدها، والتي ستوفر الأساس لهجوم ثوري جديد في الفترة المقبلة. يجب علينا أن ندير ظهورنا للعناصر الشائخة المحبطة ونتوجه نحو الشباب، نحو الجيل الجديد من المناضلين الذين يمثلون المستقبل الثوري.

إيران

لقد مثل انتخاب روحاني بدايات تغيير في الوضع. كانت الانتخابات علامة واضحة على أن النظام لا يمكنه أن يستمر في مساره السابق. لقد تعرضت الحركة الجماهيرية سنة 2009 لقمع عنيف وأسكت صوتها بواسطة الضغط المتواصل وإلغاء الحقوق الديمقراطية. وقد انعكست أزمة النظام في الصراع المفتوح بين أحمدي نجاد وبين خامنئي. كان الاقتصاد في أزمة عميقة، وهو ما تفاقم بشكل كبير بسبب العقوبات المفروضة من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. البطالة، التي كانت مرتفعة أصلا، وصلت إلى مستويات عالية جديدة. وانهيار الريال يعني أن معدلات التضخم ارتفعت أكثر من 100%. كما أن الصناعة والإنتاج والتجارة على حافة الشلل.

ملايين العمال مجبرون على التعامل مع انفجار الأسعار، في حين أنهم إما قد تعرضوا للطرد من العمل أو أنهم لم يتلقوا رواتبهم منذ شهور. وليست الأوضاع أقل كارثية بالنسبة للطبقات الوسطى. حيث وجدت العائلات التي كانت تعيش حياة مستقرة نسبيا نفسها بين عشية وضحاها تعيش الإفلاس، قيمة مدخراتهم انخفضت ومقاولاتهم أفلست.

كان من المفترض أن تكون الانتخابات الرئاسية مخططا لها وغير مثيرة للجدل. لكن أثناء الحملة قام مختلف المرشحين، الذين تم اختيارهم بدقة، بمهاجمة بعضهم البعض بعنف. إن الانقسام المفتوح في صفوف الطبقة الحاكمة مكن الجماهير من فرض نفسها على الساحة.

مثلت اجتماعات حملة حسن روحاني نقطة للتعبئة. وتسبب دخول الجماهير إلى الساحة في فشل جميع خطط الزمرة الحاكمة. فاضطر الملالي لتغيير المسار. يمثل روحاني جناح النظام الذي يدافع عن إدخال الإصلاحات من فوق لمنع اندلاع الثورة من تحت. ونتيجة لذلك اضطر النظام إلى اتخاذ بعض الخطوات المحدودة لتخفيف الضغط، خصوصا على الشباب والطبقة المتوسطة. هذا هو السبب في أن هناك الآن أوهام كبيرة حول روحاني. لكن ومع تراجع المشاكل الديمقراطية سوف تظهر المشاكل الاقتصادية على السطح.

يحاول النظام التوصل إلى اتفاق مع الأميركيين، من أجل فتح السوق والفوز أيضا ببعض التنازلات، وخاصة في البنية التحتية النفطية الضعيفة. إن مثل هذه الصفقة، إذا ما تمت، لن تغير من الوضع العام للجماهير. إن الطريقة الوحيدة أمام البرجوازية الإيرانية للخروج من أزمتها هي زيادة استغلال العمال. لكن هذا لن يؤدي سوى إلى صب الزيت على النيران. إن كل خطوة في اتجاه الانفتاح ستؤدي إلى إذكاء التنظيم الذاتي للعمال والشباب وستحضر الشروط لاندلاع انفجارات ثورية كبيرة في المستقبل.

هذا "الانفتاح" يقدم فرصا جديدة للمعارضة واليسار. وقد بدأت بعض جرائد المعارضة (وحتى اليسارية) في الظهور. وتدريجيا بدأت قوى المعارضة تعاود الظهور. الشباب منفتحون على الأفكار الاشتراكية والثورية. صحيح أن هناك أوهام حول روحاني، لكن هذه الأوهام لن تصمد طويلا على محك التجربة القاسي. ستضطر الجماهير أن تمر عبر مدرسة الديمقراطية البرجوازية من أجل استخلاص الدروس اللازمة، لكنها ستستخلصها بالتأكيد.

عنوان النص بالإنجليزية:

Perspectives for World Revolution 2014, Part four


أعلى الصفحة

  الصفحة الرئيسية


التيار الماركسي الأممي


اقتصاد وعولمة


المرأة والماركسية


ثقافة وفن


الفلسفة والعلم


Audio & Video


حملات تضامنية


تاريخ وتحليلات نظرية


إفريقيا


آسيــا


أوروبا


الشرق الأوسط


أمريكا الشمالية


أمريكا اللاتينية


مواقع أممية


هدفنا