marxy.com

مؤلفات

كارل ماركس
وفريديريك انجلز

 فلاديمير إيليتش لينين

ليون تروتسكي

 
الثورة المغدورة

تيد غرانت

المغرب

إعلان المبادئ

البرنامج الانتقالي

كتب


منظورات للثورة العالمية 2014 - الجزء الخامس


هذا هو الجزء الخامس والأخير من تحليل التيار الماركسي الأممي للوضع العالمي الحالي وآفاق تطوره. إن هذا المشروع سيكون أساسا للنقاش داخل صفوف التيار الماركسي الأممي مع التعديلات الممكنة خلال المؤتمر الأممي الذي سيعقد خلال صيف هذه السنة 2014، ويتناول الجزء الخامس تحليلنا للوضع الطبقي العالمي ومنظورنا للعمل في المنظمات الجماهيرية والنقابات ودور الشباب

Bookmark and Share

التيار الماركسي الأممي
الأربعاء: 05 فبراير 2014

اللامساواة وتركيز الرأسمال

إن تنبؤ ماركس بأن تطور الرأسمالية سيؤدي حتما إلى تركيز الثروة أكثر فأكثر في يد عدد أقل فأقل من الأشخاص قد تأكد بشكل تام في الواقع. وقد كتب في المجلد الأول من الرأسمال: «إن تراكم الثروة في أحد القطبين هو، بالتالي وفي الوقت نفسه، تراكم للبؤس في القطب المعاكس». هذه هي بالضبط الوضعية التي نجد أنفسنا فيها الآن. ففي كل مكان هناك زيادة حادة في اللامساواة.

إن الأرقام في هذا الصدد رهيبة. فبين عامي 1993 و2011، في الولايات المتحدة، ارتفع الدخل المتوسط بمعدل 13,1٪ في المجموع، لكن متوسط دخل 99٪ من السكان الأكثر فقرا (أي جميع الأسر التي يبلغ دخلها حوالي 370000 دولار في السنة) لم يرتفع إلا بـ 5,8٪ فقط. إن هذا الفرق يوضح جيدا حجم الثروات التي يحققها 1٪ من السكان الأكثر ثراء. كان نصيب العمال من الدخل القومي للولايات المتحدة يساوي 62٪ قبل الركود. وهو الآن حوالي 59٪ من الدخل القومي. وبالتالي فإن متوسط دخل الأسر صار الآن أقل مما كان عليه قبل الركود، في حين ترتفع اللامساواة.

ومن المفارقات الصارخة أن سوق الأسهم في الولايات المتحدة قد ارتفع بنسبة تزيد على 50٪ منذ بداية الأزمة، بينما انخفض متوسط الدخل. الثروة الفاحشة تنتج النفوذ السياسي: يمكن للطغمة الثرية المتنفذة أن تشتري الصحف والقنوات التلفزيونية وتمول الحملات السياسية والأحزاب وجماعات الضغط. في الولايات المتحدة على المرء أن يكون مليونيرا ليكون رئيسا، وبالإضافة إلى ذلك يجب أن يحظى بتأييد العديد من أصحاب المليارات. الديمقراطية يمكن شراؤها وبيعها لصالح من يدفع أعلى سعر.

وقد ظهرت أسطورة الارتقاء الاجتماعي على حقيقتها، باعتبارها مجرد كذبة كلبية. الآباء الأغنياء لديهم أبناء أغنياء. والطبقة الحاكمة نخبة مغلقة منفصلة تماما عن بقية المجتمع. الحصول على التعليم العالي مكلف بشكل متزايد. يجد الخريجون أنفسهم مثقلين بديون هائلة بمعدل 25000 دولار لكل طالب، وغالبا ما يكونون عاجزين عن إيجاد وظائف في مهنة من اختيارهم، هذا إذا تمكنوا أصلا من العثور على وظيفة. سلم الارتقاء الاجتماعي رمي بعيدا. مئات الآلاف من خريجي الجامعات يقدمون وجبات الهامبرغر في مطاعم ماكدونالدز أويرتبون السلع في رفوف الأسواق الممتازة. إن الوضع الذي يواجهه الشباب في الولايات المتحدة اليوم مشابه إحصائيا لذلك الذي كان الشباب في العالم العربي يواجهونه قبل انفجار الثورتين التونسية والمصرية.

لقد تحول الحلم الأمريكي إلى الكابوس الأمريكي. ويضطر 47 مليون أمريكي إلى اللجوء إلى طوابع المعونة الغذائية[1] (food stamps) من أجل الحصول على الغذاء حتى نهاية الشهر. وقد اتضح شعور الغضب المتزايد من هذا الظلم في شعار "نحن الـ 99٪" الذي رفعته حركة احتلال الساحات في الولايات المتحدة الأمريكية. إن الأخطار التي يحبل بها الوضع الحالي واضحة لمنظري الرأسمالية الأكثر تبصرا.

الهوة بين الطبقات

إن الجماهير مستعدة لتقديم التضحيات شريطة أن تكون القضية عادلة وتكون التضحيات هي نفسها بالنسبة للجميع. لكن لا أحد على استعداد لتقديم تضحيات لإنقاذ أصحاب الأبناك، كما أنه ليست هناك مساواة في التضحية. أصحاب الأبناك يملئون جيوبهم بالأموال التي أنفقت عليهم بسخاء من قبل دافعي الضرائب (أو بالأحرى من قبل الحكومة، لأن لا أحد طلب رأي دافعي الضرائب في ذلك)، ويدفعون لأنفسهم مكافآت ضخمة.

في خضم الأزمة، يزداد الأغنياء ثراء ويزداد الفقراء فقرا على فقر. وقد نشر بنك كريدي سويس تقريرا يبين الزيادة في عدد أصحاب ملايين الدولارات (على أساس إجمالي الأصول، ما بين منتصف عام 2012 إلى منتصف 2013):

إسبانيا: 402.000 (+ 13,2٪)

الولايات المتحدة: 13.210.000 (+ 14,6٪)

فرنسا: 2.210.000 (+ 14,9٪)

ألمانيا: 1.730.000 (+ 14,6٪)

المملكة المتحدة : 1.520.000 (+ 8,2٪)

إيطاليا: 1.440.000 (+ 9,5٪)

الصين: 1.120.000 (+ 8,7٪)

كندا: 993.000 (+ 4,7٪)

كما يوضح تقرير آخر لكريدي سويس بعض الأرقام المثيرة للاهتمام عن اللامساواة في توزيع الثروة. لقد كشف أنه في القمة، يحتكر 32 مليون شخص 98,7 تريليون دولار [التريليون هوألف مليار -المترجم-]. وهذا يعني أن 41٪ من ثروات العالم محتكرة في يد من 0,7٪ من مجموع السكان البالغين. وتبلغ نسبة الذين لديهم ثروة شخصية ما بين 100.000 دولار إلى مليون دولار 7,7٪ من سكان العالم، ويحتكرون ما مجموعه 101,8 تريليون دولار، وهو ما يمثل 42,3٪ من الثروة العالمية.

وفي الطرف الآخر، 3,2 مليار نسمة لا يمتلكون جميعهم سوى 7,3 تريليون دولار. وهذا يعني أن 68,7٪ من السكان البالغين في العالم لا يمتلكون سوى 3٪ من ثروته فقط. ويعني أن الـ 0,7٪ من السكان البالغين الأكثر ثراء في العالم لديهم ثروة شخصية تعادل 14 مرة أكثر مما يمتلكه الـ 68٪ من السكان البالغين الأكثر فقرا. إن هذه الأرقام تؤكد تنبؤ ماركس بشأن تركيز الرأسمال:

«إن تراكم الثروة في أحد القطبين هو، بالتالي وفي الوقت نفسه، تراكم للبؤس وعذاب الكدح والعبودية والجهل والفظاظة، والتدهور العقلي، في القطب المعاكس، أي في جانب الطبقة التي تنتج الرأسمال نفسه». (ماركس: رأس المال، المجلد الأول، الفصل 25 - الطبعة الفرنسية-)

"الاقتصاد المكثف"

سبق للينين أن شرح أن السياسة هي تكثيف للاقتصاد. طيلة مرحلة كاملة بقيت الرأسمالية، على الأقل في البلدان الرأسمالية المتقدمة، تبدو كنظام "يوفر الحاجيات". وقد تمتع الجيل الذي نشأ في الولايات المتحدة وأوروبا خلال العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية بفوائد اقتصادية لم يسبق لها مثيل: التشغيل الكامل، وارتفاع مستويات المعيشة والإصلاحات.

كانت تلك هي المرحلة الكلاسيكية للإصلاحية في أوروبا. كان في مقدور الرأسماليين السماح بالإصلاحات على أساس اقتصاد مزدهر وأرباح كبيرة. لكن الوضع لم يعد كذلك. إن البرنامج الحقيقي للبرجوازية الآن هو إلغاء دولة الرفاه بشكل كامل، وإجبار العاطلين على العمل مقابل أي أجر يعرضه عليهم أرباب العمل. وهذا يعني أن نعود إلى زمن ماركس وديكنز. وحدها قوة العمال المنظمين ما يمنع البرجوازية من إنجاز هذه الردة الاجتماعية حتى النهاية.

إن الأفق هو سنوات من الاقتطاعات والتقشف وانخفاض مستويات المعيشة. وهذه هي الوصفة النموذجية لاندلاع الصراع الطبقي في كل مكان. تطالب البرجوازية بتصفية الديون وبميزانيات متوازنة وخفض الإنفاق الاجتماعي "المسرف" ( أي الإنفاق على المدارس والمستشفيات ومعاشات التقاعد، لكن، بطبيعة الحال، ليس خفض الإعانات الموجهة للبنوك). ويزعمون، مثل سفسطائيين حقيقيين، أنه على الرغم من أن هذه التدابير ستؤدي "على المدى القصير" إلى حدوث انكماش اقتصادي كبير وانخفاض حاد في مستويات المعيشة (بالنسبة للبعض)، فإنها على المدى البعيد، ستؤدي، بطريقة سحرية، إلى خلق الأساس لحدوث "انتعاش مستدام". وهو الزعم الذي كان العجوز كينز سيرد عليه قائلا: "على المدى البعيد سنكون جميعا في عداد الأموات".

إن الوضع غير مستقر إلى درجة أن أي شيء يمكنه أن يؤدي إلى إشعال أزمة كبيرة؛ هذا صحيح بالنسبة للاقتصاد (انظر الاغلاق الحكومي في الولايات المتحدة وأيضا تزايد الديون في أوروبا)، لكن صحيح أيضا بالنسبة للمجتمع ككل. يمكن للصراع الطبقي أيضا أن يندلع بفعل هذه الأحداث أو تلك (رجال الاطفاء البلجيكيين).

السؤال المطروح أمام البرجوازية هو: كيف يمكن الحكم في مثل هذا الوضع المتأزم؟ في كثير من بلدان أوروبا يتجلى المأزق السياسي في تنظيم تحالفات غير مستقرة وبرلمانات معلقة. ويجري اختبار المؤسسات الديمقراطية البرلمانية البرجوازية إلى أقصى الحدود.

إن نمو ظاهرة الامتناع عن التصويت تشير إلى السخط المتزايد تجاه جميع الأحزاب الموجودة. وهذا ليس مستغربا بالنظر إلى سلوك القيادات العمالية. فحتى عندما يكونون في المعارضة، يواصل قادة الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية دعم السياسة العامة للاقتطاعات والتقشف. وقد تبين ذلك بوضوح في حالة الحزب الاشتراكي الديمقراطي السويدي، وحزب العمال البريطاني، والحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، والحزب الاشتراكي الإسباني وحزب باسوك في اليونان. هذا هو ما ينتج مزاج خيبة الأمل واللامبالاة.

في ألمانيا أيضا هناك اتجاه متزايد نحو الامتناع عن التصويت. فازت ميركل في الانتخابات، لكنها رغم ذلك لم تفز بالأغلبية، واحتاجت إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي لتشكيل حكومة "ائتلافية كبيرة". 40٪ من الناخبين في ألمانيا غير ممثلين من قبل أي حزب في البرلمان؛ انخفضت الأصوات التي حصل عليها Die Linke من حوالي 12٪ إلى أقل بقليل من 9٪. لكن الطبيعة تكره الفراغ، وتشكيل ائتلاف SPD- CDU يعني أن Die Linke الآن هو المعارضة الحقيقية الوحيدة، ويمكن أن يبدأ في كسب الدعم.

ونتيجة لذلك، بدأنا في العديد من البلدان نشهد صعود أحزاب جديدة: الخضر (في السويد)، الشعبويون في أيسلندا وإيطاليا، و"أحزاب القراصنة" (في السويد وألمانيا وأيسلندا)، وصعود أحزاب اليمين المتطرف (اليونان والسويد والنرويج وفرنسا) وحزب UKIP المعادي للاتحاد الأوروبي في بريطانيا. يعكس كل هذا وجود غليان في المجتمع، وشعورا عميقا بالسخط وعدم الرضا تجاه النظام السياسي القائم.

في أوروبا هناك تشكيك متزايد في مصداقية مؤسسات الديمقراطية البرجوازية، وخاصة في البلدان الأكثر تضررا من الأزمة. ونظام الحزبين القديم (الحزب اليميني مقابل الحزب الاشتراكي الديمقراطي) في أزمة. بعض ذلك الاستياء تستثمره أحزاب على يسار الأحزاب الاشتراكية الديموقراطية، كما يشهد على ذلك نمو حزب سيريزا، واليسار الموحد، وجبهة اليسار في فرنسا. أما في إيطاليا، حيث لا وجود لمثل هذا عملت حركة "05 نجوم" بزعامة غريللو (والتي هي حركة احتجاجية برجوازية صغيرة مرتبكة) على ملء هذا الفراغ مؤقتا.

لكن حتى هذه الأحزاب لا تقدم بديلا حقيقيا للأزمة الرأسمالية، وبالتالي لا تنمو بالسرعة التي كان يمكنها أن تنمو بها لو أنها عبرت ولو جزئيا عن مزاج الغضب السائد في المجتمع. لكن عدم وجود صدى لاستياء الجماهير داخل الأحزاب الإصلاحية ينعكس في الساحة السياسية من خلال زيادة نسبة الامتناع عن التصويت أوالأصوات الملغاة. ففي اسبانيا، في عام 2008، تمكن الحزب الشعبي والحزب الاشتراكي العمالي الإسباني من الحصول على 83٪ من أصوات الناخبين بوتيرة إقبال بلغت 75٪. أما اليوم فإن استطلاعات الرأي تعطي لهما بالكاد 50٪ على نسبة المشاركة أقل من ذلك بكثير (حوالي 50٪ الآن يعلنون أنهم إما لن يدلوا بأصواتهم، أو سيصوتون ببطاقات فارغة أولا يعرفون لمن سيدلون بصوتهم، وهو ما يشكل رقما قياسيا).

في البرتغال نرى وضعا مماثلا في الانتخابات البلدية الأخيرة. ارتفع عدد الامتناع عن التصويت إلى 550.000 ؛ كما تضاعفت الاصوات الباطلة والبطائق الفارغة، بزيادة قدرها 170.000. خسر الائتلاف اليميني الحاكم 600.000 صوتا ؛ وخسر الحزب الاشتراكي الديمقراطي "المعارض" 270.000 صوتا؛ وحقق الحزب الشيوعي بالكاد 13.000 صوتا ؛ في حين فقدت كتلة اليسار 45.000 صوتا.

المنظمات الجماهيرية

إن المشكلة المركزية هي مشكلة القيادة. فالقادة العماليون سواء في الأحزاب السياسية أو النقابات يعيشون في الماضي. إنهم لم يفهموا طبيعة الأزمة الحالية ويحلمون بإمكانية العودة إلى "الأيام السعيدة الماضية". إنهم عاجزون عضويا عن القطع مع البرجوازية وقيادة نضال جدي ولو للدفاع عن مكتسبات الماضي، فبالأحرى النضال من أجل تحسين مستويات المعيشة.

هناك تناقض حاد بين الغضب العارم الذي يعتمل في صفوف الطبقة العاملة وبين سلبية وعجز قادتها. المنظمات الجماهيرية، بشكل عام، ما تزال الى حد بعيد على مستوى منخفض من النشاط. وبالتالي ليس هناك أي ضغط حقيقي على القادة لمنعهم من الذهاب أبعد إلى اليمين. وقد كان هذا هو الاتجاه العام خلال الفترة الماضية. لقد بلغ انحطاط جميع القيادات أعماق لا مثيل لها. إنها حقيقة صادمة جدا كون المنظمات التي تم بناؤها من طرف الطبقة العاملة لتغيير المجتمع قد تحولت إلى عقبات قوية في مسار التحويل الاجتماعي.

دور الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية تاريخيا هو تحطيم معنويات العمال ودفع الطبقة الوسطى إلى أحضان الرجعية. فبعد أن تخلت منذ فترة طويلة عن أي انتماء للاشتراكية، صارت توجه كلماتها إلى أصحاب الأبناك والرأسماليين، وتعتمد لهجة "معتدلة" و"محترمة ". إنهم يحاولون إقناع الطبقة الحاكمة أنهم أناس صالحون لتولي المناصب الرفيعة في الدولة. ومن أجل إثبات ولائهم للبرجوازية وإمكانية الاعتماد عليهم "كرجال ونساء دولة" أهل للثقة، تراهم أكثر حماسا من المحافظين في تنفيذ سياسة الاقتطاعات والإصلاحات المضادة (دائما تحت راية "الإصلاح").

إصلاحيو اليسار، الذين كانوا يهيمنون على الأحزاب الاشتراكية في أوروبا سنوات السبعينات، تحولوا إلى مجرد نسخة باهتة لأنفسهم في الماضي. وبسبب افتقارهم إلى قاعدة أيديولوجية أو نظرية متينة، تراهم يسيرون ببؤس وراء اليمين. إن اليمين أكثر ثقة لأنه يشعر بأن لديه دعم الشركات الكبرى. بينما اليسار، على النقيض من ذلك، ليست لديه الثقة لا في الطبقة العاملة ولا في نفسه. وليس حال إصلاحيي اليسار في النقابات بأفضل من حال نظرائهم السياسيين. إنهم يقفون مدانين وقد فشلوا حتى في الاستمرار في الدفاع عن الأجور وشروط العمل والحقوق النقابية.

تم طرد سلسلة كاملة من الحكومات "اليسارية" بعد تطبيقها سياسة الاقتطاعات: أسبانيا وأيسلندا والنرويج واليونان، وفي إيطاليا في وقت سابق. بينما شهدت الحكومات الأخرى تراجع الدعم التي تمتعت به سابقا ويرجح أن تفقد السلطة في الانتخابات المقبلة (الدنمارك وفرنسا وايرلندا). كان حزب العمال الايرلندي يحقق أرقاما عالية في استطلاعات الرأي قبل مشاركته في ائتلاف برجوازي ينفذ سياسة الاقتطاعات. وقد انهار ذلك، وانخفض معدل التأييد من 24٪ إلى 4٪.

في اليونان، كانت لحزب باسوك قاعدة جماهيرية وكان أحيانا يحقق أصواتا تقارب 50٪، لكنه شهد انهيارا في عدد الأصوات نتيجة لتنفيذه للسياسات التي تمليها عليه الطبقة الحاكمة والاتحاد الأوروبي. تم استبداله في أول الأمر من قبل الحكومة "الوطنية" بزعامة باباديموس، ثم انضم إلى ائتلاف مع اليميني ساماراس. لكن العامل الأكثر أهمية كان هو الصعود السريع لحزب سيريزا، الذي كافح في الأصل للحصول على 4٪ أو5٪ من الأصوات، ووصل عند نقطة معينة إلى 30٪ من الأصوات في استطلاعات الرأي.

ومع ذلك فإن المنظمات الجماهيرية، وحتى أكثرها انحطاطا، سوف تعكس حتما في مرحلة معينة ضغط الجماهير. في الفترة المقبلة ستكون هناك تقلبات عنيفة للرأي العام إلى اليسار وإلى اليمين. يجب علينا أن نكون مستعدين لهذا ونشرح دلالته الحقيقية. في سياق بحثها عن طريقة للخروج من الأزمة، ستختبر الجماهير - وتتجاوز - الأحزاب والقادة الواحد منهم بعد الآخر. لكن الميزة الثابتة هي رفض كل من شارك في الحكومة ونفذ برنامج تقشف.

في بريطانيا، هناك بعض المؤشرات على أن الضغط من الأسفل (وخاصة من النقابات) يجبر ميليباند على أن ينأى بنفسه عن حزب المحافظين والليبراليين. يعكس ميليباند، ولو باستحياء، الغضب الشعبي المتزايد ضد الشركات الكبرى والبنوك. وبمجرد وصولهم إلى السلطة سيقع القادة الإصلاحيون تحت ضغط شديد من طرف كل من الطبقة الحاكمة والجماهير. سوف يسحقون بين حجري الرحى. وستحدث انشقاقات إلى اليمين واليسار. وفي بعض الحالات سيتحطمون تماما (كحالة حزب إعادة التأسيس الشيوعي في ايطاليا وربما باسوك في اليونان). لكنهم في كل الأحوال سيدخلون في الأزمة.

مع تفاقم الأزمة، سوف تبدأ التيارات اليسارية في التبلور داخل الأحزاب العمالية الجماهيرية والنقابات. يجب على التيار الماركسي أن يتتبع الحياة الداخلية للمنظمات الجماهيرية عن كثب ويسعى للوصول إلى العمال والشباب الذين يتحركون نحو اليسار والذين يبحثون عن بديل وكسبهم إلى صفوفه.

ومع ذلك، فإن قدرتنا على التدخل بفعالية في المستقبل سيحددها نجاحنا في بناء التيار الماركسي اليوم. ليس التدخل في الحركة الجماهيرية بـ 20 أو50 من الكوادر مشابها للتدخل فيها بـ 500 أو1000. يجب أن يتحول النوع إلى كم، بحيث يمكن للكم بدوره أن يتحول إلى مستوى أعلى نوعيا. من أجل تحريك الجماهير، لا بد من امتلاك رافعة، وهي التي لا يمكن أن تكون إلا تيارا ماركسيا قويا وكثير العدد.

النقابات

النقابات هي المنظمات الأكثر أساسية للطبقة العاملة. في ظل الأزمة يشعر العمال بضرورة النقابات أكثر من الفترات "العادية". في القطاع الصناعي شهدنا العديد من النضالات والمعارك الكفاحية، وكلما دعت القيادات النقابية إلى النضال في شكل إضرابات عامة وإضرابات قطاعية، وما إلى ذلك، كانت استجابة العمال للدعوة على نطاق واسع. المشكلة هي أن القادة النقابيين عاجزون تماما في مواجهة الأزمة الرأسمالية لأنهم لا يمتلكون حقا أي بديل (ما عدا بعض الإجراءات الكينزية).

في إسبانيا كان هناك إضراب شامل للمعلمين في جزر البليار والذي استمر لثلاثة أسابيع واجتذب تأييدا شعبيا عظيما (تنظيم مظاهرة في بالما دي مايوركا ضمت حوالي 100.000 متظاهر في جزيرة يبلغ عدد سكانها حوالي 800.000!)، وقد شهد الإضراب استخدام أساليب الصراع الطبقي العمالية التقليدية التي كانت قد نسيت في الفترة الماضية: الجموعات العامة الجماهيرية، انتخاب المندوبين، دعم أولياء الأمور والطلاب وصندوق الإضراب. لكن القادة النقابيين تركوا معلمي جزر البليار لوحدهم في المعركة، حيث رفضوا توسيع النضال إلى شرائح أخرى وإلى البر الرئيسى، فاضطرت الحركة إلى التراجع، ثم هزمت بفعل الإرهاق.

في ظل هذه الظروف ليس من المستغرب أن العديد من العمال يشككون في صحة الدعوة إلى إضرابات 24 ساعة العامة المعزولة، من دون خطة نضال متواصلة من قبل القادة النقابيين. في الواقع، لقد استخدمت هذه الإضرابات من قبل القادة كوسيلة لتنفيس الضغط. في اليونان الآن أصبح سلاح الإضراب العام ليوم واحد بدون جدوى. وصارت الدعوة إلى مثل هذه الأشكال تقابل بالريبة من جانب العمال الذين يحسون بضرورة خوض أشكال أكثر جذرية. إن ما هو مطلوب، في ظروف اليونان، هو تنظيم إضراب عام سياسي شامل لاسقاط الحكومة.

إننا نرى تراكم الغضب والسخط سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي، والذي لا يجد حتى الآن أي قناة واضحة للتعبير عن نفسه. في اسبانيا والبرتغال واليونان وإيطاليا يضطر مئات الآلاف من الشباب إلى الهجرة، وهو ما يشكل عودة إلى وضع اعتقد آبائهم أنهم قد تركوه وراءهم.

هناك هجمات مستمرة على الرعاية الصحية العمومية ونظم التعليم، وانتشار وباء البطالة، لا سيما بين الشباب، وفضائح الإخلاء القسري للمنازل، مع وجود أعداد كبيرة من الشقق والمنازل الفارغة وتزايد عدد الناس الذين يعيشون في الشوارع، والذين كان العديد منهم يعتبرون أنفسهم من "الطبقة الوسطى"، ودفعوا إلى ما تحت خط الفقر، الخ.

في ظل هذه الظروف يرى العمال في النقابات، أكثر من أي وقت مضى، خط دفاعهم الأول. كل هذه الضغوط لا بد أن تصعد إلى السطح، في مزيج من حركات الاحتجاج العفوية، وانفجارات الغضب، والتي سيكون لها حتما في نهاية المطاف انعكاس على المنظمات الجماهيرية.

وسوف تنعكس المراحل الأولى من تجذر الجماهير في الإضرابات، والإضرابات العامة والمظاهرات الجماهيرية. لقد شهدنا هذا بالفعل في اليونان وإسبانيا والبرتغال. لكن ونظرا لعمق الأزمة فإن هذه الإجراءات وحدها لا يمكنها أن تنجح في منع وقوع هجمات جديدة على مستويات المعيشة.

حتى في بلجيكا، حيث أجبرت النضالات الكفاحية التي خاضها رجال الاطفاء وعمال السكك الحديدية الحكومة على التراجع، فإن ذلك لن يكون إلا انتصارا مؤقتا. فما ستقدمه الحكومة باليد اليسرى، سوف تسترجعه باليد اليمنى. وفي اليونان، كان هناك ما يقارب ثلاثين إضرابا عاما، لكن الحكومة ما تزال تهاجم.

تدريجيا سيتعلم العمال من خلال التجربة أنه من الضروري اتخاذ تدابير أكثر جذرية. لقد بدأوا في استخلاص استنتاجات ثورية. لقد أوضح تروتسكي أهمية المطالب الانتقالية كوسيلة لرفع وعي العمال إلى المستوى الذي يطلبه التاريخ. لكنه أشار أيضا إلى أنه في ظل أزمة عميقة ليست مثل هذه المطالب كافية:

«بالطبع ليس السلم المتحرك لساعات العمل ولجان الدفاع الذاتي العمالية إجراءات كافية. هذه ليست سوى الخطوات الأولى اللازمة لحماية العمال من الجوع ومن سكاكين الفاشيين. هذه وسائل عاجلة وضرورية للدفاع عن النفس. لكنها في حد ذاتها لن تحل المشكلة. المهمة الرئيسية هي تمهيد الطريق لنظام اقتصادي أفضل، من أجل استخدام أكثر عدلا وعقلانية وملائمة للقوى المنتجة في مصلحة الشعب كله.

«لا يمكن أن يتحقق هذا عن طريق الأساليب النقابية البسيطة و"العادية" والروتينية. لا يمكنك أن تختلف مع هذا، لأنه في ظروف الانحطاط الرأسمالي تصير النقابات المعزولة عاجزة ولو عن وقف تدهور ظروف العمال. يصير من الضروري اللجوء إلى أساليب أكثر حسما وجذرية. لقد أوصلت البرجوازية، التي تمتلك وسائل الإنتاج وسلطة الدولة، الاقتصاد بأكمله إلى حالة ميؤوس منها من الفوضى الشاملة. من الضروري إعلان إفلاس البرجوازية ونقل الاقتصاد إلى أيدي جديدة ونزيهة، أي إلى أيدي العمال أنفسهم». (تروتسكي: حوار مع منظم في نقابة CIO، 29 شتنبر 1938)

دور الشباب

من بين السمات الرئيسية للوضع الحالي استمرار وجود مستويات عالية من البطالة ونقص العمالة، خاصة بين الشباب. هذا ليس الجيش الاحتياطي من العاطلين الذي تكلم عنه ماركس. إنها بطالة دائمة وهيكلية، بطالة عضوية مثل ورم سرطاني يلتهم أحشاء المجتمع ويدمره من الداخل.

يمكن رؤية أسوأ آثار البطالة بين صفوف الشباب، الذين يفرض عليهم تحمل العبء الأكبر لأزمة الرأسمالية. آمال الشباب وطموحاتهم تصطدم بحاجزا لا يمكن اختراقه. يصير هذا أكثر إثارة للسخط عندما نجد أن عددا متزايدا من العاطلين هم من الحاصلين على تعليم عال. إن هذا يخلق خليطا جد مضطرب وشديد الاشتعال.

الجيل الحالي هو أول جيل من الشباب لا يمكنه أن يتوقع الحصول على مستوى معيشة أفضل من مستوى معيشة آبائه. لقد سرق مستقبلهم. وتجري التضحية بجيل كامل من الشباب على مذبح الرأسمال. بين البرازيل وتركيا هناك، بطبيعة الحال، اختلافات، لكن هناك أيضا سمات مشتركة ساعدت على اشتعال السخط. وستؤدي نفس العوامل إلى اندلاع احتجاجات مماثلة في أماكن أخرى. ومن بين العوامل الهامة هناك بطالة الشباب.

لا تقتصر هذه الظاهرة على البلدان الأكثر فقرا في أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط وآسيا. فالبطالة والفقر مزيج متفجر يمكن أن يشتعل في أي وقت، وفي أي بلد. لقد كانت بطالة الشباب عاملا كبيرا في اندلاع ما يسمى بالربيع العربي. ويمكن للمستويات العالية من البطالة بين الشباب في أوروبا أن يكون لها نفس التأثير في تجذر الشباب، وبالفعل فإن تجذر الشباب هو ظاهرة معممة إلى هذه الدرجة أو تلك في جميع أنحاء أوروبا.

في بريطانيا موجة التجذر بين الطلاب أعقبتها انتفاضات للشباب العاطلين في جميع المدن الكبرى هزت أركان الحكومة. وفي اليونان، جاءت التحركات الكبيرة للطبقة العاملة في أعقاب حركة كبيرة لطلاب المدارس. وفي أسبانيا والولايات المتحدة شهدنا حركة احتلال الساحات وحركة الساخطين (indignados)، والتي كانت تتألف في أغلبيتها من الشباب. هناك العديد من السوابق التاريخية لهذا الوضع. فالثورة الروسية عام 1905 سبقتها مظاهرات الطلاب عام 1900 وعام 1901. واندلعت ثورة ماي 1968 في فرنسا بشرارة أطلقتها المظاهرات الطلابية التي تم قمعها بوحشية من قبل الشرطة.

قال لينين: "من لديه الشباب لديه المستقبل". يجب علينا مهما كلف الأمر أن نجد الطريق إلى الشباب الثوري، ونقدم تعبيرا واعيا ومنظما لرغبتهم في محاربة الظلم والقهر وبناء عالم أفضل. إن نجاح أو فشل التيار الماركسي الأممي رهين إلى حد كبير بقدرتنا على تحقيق هذه الغاية.

هل الظروف ناضجة للثورة؟

نحن على مشارف وضع جديد كليا على الصعيد العالمي. وهذا واضح من خلال أحداث الأشهر الإثني عشر الماضية وحدها. سحب الغاز المسيل للدموع تملأ شوارع اسطنبول. وهراوات الشرطة تحطم الجماجم في ساو باولو و17 مليون شخص أطاحوا برئيس مصري. واندلعت الاحتجاجات في بلغاريا. وهذه ليست سوى بداية لموجة من السخط السياسي في العالم النامي، الذي يحبل بالإمكانيات الثورية.

يعلمنا الديالكتيك أنه عاجلا أو آجلا كل شيء يتحول إلى نقيضه. وقد تأكد هذا القانون الجدلي بشكل لافت للنظر من خلال أحداث الاثني عشر شهرا الماضية. دعونا نتذكر بأن تركيا والبرازيل كانتا حتى وقت قريب اثنتان من البلدان الرائدة في الاقتصادات الصاعدة. منظرو الرأسمالية لم يتخيلوا أبدا إمكانية حدوث هبات ثورية في هذين البلدين. لكنهم على كل حال لم يتخيلوا أيضا حتى إمكانية الإطاحة الثورية بمبارك في مصر أو بن علي في تونس.

يمكن العثور على المتشائمين والمشككين في كل مكان وبأعداد وفيرة. إنهم حطام ومخلفات هزائم الماضي، رجال ونساء شاخوا قبل الأوان وفقدوا كل ثقة في الطبقة العاملة وفي الاشتراكية وفي أنفسهم. يعيش هؤلاء المتشائمون الكلبيون حياتهم البئيسة على هامش الحركة العمالية، وأحيانا داخلها. مهمتهم الرئيسة في الحياة هي الأنين والتذمر من العمال والشباب، والتقليل من قيمة إنجازاتهم والمبالغة في تضخيم أخطائهم.

يمكن العثور على مثل هذه العينة من الناس بين صفوف الستالينيين السابقين في المقام الأول. لأنهم تخلوا منذ وقت طويل عن الأمل في الثورة الاشتراكية، إن هذه المخلوقات البائسة ليست معنية سوى بشيء واحد فقط: نشر سموم التشاؤم والارتياب في أوساط الشباب، وإحباطهم وثنيهم عن المشاركة في الحركة الثورية.

هؤلاء الناس الذين وصفهم تروتسكي بشكل صحيح بالمشككين المتعفنين، يزعمون أن الطبقة العاملة ليست مستعدة للاشتراكية، وأن الظروف ليست ناضجة، الخ. ومن نافلة القول إنه بالنسبة لهؤلاء الناس لن تكون الظروف أبدا ناضجة من أجل الاشتراكية. وبعد أن أنشؤوا في عقولهم بعض المعايير المستحيل تحققها لـ "نضج" الثورة، صار في إمكانهم بعد ذلك الجلوس بشكل مريح على كراسيهم وعدم فعل أي شيء.

من الضروري أن نؤكد على الفكرة الأساسية بأن السمة الرئيسية للثورة هي دخول الجماهير إلى مسرح التاريخ. في عام 1938، كتب تروتسكي قائلا:

«إن شتى أنواع الثرثرة حول عدم "نضج" الشروط الموضوعية للاشتراكية ليست إلا حصيلة الجهل أو ضرب من الخداع الواعي. فالمقدمات الموضوعية للثورة البروليتارية ليست ناضجة وحسب، بل أخذت تتعفن إلى حد ما. بدون الثورة الاشتراكية في الفترة التاريخية القادمة، ستتعرض الحضارة الإنسانية بكاملها لخطر الكارثة. كل شيء مرهون بالبروليتاريا، أي في المقام الأول بطليعتها الثورية. إن الأزمة التاريخية التي تعاني منها الإنسانية تتلخص في أزمة القيادة الثورية». (تروتسكي: البرنامج الانتقالي، ماي - يونيو1938)

تعبر هذه الأسطر بشكل باهر عن الوضع الراهن على الصعيد العالمي. إنها تبدو في الواقع كما لو كانت قد كتبت بالأمس فقط!

وضد المتشائمين والمشككين الذين ينكرون الدور الثوري للبروليتاريا، سوف نبرز دائما الإمكانيات الثورية للعمال والشباب، والتي أكدتها الأحداث باستمرار. إن الحركات الثورية الرائعة في تركيا والبرازيل ومصر، والإضرابات العامة في اليونان وإسبانيا، والحركة الجماهيرية في البرتغال التي كادت تسقط الحكومة، والإضرابات العامة في الهند وإندونيسيا، كلها مؤشرات واضحة على أن الثورة الاشتراكية العالمية قد بدأت.

لكن حقيقة أن الثورة قد بدأت لا تعني أنها ستكون ناجحة على الفور. إن نجاحها رهين بالعديد من العوامل، وأهمها نوعية القيادة. قال هيغل:

«عندما نريد أن نرى شجرة بلوط في قوة جذعها وامتداد أغصانها، وكثافة أوراقها، لن نرضى بأن تقدم لنا، عوض ذلك، ثمرة بلوط». (هيغل: فينومينولوجيا العقل، المقدمة).

إن ما نراه أمامنا هي فقط التباشير الأولى للثورة الاشتراكية. إنها بداية استيقاظ الجماهير بعد فترة طويلة من خمود الصراع الطبقي في العديد من البلدان. يحتاج الرياضي، بعد فترة طويلة من الخمول، إلى بعض الوقت لتمديد عضلاته والقيام بحركات "الاحماء" لاكتساب القدرة اللازمة لمزاولة أنشطة أهم. وبالمثل تحتاج الطبقة العاملة إلى بعض الوقت لاكتساب الخبرة اللازمة لرفع نفسها إلى المستوى الذي يطلبه التاريخ.

كقاعدة عامة إن الجماهير تتعلم من التجربة. إن هذا مؤلم في بعض الأحيان وبطيء دائما. ستصبح عملية التعلم هذه أسرع وأقل إيلاما إذا كان هناك حزب ماركسي قوي مع قيادة متبصرة مثل تلك التي وفرها لينين وتروتسكي. لو كان هناك ما يشبه الحزب البلشفي في مصر في يونيو الماضي، من كان ليشك في قدرة العمال والشباب الثوريين على حسم السلطة بسهولة.

يتحدث بعض الدبلوماسيين الأوروبيين بحزن عن "أزمة محتملة للديمقراطية"، والأكيد هو أن مؤسسات الديمقراطية البرجوازية تتعرض لضغوط تدفعها إلى نقطة الانهيار. في حكومات أوروبا، وقبل كل شيء في برلين، هناك قلق مستمر من أن فرض سياسة التقشف سوف يتسبب في اندلاع الصراع الطبقي على نطاق يجعله يمثل تهديدا للنظام الاجتماعي القائم.

السبب الحقيقي للرعب الذي أصيبت به البرجوازية [الأوربية] إثر الإطاحة بمرسي في مصر، عندما خرج 17 مليون متظاهر إلى الشوارع، هو أنها تخشى من أن تحدث مثل هذه الأمور في أوروبا أيضا. لقد أجرت الفايننشل تايمز بقلق مقارنة بين ما يحدث الآن وبين سنة 1848 الثورية: «هذا [...] يذكرني بسنة 1848. مترنيخ يطل من النافذة بإحتقار على كتلة تافهة من الغوغاء، قبل ساعات قليلة من الاطاحة به بشكل مذل، وغيزو العاجز عن التنفس بسبب الصدمة وهو يقدم استقالة حكومته، وتيير رئيس الوزراء ليوم واحد، الذي عانى من نوبة متلازمة توريت[2] وهو في عربته المطاردة من طرف الجماهير...». يعترف الاقتصاديون البرجوازيون أن منظور الرأسمالية هو عشرون عاما من التقشف. وهذا يعني عقدان من الصراع الطبقي المتزايد، مع حتمية المد والجزر. ستعقب لحظات من النهوض الكبير فترات من الإرهاق والإحباط والارتباك والهزائم، بل وحتى الردة الرجعية. لكن في ظل المناخ الحالي، كل فترة هدوء لن تكون سوى مقدمة لاندلاع صراعات جديدة وأكثر حدة. وعاجلا أو آجلا، في هذا البلد أو ذاك، سوف تطرح مسألة السلطة على جدول الأعمال. والسؤال هو ما إذا كان العامل الذاتي في اللحظة الحاسمة قويا بما فيه الكفاية لتوفير القيادة اللازمة.

يتراكم توتر هائل لا يطاق على جميع المستويات. لا يعود السخط العام الموجود في المجتمع إلى العوامل الاقتصادية فقط: البطالة وانخفاض مستويات المعيشة. إنه يعكس خيبة الأمل في كل المؤسسات القائمة في المجتمع الرأسمالي: السياسيين والكنيسة ووسائل الإعلام والمصرفيين، والشرطة، والنظام القضائي، الخ. كما أنه يتأثر أيضا بالأحداث التي تجري على الصعيد العالمي (العراق، أفغانستان، سوريا، الخ).

ليست الظروف هي نفسها في كل مكان. فعلى سبيل المثال، يعتبر الوضع في اليونان أكثر تقدما مما هو عليه في ألمانيا. لكن في كل مكان، وليس بعيدا تحت السطح، هناك سخط عارم، وشعور بأن المجتمع يسير بشكل خاطئ جدا، وأن هذا أمر لا يطاق وأن الأحزاب والقيادات الحالية لا تمثلنا. إن الظروف الموضوعية للثورة الاشتراكية هي إما ناضجة أو أنها تنضج بسرعة. لكن العامل الذاتي مفقود. وكما قال تروتسكي منذ فترة طويلة، الأزمة هي أزمة قيادة.

بفعل سلسلة كاملة من الأسباب التاريخية الموضوعية تعرضت الحركة للتراجع؛ وتحولت القوى الماركسية الحقيقية إلى أقلية صغيرة، معزولة عن الجماهير. هذه هي المشكلة المركزية والتناقض الرئيسي الذي لابد من حله. من الضروري كسب الكوادر اللازمة وتدريبها ودمجها في المنظمة، وتوجيهها نحوالمنظمات العمالية الجماهيرية.

إن هذا يستغرق وقتا. وسيكون لدينا بعض الوقت بسبب بطء السيرورة. لكن ليس لدينا كل الوقت. من الضروري أن نتعامل مع مهمة بناء القوى الماركسية بشعور من الاستعجال، وأن نفهم أن الطريق إلى تحقيق انتصارات كبيرة في المستقبل يتم إعداده بسلسلة من النجاحات الصغيرة في الوقت الحاضر. لدينا الأفكار اللازمة. وقد أكدت الأحداث منظوراتنا بشكل باهر. يجب علينا الآن أن نحمل هذه الأفكار إلى الطبقة العاملة والشباب. إن الطريق نحوالعمال والشباب مفتوحة على مصراعيها. فلنتقدم إلى الأمام بثقة.

إلى الأمام لبناء التيار الماركسي الأممي!

عاشت الثورة الاشتراكية العالمية !

لندن 11 دجنبر 2013

هوامش:

1: طوابع أو كوبونات معونة تقدمها السلطات للأشخاص الفقراء يمكن استبدالها بسلع غذائية في المتاجر – المترجم -

2: متلازمة توريت خلل عصبي وراثي يظهر منذ الطفولة، أعراضه حركات عصبية لا إرادية متلازمة قد يصحبها ترديد المصاب بشكل لا إرادي لألفاظ بذيئة -المترجم-.

عنوان النص بالإنجليزية:

Perspectives for World Revolution 2014 - part five


أعلى الصفحة

  الصفحة الرئيسية


التيار الماركسي الأممي


اقتصاد وعولمة


المرأة والماركسية


ثقافة وفن


الفلسفة والعلم


Audio & Video


حملات تضامنية


تاريخ وتحليلات نظرية


إفريقيا


آسيــا


أوروبا


الشرق الأوسط


أمريكا الشمالية


أمريكا اللاتينية


مواقع أممية


هدفنا