marxy.com

مؤلفات

كارل ماركس
وفريديريك انجلز

 فلاديمير إيليتش لينين

ليون تروتسكي

 

 

الثورة المغدورة  

تيد غرانت

المغرب

إعلان المبادئ

البرنامج الانتقالي

كتب

الماركسية واللاسلطوية - الجزء الثالث


شكلت مسألة الدولة واحدة من نقاط الاختلاف التقليدية بين الماركسية واللاسلطوية. إذن ما هي الدولة؟ تشرح الماركسية بأن الدولة هي نتاج لاحتداد التناقضات الطبقية في المجتمع ومظهر من مظاهر ذلك الاحتداد. إنها تنشأ أين ومتى وبقدر ما لم يعد من الممكن التوفيق بين التناقضات الطبقية. وفي المقابل فإن وجود الدولة ذاته يثبت أن التناقضات الطبقية لا يمكن التوفيق بينها. [الجزء الأول]

طباعة Bookmark and Share

آلان وودز
الثلاثاء: 17 يناير 2012

الدولة

يقول فريدريك إنجلز ملخصا تحليله التاريخي للدولة:

«الدولة إذن ليست بأي حال من الأحوال سلطة مفروضة على المجتمع من خارجه؛ كما أنها ليست "تجسيدا للفكرة الأخلاقية"، و"صورة وحقيقة العقل"، كما يدعي هيجل. الدولة بالأحرى هي نتاج للمجتمع عند درجة معينة من تطوره، الدولة هي اعتراف بأن هذا المجتمع قد تورط في تناقض مع ذاته غير قابل للحل، وأنه قد انقسم إلى تناقضات لا يمكن التوفيق بينها ولا طاقة له بالخلاص منها. ولكي لا تقوم هذه التناقضات، هذه الطبقات ذات المصالح الاقتصادية المتناحرة، باستهلاك نفسها والمجتمع في صراع عقيم، أصبح من الضروري قيام سلطة تقف في الظاهر فوق المجتمع، سلطة تخفف الصراع وتبقيه ضمن حدود "النظام"، وهذه السلطة، المنبثقة عن المجتمع، والتي تضع نفسها فوقه، وتغترب عنه أكثر فأكثر هي الدولة» (فريدريك إنجلز: أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة).

الدولة الحديثة جهاز بيروقراطي هائل يلتهم كمية هائلة من الثروة التي تنتجها الطبقة العاملة. ويتفق الماركسيون واللاسلطويون على أن الدولة أداة همجية للقمع يجب القضاء عليها. لكن السؤال هو: كيف؟ وعلى يد من؟ وماذا سيحل محلها؟ هذا سؤال أساسي بالنسبة لأية ثورة. في كلمة ألقاها حول اللاسلطوية خلال الحرب الأهلية الروسية، لخص تروتسكي جيدا الموقف الماركسي من الدولة قائلا:

«تقول البرجوازية: لا تلمسوا سلطة الدولة، إنها امتياز وراثي مقدس للطبقات المتعلمة. بينما يقول اللاسلطويون: لا تلمسوها، إنها اختراع جهنمي، جهاز شيطاني، ليس لديكم حاجة به. تقول البرجوازية: لا تلمسوها، إنها مقدسة. ويقول اللاسلطويون: لا تلمسوها، إنها شر. لكن كلاهما يقول: لا تلمسوها. إلا أننا نقول: لا تكتفوا فقط بلمسها، بل خذوها بين أيديكم، واجعلوها تعمل لصالحكم، من أجل إلغاء الملكية الخاصة وتحرير الطبقة العاملة.» (ليون تروتسكي، How The Revolution Armed، المجلد 1، 1918، طبعة لندن، نيو بارك، 1979 [الطبعة الانجليزية -م-])

توضح الماركسية أن الدولة تتكون، في نهاية المطاف، من هيئات من الرجال المسلحين: من الجيش والشرطة، والمحاكم، والسجون. إنها أداة في يد الطبقة الحاكمة لقمع الطبقات الأخرى. وعلى عكس الأفكار المشوشة التي يتبناها اللاسلطويون برهن ماركس على أن العمال بحاجة إلى جهاز دولة للتغلب على مقاومة الطبقات المستغِلة. لكن فكرة ماركس هذه تعرضت للتشويه من قبل كل من البرجوازيين واللاسلطويين على حد سواء.

كانت كومونة باريس عام 1871 واحدة من أعظم الأحداث وأكثرها إلهاما في تاريخ الطبقة العاملة. فقد تمكن الشعب العامل في باريس، بفضل حركة ثورية هائلة، من استبدال الدولة الرأسمالية بأجهزة حكومية خاصة بهم واستولوا على السلطة السياسية حتى سقوطهم بعد بضعة أشهر. لقد سعى عمال باريس، في ظل ظروف صعبة للغاية، إلى وضع حد للاستغلال والقهر، وإعادة تنظيم المجتمع على أسس جديدة تماما.

كانت الكومونة حلقة مجيدة في تاريخ الطبقة العاملة العالمية. فللمرة الأولى في التاريخ تمكنت الجماهير الشعبية، بقيادة العمال، من الإطاحة بالدولة القديمة، وشرعت في مهمة تحويل المجتمع. ورغم عدم وجود خطة عمل محددة بوضوح ولا قيادة أو تنظيم، أظهرت الجماهير درجة مذهلة من الشجاعة والمبادرة والإبداع. لكن في النهاية أدى عدم وجود قيادة شجاعة وبعيدة النظر وبرنامج واضح، إلى تكبد هزيمة مروعة. لقد تتبع ماركس وإنجلز تلك التطورات بشكل وثيق جدا واعتمدا على خبرتها لتطوير نظريتهم حول "ديكتاتورية البروليتاريا"، والتي هي مجرد مصطلح علمي أكثر دقة لعبارة "السلطة السياسية للطبقة العاملة".

صاغ ماركس وإنجلز تقييما دقيقا لتجربة الكومونة، وأشارا إلى نقاط قوتها وكذا أخطاءها وأوجه قصورها. ويمكن أن تعزى جميع أوجه القصور تلك تقريبا إلى إخفاقات القيادة. كان قادة الكومونة مجموعة غير منسجمة تجمع بين أقلية من الماركسيين وبين عناصر من التيارات الإصلاحية واللاسلطوية. من بين أسباب فشل الكومونة كونها لم تشن هجوما ثوريا ضد الحكومة الرجعية التي اتخذت من فرساي مقرا لها. لقد أعطى هذا للقوات المعادية للثورة الوقت من أجل رص صفوفها ومهاجمة باريس. تم ذبح أكثر من 30.000 شخص على يد قوى الثورة المضادة. لقد دفنت الكومونة تحت كومة من الجثث.

في سياق تلخيصهما لتجربة كومونة باريس، قال ماركس وإنجلز:

«لقد أثبتت الكومونة شيئا واحدا على وجه الخصوص وهو أن الطبقة العاملة لا تستطيع ببساطة أن تستولي على آلة الدولة الجاهزة وتسخرها لخدمة أهدافها الخاصة.» ... (البيان الشيوعي: مقدمة الطبعة الألمانية 1872)

الستالينية أم الشيوعية؟

يود البرجوازيون والمدافعون عنهم تضليل العمال والشباب من خلال محاولة الخلط بين فكرة الشيوعية وبين النظام البيروقراطي الوحشي والاستبدادي الذي ساد في روسيا الستالينية. "هل تريدون الشيوعية؟ ها هي ذي! هذه هي الشيوعية! جدار برلين هو الشيوعية! المجر سنة 1956 هي الشيوعية! ومعسكرات الاعتقال السوفيتية هي الشيوعية!" ولسوء الحظ، فإن اللاسلطويين بدورهم يرددون صدى هذه الأكاذيب.

هذه افتراءات غبية. فالدولة العمالية التي بنتها الثورة البلشفية لم تكن بيروقراطية ولا شمولية، بل على العكس من ذلك، فقبل أن تغتصب البيروقراطية الستالينية السلطة من الجماهير، كانت الدولة الأكثر ديمقراطية في التاريخ. لم تخترع المبادئ الأساسية للسلطة السوفيتية من قبل ماركس أو لينين. لقد استندت إلى التجربة الملموسة لكومونة باريس، والتي شرحها لينين في وقت لاحق.

حدد لينين الشروط الأساسية للديمقراطية العمالية في واحد من أهم مؤلفاته: الدولة والثورة، حيث يضع الشروط التالية لدولة العمال، لدكتاتورية البروليتاريا في بدايتها:

  1. انتخابات حرة وديمقراطية مع حق الجماهير في عزل أي مسؤول.

  2. لا يحق لأي مسؤول أن يحصل على أجر أعلى من أجرة عامل مؤهل.

  3. لا جيش دائم أو بوليس دائم، بل الشعب المسلح.

  4. تدريجيا تنجز كل المهام الإدارية من قبل الجميع. «يجب أن يصير كل طباخ/ة قادرا على أن يصبح رئيس وزراء، عندما يصير الجميع"بيروقراطيا" بالتناوب، لا أحد يمكنه أن يكون بيروقراطيا».

هذه الشروط التي وضعها لينين، ليست لمرحلة المجتمع الاشتراكي أو الشيوعي الناجز، بل للمرحلة الأولى لميلاد دولة العمال، مرحلة الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية.

إن الانتقال إلى الاشتراكية، ذلك الشكل الأعلى للمجتمع الذي يقوم على قاعدة الديمقراطية الحقيقية والوفرة للجميع - لا يمكن أن يتحقق إلا عن طريق المشاركة الفعالة والواعية للطبقة العاملة في إدارة المجتمع والصناعة والدولة. إنها ليست صدقة يحصل عليها العمال من رأسماليين طيبي القلب أو من مسؤولين بيروقراطيين. على هذه الحقيقة استند كل تصور ماركس وإنجلز ولينين وتروتسكي.

تم بناء الدولة السوفيتية، في ظل لينين وتروتسكي، لتسهيل قيام العمال بمهام الرقابة والمحاسبة، ولضمان التقدم المتواصل في طريق الحد من "الوظائف الخاصة" بفئة الموظفين وسلطة الدولة. ووضعت قيود صارمة على رواتب وسلطة وامتيازات المسؤولين من أجل منع تشكل شريحة متميزة.

كانت سوفييتات نواب العمال والجنود أجهزة لا تتكون من السياسيين المحترفين والبيروقراطيين، بل من العمال والفلاحين والجنود العاديين. لم تكن سلطة مفارقة تقف فوق المجتمع، بل سلطة تقوم على أساس المبادرة المباشرة للشعب من الأسفل. لم تكن قوانينها مثل القوانين التي تسن من قبل الدولة الرأسمالية. لقد كانت نوعا مختلفا تماما عن أنواع الدول التي توجد عموما في الجمهوريات البرجوازية الديمقراطية البرلمانية، والتي ما تزال سائدة في البلدان المتقدمة في أوروبا وأمريكا. كانت دولة من نفس نوع كومونة باريس عام 1871.

وكما أوضح لينين:

«إن الخصائص الأساسية لهذا النوع هي: (1) ليس مصدر السلطة قانون نوقش سابقا وسن من قبل البرلمان، بل هو المبادرة المباشرة للشعب من تحت، في تجمعاتهم المحلية، أو "الاستيلاء" المباشر إذا أردنا استعمال المصطلح الشائع؛ (2) الاستعاضة عن الشرطة والجيش، والتي هي مؤسسات منفصلة عن الشعب وتقف ضد الشعب، بالتسليح مباشر للشعب كله؛ يتم حفظ النظام في ظل هذه السلطة من قبل العمال والفلاحين المسلحين أنفسهم؛ (3) الدواوينية، والبيروقراطية، إما تم استبدالها أيضا من قبل الرقابة المباشرة للشعب أو على الأقل تم وضعها تحت رقابة خاصة. لم يعد المسؤولون منتخبين فقط، بل صاروا أيضا عرضة للعزل عند أول طلب من الشعب؛ لقد تم تخفيضهم إلى مجرد موظفين عاديين؛ ومن موقعهم كمجموعة مميزة تمتلك "وظائف" عالية الأجور، صاروا عمالا لا يتجاوز أجرهم الأجرة العادية لعامل مؤهل.

«هذا، وفقط هذا وحده ما يشكل جوهر كومونة باريس كنوع خاص من الدولة.» (لينين، ازدواجية السلطة الأعمال الكاملة، المجلد 24، ص 38-9. [الطبعة الانجليزية. م.])

أكد لينين على أن البروليتاريا بحاجة فقط إلى دولة "مشكلة بطريقة تسير بها في طريق الاضمحلال فورا، ولا مندوحة لها عن الاضمحلال". دولة عمالية حقيقية ليس لها أي شيء مشترك مع الوحش البيروقراطي الموجود اليوم، فبالأحرى ذلك الذي كان موجودا في روسيا الستالينية.

في الواقع لم يكن الاتحاد السوفياتي في بداياته الأولى على الإطلاق دولة بالمعنى المفهوم للمصطلح، بل كان فقط التعبير المنظم للسلطة الثورية للشعب العامل. وباستخدام عبارة ماركس، كان "شبه دولة"، دولة مصممة لتضمحل في نهاية المطاف وتذبل وتذوب في المجتمع، وتفسح المجال للإدارة الجماعية للمجتمع لصالح الجميع، دون إجبار أو الإكراه. هذا، وهذا فقط، هو المفهوم الماركسي الحقيقية عن الدولة العمالية.

العنف أو اللاعنف؟

ترتبط مسألة الدولة، بطبيعة الحال، بمسألة العنف. تمتلك الطبقة الحاكمة تحت تصرفها جهازا هائلا للإكراه: الجيش والشرطة وأجهزة المخابرات والمحاكم والسجون والمحامون والقضاة، وحراس السجن. وقد تلقى العديد من المتظاهرين مؤخرا دروسا قيمة في النظرية الماركسية عن الدولة على يد الشرطة.

لا ينبغي أن يفاجئنا هذا. يؤكد لنا كل التاريخ أنه لم تقم أي طبقة حاكمة في أي وقت مضى بالتنازل عن الثروة والسلطة والامتيازات بدون قتال- وهذا يعني عادة صراعا بدون رحمة. ستصطدم كل حركة ثورية مع أجهزة الدولة القمعية هذه.

ما هو موقف الماركسيين تجاه العنف؟ دائما ما تتهم البرجوازية والمدافعون عنها الماركسيين بكونهم يدعون إلى العنف. هذه مفارقة مضحكة بالنظر إلى الترسانات الهائلة من الأسلحة التي تمتلكها الطبقة الحاكمة، والجيوش المدججة بالسلاح، ورجال الشرطة، والسجون، الخ. لا تعارض الطبقة الحاكمة العنف في حد ذاته. في الواقع، إن حكمها يستند على العنف بأشكال مختلفة كثيرة. العنف الوحيد الذي تمقته الطبقة الحاكمة هو عندما تحاول الجماهير الفقيرة والمسحوقة الدفاع عن نفسها ضد العنف المنظم للدولة البرجوازية. أي العنف الموجه ضد سيطرتها الطبقية وسلطتها وممتلكاتها.

من البديهي القول إننا لا ندافع عن العنف. نحن على استعداد للاستفادة من كل انفتاح تسمح لنا به الديمقراطية البرجوازية. لكن ينبغي ألا تكون لنا أية أوهام. فتحت القشرة الرقيقة للديمقراطية هناك واقع ديكتاتورية البنوك والشركات الكبرى.

في الوقت الذي يقال فيه للشعب إنه يمكنه أن يقرر ديمقراطيا مسار البلاد من خلال الانتخابات، فإن جميع القرارات الحقيقية تتخذ، في الواقع، من طرف مجالس إدارات الشركات الكبرى. ومصالح حفنة ضئيلة من أصحاب الأبناك والرأسماليين تساوي أكثر بكثير من أصوات ملايين المواطنين العاديين. إن المعنى الحقيقي للديمقراطية البرجوازية هو: يمكن لأي شخص أن يقول (إلى هذا الحد أو ذاك من الحرية) ما يحلو له، طالما تقرر الشركات الكبرى ما يحدث فعلا.

عادة ما يتم إخفاء ديكتاتورية الشركات الكبرى هذه وراء قناع مبتسم. لكن في اللحظات الحرجة يسقط قناع "الديمقراطية" المبتسم ليكشف عن الوجه القبيح لديكتاتورية الرأسمال. السؤال هو ما إذا كان لدينا، نحن أبناء الشعب، الحق في محاربة هذه الديكتاتورية والسعي لإسقاطها.

جاء الجواب قبل فترة طويلة عندما انتفض الشعب الأمريكي، والأسلحة في يده، للدفاع عن حقوقه ضد طغيان التاج الإنجليزي. ويؤكد البند الثاني من الدستور الأمريكي على حق الشعب في حمل السلاح لضمان الحرية. لقد أيد "الآباء المؤسسون" حق الشعب في العصيان المسلح ضد الحكومة المستبدة. ويقول دستور نيو هامبشاير لسنة 1784 بأن «عدم مقاومة السلطة المستبدة والاضطهاد مسألة سخيفة، وخنوع وإضرار بخير وسعادة البشرية.»

توضح كل ثورة في التاريخ، بما في ذلك الثورة الأمريكية، صحة كلمات ماركس عندما كتب أن «العنف هو مولدة كل مجتمع قديم حامل بمجتمع جديد». ومع ذلك، فقد أشار إنجلز في مؤلفه: "مبادئ الشيوعية" الذي يعتبر أول بيان برنامجي للماركسية، إلى ما يلي:

«سؤال 16. هل يمكن إزالة الملكية الخاصة بالطرق السلمية؟

جواب: حبذا لو كان ذلك ممكنا، وسيكون الشيوعيون بالتأكيد هم آخر من يشتكي من ذلك، لأنهم يدركون جيدا أن التآمر مهما كان ليس فقط عديم الجدوى بل ضارا أيضا. كما أنهم يعلمون تمام العلم أن الثورات لا تقوم اعتباطا أو على إثر مرسوم، بل إنها كانت في كل مكان وزمان نتيجة حتمية لظروف مستقلة كليا عن إرادة وقيادة الأحزاب وحتى الطبقات بأسرها. لكن الشيوعيين يرون، من جهة أخرى، أن نمو الطبقة العاملة يصطدم في جميع البلدان المتحضرة تقريبا بهجمة قمعية شرسة وأن خصوم الشيوعيين أنفسهم يساهمون بذلك في قيام الثورة بكل ما أوتوا من قوة. ولما كان ذلك يدفع في نهاية الأمر الطبقة العاملة المضطهدة إلى الثورة فإننا نحن الشيوعيين سندافع آنذاك عن قضية العمال بالفعل وبكل حزم مثلما ندافع عنها حاليا بالكلمة». (إنجلز، مبادئ الشيوعية، ماركس إنجلز الأعمال المختارة، المجلد الأول، ص 89.)

الحقيقة هي أنه بمجرد ما تنظم الطبقة العاملة نفسها وتتعبأ لتغيير المجتمع، لا تبقى هناك أية دولة أو جيش أو شرطة في إمكانها وقفها. في تسع مرات من أصل عشرة تكون الطبقة الحاكمة، التي تواصل التشبث بعناد بالسلطة، هي المبادرة إلى ممارسة العنف. لذلك فإن الطبقة العاملة التي تناضل من أجل تغيير المجتمع هي التي تتعرض لخطر العنف. وكما قال الرومان القدماء: Si pacem vis para bellum، إذا كنت تريد السلام، عليك الاستعداد للحرب.

إلا أن هذا لا يعني أننا ندعو إلى ارتكاب أعمال العنف المتفرقة من قبل الجماعات أو الأفراد: أي أعمال الشغب التي لا معنى لها، وكسر النوافذ، وإشعال الحرائق، وما إلى ذلك. إن مثل هذه الممارسات تعكس في بعض الأحيان الغضب الحقيقي والإحباط الذي يشعر به الشعب، ولا سيما الشباب العاطلين والمحرومين، ضد ظلم المجتمع الطبقي. لكن هذا النوع من الممارسات لا يحقق شيئا إيجابيا. إنها تؤدي فقط إلى تنفير الفئات الأوسع من الطبقة العاملة وتعطي للطبقة الحاكمة ذريعة لإطلاق العنان للقمع، من أجل القضاء على عموم الحركة الاحتجاجية.

هناك قوة في المجتمع أقوى بكثير حتى من أقوى دولة أو جيش: إنها قوة الطبقة العاملة عندما تنظم صفوفها وتنهض لتغيير المجتمع. لا يمكن لعجلة أن تدور، ولا لهاتف أن يرن، ولا لمصباح أن يضيء دون إذن الطبقة العاملة! وبمجرد ما تنهض هذه القوة الهائلة، لا يصير في إمكان أية قوة على الأرض إيقافها.

إن المنظمات النقابية القوية الموجودة حاليا هي أكثر من قادرة على الإطاحة بالرأسمالية إذا ما عملت على حشد الملايين من العمال الذين تمثلهم لهذه الغاية. مرة أخرى يمكن اختصار الأزمة في أزمة قيادة الطبقة العاملة ومنظماتها.

ما الذي يجب عمله؟

توجد قيادة المنظمات الجماهيرية، بدءا من النقابات العمالية، في حالة يرثى لها في كل مكان. ويقدم التاريخ أدلة ليس فقط على المعارك الكبيرة، بل أيضا على هزائم الطبقة العاملة نتيجة القيادة الفاسدة. لذا فإنه من المفهوم كيف أن بعض الشباب يشعرون بالاشمئزاز من الدور الذي تلعبه القيادات الحالية، ويتطلعون إلى الأفكار اللاسلطوية باعتبارها حلا.

لكن في معظم الحالات نجد أن أولئك الذين يصفون أنفسهم بكونهم لا سلطويين لا يعلمون شيئا عن النظريات اللاسلطوية أو تاريخ الحركة اللاسلطوية. إن نزعتهم اللاسلطوية لا علاقة لها في الواقع بالحركة اللاسلطوية على الإطلاق، إنما هي رد فعل صحي ضد البيروقراطية والإصلاحية. عندما يقولون: "نحن ضد السياسة!" فإن ما يقصدون قوله هو: "نحن ضد السياسة السائدة، التي لا تخدم مصلحة الناس العاديين!" وعندما يقولون: "نحن لسنا بحاجة لأحزاب وزعماء!" فإن ما يقصدونه هو: "نحن لسنا بحاجة إلى الأحزاب السياسية الحالية والقادة الحاليين المفصولين عن المجتمع والذين يدافعون فقط عن مصالحهم الخاصة ومصالح الأغنياء الذين يدعمونهم."

إن هذه "اللاسلطوية" في الواقع هي مجرد قشرة خارجية لنزعة بلشفية غير ناضجة، لنزعة ماركسية ثورية. إنهم شباب صادقون يرغبون من أعماق قلوبهم في تغيير المجتمع. سيصل الكثير منهم إلى فهم قصور الأفكار والأساليب اللاسلطوية وسيبحثون عن بديل ثوري أكثر فعالية. وبالفعل فإن عددا متزايدا من المناضلين في حركة احتلال الساحات قد بدأوا يشعرون بالحاجة إلى قيادة مناسبة وبرنامج واضح للعمل.

إن الجيل الجديد من العمال والشباب قد بدأوا يفهمون، استنادا إلى التجربة المؤلمة، طبيعة المشاكل التي يواجهونها وبدأوا تدريجيا يفهمون الحاجة إلى حلول جذرية. إن أفضل العناصر بدأت تدرك أن السبيل الوحيد للخروج من المأزق الحالي هو من خلال إعادة البناء الثوري للمجتمع من قمته إلى أسفله.

لن يكون من السهل تحقيق ذلك؛ لكن لا شيء في الحياة سهل. إن الخطوة الأولى والأكثر أهمية هي أن نقول لا للمجتمع القائم ومؤسساته وقيمه وأخلاقه. إنها الخطوة الأسهل. إذ ليس من الصعب الاحتجاج والرفض. لكن ما هو ضروري أيضا هو أن نقول ما الذي يجب عمله؟.

إن هذا يؤكد الحاجة إلى الوضوح في الأفكار والبرامج والتكتيكات. الأخطاء النظرية ستؤدي حتما إلى أخطاء في الممارسة العملية. هذا ليس تمرينا أكاديميا. إن الصراع الطبقي ليس لعبة، والتاريخ مليء بالأمثلة حول كيف أدى عدم الوضوح السياسي إلى عواقب مأساوية. ومثال إسبانيا سنوات الثلاثينات هو مثال على ذلك.

تتميز المراحل الأولى من الثورة حتما بالسذاجة وجميع أنواع الأوهام. لكن هذه الأوهام سيتم تحطيمها بفعل الأحداث. تسير الحركة على طريق التجربة والخطأ. إنها تحتاج إلى وقت لتتعلم. لو توفر حزب ماركسي، يمتلك جذورا ونفوذا سياسيا بين الجماهير، لكانت عملية التعلم أقصر بكثير بدون شك، ولكان هناك عدد أقل من الهزائم والنكسات. لكن مثل هذا الحزب غير موجود حتى الآن. ولا بد من بناءه في خضم الأحداث.

إن الارتباك وعدم وجود برنامج والنقاشات التي لا تنتهي ليست بديلا عن العمل الإيجابي. إذا كانت حركة احتلال الساحات تريد أن تنجح، فعليها أن تتسلح بأفكار واضحة وبرنامج ثوري متماسك. وحدها الماركسية من يمكنها أن توفر ذلك. لقد أظهر العمال والطلاب قدرا هائلا من الإبداع والمبادرة. كل شيء يتوقف الآن على قدرة العناصر الأكثر ثورية بين العمال والشباب على استنتاج جميع الخلاصات الضرورية. بتسلحهم ببرنامج اشتراكي ثوري حقيقي سيصير من المستحيل قهرهم.

النضال من أجل الاشتراكية!

هل حقا لا يوجد بديل للرأسمالية؟ كلا، هذا ليس صحيحا! إن البديل هو نظام يقوم على الإنتاج لتلبية احتياجات الأغلبية وليس لتحقيق الأرباح لصالح الأقلية؛ نظام يستبدل الفوضى الاقتصادية بالتخطيط المتناغم؛ نظام يستبدل حكم أقلية من الطفيليات الثرية بحكم الأغلبية الذين ينتجون كل ثروات المجتمع. اسم هذا البديل هو: الاشتراكية.

ليست للاشتراكية الحقيقية أية علاقة مع النظام البيروقراطي الشمولي الذي كان سائدا في روسيا الستالينية. إنها الديمقراطية الحقيقية التي تقوم على ملكية الطبقة العاملة للقوى المنتجة الأساسية ورقابتها عليها وإدارتها لها.

يظن البعض أنه من الطوباوية الحديث عن قدرة الجنس البشري على امتلاك مصيره وتسيير المجتمع على أساس خطة إنتاج ديمقراطية. إلا أن الحاجة إلى اقتصاد اشتراكي مخطط ليست من اختراع ماركس أو أي مفكر آخر. إنها تنبع من الضرورة الموضوعية. إن إمكانية الاشتراكية العالمية تنبع من الظروف الحالية للرأسمالية نفسها. كل ما هو ضروري هو أن تقوم الطبقة العاملة، التي تشكل الأغلبية، بتولي إدارة المجتمع، ومصادرة الأبناك والاحتكارات العملاقة، وتعبئ الطاقات الإنتاجية الهائلة غير المستغلة للبدء في حل المشاكل التي نواجهها.

لكي تصير البشرية قادرة على تحقيق كامل إمكاناتها، من الضروري تخليص الصناعة والزراعة والعلوم والتكنولوجيا من قيود الرأسمالية الخانقة. وبمجرد ما تتخلص القوى المنتجة من هذه القيود الخانقة، سيصير المجتمع فورا قادرا على تلبية جميع حاجات الإنسان وتمهيد الطريق للقيام بخطوة جبارة للبشرية.

ندعو جميع الذين يرغبون في النضال من أجل تغيير المجتمع إلى الانضمام إلينا وإلى فتح النقاش وإلى الجدل حول نقاط الاختلاف واختبار مدى صلاحية الأفكار والبرامج على محك الصراع الطبقي. فقط بهذه الطريقة يمكن لنا أن نضع حدا للارتباك السائد وتحقيق الوضوح الأيديولوجي والتماسك التنظيمي الضروريين لتحقيق النصر النهائي.

عنوان النص بالإنجليزية:

Marxism and anarchism – Part Three


أعلى الصفحة

  الصفحة الرئيسية


اقتصاد وعولمة


المرأة والماركسية


ثقافة وفن


الفلسفة والعلم


Audio & Video


حملات تضامنية


تاريخ وتحليلات نظرية


إفريقيا


آسيــا


أوروبا


الشرق الأوسط


أمريكا الشمالية


أمريكا اللاتينية


هدفنا


إتصل بنا