ستالين و الصهيونية

أ. كرامر في اسرائيل

 

في 11 فيفري 1945 في يالطا  سال الرئيس الامريكي روزفالت ستالين عن رايه في الصهيونية. وكان الجواب بمثابة الصدمة لشارل بولن المترجم الذي كان قد قرا عمل ستالين "الماركسية و المسالة القومية": 'مبدئيا انا اساند الصهيونية, الا انه توجد بعض المصاعب لحل المسالة اليهودية. لقد فشلت تجربتنا في بذربيدجان (1) لان اليهود يفضلون العيش في المدن."2     

انها حقيقة متداولة ان ستالين شخصيا لم يكن يحب اليهود. كان كذلك يكره البريطانيين و الشاشانيين و عدة قوميات اخرى. كان يملك رؤية قومية شوفينية روسية ضيقة. وكان بعيدا جدا عن النظرة الاممية التي تميز بها لينين و الحزب البلشفي قبل ان  ينحدر الحزب في التفسخ الستاليني. علاوة على هذه الخصال كان ستالين يحاول استمالة مختلف الحركات القومية للبرجوازية الصغيرة في دول مختلفة.

في نهاية العشرينات كان قد طور علاقة متينة  بكومنتانغ شانغ كاي تشاك و برغم تلك "الصداقة" انتهت علاقة الاستمالة بمذبحة للشيوعيين الصينيين في نانكين.

بعدها, في الثلاثينات, دفع  بالشيوعيين الاسبان في تحاف مع ما يسمى ب''الجناح التقدمي" للبرجوازية الاسبانية. و هو ما ادى الى الثورة الاسبانية. وقد كانت مشاركة رجال ال -  ک جي بي لا حقا- في تلك المناورات كبيرا.

شكل ستالين خلال الحرب العالمية الثانية تحالفا مع البرجوازية الانغلو-امريكية. ومن ضمن ما ادى اليه التحالف هو اتفاق  اسفر على تصفية الكومنترن (الشيوعية العالمية). و في اليونان ادى ذلك الى خيانة الشيوعيين اليونان الذين تركوا  لتقضي عليهم القوات البريطانية.

انتهت جميع هذه التحافات بخيبات  كبيرة "للرفيق" ستالين و الادهى هو انها اسفرت عن  عدد كبير من الضحايا من بين العمال في البلدان التي تبعت تلك السياسة الفاسدة. الا انه يوجد من البشر من لا يتعلم من الماضي ابدا. و كان ستالين احد هؤلاء. وهكذا كانت الصهيونية هي المغامرة التالية التي خاضها ستالين. فخلال مرحلة ما بعد الحرب كان الصهاينة في نزاع مع قادة الاستعمار البريطاني في فلسطين ويبحثون عن اصدقاء جدد.

ويجب الاشارة هنا الى ان  جوزيف فيساريونوفيتش ستالين- سبق و ان كانت له بعض الاتصالات بالصهاينة. يذكر النشط الصهيوني الروسي دان باينس في مذكراته انه كان قد زار ستالين عندما كان الاخير مفوضا للقوميات في اواسط العشرينات ولقى منه المساندة لنشاطاته الصهيونية في روسيا.

كان ذلك الموقف يتعارض تماما مع السياسة الشيوعية الرسمية. فقد كانت صفعة في وجه جميع قرارات الكومنتارن وكذلك بالنسبة للفصيل اليهودي في الكومنتارن والذي كان قد صرح بان الصهيونية حركة رجعية خطيرة.

اصدر المؤتمر الثاني للكومنتارن في 1920 بيانا حول المسالة الاستعمارية و القومية جاء فيه: " وكمثال ساطع على تضليل شغيلة الامم المضطهدة من قبل القوى المتحدة لامبريالية التحالف وبرجوازية هذه الامم هي المغامرة الفلسطينية التي تقدم بها الصهاينة (والصهيونية عامة و التي بادعائها تاسيس دولة يهودية في فلسطين انما هي عمليا تدافع على اخراج العمال العرب من فلسطين حيث لا يمثل العمال اليهود الا اقلية ضئيلة وهو دور تستغله بريطانيا).  وهنا تجاهل ستالين تماما التقاليد الاصيلة للحزب البلشفي و الاممية الشيوعية (بقيادة لينين و تروتسكي). فالتعاطف مع الصهيونية كان نموذجيا لدى "اليمينيون البلاشفة". وكان فليكس دجرجينسكي, رئيس الادارة السياسية للدولة (GPU), مدافع اخر من المدافعين عن الصهيونية وكان ايضا يميني بلشفي.  

غير انه و اثرالتحول الى اقصى اليمين الذي اتبعه الستالينيون عندما كان اغلب القادة المعارضين البلاشفة يقبعون في السجن تم فجاة قمع هذا التعاطف تجاه الصهيونية ومنعت في الاتحاد السوفياتي. بالرغم من ذلك لم يكن انتقاد الصهيونية قويا و منظما في الثلاثينات. وفي الواقع لم تكن كافة العلاقات  بين الصهيونية و الستالينية سيئة. الا انه وبعد ان كانت امالهم كبيرة في المظاهر "الايجابية" للصهيونية فان في اواخر العشرينات خاب امل عديد الصهاينة اليساريين من خلال تجربتهم في فلسطين وعادوا الى الاتحاد السوفياتي. و قد تم اعدام اغلب هؤلاء سنة 1937.

وكان هناك اخرون ادركوا انه لا يمكن مغادرة "الجنة الصهيونية". وبدا الموقف الرسمي من الصهيونية في الاتحاد السوفياتي في اواخر الثلاثينات بالتغير في اتجاه موقف اكثر محاباة. ففي الموسوعة السوفياتية الضخمة التي نشرت انذاك نجد موقفا ايجابيا من الصهيونية.  فقيل ان الهجرة اليهودية الى فلسطين "اصبحت عاملا تقدميا" لان العديد من المهاجرين كانوا من اليسار و كانوا من العمال و هذا كان بالامكان استعماله ضد الشيوخ العرب المساندين للبريطانيين!

في بداية 1947 برز للوجود تحالف غريب حول المسالة الفلسطينية- الولايات المتحدة و الاتحاد السوفياتي و الصهاينة. وجميعهم ساند تقسيم فلسطين. و بالطبع كانت لكل منهم مصالحه الخاصة  من وراء ذلك. فالولايات المتحدة ارادت اخراج  وتعويض الاسد الاستعماري البريطاني في منطقة الشرق الاوسط الاستراتيجية و الغنية بالنفط. و بالنسبة لستالين فقد اراد استعمال اليهود في فلسطين ضد الامبريالية البريطانية و ارساء قاعدة دعم للبيروقراطية السوفياتية في الشرق الاوسط. و نعلم ايضا ان بن غوريون و عصابته ارادوا "اسرائيل الكبرى" على جانبي الاردن او على الاقل ضم شبه جزيرة سيناء.

و هنا نتساءل: اكان لستالين ادنى فهم بالماركسية عندما  ساند الصهيونية؟ و الجواب بالطبع  يكون بالنفي. فقد اختزل منهج تعامله مع المسالة الى لعب اللعبة القديمة بين روسيا و الامبريالية البريطانية من اجل السيطرة على المنطقة. ولم يقم ستالين بدعم تغييرات اجتماعية جذرية في فلسطين لهذا فان نزاعا دمويا لتقسيم فلسطين كان متوقعا جدا. فالحل الوحيد الذي كان من المفروض العمل من اجله هو ان تكون فلسطين اشتراكية تضم اليهود و العرب معا و ذلك كجزء من الفدرالية الاشتراكية للشرق الاوسط. و لكن كان ذلك بمثابة كتاب مغلق بالنسبة لستالين. و الادهى من ذلك  هو ان  السلطات السوفياتية اعطت "الضوء الاخضر" لتزويد اسرائيل بالسلاح. و بالفعل, فعن طريق  النظام التابع لها في تشيكوسلوفاكيا تم ارسال الاسلحة الى اسرائيل و في نفس الوقت ايضا تم تشجيع "الشيوعيين" على الخدمة في القوات المسلحة الاسرائيلية, القوات نفسها التي ارتكبت جرائم بشعة ضد العمال و الفلاحين العرب. وكان  "القائد العظيم" يامل طبعا ان يكون مدير الدولة اليهودية القادمة ويحقق ما يسمى "بالفنلدة" نسبة الى فنلندة-  وبذلك يجعل اسرائيل حليفا راسماليا للاتحاد السوفياتي.

وكان  فاشيسلاف مولوتوف الرجل المكلف بمكتب الشؤون الخارجية السوفياتية بين 1939 و 1949  اكبر نصير و متحمس لهذا الاتجاه. وهو الذي امضى معاهدة ستالين- هتلر السيئة الذكر وبمشاركة ريبنتروب في 1939. و كان مولوتوف على اقتناع تام  بضرورة ان يتخلى الاتحاد السوفياتي عن مساندته للشيوعيين العرب لانه كان يعتبرهم  مغلوبين على امرهم و لذا من الافضل دعم الصهاينة اذ كان يعتقد ان هؤلاء في موقع يخول لهم اقتطاع جزء كبير من الامبراطورية البريطانية. وقام خبراء من قسم الشرق الاوسط التابع للقسم الدولي للجنة المركزية للحزب الشيوعي لعموم روسيا بنقد وجهة النظر تلك و لكن لم يكن احد في اعلى السلطة السوفياتية بمستعد للاستماع اليهم بل و تم تنحية رئيس القسم بيتر فلاديميروفيتش ميلوغرادوف, وهو دكتور في التاريخ, من منصبه لانه كان قد انتقد موقف مولوتوف. 

وكانت تقديرات ستالين و مولوتوف خاطئة جدا. فقد حافظت البرجوازية الاسرائيلية و بيروقراطية الدولة الاسرائيلية المنبثقة على روابط سياسية و اقتصادية متينة مع الغرب و بالاخص مع الولايات المتحدة الامريكية. قال غولدا ميير في ذلك الوقت: "ليس بامكاننا شراء اسلحة سوفياتية باموال تلقيناها من يهود امريكان".  وهكذا استغلت الطبقة الحاكمة الاسرائيلية و بكل سخرية المساعدة السوفياتية لصالحها الخاص عندما كانت تؤسس دولتها و لما انتهت ما تسمى ب "حرب الاستقلال" بدات في تطوير علاقات امتن مع الغرب.

لقد كانت نهاية "الصداقة" بين الاتحاد السوفياتي و الصهاينة متوقعة جدا. ففي زيارة له  لفلسطين في 1943 في طريقة عودته الى روسيا التقى الاكاديمي افان ميخايلوفيتش مايسكي- السفير السوفياتي بلندن بين  1934 و 1943 - بزعماء الصهيونية. و كانت نتيجة ذلك اللقاء ان اعد تقريرا لوزير الخارجية السوفياتي مولوتوف جاء فيه:

"انهم اناس طيبون.  فقد اكمل جميعهم دراستهم في مدارس و جيمنازيوهات روسيا. تحدثنا عن الادب الكلاسيكي و عن اللغة الروسية الا انهم يفكرون بالانجليزية بلكنة امريكية". ان هذا لوصف بليغ للموقف الحقيقي للقيادة الصهيونية.

اصبح فشل السياسة السوفياتية في الشرق الاوسط كثير الوضوح. و فقد الاتحاد السوفياتي اسرائيل من منطقة نفوذه. و تبعا لسياسة ستالين المشؤمة انحلت عديد الاحزاب الشيوعية في البلدان العربية  و فقدت تاثيرها.

في دمشق وبعد ان القى غروميكو خطابه في الامم المتحدة موافقا على تقسيم فلسطين تم نهب المكاتب المحلية للحزب الشيوعي السوري. كان في صفوف الحزب الشيوعي الفلسطيني اعضاء يهود و عرب دافعوا دائما على دولة واحدة لشعبين. و لكن و بسبب ارتباطه بالاتحاد السوفياتي فقد تقلصت شعبيته الى حد كبير. تقليديا كانت للحزب علاقات حميمية مع الاحزاب و الحركات الشيوعية في البلدان العربية المجاورة  مثل مصر و لبنان اما الان فقد انقطعت هذه العلاقات.

و يقوم ستالين بانعطاف ب180 درجة مثلما فعل ذلك عديد المرات في الماضي. ففي 1933 غير ستالين موقفه من موقف يساري جد متطرف الى حد اعتبار الاحزاب الاشتراكية اعداء (او"فاشيين-اشتراكيين") الى  تحالف مع ما يسمى ب'البرجوازية الليبرالية' ("الجبهة الشعبية"). وهكذا انتقل ستالين في نهاية الاربعينات من مساندته للقومية اليهودية الى موقف صريح معاد للسامية. وناسبت مناورته هذه جيدا سياسته "زحف الترميدور" التي تضمنت عادات رجعية تعود الى روسيا القيصرية. 

وهكذا اثيرت الهستاريا المعاداة للسامية الى حد وفاة ستالين في 1953. لقد كانت هديته الاخيرة  للصهاينة. ونتيجة لسياسة ستالين هذه المعتمدة على التمييز و الاضطهاد دفع بالاف من اليهود في ايدي القوميين الصهاينة  وعوض ان تضعف سياسة ستالين الصهيونية فقد دعمتها بقوة ووفرت لها اكثر مناصرين.

ومن الطريف ان نرى اليوم في روسيا بعض المتشددين الستاليين الذين يعتبرون ان ستالين كان "مناضلا كبيرا ضد الصهيونية". و نجد انعكاسا لهذه الصورة في اسرائيل نفسها في صفوف بعض اليساريين. والى حد اوائل الثمانينات كان  بالامكان العثور على صور لستالين معلقة على الجدران في الكيبوتات!  فبالنسبة للبعض كان يعتبر الرجل الذي ساعد على تحقيق الحلم الصهيوني. بالرغم من كل هذه الاساطير فان الماركسيين في اسرائيل اليوم يعلمون حقيقة هذا الامر.

 

ماي 2003

1. بعد ثورة 1917 منح لينين و البلاشفة اليهود الذي رغبوا في العيش في منطقة يتمتعون فيها باستقلال ذاتي منطقة تعرف بيروبدجان. كانت تلك اشارة من جهة البلاشفة لتبين ان دولة العمال كانت تضع حدا لكافة اشكال التفرقة. ولم تقبل الغالبية العظمة من اليهود  بالعرض لانهم شعروا بان حقوقهم  الان قد ضمنت في ظل روسيا ما بعد الثورة. للاسف لم تكن الحال كذلك  في عهد نظام ستالين.

(2).(Mordel G. "40 let ne voiny ni mira", Vesty 2, 27.03.03 pp. 12-(13.)

3. مترجم عن الطبعة الروسية  للشيوعية العالمية, 1919-1943, المجلد الاول,  لينينغراد, 1960, ص 144.

 

الصفحة الرئيسية / الشرق الاوسط و شمال افريقيا