marxy.com

مؤلفات

كارل ماركس
وفريديريك انجلز

 فلاديمير إيليتش لينين

ليون تروتسكي

 

 

الثورة المغدورة  

 

تيد غرانت

المغرب

إعلان المبادئ

البرنامج الانتقالي

منشوراتنا

 

إيران...ثورة في انتعاش

بيان التيار الماركسي الأممي حول الأزمة الاقتصادية:
فلنجعل الرأسماليين يؤدون الثمن!
الجزء الثاني


طباعة
التيار الماركسي الأممي
05 نوفمبر 2008

نواصل فيما يلي نشر بياننا الذي يوضح أسباب الأزمة الاقتصادية الحالية ويطرح للحركة العمالية الأممية برنامجا للعمل. نقدم في هذا الجزء الثاني برنامجا للنضال ضد البطالة والدفاع عن مستويات العيش، كما نعمل أيضا على طرح مطالب محددة للدفاع عن منظمات الطبقة العاملة والشباب لكونها تتعرض للهجمات من جانب الرأسماليين خلال وقت الأزمة.

كيف نناضل ضد البطالة

خلال مرحلة الازدهار، وعندما كان يتم تحقيق أرباح هائلة، لم تكن الأغلبية الساحقة من العمال يشهدون أي رفع حقيقي في أجورهم. لقد كانوا يخضعون لضغوطات متصاعدة ويطالََبون، من طرف الرأسماليين، بتقديم إنتاجية أكبر وتفرض عليهم ساعات عمل أطول. لكن الآن، ومع تصاعد حدة الأزمة، صاروا مهددين ليس فقط باقتطاعات هائلة في مستويات عيشهم وتدهور كبير لشروط العمل، بل مهددين أيضا بفقدان مناصب شغلهم. لقد صارت إغلاقات المعامل وارتفاع البطالة واقعا معاشا. الشيء الذي يعني بدوره المزيد من احتداد الأزمة والمزيد من تدهور ظروف عيش الجماهير. هناك على الصعيد العالمي ملايين البشر الذين يواجهون خطر الإقصاء والتهميش.

طيلة عقد من الزمن صور الاقتصاديون البرجوازيون الاقتصاد الإسباني بكونه محركا لخلق مناصب الشغل في منطقة اليورو. والآن التحق بصفوف العاطلين في إسبانيا أزيد من 800.000 عاطل خلال السنة الماضية. إذ أن انتهاء الازدهار، الذي عرفه قطاع البناء طيلة عقد من الزمن، رفع معدل البطالة إلى 11,3%، والذي يعتبر أكبر معدل في الاتحاد الأوربي. صرح دانييل أنتونوتشي، المحلل الاقتصادي في ميريللي لينش أنترناشيونال، قائلا: "سيصبح الوضع أكثر سوءا، إذ ليست هذه سوى البداية". وقد توقع أن يرتفع معدل البطالة في إسبانيا إلى 13% خلال السنة المقبلة. بينما سيرتفع عدد العاطلين في أوروبا من 7,5% إلى 8,1% مع نهاية سنة 2008. إلا أن الأرقام الحقيقية لمعدلات البطالة في الواقع هي أكثر سوءا، لكن الحكومات تلجأ لجميع أشكال الألاعيب لتزويرها. نفس الوضع يقال عن جميع البلدان الأخرى.

على العمال أن يدافعوا عن مستويات عيشهم، على الأقل، إذا لم يتمكنوا من رفعها وتحسينها. إن البطالة تهدد المجتمع بالتفكك. لا يمكن للطبقة العاملة أن تسمح بتطور البطالة الكثيفة. إن الحق في العمل حق أساسي. أي مجتمع هذا الذي يحكم على ملايين النساء والرجال الأصحاء بحياة البطالة الإجبارية بينما عملهم ومهاراتهم ضرورية لتلبية حاجيات الجماهير؟ ألسنا نحتاج المزيد من المدارس والمستشفيات؟ ألسنا في حاجة إلى المزيد من الطرق والمنازل الجيدة؟ أليست البنى التحتية وأنظمة النقل في حاجة إلى الإصلاح والتحسين؟

إن الجواب عن كل هذه الأسئلة واضح للجميع. لكن رد الطبقة السائدة هو دائما نفسه: لا يمكننا توفير هذه الأشياء. والجميع يعلم الآن أن هذا الرد خاطئ. نعلم الآن أنه في مقدور الحكومات أن تجد مبالغ هائلة من الأموال عندما يتعلق الأمر بخدمة مصالح الأقلية الثرية التي تمتلك وتتحكم في الأبناك والصناعة. لكن عندما تطالب أغلبية الشعب الكادح بتلبية حاجاتها تزعم الحكومات أن الصناديق فارغة.

ما الذي يبينه هذا؟ إن هذا يبين أنه في ظل هذا النظام الذي نعيش فيه، تعتبر أرباح الأقلية أهم من حاجيات الأغلبية. هذا يبين أن كل النظام الإنتاجي مبني على شيء واحد فقط: السعي وراء الربح، أي الجشع. عندما ينخرط العمال في الإضراب، تعمل وسائل الإعلام (المحتكرة هي أيضا من طرف حفنة من أصحاب الملايير) على وصفهم بكونهم "جشعين". لكن "جشعهم" هذا لا يهدف سوى إلى الحصول على ما يسد الرمق: أداء سومة الكراء أو الديون، شراء الطعام وأداء ثمن الوقود، الذي يتصاعد بشكل مستمر، وتوفير الضروريات لأطفالهم وأسرهم.

لكن جشع أصحاب الأبناك والرأسماليين، من جهة أخرى، هو جشع من أجل مراكمة ثروات ضخمة باستغلال عمل الآخرين (لأنهم لا ينتجون شيئا بأنفسهم). فينفقونها على شراء الأعمال الفنية، ليس من أجل المتعة، بل فقط باعتبارها استثمارا مربحا، وعلى البذخ والتبذير، أو على المزيد من المضاربات التي تتسبب في النهاية دائما في حدوث الانهيار الاقتصادي وانتشار البؤس، ليس بين صفوفهم طبعا، بل بين صفوف الأغلبية الساحقة التي يقوم المجتمع على أساس عملها المنتج.

في الماضي كان أرباب العمل يزعمون أن التكنولوجيا سوف تخفف الثقل عن العمال، لكن العكس هو الذي حصل. فالاتحاد الأوربي مرر للتو قانونا يقضي برفع الحد الأقصى لساعات العمل الأسبوعية إلى 60 ساعة! يحدث هذا خلال العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، حيث أنتجت التطورات العظيمة التي تشهدها العلوم والتكنولوجيا عددا من وسائل توفير قوة العمل أكثر مما تم إنتاجه طيلة تاريخ البشرية بأسره. كيف يعقل هذا؟ كيف يعقل أن يكون هناك عدد هائل من العاطلين عن العمل، بينما يوجد في أماكن العمل عمال مجبرون على العمل فوق طاقتهم ساعات كثيرة؟

خلال فترة الازدهار كان أرباب العمل يرغمون العمال على الاشتغال ساعات طويلة إضافية، من أجل اعتصار آخر ذرة لفائض القيمة من قوة عملهم. لكن عندما بدأت الأزمة، ولم تعد لديهم أية أسواق لتصريف سلعهم، لم يترددوا في إغلاق مصانعهم، كما لو أنها صناديق أعواد الثقاب، ورموا بالعمال إلى الشوارع، بينما استمروا في استغلال العمال الباقين إلى أقصى الحدود. إن مأزق الرأسمالية يتمثل في أن البطالة لم تعد ذات طبيعة "مؤقتة"، بل صارت بنيوية. ليس في إمكان الرجل والمرأة البالغين من العمر أكثر من 40 أو 50 سنة أن يجدا منصب شغل مجددا، بينما سوف يُجبر الكثير من العمال المؤهلين، الذين فقدوا مناصب عملهم، على العمل في أشغال هشة ومتدنية الأجور، من أجل الحفاظ على بقائهم.

إن هذا اقتصاد مجنون! إنه من وجهة النظر الرأسمالية منطقي جدا. لكننا نرفض منطق الرأسمالية الأحمق هذا! وفي مواجهة خطر البطالة نرفع شعار تطبيق برنامج للأشغال العمومية واقتسام ساعات العمل بدون تخفيض الأجور. إن المجتمع بحاجة إلى المدارس، والمستشفيات، والطرق، والمنازل. يجب تشغيل العاطلين من خلال برنامج شامل للأشغال العمومية!

يجب على النقابات أن تربط العاطلين بعلاقات وثيقة مع العمال، ويرتبطا معا بأواصر التضامن والمسئولية المتبادلة. من الضروري اقتسام ساعات العمل بدون تخفيض الأجور! يجب اقتسام كل ساعات العمل المتوفرة بين العمال، مع الحفاظ على معدل الأجور نفسه، بالنسبة لجميع العمال، مثلما كان قبل اقتسام ساعات العمل. ويجب تطبيق السلم المتحرك للأجور بحيث ترتفع الأجور بتوافق مع حركة الأسعار. هذا هو البرنامج الوحيد الذي يمكنه حماية العمال في ظروف الأزمة الاقتصادية.

عندما يكون أرباب العمل بصدد تحقيق أرباح هائلة، يعملون على الحفاظ بشكل صارم على أسرارهم المهنية. والآن في وقت الأزمة، ينشرون قوائم حساباتهم كـ "دليل" على أنهم غير قادرين على تلبية مطالب العمال. ويصدق هذا بشكل خاص على صغار الرأسماليين. لكن المسألة المطروحة ليست هي مدى "واقعية" مطالبنا، من وجهة نظر أرباب العمل، من عدمها. فعلينا مهمة حماية مصالحنا الحيوية، نحن الطبقة العاملة، والدفاع عنها من التأثيرات السيئة للأزمة. سيشتكي أرباب العمل من أن هذه المطالب سوف تخفض من أرباحهم وسيكون لها تأثير سلبي على حوافزهم للاستثمار. لكن ما هو الحافز الذي تمتلكه الأغلبية الساحقة في المجتمع، في ظل نظام مبني على الربح الخاص؟ فإذا كانت المصالح الحيوية للأغلبية الساحقة لا تتوافق مع حاجيات النظام الحالي، فليذهب هذا النظام إلى الجحيم!

هل من المنطقي حقا أن تحدد اللعبة العمياء لقوى السوق حياة ومصائر ملايين الناس؟ هل من العدل أن تسير الحياة الاقتصادية في هذا الكوكب كما لو أنها ناد كبير للقمار؟ هل من الممكن تبرير واقع أن الجشع للربح هو القوة المحركة الوحيدة التي تقرر ما إذا كان الرجال والنساء سيحصلون على منصب شغل أو مأوى؟ سيجيب هؤلاء الذين يمتلكون وسائل الإنتاج ويتحكمون في مصائرنا بأن هذا جيد، لأنه يخدم مصالحهم. لكن الأغلبية الساحقة في المجتمع التي هي الضحية البريئة لنظام آكلي لحوم البشر هذا، لديها رأي مختلف تماما.

في سياق نضالهم من أجل الدفاع عن أنفسهم ضد المحاولات الرامية إلى جعلهم يدفعون ثمن الأزمة، سيتوصل العمال إلى فهم ضرورة إحداث تغيير جذري في المجتمع. إن الرد الوحيد على إغلاق المصانع هو احتلال المصانع: "مصنع مغلق هو مصنع محتل من طرف العمال!"، هذا هو الشعار الوحيد الفعال للنضال ضد الإغلاقات. ينبغي على احتلال المصانع أن يؤدي بالضرورة إلى تطبيق الرقابة العمالية. من خلال الرقابة العمالية سوف يكتسب العمال الخبرة في إجراء الحسابات وإدارة الشركة مما سوف يمكنهم لاحقا من تسيير المجتمع ككل.

هذه خبرة نضالات أكثر العمال طليعية خلال السنوات الأخيرة، خاصة في أمريكا اللاتينية. في البرازيل: مصنع سيبلا/ إنترفيبراس، ومصنع فلاسكو وغيرهما من المصانع. وفي الأرجنتين: مصنع بروكمان، ومصنع زانون والعديد من المصانع الأخرى. وفي فنزويلا، حيث أعاد العمال تشغيل شركة النفط العملاقة PDVSA وسيروها تحت رقابتهم لعدة أشهر طيلة زمن الإغلاق الذي نظمه أرباب العمل سنة 2002- 2003، وحيث تطورت حركة لاحتلال المصانع حول مصنع إينفيفال (Inveval) سنة 2005 وهي تزداد قوة يوما عن يوم.

في جميع هذه الحالات وغيرها، ناضل العمال بنجاح ضد كل العراقيل التي وضعت أمام محاولتهم تسيير مصانعهم تحت رقابتهم وإدارتهم. لكن لا يمكن للرقابة العمالية أن تكون هدفا في حد ذاتها. فهي تطرح مسألة الملكية. إنها تطرح السؤال التالي: من هو السيد هنا؟ فإما أن تقود الرقابة العمالية إلى التأميم، أو أنها لن تكون سوى حدث عرضي. إن الحل الوحيد لمشكلة البطالة هو اقتصاد اشتراكي مخطط، مبني على أساس تأميم الأبناك والشركات الكبرى في ظل الرقابة والإدارة العمالية الديمقراطية.

إننا نطالب بما يلي:

  1. لا للبطالة! توفير منصب شغل أو تعويض كامل عن البطالة للجميع!

  2. فلتسقط أسرار الشركات! افتحوا دفاتر الحسابات! لكي يصل العمال إلى المعلومات حول عمليات الاحتيال والمضاربات والتهرب الضريبي والصفقات المشبوهة، والأرباح الفاحشة والمكافئات المبالغ فيها. لكي يرى الشعب كيف تم خداعه ومن هم المسئولون عن الأزمة الحالية!

  3. لا لإغلاقات المصانع! كل مصنع مغلق هو مصنع محتل من طرف العمال!

  4. نعم للتأميم تحت الرقابة والإدارة العمالية للمصانع التي تهدد بإغلاق أبوابها!

  5. من أجل برنامج شامل للأشغال العمومية: من أجل برنامج ضخم لتوفير السكن الاجتماعي والمدارس والمستشفيات والطرق، ولتوفير مناصب الشغل للعاطلين.

  6. من أجل التخفيض الفوري لأسبوع العمل إلى 32 ساعة عمل، بدون تخفيض الأجور !

  7. من أجل اقتصاد اشتراكي مخطط،، في ظله فقط سيمكن القضاء على البطالة، وسيكتب المجتمع على رايته: حق الجميع في منصب شغل!

لنناضل من أجل الدفاع عن مستويات عيش لائقة!

بينما كان أصحاب الأبناك وأرباب العمل يحققون أرباحا هائلة، كانت الأجور الحقيقية لأغلبية العمال جامدة بل وتتراجع. لم تكن الهوة بين الغني والفقير أبدا أكبر مما هي عليه اليوم. كانت الأرباح القياسية مصاحبة بارتفاع قياسي للتفاوت الطبقي. قالت جريدة الايكونوميست (التي لا يمكن اتهامها باليسارية): "إن الميل الوحيد المتواصل طيلة الخمسة وعشرين سنة الماضية هو الميل نحو التركيز المتزايد للأرباح في يد من هم فوق." (الايكونوميست، 17 يونيو 2006). أقلية صغيرة جدا صارت فاحشة الثراء، بينما تراجع نصيب العمال من الدخل الوطني بشكل مستمر، وغرقت الفئات الأكثر فقرا في المزيد من الفقر. لقد فضح إعصار كاترينا، أمام أنظار العالم بأسره، وجود شريحة مهمشة محرومة من المواطنين الفقراء تعيش في ظل ظروف عالم- ثالثية داخل أغنى بلد في العالم.

في الولايات المتحدة يوجد ملايين البشر مهددين بفقدان مناصب شغلهم ومنازلهم، بينما تزداد الأرباح بسرعة كبيرة. وفي نفس الوقت الذي أعلن فيه بوش عن خطة الإنقاذ، بمبلغ 700 مليار دولار، نشرت الشركات ذات المنفعة العامة الأمريكية تقريرا عن ارتفاع عدد الزبناء العاجزين عن أداء فواتير الغاز والكهرباء. وقد سجلت أعلى ارتفاع لعمليات قطع الطاقة في ولايات ميشيغان (20%)، ونيويورك (17%)، وأيضا في بنسيلفانيا وفلوريدا وكاليفورنيا.

ينتج العمال الأمريكيون الآن أكثر بـ 30% مما كانوا ينتجونه قبل عشر سنوات. لكن الأجور لم ترتفع إلا بنسبة ضئيلة. النسيج الاجتماعي يتفكك بشكل متواصل. وهناك ارتفاع هائل في درجة التوتر داخل المجتمع، حتى في أغنى بلد في العالم. الشيء الذي يُحَضِّر الشروط لحدوث انفجار عظيم للصراع الطبقي. وهذا لا يخص الولايات المتحدة وحدها. ففي العالم بأسره، كان الازدهار الاقتصادي مصاحبا بمعدل بطالة عال. وقد كانت الإصلاحات والمكتسبات الاجتماعية تتعرض للهجوم، حتى في أوج فترة الازدهار. لكن أزمة الرأسمالية لا تعني فقط أن الطبقة السائدة قد صارت عاجزة عن تقديم أية تنازلات، بل إنها لا تستطيع حتى السماح باستمرار الإصلاحات والمكتسبات التي تحققت في الماضي.

لم يحقق العمال أي مكسب حقيقي من الازدهار الاقتصادي، وهم الآن مطالبون بأداء فاتورة الركود. في كل مكان هناك هجوم على ظروف عيشهم. ومن أجل الدفاع عن أرباح أرباب العمل وأصحاب الأبناك، ينبغي تخفيض الأجور، والرفع من ساعات ووتيرة العمل، كما ينبغي التخفيض من الإنفاق على المدارس والسكن والمستشفيات. مما يعني أنه حتى شروط العيش الشبه حضارية التي تم تحقيقها في الماضي صارت مهددة. في ظل الظروف الحالية لا يمكن تحقيق أي إصلاح ذي معنى بدون خوض نضال شرس. إن الفكرة القائلة بأنه يمكن تحقيق أي إصلاح من خلال الاتفاقات مع أرباب العمل وأصحاب الأبناك خاطئة كليا.

فكرة "الوحدة الوطنية" من أجل مواجهة الأزمة هي خداع بشع للشعب. أية وحدة في المصالح يمكنها أن تحدث بين العمال وبين مستغليهم الفاحشي الثراء؟ إنها وحدة الحصان مع راكبه الذي يجلد أضلاعه بالسوط. قادة الأحزاب الاشتراكية، والعمالية واليسارية الذين صوتوا لـ "تدابير الأزمة" بما فيها ضخ مبالغ هائلة في صناديق الأبناك، وسياسة الاقتطاعات والتقشف ضد أغلبية المجتمع، إنما يخونون مصالح الناس الذين انتخبوهم. إن قادة النقابات الذين يقولون بأنه في وقت الأزمة "يجب علينا أن نتحد جميعنا معا" ويتخيلون أنه من الممكن تحقيق مكاسب من خلال الاعتدال في المطالب في ما يخص الأجور، والقبول بالشروط المفروضة من جانب أرباب العمل، سيحصلون على عكس ما يريدونه. فالضعف يشجع على الاعتداء! إذ مقابل أية خطوة نخطوها إلى الوراء سوف يطالب أرباب العمل بخطوات أخرى. طريق التعاون الطبقي، وما تسمى بالسياسة العقلانية الجديدة، لن يوصل إلا إلى هزائم جديدة، والمزيد من إغلاقات المصانع والتخفيض في مستويات العيش.

بينما تواصل البطالة الارتفاع بشكل سريع، ترتفع كلفة العيش بدورها بشكل سريع جدا. فأسعار الوقود والغاز والكهرباء والغذاء، كلها ارتفعت، بينما الأجور بقيت جامدة وأرباح كبريات شركات الطاقة حلقت في الهواء. في المرحلة السابقة زعم الاقتصاديون البرجوازيون أنهم تمكنوا من "تدجين التضخم". كم تبدو هذه المزاعم سخيفة اليوم! الأسر التي كانت تعيش بالأمس على أجرتين صار عليها أن تعيش على أجرة واحدة الآن، أو بدون أجرة. إن الصراع من أجل البقاء أصبح له الآن معنى أكثر قسوة بالنسبة للملايين. إن التضخم والتقشف ليسا سوى وجهان لعملة واحدة. ولا يمكن لأي منهما أن يخدم مصالح الطبقة العاملة. إننا نرفض بشكل مطلق كل المحاولات الرامية إلى إلقاء ثقل الأزمة، والاختلال الذي عرفه النظام البنكي، وكل النتائج الأخرى لأزمة نظام السعي نحو الربح، على كاهل العمال والفقراء. إننا نطالب بتوفير مناصب الشغل وظروف عيش جيدة للجميع.

إن الحل الوحيد في مواجهة الارتفاع الصاروخي للأسعار هو السلم المتحرك للأجور. وهذا يعني أنه على الاتفاقات الجماعية أن تضمن الارتفاع التلقائي للأجور بارتباط مع ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية. يقول الرأسماليون وممثلوهم السياسيون للجماهير: لا يمكننا أن نتحمل الرفع في الأجور لأن هذا سيتسبب في التضخم. لكن الجميع يعرف أن الأجور هي التي تحاول اللحاق بالأسعار، وليس العكس. الحل هو السلم المتحرك للأجور، حيث ترتبط الأجور بشكل تلقائي بارتفاع كلفة العيش. لكن حتى هذا ليس كافيا. يعمل المسئولون على تزوير المؤشرات الرسمية للتضخم من أجل إخفاء حقيقة التضخم ومن تم يُؤْمر العمال بألا يطالبوا بالرفع من الأجور. وبالتالي فإنه من الضروري على النقابات أن تحدد المعدل الحقيقي للتضخم، بناء على أسعار السلع الأساسية (بما في ذلك أسعار الإيجار وتكاليف العقار)، وعليها تحديث المعطيات بشكل دائم. ويجب على كل مطالبة برفع الأجور أن تستند إلى هذا.

إننا نطالب بما يلي:

  1. حد أدنى للأجور والمعاشات كاف للجميع!

  2. تطبيق السلم المتحرك للأجور، وربط كل ارتفاع في الأسعار بارتفاع الأجور.

  3. على النقابات وجمعيات المستهلكين أن تحدد الرقم الحقيقي لكلفة المعيشة عوض الأرقام "الرسمية"، التي لا تعكس الصورة الحقيقية.

  4. إقامة مجالس للعمال وربات البيوت وصغار التجار والعاطلين للرقابة على ارتفاع الأسعار.

  5. إلغاء كل الضرائب الغير المباشرة وتطبيق نظام ضرائب مباشرة تصاعدي. إلغاء كل الضرائب عن كاهل الفقراء وجعل الأغنياء يدفعون الثمن!

  6. تخفيض ارتفاع أسعار الوقود! وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا من خلال تأميم شركات الطاقة، مما سيمكن العمال من فرض الرقابة على أسعار الغاز والكهرباء. لا لتحقيق الأرباح على حساب الشعب!

النقابات

في المرحلة الحالية يحتاج العمال إلى منظماتهم الجماهيرية أكثر من أي وقت آخر، وخاصة النقابات. إن النقابات هي الوحدة التنظيمية الأساسية للعمال. بدون نقابات قوية لن يكون من الممكن النضال من اجل الدفاع عن الأجور ومستويات العيش. هذا هو السبب الذي يجعل أرباب العمل والحكومات يسعون دائما إلى تدمير النقابات والحد من مجال تحركها من خلال إصدار قوانين معادية للعمل النقابي.

لقد أثرت مرحلة الازدهار الطويلة على القادة النقابيين، الذين انخرطوا في سياسات التعاون الطبقي، في الوقت الذي انتهت فيه إمكانية تطبيق هذه السياسة. إن القادة النقابيين اليمينيين هم أكثر القوى محافظة في المجتمع. يقولون للعمال: "إننا جميعا في نفس المركب" ويجب علينا جميعا أن نقدم التضحيات لحل الأزمة، وإن أرباب العمل ليسو أعداء، وإن الصراع الطبقي "موضة متجاوزة".

إنهم يبشرون بإمكانية عقد اتفاق بين العمل المأجور والرأسمال، وهي السياسة التي يعتبرونها "سياسة عقلانية جديدة". لكنها في الواقع أسوء أنواع اليوتوبيا. من المستحيل التوفيق بين مصالح متناحرة. إن الطريقة الوحيدة، في ظل الأوضاع الحالية، لتحقيق الإصلاحات والرفع من الأجور، هي النضال الحازم. في الواقع سيكون من الضروري النضال من أجل الدفاع عن المكتسبات التي تحققت في الماضي، والتي تتعرض للتهديد في كل مكان. يتناقض هذا تماما مع سياسة التعاون الطبقي التي ينهجها القادة، والتي تعكس ظروف الماضي، وليس الحاضر والمستقبل.

في سياق محاولاتها لتحييد دور النقابات وتحويلها إلى وسائل للتحكم في العمال، تقوم الطبقة السائدة بكل ما في وسعها لإفساد قادة النقابات وإيقاعهم في شراك الدولة. إننا نعارض كل هذه المحاولات وندافع عن تقوية ودمقرطة المنظمات النقابية على كل الأصعدة. يجب أن تكون النقابات مستقلة عن الدولة ويجب عليها مراقبة قادتها وإجبارهم على النضال بشكل حازم من أجل مصالح العمال.

إن قادة النقابات الإصلاحيين، الذين يحبون اعتبار أنفسهم ساسة عمليين وعقلانيين، ليسو في الواقع سوى أناس أغبياء. ليس لديهم أي تصور عن مدى الكارثة التي تتحضر بفعل الأزمة الاقتصادية للنظام الرأسمالي. يظنون أنه من الممكن العبور منها، بقبولهم للاقتطاعات وغيرها من الأعباء على أمل أن يكون كل شيء على ما يرام في النهاية. إنهم يتشبثون بإقامة "علاقات جيدة" مع الرأسماليين ويعتقدون أن ذلك سينجح. لكن الواقع عكس ذلك تماما! إذ أن التاريخ يبين أن الضعف يشجع على الاعتداء. ومقابل أية خطوة نخطوها إلى الوراء سوف يطالب أرباب العمل بخطوات أخرى.

وحتى عندما يجبرون، بسبب الضغط من تحت، على الدعوة إلى الإضرابات والإضرابات العامة، فإنهم يعملون كل ما في وسعهم لإفراغ هذه النضالات من مضمونها الكفاحي، وتقليص وقتها ومداها. وعندما يجبرون على الدعوة إلى مظاهرات جماهيرية، فإنهم يحولونها إلى مجرد استعراض واحتفالات، بدون أي محتوى كفاحي طبقي. بالنسبة للقادة النقابيين تعتبر هذه المعارك مجرد وسيلة لتخفيف الاحتقان. أما بالنسبة للمناضلين النقابيين الجديين، تعتبر الإضرابات والمظاهرات وسائل لتمكين العمال من الوعي بقوتهم وتحضير الشروط لتحقيق تغيير جذري للمجتمع.

حتى خلال المرحلة السابقة كان هناك تيار من الغضب والسخط يجري تحت السطح، نتيجة للهجمات ضد حقوق العمال وتطبيق القوانين المعادية للعمل النقابي. وسوف يصعد هذا السخط في الوقت الحالي إلى السطح وسيجد تعبيرا عنه داخل المنظمات الجماهيرية للطبقة العاملة، بدءا من النقابات. سوف يصطدم تجذر القواعد مع النزعة المحافظة السائدة بين القادة. سوف يطالب العمال بإحداث تغيير كلي داخل النقابات من القاعدة إلى القمة، وسيصارعون لتحويلها إلى منظمات كفاحية حقيقية.

إننا نناضل من أجل بناء نقابات جماهيرية ديمقراطية وكفاحية، تكون قادرة على تنظيم أغلبية الطبقة العاملة، وتعليمهم وتحضيرهم عمليا، ليس فقط لإنجاز تغيير جذري للمجتمع، بل من أجل القيام بتسيير الاقتصاد في ظل المجتمع الاشتراكي الديمقراطي المستقبلي.

إننا نطالب بما يلي:

  1. الاستقلال الكامل للنقابات عن الدولة.

  2. وقف التحكيم الإجباري، لا للاتفاقات الرامية إلى الحد من الإضرابات وغيرها من الإجراءات الهادفة إلى تقليص مدى تحرك النقابات.

  3. دمقرطة النقابات ووضع حق الرقابة على القيادة بين أيدي القواعد!

  4. إلغاء الانتخاب مدى الحياة! انتخاب جميع الموظفين النقابيين مع الحق في عزلهم.

  5. لا للبيروقراطية والوصولية! ليس من حق أي موظف نقابي أن يتقاضى أجرة أعلى من أجرة عامل مؤهل. ووضع جميع المصاريف تحت رقابة الأعضاء.

  6. لا للتعاون الطبقي! من أجل برنامج كفاحي لتعبئة العمال من أجل الدفاع عن مناصب الشغل ومستويات العيش.

  7. من أجل الوحدة النقابية على أساس المطالب المذكورة أعلاه.

  8. من اجل رقابة القواعد، وتقوية لجان المعارك وخلق لجان الإضراب خلال فترة الإضرابات وغيرها من المعارك، باعتبارها وسائل لضمان أكبر مشاركة لأكبر عدد من العمال.

  9. تأميم القطاعات الاقتصادية والصناعية الكبرى ووضعها تحت الرقابة العمالية الديمقراطية، حيث ستلعب النقابات دورا أساسيا في إدارة كل المصانع والرقابة عليها. ليس العمل النقابي هدفا في حد ذاته، بل مجرد وسيلة لتحقيق الهدف، الذي هو التغيير الاشتراكي للمجتمع.

الشباب

للأزمة الرأسمالية آثار سلبية بوجه خاص على جيل الشباب، الذي يشكل مستقبل الجنس البشري. إن الرأسمالية في عصر احتضارها تهدد بتدمير الثقافة وتحطيم الشباب وإحباطه. شرائح واسعة من الشباب، الذين لا يرون أي حل للمأزق الذي يعيشون فيه، يسقطون ضحايا لإدمان الخمور والمخدرات والجرائم والعنف. عندما يقتل بعض الشباب من أجل سرقة أشياء تافهة، يصير من الواجب علينا أن نتساءل عن طبيعة المجتمع الذي نعيش فيه. يشجع هذا المجتمع الشباب على الطموح إلى استهلاك السلع التي لا يمكنهم الحصول عليها، ومن تم فإنهم يرمون بأنفسهم إلى التهلكة.

في إحدى المرات قالت مارغريت تاتشر، تلك المدافعة الشرسة عن اقتصاد السوق، ليس هناك ما يسمى بمجتمع. لقد كانت لهذه الفلسفة الهدامة نتائج مدمرة منذ تطبيقها قبل ثلاثين سنة. لقد ساهمت هذه الفردانية الفجة بشكل قوي في خلق روح الأنانية، والجشع، واللامبالاة اتجاه معاناة الآخرين، والتي انتشرت بسرعة السم في جسد المجتمع. إنه الجوهر الحقيقي لاقتصاد السوق.

إن المقياس الحقيقي لمستوى الحضارة التي حققها المجتمع هو الكيفية التي يعامل بها شيوخه وشبابه. بناء على هذا المقياس لا يمكن اعتبار المجتمع الحالي متحضرا، بل إنه بالأصح يتأرجح على حافة الهمجية. حتى في أوج مرحلة الازدهار كانت هناك مؤشرات عن الهمجية في المجتمع، مع الموجة الهائلة للجرائم والعنف، وانتشار النزعات العبثية والمعادية للمجتمع بين فئات واسعة من الشباب. إلا أن هذه النزعات انعكاس صادق للأخلاق الرأسمالية.

يرفع الرجعيون أصوات الاحتجاج عاليا ضد هذه المظاهر، لكن، وبسبب عدم رغبتهم في الاعتراف بأنها من نتائج النظام الاجتماعي الذي يدافعون عنه، تجدهم عاجزين عن اقتراح أي حل لها. الحل الوحيد الذي يقدمونه هو ملئ السجون بالشباب، الذين يتعلمون فيها كيف يصيرون مجرمين حقيقيين عوض أن يكونوا مجرد هواة. وهكذا ندخل في حلقة مفرغة جهنمية من الإقصاء الاجتماعي والإدمان على المخدرات والانحطاط والجرائم.

"الحل" الذي تقدمه السلطات هو تجريم للشباب، وتحميلهم مسئولية المشاكل التي تسبب فيها المجتمع نفسه، وتصعيد الإجراءات القمعية البوليسية ضدهم، وبناء المزيد من السجون وإصدار الأحكام القضائية الثقيلة. وبدل حل المشكل، لا تعمل مثل هذه الإجراءات إلا على مفاقمته، وخلق حلقة مفرغة مشئومة للجرائم والإقصاء الاجتماعي. هذه هي النتيجة المنطقية للرأسمالية واقتصاد السوق، والتي تعامل الشعب كمجرد "قوى إنتاج" وتخضع كل شيء لدافع الربح. إن الحل الذي نقدمه للشباب هو دعوته إلى تنظيم صفوفه والالتحاق بالطبقة العاملة في النضال ضد الرأسمالية ومن أجل الاشتراكية!

إن أزمة الرأسمالية تعني المزيد من البطالة والمزيد من تدهور البنى التحتية، وتدهور التعليم والخدمات الصحية والسكن. إن هذا الانحطاط في مقاييس الحضارة يسوق معه خطر المزيد من التفكك الاجتماعي. سوف يعني هذا ارتفاع معدلات الجرائم والنزعات التخريبية والسلوكيات المعادية للمجتمع والعنف.

من الضروري اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية شرائح جديدة من الشباب من أن تغرق في مستنقع الإحباط. إن النضال من أجل الاشتراكية يعني النضال من أجل الثقافة بمعناها الأوسع، لرفع تطلعات الشباب وإعطائهم هدفا لحياتهم أسمى من مجرد الصراع من أجل البقاء في مستويات لا تكاد تعلوا عن الحيوانية. إذا عاملت البشر كحيوانات، فإنهم سيتصرفون مثل الحيوانات. أما إذا ما عاملت البشر كبشر، فإنهم سيتصرفون كذلك.

الاقتطاع من ميزانية التعليم على جميع المستويات، إلغاء المنح الدراسية وفرض الرسوم الدراسية وقروض الدراسة يعني حرمان الشباب أبناء الطبقة العاملة من الحصول على التعليم العالي. وعوض أن يتم تكوينهم بشكل مناسب لكي يخدموا حاجيات المجتمع، وبدل أن يعطى لهم الحق في الوصول إلى الثقافة، يحكم على أغلبية الشباب بحياة الكدح في أعمال شاقة منخفضة الأجور. وفي نفس الوقت يسمح للشركات الخاصة أن تتدخل في التعليم، الذي صار يعامل باعتباره مجرد سوق أخرى لتحقيق الأرباح.

إننا نطالب:

  1. توفير تعليم جيد لجميع الشباب. تطبيق برنامج ضخم لبناء المدارس، ونظام تعليم مجاني حقا على جميع المستويات.

  2. الإلغاء الفوري لرسوم الدراسة وتوفير منحة كافية لجميع الطلاب المؤهلين للدراسات العليا.

  3. توفير منصب شغل كريم بأجور كافية لكل من غادروا المدارس.

  4. وقف سيطرة الشركات الكبرى على التعليم واستغلالها له. فلتخرج الشركات الخاصة من قطاع التعليم!

  5. توفير نواد للشباب، والمكتبات، والمراكز الرياضية، وقاعات السينما، والمسابح، وغيرها من مراكز الاستجمام بتجهيزات جيدة.

  6. تطبيق برنامج لتوفير السكن الاجتماعي للطلاب والأزواج الشباب.

"النزعة العملية"

تعني أزمة الرأسمالية أن الرأسماليين في كل مكان سيعملون على إلقاء كل ثقل الأزمة على كاهل أقل الناس قدرة على تحملها، أي: العمال والبرجوازيون الصغار والعاطلون والعجزة والمرضى. ويتردد بشكل مستمر الزعم القائل بأن هناك أزمة، وبالتالي فإنه لا يمكننا أن نحسِّن بل وحتى نحافظ على مستويات العيش.

إن الزعم القائل بأنه لا توجد أموال لتمويل الإصلاحات مجرد كذبة وقحة. هناك الكثير من الأموال من أجل التسلح وتمويل حروب الاعتداء الإجرامية في العراق وأفغانستان. لكن ليس هناك مال من أجل المدارس والمستشفيات. هناك الكثير من الأموال من أجل الأغنياء، مثلما شاهدنا مع هدية بوش المتواضعة (والتي بلغ مقدارها 700 مليار دولار) لأصحاب الأبناك. لكن ليس هناك من مال من أجل المعاشات أو المستشفيات أو المدارس.

وبالتالي فإن كل المزاعم حول النزعة "العملية" كاذبة. إن مسألة "عملية" تطبيق إصلاح معين من عدمه رهينة بما إذا كان في مصلحة طبقة معينة أم لا. إن كون إصلاح ما "عملي" أم لا (أي ما إذا كان سيدخل حيز التنفيذ أم لا) رهين بالصراع الطبقي وموازين القوى في الواقع. عندما تكون الطبقة السائدة مهددة بخسارة كل شيء، تكون دائما مستعدة لتقديم التنازلات التي "لم يكن في إمكانها تقديمها". سبق لنا أن شهدنا هذا خلال شهر ماي 1968 بفرنسا، عندما قدمت الطبقة السائدة في فرنسا زيادات كبيرة في الأجور وتحسينات هامة في ظروف العيش وساعات العمل، من أجل وقف الإضراب العام ودفع العمال إلى إخلاء المصانع التي احتلوها.

يمكن للأزمة في البداية أن تسبب الصدمة للجماهير، لكن سرعان ما سوف يتحول ذلك إلى غضب عندما سيدرك الشعب أنهم يطالبونه بأداء ثمن الأزمة. ستحدث تغيرات مفاجئة في الوعي، الذي يمكنه أن يتغير جذريا في غضون 24 ساعة. يمكن لاندلاع حركة ضخمة في بلد استراتيجي واحد فقط أن يتسبب في تغيير الوضع بأسره، مثلما حدث سنة 1968. والسبب الوحيد لعدم حدوث هذا لحد اللحظة هو أن قادة المنظمات العمالية الجماهيرية متخلفون جدا عن الأحداث وعاجزون عن تقديم بديل حقيقي. لكن وبالرغم من ذلك بدأت تظهر منذ الآن مؤشرات عن حدوث تغير.

شهدت جميع أنحاء أوربا مؤخرا اندلاع موجة من الإضرابات العامة والمظاهرات الجماهيرية. في اليونان حدثت تسعة إضرابات عامة منذ صعود حزب "الديمقراطية الجديدة" اليميني إلى السلطة سنة 2004. كما شهدت بلجيكا، خلال الستة أشهر الأولى من سنة 2008، موجة من الإضرابات الغير رسمية والتي ذكرتنا بسنوات السبعينات. وقد امتدت الحركة بشكل عفوي من قطاع إلى آخر. وخلال شهر مارس من سنة 2008 شُلّت شركة برلين للنقل (BVG) بفعل إضراب طويل وكفاحي نظمه السائقون وعمال الصيانة وموظفو الإدارة. حيث وضع العمال حدا لسنوات من استسلام وخيانة القيادة النقابية. كما خرج آلاف الطلاب إلى الشوارع في إسبانيا، يوم الأربعاء 22 أكتوبر، للاحتجاج ضد مخططات خصخصة التعليم الجامعي وأيضا لمعارضة أي مخطط لجعل العمال يدفعون ثمن أزمة الرأسماليين عبر الاقتطاع من ميزانية التعليم والصحة وغيرها من الخدمات الاجتماعية.

وفي إيطاليا بدأ الطلاب في التعبئة. حيث بدأ مئات الآلاف من التلاميذ والطلاب، جنبا إلى جنب مع الأساتذة والآباء، يتعبئون في كل أنحاء إيطاليا ضد محاولة برلوسكوني مواصلة خصخصة قطاع التعليم. أدت هذه التعبئة إلى احتلال المدارس والجامعات. وقد ردت الحكومة بالتهديد باستعمال القمع المسلح ضد الطلاب. يوم السبت، 11 أكتوبر، تظاهر 300.000 من العمال والشباب في روما في مظاهرة دعا إليها حزب إعادة التأسيس الشيوعي.

كل هذا يبين أن العمال لن يقفوا مكتوفي الأيدي وهم يرون شروط عيشهم تتعرض للهجوم. كل الشروط متوفرة لحدوث طفرة في حدة الصراع الطبقي. لا يهمنا نحن العمال منطق نظام الربح. إن مهمتنا هي الدفاع عن طبقتنا، وحماية ظروف العيش والرفع من مستويات عيش العمال إلى مستويات حضارية. بما أن هناك أموال لتقديمها للأبناك، فإن هناك أموال لتمويل الإصلاحات التي نحتاجها لجعل المجتمع مكانا مناسبا للعيش!

الدفاع عن الحقوق الديمقراطية!

اعتقد عمال أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، طيلة أكثر من نصف قرن، أن الديمقراطية مكسب ثابت إلى الأبد. لكن هذا مجرد وهم. إن الديمقراطية بناء جد هش، وغير ممكن إلا في البلدان الغنية حيث يمكن للطبقات السائدة أن تقدم بعض التنازلات للجماهير من أجل ثلم حدة الصراع الطبقي. لكن عندما تتغير الأوضاع يمكن للطبقة السائدة في البلدان "الديمقراطية" أن تنتقل إلى الدكتاتورية بنفس السهولة التي ينتقل بها المرء من مقصورة قطار إلى أخرى.

في ظل ظروف احتداد الصراع الطبقي، ستبدأ الطبقة السائدة في التحرك نحو الردة الرجعية. سوف يشتكون من وجود الكثير من الإضرابات والمظاهرات وسيطالبون بفرض "النظام". قال كوسيغا، الذي كان وزيرا للداخلية عن الحزب الديمقراطي المسيحي سنوات السبعينات، وصار لاحقا رئيسا للجمهورية، وهو الآن سيناتور مدى الحياة، عندما سئل مؤخرا عما ينبغي فعله اتجاه مظاهرات الطلاب:

«اتركوهم يواصلون حركتهم لفترة. أبعدوا قوات البوليس عن الشوارع والجامعات، اخترقوا الحركة بعملاء استفزازيين مستعدين للقيام بأي شيء، واتركوا المتظاهرين حوالي عشرة أيام، حيث يعملون على تحطيم المتاجر وإحراق السيارات ويقلبون المدن رأسا على عقب. آنذاك وبعد أن تكونوا قد كسبتم دعم المواطنين، وتأكدوا من أن تكون أصوات صفارات سيارات الإسعاف أكثر صخبا من صفارات سيارات البوليس، يتوجب على قوات فرض النظام أن تهاجم بقسوة الطلاب وترسلهم إلى المستشفى. لا تعتقلوهم، إذ أن القضاة سيعملون فقط على إطلاق سراحهم فورا؛ فقط اضربوهم واضربوا أيضا الأساتذة الذين يحرضون الحركة».

هذا تحذير بما يمكننا أن نواجهه خلال المرحلة المقبلة لاحتداد الصراع الطبقي في إيطاليا وغيرها من البلدان. في المستقبل، وبسبب ضعف القادة الإصلاحيين، يمكن للبرجوازية، في هذا البلد الأوروبي أو ذاك، أن تنجح في إقامة نوع من الدكتاتورية البونبارتية (الدكتاتورية العسكرية- البوليسية). لكن مثل هذه الأنظمة محكوم عليها، في ظل الظروف المعاصرة، بأن تكون جد هشة، وربما غير قادرة على الاستمرار طويلا.

في الماضي كانت هناك في إيطاليا وألمانيا وإسبانيا، طبقة واسعة من الفلاحين والبرجوازية الصغرى، والتي كانت تشكل القاعدة الجماهيرية للردة الرجعية. لكن ذلك انتهى الآن. في الماضي كان أغلبية الطلاب ينحدرون من أسر غنية ومساندين للفاشية. أما الآن فأغلبية الطلاب يساريين. لقد صارت القاعدة الاجتماعية للردة جد ضئيلة. المنظمات الفاشية صغيرة، بالرغم من أنها قد تكون جد عنيفة، وهو الشيء الذي يعكس ضعفها وليس قوتها. هذا علاوة على أن البرجوازية، وبعد تجربتها مع هتلر، لم يعد لديها الاستعداد لإعطاء السلطة للكلاب المجنونة. إنهم يفضلون الاعتماد على الضباط العسكريين "المحترمين"، واستعمال المجرمين الفاشيين كقوات مساعدة.

لقد بدأت المكتسبات الديمقراطية تتعرض مؤخرا للهجوم في كل مكان. وباستعمال مبرر قانون محاربة الإرهاب، تعمل الطبقة السائدة على إصدار قوانين جديدة للتضييق على الحقوق الديمقراطية. فبعد هجمات 11 شتنبر الإرهابية، اندفع بوش إلى الهجوم تحت راية حماية الأمن القومي. تعمل حكومة بوش على تدمير أسس النظام الديمقراطي الذي شيدته الثورة الأمريكية، ويتجه نحو حكم متحرر من الكوابح القانونية. وقد تم تطبيق إجراءات مشابهة في بريطانيا وغيرها من البلدان.

سنواصل النضال من أجل الدفاع عن جميع الحقوق الديمقراطية التي حققتها الطبقة العاملة في الماضي. ونحن نناضل بالخصوص للدفاع عن الحق في الإضراب والتظاهر، ونعارض كل القيود المفروضة على النقابات. يجب أن يكون للجميع الحق في الالتحاق بالنقابات والاتحاد مع باقي العمال من أجل الدفاع عن حقوقهم. إن المدافعين عن الرأسمالية غالبا ما يعارضون الاشتراكية بالديمقراطية. لكن نفس هؤلاء الناس الذين يجرئون على اتهام الاشتراكيين بكونهم "معادين للديمقراطية"، ويصورون أنفسهم باعتبارهم مدافعين عن الديمقراطية، كانوا دائما أشد أعداء الديمقراطية شراسة. إنهم يتناسون أن هذه الحقوق الديمقراطية التي نتمتع بها اليوم جاءت ثمرة نضال طويل وقاس خاضته الطبقة العاملة ضد الرأسماليين الذين عارضوا بحزم جميع المطالب الديمقراطية.

نحن الطبقة العاملة مهتمون بالديمقراطية لأنها توفر لنا أفضل الظروف لتطوير النضال من أجل الاشتراكية. لكننا نعلم جيدا أن الديمقراطية في ظل الرأسمالية ستبقى ذات طبيعة محدودة، وأحادية الجانب، وزائفة. كيف يمكن الاستفادة من حرية الإعلام بينما كل الشركات الصحفية الكبرى والجرائد والقنوات التلفزية، وقاعات الاجتماع والمسارح، محتكرة من طرف حفنة من الأغنياء؟ طالما بقيت الأرض والأبناك والاحتكارات الكبرى في يد الأقلية، فإن كل القرارات الهامة والتي تؤثر على حياتنا سيتم اتخاذها، ليس من طرف البرلمانات والحكومات المنتخبة، بل من وراء الأبواب المغلقة في مجالس إدارة الأبناك والشركات الاحتكارية الكبرى. وقد أوضحت الأزمة الحالية هذا الواقع للجميع.

إن الاشتراكية إما أن تكون ديمقراطية أو لا تكون. إننا ندافع عن الديمقراطية الحقيقية حيث سيمكن للشعب أن يأخذ مهمة تسيير الاقتصاد والمجتمع والدولة بين يديه. ستكون تلك ديمقراطية حقيقية، على عكس الصورة الكاريكاتورية عن الديمقراطية التي لدينا الآن والتي في ظلها يمكن للجميع (إلى هذا الحد أو ذاك) أن يقولوا ما يريدون، بينما القرارات الأكثر أهمية والتي تؤثر على حياتنا، تتخذ وراء الأبواب المغلقة، من طرف مجموعات صغيرة غير منتخبة في مجالس إدارة الأبناك والشركات الاحتكارية الكبرى.

إننا نطالب بما يلي:

  1. الإلغاء الفوري لجميع القوانين المعادية للنقابات.

  2. حق جميع العمال في الالتحاق بالنقابات، والإضراب والاعتصام والتظاهر.

  3. حق التعبير والتنظيم.

  4. لا للقيود ضد الحقوق الديمقراطية تحت مبرر ما يسمى بقوانين محاربة الإرهاب!

  5. يجب على المنظمات العمالية أن ترفض الفكرة الخاطئة حول "الوحدة الوطنية" مع الحكومات والأحزاب الرأسمالية تحت مبرر الأزمة. إن هؤلاء هم المسئولون عن الأزمة وهم يريدون تقديم الفاتورة للطبقة العاملة لكي تدفعها.

الجزء الثالث»

الجزء الأول»

عنوان النص بالإنجليزية:

The Crisis: Make the bosses pay! - Manifesto of the International Marxist Tendency – Part tow


أعلى الصفحة

  الصفحة الرئيسية


اقتصاد وعولمة


المرأة والماركسية


ثقافة وفن


الفلسفة والعلم


Audio & Video


حملات تضامنية


إفريقيا


آسيــا


أوروبا


الشرق الأوسط


أمريكا الشمالية


أمريكا اللاتينية


مواقع أممية


هدفنا


Français

English

Español

إتصل بنا