marxy.com

مؤلفات

كارل ماركس
وفريديريك انجلز

 فلاديمير إيليتش لينين

ليون تروتسكي

 

 

الثورة المغدورة  

 

تيد غرانت

المغرب

إعلان المبادئ

البرنامج الانتقالي

منشوراتنا

 

إيران...ثورة في انتعاش

مدخل إلى النظرية الاقتصادية لماركس


طباعة
آلان وودز وروب سويل
سنة: 1970
عن: La Riposte

كارل ماركس

مقدمة

في ظل احتداد أزمة الرأسمالية، يبدأ العديد من العمال بالاهتمام بالقضايا الاقتصادية. فهم يريدون معرفة القوى التي تحكم حياتهم. والهدف من هذا النص هو أن نوفر لهم، ليس فقط شرحا وافيا للنظرية الاقتصادية، ولكن أيضا مدخلا إلى القوانين الأساسية لعمل النظام الرأسمالي.

إن السطحية التي يتميز بها الاقتصاديون المدافعون عن الرأسمالية تظهر من خلال عدم قدرتهم على فهم الأزمة التي تعصف بنظامهم. دورهم هو إخفاء استغلال الطبقة العاملة و"إثبات" تفوق النظام الرأسمالي. لكن "نظرياتهم" و"حلولهم" لا يمكنها فعل شيء أمام التعفن الذي وصلت إليه الرأسمالية. وحده التحويل الاشتراكي للمجتمع، وتطبيق الاقتصاد المخطط سينهي جحيم البطالة والركود والفوضى.

في أوقاتنا هذه استبدل الجناح اليميني داخل الحركة العمالية، معبودهم القديم كينز بالحلول الاقتصادية "الأرثوذكسية": الاقتطاعات من الميزانية، تجميد الأجور والانكماش النقدي. ومن جهته مازال اليسار الإصلاحي يتشبث بالسياسات القديمة للرأسمالية - إنعاش الاستهلاك، وفرض قيود على الواردات[1]، وغير ذلك؛ وهي الإجراءات التي أثبت الواقع إفلاسها.

وحده التحليل الماركسي للرأسمالية ما يسمح للعمال الواعين بدحض أكاذيب الاقتصاديين البورجوازيين ومحاربة تأثيرهم داخل الحركة العمالية.

الشروط الضرورية لوجود الرأسمالية

يتركز الإنتاج الحديث في أيدي الشركات الكبرى. فالشركات الكبرى من قبيل يونيليفر (Unilever)، وفورد، وبريتيش بتروليوم (British Petroleum)، تسيطر على حياتنا. صحيح أن هناك مشاريع تجارية صغيرة، إلا أنها تمثل نمط إنتاج يعود إلى الماضي، وليس إلى الحاضر. إن الإنتاج الحديث ضخم بطبيعته وواسع النطاق.

اليوم، في بريطانيا العظمى، تسيطر 200 شركة و35 بنكا - أو شركة مالية - على اقتصاد البلاد، وتحقق 85 ٪ من الإنتاج الوطني. لقد تحقق هذا التطور خلال القرون القليلة الماضية من خلال منافسة شرسة ومن خلال الأزمات والحروب. في الوقت الذي كان فيه الاقتصاديون الكلاسيكيون يتوقعون ازدهار "التجارة الحرة"، أوضح ماركس كيف أن المنافسة ستؤدي إلى الاحتكار وأن الشركات الصغرى ستنقرض.

للوهلة الأولى، قد يبدو أن إنتاج السلع موجه أساسا لتلبية احتياجات السكان. إنها بالتأكيد ضرورة يجب على كل مجتمع أيا كانت طبيعته أن يجيب عنها، لكن السلع والمنتجات في ظل الرأسمالية لا يتم إنتاجها من أجل تلبية الاحتياجات فقط، فهي تنتج، في المقام الأول، من أجل أن تباع. هذه هي الوظيفة الأساسية للصناعة الرأسمالية. كما كان اللورد ستوكس، الرئيس السابق لشركة بريتش ليلاند (British Leyland)، يقول: "إنني أصنع المال، وليس السيارات". إنه التعبير المثالي عن طموحات الطبقة الرأسمالية برمتها.

يفترض نمط الإنتاج الرأسمالي توفر عدد من الشروط. أولا، لابد من وجود طبقة كبيرة من العمال المحرومين من الملكية[2]، والذين هم بالتالي مضطرون لبيع قوة عملهم لكي يعيشوا. وهذا يعني أنه في ظل الرأسمالية ليس المفهوم اللبرالي: "ديمقراطية المالكين" سوى عبث، لأنه إذا ما امتلكت أغلبية الشعب ما يكفيها من الممتلكات لتلبية حاجياتها، فإن الرأسماليين لن يجدوا عمالا لخلق الأرباح.

وثانيا، يجب أن تتركز وسائل الإنتاج في أيدي الرأسماليين. فخلال عدة قرون، تم القضاء بدون رحمة على صغار المزارعين وكل صغار الملاكين الآخرين. لقد استولى الرأسماليون وكبار ملاكي الأراضي على مصادر رزقهم، وأرغموا العمال على الإنتاج وخلق فائض القيمة.

القيمة والسلع

كيف تعمل الرأسمالية؟ وبأية طريقة يتم استغلال العمال؟ ومن أين يأتي الربح؟ ولماذا تحدث الأزمات؟

للإجابة عن هذه الأسئلة لابد في البداية من معرفة مفتاح المسألة. أي الإجابة عن سؤال: ما هي القيمة؟ وما أن يتم حل هذا اللغز، يصبح كل شيء واضحا. إن فهم معنى القيمة أمر أساسي لفهم الاقتصاد الرأسمالي.

في البداية نقول: إن جميع الشركات الرأسمالية تنتج البضائع أو الخدمات - أو بتعبير أدق، تنتج سلعا، أي البضائع أو الخدمات التي لا يتم إنتاجها إلا لكي يتم بيعها. يمكن بطبيعة الحال، أن ينتج المرء شيئا لاستخدامه الشخصي؛ وقد كان هذا هو ما يفعله العديد من الناس قبل ظهور الرأسمالية. لكن هذه المنتجات لم تكن سلعا. تتميز الرأسمالية، أولا وقبل كل شيء، على حد تعبير ماركس، "بتراكم هائل للسلع". وهذا هو السبب الذي جعل ماركس يبدأ أبحاثه عن الرأسمالية بتحليل خصائص السلعة.

جميع السلع لديها قيمة استعمالية، أي إنها مفيدة بالنسبة لبعض الناس على الأقل (وإلا فإنه لن يمكن بيعها). إن القيمة الاستعمالية لسلعة ما محددة بخصائصها الفيزيائية.

لكن إلى جانب هذه القيمة الاستعمالية، لجميع السلع قيمة تبادلية. ما هي هذه القيمة وكيف نحددها؟

إذا ما نحن قمنا، في الوقت الحالي، بالتغاضي عن مسألة المال، نجد أن تداول السلع يتم وفقا لنسب معينة. على سبيل المثال:

= 10 متر من القماش

1 حذاء

أو 1 ساعة

أو 3 قنينات زيت

أو 1 إطار سيارة

كل البضائع الموجودة في العمود الأيمن يمكن تبادلها مقابل 10 أمتار من القماش. وتبعا لنفس النسب، يمكننا أن نبادلها بعضها ببعض.

يبين هذا المثال البسيط أن القيمة التبادلية لهذه البضائع المختلفة، تعبر عن تساوي شيء ما متضمن فيها. لكن ما الذي يجعل حذاء يساوي عشرة أمتار من القماش؟ أو ساعة تساوي ثلاثة قنينات زيت - وما إلى ذلك؟

ومن الواضح أنه يجب أن يكون هناك شيء مشترك بين هذه البضائع المختلفة. ومن الواضح أن الأمر لا يتعلق بوزنها، أو لونها أو شكلها. وأيضا ليس له علاقة بفائدتها الاستعمالية. فقبل كل شيء، إن قيمة الخبز (الذي هو ضرورة أساسية)، أقل بكثير من سيارة رولزرويس (التي هي من الكماليات). ومن ثم ما هي الخاصية المشتركة بينهما؟ إن الشيء الوحيد المشترك بينهما هو كونهما نتاج للعمل البشري.

يتم التعبير عن كمية العمل البشري المتضمن داخل السلعة بالزمن: بالأسابيع، والأيام، والساعات، والدقائق. بعبارة أخرى، نقول إن جميع السلع المذكورة في مثالنا أعلاه يمكن التعبير عنها من حيث ما هو مشترك بينها: أي وقت العمل الضروري لإنتاجها:

5 ساعات (من العمل لإنتاج) الأحذية

5 ساعات (من العمل لإنتاج) العجلة

5 ساعات (من العمل لإنتاج) ساعات الأيدي

5 ساعات (من العمل لإنتاج) قنينات الزيت

العمل

إذا ما نظرنا إلى السلع باعتبارها قيما استعمالية (باعتبارها مفيدة) نجدها منتجات لنوع محدد من العمل: عمل صانع الأحذية، وصانع الساعات، وغير ذلك. لكن أثناء التبادل، يتم النظر إلى السلع بطريقة مختلفة. حيث توضع خصائصها الذاتية جانبا، وتظهر باعتبارها وحدات للعمل، في المجرد، أو أيضا "للعمل الوسطي".

صحيح أن السلع المنتجة من طرف يد عاملة مؤهلة لديها قيمة أكبر من تلك التي تنتجها يد عاملة غير مؤهلة. وبالنتيجة فإنه أثناء التبادل يتم قياس منتجات العمالة المؤهلة بالنسبة إلى منتجات العمالة غير المؤهلة. يمكننا، على سبيل المثال، أن نحصل على النسبة التالية: وحدة واحدة من منتجات العمالة المؤهلة = ثلاثة وحدات من منتجات العمالة غير المؤهلة. أي بعبارة أخرى، وتبعا لهذا المثال، يكون عمل العامل المؤهل يساوي ثلاث مرات أكثر من قيمة عمل العامل غير المؤهل.

وهكذا فإن قيمة سلعة ما تتحدد بمقدار "العمل الوسطي" اللازم لإنتاجها (أو وقت العمل اللازم لإنتاجها). لكن إذا توقفنا هنا، قد يبدو أن العمال الأكثر بطئا ينتجون قيمة أكبر من العمال الأكثر سرعة!

لنأخذ مثال صانع للأحذية يستخدم أساليب قديمة من القرون الوسطى لإنتاج أحذيته. ولذلك، فإنه يحتاج يوما كاملا لصنع حذاء واحد. وعندما يحاول بيعه في السوق، يدرك أنه لا يستطيع أن يبيعه، من حيث السعر، بأكثر مما تباع به الأحذية المماثلة لحذائه، التي تنتجها المصانع الحديثة، الأفضل تجهيزا.

إذا كانت هذه المصانع الحديثة تنتج الحذاء، مثلا، في غضون نصف ساعة، فإنها ستتضمن قدرا أقل من العمل (وبالتالي قيمة أقل)، وسوف تباع بسعر أقل. ولذلك، فإن الذي يصنع أحذية مماثلة بأساليب القرون الوسطى سوف يتعرض للإفلاس.إذ أن كل العمل الذي يبذله في صناعة حذائه، بعد النصف ساعة، يعتبر عملا ضائعا، يعتبر عملا غير ضروري في ظل شروط الإنتاج الحديثة. إنه مجبر، إذا ما أراد تفادي الإفلاس، على اعتماد التقنيات الحديثة وأن ينتج الأحذية في وقت يساوي، على الأقل، الوقت الذي تنتج خلاله تلك الشركة الحديثة.

في كل مرحلة من المراحل، والتي يرتبط بها "عمل وسطي" خاص بها يحدده مستوى معين من التكنولوجيا وأساليب الإنتاج، وغير ذلك، تتطلب السلع وقتا معينا لإنتاجها. هذا الوقت يتحدد بمستوى التكنولوجيا الإنتاجية للمجتمع في تلك المرحلة المحددة. وكما قال ماركس، يجب أن تنتج جميع السلع خلال وقت العمل الضروري اجتماعيا. وكل عمل يمتد إلى أبعد من وقت العمل الضروري اجتماعيا هو عمل غير مفيد، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، ويجعل المنتج غير قادر على التنافس.

وخلاصة القول، ولنكون أكثر دقة، فإن قيمة السلعة تحدد بكمية العمل الضرورية اجتماعيا التي تحتويها تلك السلعة. وبطبيعة الحال، فإن وقت العمل هذا يتغير باستمرار مع إدخال أساليب وتقنيات عمل جديدة. وتخرب المنافسة المنتجين الذين لا يطورون التقنية التي يستعملونها.

وهكذا، يمكننا أن نفهم لماذا الجواهر أكثر قيمة من السلع التي نستهلكها في الحياة اليومية. نحن بحاجة إلى كمية من وقت العمل الضروري اجتماعيا من أجل إيجاد واستخراج الحجر الكريم أكثر من الكمية التي نحتاجها لإنتاج سلع الاستهلاك اليومي. وبالتالي فإن قيمتها أكبر.

مرة أخرى نقول إنه يمكن للشيء أن يكون قيمة استعمالية دون أن تكون له أية قيمة تبادلية، أي شيئا مفيدا لم يتطلب أي وقت عمل ضروري لإنتاجه، من قبيل: الهواء، الأنهار والأراضي البكر، وغير ذلك. وهكذا، فإن العمل ليس هو المصدر الوحيد للثروة (القيم الاستعمالية): إذ أن الطبيعة هي مصدر آخر.

مما سبق، نرى أن الزيادة في الإنتاجية في حال ما إذا ساهمت في زيادة عدد الأشياء المنتجة (الثروة المادية)، تستطيع أن تنقص من قيمة تلك الأشياء، لأنها تحتوي على كمية أقل من العمل. وهكذا، فزيادة الإنتاجية تؤدي إلى زيادة الثروة. كما أن زيادة كمية الثروة المادية يمكنها أن تتزامن مع انخفاض القيمة التبادلية، لأنها تتطلب وقتا أقل من العمل الضروري اجتماعيا.

النقود

تاريخيا، وبالنظر إلى الصعوبات المرتبطة بالمقايضة، تم تحويل سلعة معينة، يكثر استخدامها، إلى "عملة". وعلى مر القرون، فرضت واحدة من تلك السلع – الذهب - نفسها "معادلا عاما".

و بدلا من القول إن مثل هذه السلع تساوي هذا القدر من الزبدة، أو من اللحم، أو من الأثواب، أصبح يعبر عنها من خلال الذهب. السعر هو التعبير النقدي عن القيمة. وقد اعتُمد الذهب معادلا عاما بسبب خصائصه. فهو يركز قيمة كبيرة في حجم صغير، ويمكن بسهولة تقسيمه إلى كميات مختلفة، كما أنه شديد المقاومة.

وكما هو الحال بالنسبة إلى جميع السلع الأخرى، تتحدد قيمة الذهب بكمية العمل الذي تحتوي عليه. لنقل، على سبيل المثال، إنه يلزم 40 ساعة من العمل لإنتاج أوقية واحدة من الذهب. آنذاك سوف تصبح جميع السلع الأخرى، التي تتطلب نفس الوقت لإنتاجها، تساوي أوقية من الذهب. وتلك التي تحتاج إلى نصف ذلك الوقت لن تساوي إلا نصف أوقية، وهكذا دواليك. وهكذا فإن:

1 أوقية من الذهب = 40 ساعة.

½ أوقية من الذهب = 20 ساعة.

¼ أوقية من الذهب = 10 ساعة.

وبالتالي:

دراجة نارية تقتضي 40 ساعة لإنتاجها = أوقية واحدة من الذهب.

طاولة تقتضي 10 ساعات لإنتاجها = ¼ أوقية من الذهب.

بالنظر إلى التغييرات المستمرة الحاصلة في مجال التكنولوجيا، وزيادة إنتاجية العمل، فإن قيم السلع لا تتوقف عن التغير باستمرار. ويلعب الذهب دور المقياس في مجال تبادل السلع. إلا أن الذهب وبالرغم من كونه أكثر استقرارا، فإن قيمته بدورها في تغير مستمر، لأنه لا توجد أية بضاعة بقيمة ثابتة بشكل دائم.

أسعار السلع

يتحكم قانون القيمة في سعر البضائع. فقيمة سلعة ما تساوي، على النحو المبين أعلاه، كمية العمل التي تتضمنها. ونظريا، فإن القيمة تساوي السعر، لكن سعر سلعة ما يميل، في واقع الأمر، إلى أن يكون أعلى أو أدنى من قيمتها الحقيقية. تحدث هذا التقلبات بسبب مختلف العوامل التي تؤثر على أسعار البيع، مثل درجة تركيز الرأسمال، وتطور الاحتكارات. كما أن التقلبات بين العرض والطلب تشكل عاملا مهما أيضا. فإذا كان هناك فائض من سلع في السوق، فإن أسعارها سوف تميل نحو الانخفاض إلى ما دون قيمتها الحقيقية، بينما سوف ترتفع فوق هذه القيمة في حالة حدوث نقص. وقد جعل هذا الواقع الاقتصاديين البرجوازيين يعتقدون أن العلاقة بين العرض والطلب هي العامل الوحيد المتدخل في تحديد سعر السلعة. لكنهم وقفوا عاجزين عن تفسير لماذا يتقلب السعر دائما حول نقطة معينة. بيد أن تلك النقطة ليست نتاجا للعرض والطلب، بل لوقت العمل الضروري لإنتاج السلعة. فالشاحنة تساوي دائما أغلى من كيس بلاستيك.

الربح

يدافع بعض "العلماء" عن النظرية التي تقول إن الأرباح تأتي من بيع السلعة بسعر أكبر من سعر شرائها. ويوضح ماركس في كتابه: "الأجر والسعر والربح"، خطأ هذا الإدعاء:

«ما يربحه الإنسان باستمرار باعتباره بائعا، سوف يخسره باستمرار باعتباره مشتريا. من غير المجدي أن يقال إن هناك أناس مشترون دون أن يكونوا بائعين، أو مستهلكين دون أن يكونوا منتجين. ما يدفعه هؤلاء للمنتج ينبغي لهم أولا أن يتلقوه منه مقابل لا شيء. فإذا ما بدأ شخص ما في سلبك مالك وإعادته إليك مقابل شراء سلعك منك، فإنك لن تصير ثريا أبدا، حتى ولو بعته تلك السلع بسعر باهظ جدا. يمكن لهذا النوع من العمليات أن يحد من الخسائر، لكنها لن تساعد أبدا على تحقيق الربح.»

قوة العمل

عندما يأخذ الرأسمالي بعين الاعتبار مختلف "عوامل الإنتاج" المرتبطة بإدارة شركته، يعتبر "سوق العمل" فرعا من فروع السوق الأخرى. وبالتالي ليست مهارات العمال بالنسبة إليه وقدراتهم سوى أشياء، ليست سوى سلع من ضمن سلع أخرى، وهكذا فإنه يوظف "أيدي عاملة".

هنا، يصير من الضروري أن نحدد بوضوح ما الذي يشتريه الرأسمالي من العامل. في الواقع، إن العامل لا يبيع عمله، بل هو يبيع قدرته على العمل – وهذا ما يسميه ماركس قوة العمل.

إن قوة العمل بضاعة تخضع قيمتها لنفس القوانين التي تخضع لها غيرها من البضائع. فقيمها هي كذلك يتم تحديدها بوقت العمل الضروري لإنتاجها. إن قوة العمل هي قدرة العامل على العمل. ويتم "استهلاكها" من طرف الرأسمالي خلال يوم العمل. إلا أن هذا يفترض مسبقا وجود العامل وصحته وقوة عمله. وبالتالي، فإن إنتاج قوة العمل تعني "صيانة" العامل – وإعادة إنتاجه، مما سيمنح الرأسمالي جيلا جديدا من "الأيدي العاملة".

وهكذا، فإن الوقت الضروري لصيانة العامل - وقدرته على العمل - يساوي الوقت الضروري لإنتاج وسائل معيشته هو وأسرته: المأكل والملبس والمأوى، الخ. إن كمية هذه الوسائل تختلف باختلاف البلدان، والمناخات والمراحل التاريخية. فما يكفي لمعيشة عامل من مصر [بتصرف من المترجم] لن يكفي لعامل منجم من فرنسا. وما كان يكفي لمعيشة عامل منجم من فرسا قبل نصف قرن لا يكفي اليوم عاملا في مصنع للصلب. فخلافا لغيرها من السلع، تتدخل هنا عناصر تاريخية، بل ومعنوية أيضا. وهكذا فإنه في بلد معين، وعند مرحلة معينة من مراحل تطوره التاريخي، يتحدد "مستوى العيش" معين. وفي هذا السياق نقول: إن خلق حاجيات جديدة هو بالضبط محرك كل أشكال التقدم الإنساني.

الاحتيال؟

في مرحلة معينة من مراحل تطور التكنولوجيا الرأسمالية، يضطر الرأسمالي إلى أن يوفر لعماله، إضافة إلى الحد الأدنى الضروري لإعادة الإنتاج اليومية لقوة العمل ولجنس العمال، أن يوفر لهم ما يضمن لهم مستوى التعليم الذي تتطلبه هذه الصناعة الحديثة، مما يسمح بتحسين إنتاجيتهم.

على عكس غيرها من السلع، إن مشتريي قوة العمل لا يؤدون ثمنها إلا بعد أن يقوموا باستهلاكها. وهكذا، فإن العمال وقبل أن يحصلوا على رواتبهم في نهاية الشهر، يقدمون لأرباب العمل تسبيقا مجانيا!

لكن بالرغم من ذلك، فإن العامل لا يكون ضحية لعملية احتيال. إذ أنه أعطى "بحرية" موافقته على العقد. وكما هو الحال بالنسبة لجميع السلع، حيث القيم المتساوية يمكن تبادلها: فالسلعة التي يبيعها العامل، أي قوة عمله، تباع لرب العمل "بسعر السوق". الجميع راضون على الاتفاق. أما إذا لم يكن العامل راضيا، فهو "حر" في المغادرة والبحث عن عمل آخر في مكان آخر، إن هو استطاع.

والآن، يطرح بيع قوة العمل مشكلة. إذا لم يكن أحد قد وقع ضحية احتيال، إذا كان العامل يحصل في شكل أجور، على القيمة الكاملة لسلعته، فأين يكمن الاستغلال؟ ومن أين تأتي الأرباح التي يحققها الرأسمالي؟

التفسير يكمن في واقع أن العامل قد باع، ليس عمله (والذي يتم في سيرورة العمل)، ولكن قوة عمله – أي قدرته على العمل. وبمجرد أن يستولي الرأسمالي على هذه السلعة، تصير له مطلق الحرية في استخدامها مثلما أراد. كما أوضح ماركس: «بمجرد ما يدخل العامل إلى مكان العمل، تصير القيمة الاستعمالية لقوة عمله، وكذلك استعمالها، الذي يتمثل في العمل، ملكا للرأسمالي.«

فائض القيمة

سنرى في المثال التالي، كيف أن قوة العمل هي السلعة الوحيدة التي تنتج، خلال استهلاكها، قيمة إضافية تتجاوز قيمتها الحقيقية.

فلنأخذ مثال عاملا يغزل القطن. ولنفترض أن أجرته خمسة دولارات في الساعة ويعمل ثماني ساعات في اليوم، وأنه خلال أربع ساعات، ينتج هذا العامل كمية معينة من الخيوط تبلغ قيمتها 100 دولار. يمكن تقسيم قيمة هذه المائة دولار على النحو التالي:

المواد الخام: 50 دولار (القطن، قضبان الغزل، والكهرباء)

كلفة التلف: 10 دولارات (استهلاك الآلات وتمزق الخيوط)

القيمة الجديدة: 40 دولار.

إن القيمة الجديدة التي أنتجت خلال الأربع ساعات، يمكنها أن تدفع أجر العامل لمدة 8 ساعات، أي المدة الكاملة ليوم العمل. في هذه المرحلة، يكون الرأسمالي قد غطى جميع التكاليف (بما في ذلك الأجور)، لكن ولحدود هذه اللحظة، لم يتم إنتاج أي فائض قيمة (الربح).

وخلال الأربع ساعات التالية، سيقوم العامل من جديد بإنتاج 50 كيلوجراما من الخيوط، بقيمة 100 دولار. ومرة أخرى، سوف يتم إنتاج 40 دولار أخرى من القيمة الجديدة. لكن هذه المرة، تكون تكاليف الأجور قد تمت تغطيتها، وبالتالي فإن هذه القيمة الجديدة (40 دولار) هي "فائض قيمة". كما قال ماركس: فائض القيمة (أو الربح) هو العمل الذي يستخلصه الرأسماليون من الطبقة العاملة بدون مقابل، [العمل الغير المدفوع أجره]. من هنا يأتي الريع الذي يحصل عليه مالكو الأراضي، والفوائد التي يحصل عليها البنكيون وربح أصحاب الصناعة.

يوم العمل

يكمن سر إنتاج فائض القيمة في أن العامل يستمر في العمل بعد أن يكون قد أنتج القيمة الضرورية لإعادة إنتاج قوة عمله (أجرته). يقول ماركس: «إن كون مدة نصف يوم من العمل كافية لإبقاء العامل على قيد الحياة لا تمنع مطلقا من تشغيله طوال اليوم.»

لقد باع العامل سلعته، ولا يمكنه أن يحتج على الطريقة التي تستخدم بها، مثلما لا يمكن للخياط الذي يبيع معطفا أن يطلب من الزبون أن لا يرتديه كثيرا. وعليه، فإن الرأسمالي ينظم يوم العمل بشكل يمكنه من تحقيق أقصى ربح من قوة العمل التي اشتراها. وهنا يكمن سر تحول النقود إلى رأسمال.

الرأسمال الثابت

خلال عملية الإنتاج نفسها، تفقد الآلات والمواد الخام قيمتها. فهي تُستهلك تدريجيا وتحول قيمتها إلى السلع الجديدة. يظهر هذا واضحا في حالة المواد الخام (الخشب والمعادن والنفط وغيرها) التي تستهلك بالكامل في عملية الإنتاج، فلا تعود إلى الظهور إلا في المادة المنتجة.

إلا أن الآلات، وعلى العكس من ذلك، لا تختفي بنفس الطريقة. ولكنها تتلف خلال عملية الإنتاج. إنها تتآكل ببطء. ومثلما هو الحال بالنسبة للفرد، من الصعب تحديد أمد الحياة بالنسبة لآلة ما. لكن مثلما تقوم شركات التأمين، بفضل المعدلات الإحصائية، بحسابات دقيقة للغاية (ومربحة للغاية) للعمر المتوقع لزبائنهم، يمكن للرأسمالي أن يحدد، بفضل الخبرة والحسابات، كم من الوقت ستظل آلة ما صالحة للاستعمال.

إن تلف الآلات، والخسارة اليومية لقيمتها، تحسب على هذا الأساس، وتضاف إليها تكلفة البضاعة المنتجة. ولذلك، تضيف وسائل الإنتاج للسلعة قيمتها الخاصة، في نفس الوقت الذي تتلف فيه خلال عملية الإنتاج. وهكذا، فإن وسائل الإنتاج لا يمكنها أن تنقل إلى البضائع قيمة أكبر من تلك التي تفقدها هي نفسها خلال عملية الإنتاج. لهذا نسميها "الرأسمال الثابت".

الرأسمال المتغير

في حين أن وسائل الإنتاج لا تضيف أية قيمة جديدة إلى السلع، بل تتلف فقط، فإن قوة العمل تضيف قيمة جديدة من خلال العمل ذاته. إذا توقف مسلسل العمل بمجرد ما يصل العامل إلى إنتاج بضائع قيمتها مساوية لقيمة قوة عمله (بعد أربع ساعات -- 40 دولار -- في مثالنا) ستكون تلك هي القيمة المضافة الناشئة عن عمله.

لكن مسلسل العمل لا يتوقف عند هذا الحد. وإلا فان مكسب الرأسمالي لن يكون سوى مبلغ الأجور التي يقدمها للعمال. لكن الرأسماليين لا يوظفون العمال من أجل فعل الخير، بل من أجل تحقيق الأرباح. وبعد أن يكون العامل قد "وافق" بـ "حرية" على العمل لصالح الرأسمالي، يصير من الواجب على العامل أن يعمل فترة كافية لإنتاج قيمة أعلى مما سيحصل عليه في شكل أجر.

إن وسائل الإنتاج (الآلات والمعدات والمباني، الخ.)، وقوة العمل – اللتان تعتبران كلتاهما "عوامل إنتاج" من قبل الاقتصاديين البورجوازيين – تمثلان الشكلين المختلفين اللتين يتخذهما الرأسمال الأصلي خلال المرحلة الثانية من مراحل الإنتاج الرأسمالي: المال (الشراء) - السلع (الإنتاج) - المال (البيع).

يعتبر الاقتصاديون البرجوازيون كل هذه العوامل متساوية. أما الماركسي، فإنه يميز بين ذلك الجزء من الرأسمال الذي لم يشهد أي تغيير في قيمته خلال عملية الإنتاج (الآلات والأدوات والمواد الخام) أي الرأسمال الثابت (ث) والجزء المتمثل في قوة العمل، الذي ينتج القيمة الجديدة، أي الرأسمال المتغير (م). إن القيمة الإجمالية للسلع تتكون من الرأسمال الثابت والرأسمال المتغير وفائض القيمة، أي: ث + م + ف. ق

العمل الضروري والعمل الإضافي

يمكن تقسيم العمل الذي يقوم به العمال إلى قسمين:

1. العمل الضروري: هو ذلك الجزء من مسلسل الإنتاج الضروري لتغطية تكاليف الأجور.

2. العمل الإضافي (أو العمل الغير المأجور): وهو العمل المنجز، زيادة على العمل الضروري، وهو الذي ينتج الربح. من أجل مضاعفة أرباحه يعمل الرأسمالي دائما على تقليص تكاليف الأجور. لذلك، يسعى جاهدا إلى، أولا، تمديد يوم العمل، وثانيا، إلى الزيادة من الإنتاجية (مما يمكن من تغطية تكلفة الأجور بسرعة أكبر)، وهو ثالثا، يعارض أية زيادة في الأجور، وحين تسنح له الفرصة، لا يتردد في تخفيضها.

معدل الربح

بما أن كل الهدف من الإنتاج الرأسمالي هو استخراج فائض القيمة من عمل الطبقة العاملة، فإن العلاقة بين الرأسمال المتغير (الأجور)، وفائض القيمة (الأرباح) تكتسي أهمية كبيرة. لا يمكن الزيادة في كمية أحد هاتين القيمتين أن يتحقق إلا على حساب الأخرى. وفي نهاية المطاف، إن الزيادة أو النقصان من قسم فائض القيمة هي العنصر الأساسي لصراع الطبقات في ظل الرأسمالية. إنه صراع، بين الأجور والأرباح، من أجل تقسيم الثروات المنتجة.

ما يهم الرأسمالي، ليس مبلغ فائض القيمة بل معدل فائض القيمة. إن الرأسمالي يريد الحصول على أكبر ربح ممكن مقابل كل دولار يستثمره. إن معدل فائض القيمة هو معدل استغلال العمل من طرف الرأسمال. ويمكننا أن نعرفه هكذا: ف. ق، مقسوم على ر. م، (حيث ف. ق هي فائض القيمة، ور. م هي الرأسمال المتغير) -- أي بالعلاقة بين العمل الإضافي والعمل الضروري.

لنفترض أن إجمالي رأس المال في مقاولة صغيرة، على سبيل المثال، هو 500 دولار ينقسم إلى رأسمال ثابت (400 دولار)، ورأسمال متغير (100 دولار). ولنفترض أنه قيمة السلع ارتفعت، خلال عملية الإنتاج، بمقدار 100 دولار.

أي: (ر. ث + ر. م) + ف. ق = (400+ 100) + 100= 600.

الرأسمال المتغير الذي هو العمل الحي: هو من ينتج القيمة الجديدة (فائض القيمة). وهكذا، فإن الزيادة النسبية للقيمة المنتجة من طرف الرأسمال المتغير هي من تعطينا معدل فائض القيمة، ف. ق/ ر. م= 100 دولار/ 100 دولار، أي معدل فائض قيمة يساوي: 100 %.

ميل معدل الربح نحو الانخفاض

تحت ضغط المنافسة على الصعيدين الوطني والدولي، يضطر الرأسماليون على الدوام إلى إحداث ثورة في وسائل الإنتاج وزيادة الإنتاجية. إن الحاجة إلى التوسع المستمر تدفع الرأسماليين إلى استثمار حصة متزايدة من رأسمالهم في الآلات والمواد الخام، وحصة أصغر فأصغر في قوة العمل، مما يقلص من نسبة الرأسمال المتغير بالنسبة لرأس المال الثابت. مع المكننة والتكنولوجيا الصناعية يأتي تركز الرأسمال، وتصفية الشركات الصغيرة والهيمنة على الاقتصاد من طرف المجموعات الضخمة. وهذا يمثل تغيرا في التكوين التقني للرأسمال.

لكن وبما أن الرأسمال المتغير (قوة العمل) هو وحده مصدر فائض القيمة (الربح)، فإن زيادة الاستثمار في الرأسمال الثابت يؤدي إلى ميل معدل الربح إلى الانخفاض. من خلال الاستثمارات الجديدة، يمكن للأرباح أن تنمو بشكل هائل، لكن هذا النمو يميل إلى أن يكون أقل أهمية من الاستثمارات.

لنأخذ على سبيل المثال رأسماليا صغيرا يبلغ مجموع رأسماله الأصلي 150 دولار، ينقسم إلى 50 دولار من الرأسمال الثابت و100 دولار من الرأسمال المتغير. ويشغل 10 عمال لإنتاج الكراسي والطاولات مقابل 10 دولارات في اليوم الواحد. بعد يوم من العمل، يكونون قد أنتجوا قيمة مجموعها 250 دولار.

هكذا:

الرأسمال المتغير (الأجور) أو ر. م: 100 دولار.

الرأسمال الثابت (الآلات والمعدات) أو ر. ث: 50 دولار.

فائض القيمة (الربح) أو ف. ق: 100 دولار.

يمكن حساب معدل فائض القيمة هكذا: ف. ق/ ر. ث= 100/ 100= 100 %. معدل الربح، هو نسبة فائض القيمة إلى مجموع الرأسمال المستثمر. وفي مثالنا، معدل الربح هو: فائض القيمة (ف. ق) / الرأسمال الإجمالي (الرأسمال الثابت+ الرأسمال المتغير)= 100 دولار/ 150 دولار = 66.6 ٪.

بزيادة حجم الرأسمال الثابت، ينخفض معدل الربح. في نفس المثال، ومع الاحتفاظ بنفس معدل فائض القيمة، إذا ما رفعنا من حجم الرأسمال الثابت من 50 دولار إلى 100 دولار، يصير معدل الربح: ف. ق/ الرأسمال الإجمالي (الرأسمال الثابت+ الرأسمال المتغير)= 100 دولار/ 200 دولار= 50 %. وإذا ما رفعنا مبلغ الرأسمال الثابت إلى 200 دولار يحدث نفس الشيء: ف. ق/ الرأسمال الإجمالي (الرأسمال الثابت+ الرأسمال المتغير)= 100 دولار/ 300 دولار= 33,33 %.

يسمي الماركسيون هذه الزيادة في الرأسمال الثابت بـ "الزيادة في التكوين العضوي للرأسمال"، ويعتبرون هذا التطور في القوى الإنتاجية ظاهرة تقدمية. إن هذا الميل ميزة متأصلة في طبيعة نمط الإنتاج الرأسمالي للإنتاج، وكانت أحد المشاكل الرئيسية التي واجهت الرأسماليين خلال مرحلة ما بعد الحرب. فكتلة فائض القيمة تزداد لكن الزيادة في الرأسمال الثابت أكبر نسبيا. وهذا يؤدي إلى انخفاض لمعدل الربح. ولم يتوقف الرأسماليون عن محاولة التغلب على هذا التناقض من خلال تكثيف استغلال العمال مما يؤدي إلى زيادة كتلة فائض القيمة، وبالتالي معدل الربح – بوسائل أخرى غير الاستثمار. من أجل ذلك يعملون على تكثيف الاستغلال بطرق متنوعة، من بينها، على سبيل المثال، زيادة سرعة الآلات، وزيادة عبء العمل على كل عامل، أو إطالة يوم العمل. وهناك طريقة أخرى للحفاظ على معدل الربح هي خفض أجور العمال إلى ما دون قيمتها الاسمية (تخفيض قيمة العملة، على سبيل المثال).

إن قوانين النظام الرأسمالي نفسها تولد تناقضات هائلة. إن السباق لتحقيق الربح الذي ينخرط فيه الرأسماليين بشكل دائم، يعطي دفعة للاستثمار، لكن إدخال تكنولوجيات جديدة يؤدى إلى زيادة معدلات البطالة. لكن وللمفارقة، عمل العمال هو المصدر الوحيد للربح.

تصدير الرأسمال

تتميز أقصى مراحل الرأسمالية - التي هي الامبريالية - بتصدير كثيف للرساميل. يدفع البحث عن تحقيق أعلى معدلات الربح الرأسماليين إلى استثمار مبالغ ضخمة من الأموال في الخارج، في البلدان التي يكون فيها التكوين العضوي للرأسمال ضعيفا. وأخيرا،انتهى نمط الإنتاج الرأسمالي، كما تنبأ بذلك ماركس وإنجلز في البيان الشيوعي، إلى أن مد سيطرته على العالم بأسره.

تتلخص أحد أهم تناقضات الرأسمالية في مشكلة أنه ينبغي للطبقة العاملة أن تكون، باعتبارها مستهلكة، قادرة على شراء ما تنتج. لكن طالما أنها لا تحصل، في شكل أجور، على القيمة الكاملة لعملها، فإنها لا تمتلك القدرة على ذلك. ويحاول الرأسماليون حل هذا التناقض من خلال إعادة استثمار فائض القيمة في القوى المنتجة. ويعملون أيضا على محاولة بيع ما لديهم من فائض في السوق العالمية، في منافسة مع رأسماليي البلدان الأخرى. لكن هناك حدودا لهذا، بالنظر إلى أن كل رأسماليي العالم يلعبون نفس اللعبة. في النهاية، يشجع الرأسماليون القروض، عبر النظام المصرفي، مما يؤدي إلى الرفع، بشكل مصطنع، من القوة الشرائية للجماهير وتنشيط بيع البضائع، التي ما كانت، لولا ذلك، لتجد من يشتريها. لكن هذا أيضا له حدود، فالقروض يجب أن تسدد في نهاية المطاف – وعلى رأسها الفوائد.

هذا ما يفسر لماذا تأتي فترات من الركود بشكل دوري ومنتظم في أعقاب فترات النمو. إن المعركة المحمومة من أجل الحصول على حصة في السوق تسبب أزمة فائض الإنتاج. إن الطبيعة التدميرية التي تميز هذه الأزمات، والتي يرافقها تدمير واسع النطاق لرؤوس الأموال المتراكمة (إغلاق المصانع، إهمال قطاعات إنتاجية)، مؤشر كاف على المأزق الذي يواجهه النظام الرأسمالي.

كل العوامل التي أدت إلى النمو الذي شوهد في فترة ما بعد الحرب، هي التي مهدت الطريق في الوقت ذاته للأزمات والركود. إن ما يميز العصر الحالي هو الأزمة البنيوية التي تضرب النظام الرأسمالي. وإذا لم يتم القضاء على الرأسمالية، فإن الطبقة العاملة سوف تواجه، في مرحلة معينة، أزمة مماثلة لأزمة عام 1929. لا يمكن للبشرية أن تتجنب الفوضى والتبذير الرهيب للثروات والهمجية الملازمة للرأسمالية، إلا بالقضاء على هذا الرأسمالية. عن طريق القضاء على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، سوف تتمكن البشرية من التخلص من قوانين الرأسمالية وتتطور بطريقة عقلانية ومخططة. إن القوى الإنتاجية ضخمة التي تراكمت في ظل النظام الرأسمالي سوف تمكن من وضع حد نهائي لهذه الفضيحة التي تتمثل في أزمات فائض الإنتاج التي تحدث في عالم يسحقه الجوع والحرمان. إن القضاء على التناقض الموجود بين تطور القوى المنتجة، من جهة، وبين الدولة القومية، والملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، من جهة أخرى، سيضع الأسس للتخطيط الأممي الإنتاج.

على أساس الاشتراكية، وبفضل العلوم والتكنولوجيا الحديثة، سيمكن تغيير العالم بأسره في غضون عقد من الزمن. إن التحويل الاشتراكي للمجتمع هو المهمة الأكثر إلحاحا أمام الطبقة العاملة العالمية. ويعتبر فهم النظرية الاقتصادية الماركسية السلاح الذي لا غنى عنه في النضال من أجل الاشتراكية في أوروبا والعالم بأسره.


[1]: في السابق، كانت إحدى المطالب الرئيسية للإصلاحيين اليساريين داخل حزب العمال البريطانيين هي وضع القيود على الواردات من أجل "حماية الصناعة البريطانية" و" مناصب الشغل في بريطانيا". إن التيار الماركسي داخل الحزب وكاتبي هذه الورقة عارضوا هذا المطلب ذو الحمولة القومية، وأوضحوا أن ذلك سيؤدي حتما إلى اتخاذ تدابير انتقامية من جانب البلدان المعنية.

[2]: "عمال محرومون من الملكية": يتعلق الأمر بطبيعة الحال بملكية وسائل الإنتاج، وليس ملكية السلع الاستهلاكية، والمنازل والسيارات، الخ.

عنوان النص بالفرنسية:

Introduction à la théorie économique de Marx


أعلى الصفحة

  الصفحة الرئيسية


اقتصاد وعولمة


المرأة والماركسية


ثقافة وفن


الفلسفة والعلم


Audio & Video


حملات تضامنية


إفريقيا


آسيــا


أوروبا


الشرق الأوسط


أمريكا الشمالية


أمريكا اللاتينية


هدفنا


Français

English

Español

إتصل بنا

 

مواقع