marxy.com

مؤلفات

كارل ماركس
وفريديريك انجلز

 فلاديمير إيليتش لينين

ليون تروتسكي

تيد غرانت

المغرب

إعلان المبادئ

البرنامج الانتقالي

كتب


البلشفية طريق الثورة

الفصل الرابع: النهوض

البلاشفة عشية الحرب


Bookmark and Share

آلان وودز
ترجمة: هيئة تحرير موقع ماركسي

مع شعورهم باقتراب الزلزال تحت أقدامهم بدأ الليبراليون البرجوازيون في الابتعاد عن الحكومة والمطالبة بالإصلاحات. كانوا هم أنفسهم خائفين ويحاولون تخويف النظام من أجل منح تنازلات. كان شعارهم هو: "الإصلاح قبل فوات الأوان!". كانوا قد تأثروا بالنزاع المتنامي داخل صفوف النظام نفسه بين "الإصلاحيين" و"الرجعيين"، والذي سار بالتوازي مع الصراع بين الكاديت والأوتوقراطية. حتى أن عام 1913 شهد "إضرابا للوزراء". وكما هو الحال دائما فإن الانشقاقات التي تحدث في القمة هي الإنذار الأول بالأزمة الثورية الوشيكة. وقد عبر وزير الداخلية، ماكلاكوف، عن قلقه في رسالة إلى القيصر، حيث قال: "المزاج السائد بين عمال المصانع لا يبشر بخير"، ودعا إلى اتخاذ إجراءات صارمة. وبالطبع لقي اقتراحه ذاك القبول من جانب القيصر، لكن رئيس الوزراء، كوكوفتسوف، رفضه -الشيء الذي كان مؤشرا آخر على التذبذبات والانشقاقات في القمة-. كانت الحكومة قد فقدت أعصابها واحتد الصراع داخلها حول ما إذا كان يتوجب استخدام القبضة الحديدية أو القفاز المخملي في التعامل مع المشكلة.

كانت الحكومة في ذلك الحين تحت سيطرة العناصر الأكثر رجعية. فمع اقتراب الحرب، صار كل شيء أكثر وضوحا وأكثر حدة وزالت جميع عناصر الارتباك والغموض. تعرض جميع الليبراليين "الوسطيين" والتوفيقيين وكل الوجوه والتنظيمات العرضية للسحق وطردوا بلا رحمة من الساحة. وفي الأخير لم يتبق هناك سوى اتجاهان فقط يقدمان للمجتمع بديلا واضحا ومستديما: الثورة أو الثورة المضادة. حاول الليبراليون في لجة يأسهم أن يستندوا على الطبقة العاملة، ولهذه الغاية عملوا على عقد صفقة: ففي مارس 1914 أسس الكاديت ما أطلقوا عليه اسم "لجنة المعارضة"، التي ضمت حتى أحد البلاشفة (إ. إ. سكفورتسوف- ستيبانوف). وعلى الرغم من التذبذب المعروف عن الليبراليين فقد وضع دان والمناشفة كل آمالهم على هذه الخطوة.

نصح لينين سكفورتسوف- ستيبانوف بالمضي قدما للحصول على معلومات دقيقة عن المدى الذي يمكن لليبراليين الوصول إليه في الممارسة / صورة: Wikimedia Commons

عندما علم لينين بهذا التطور اعتبر أن أهميته تأتي من كونه دليلا على التطورات التي تحدث تحت السطح. نصح لينين سكفورتسوف- ستيبانوف بالمضي قدما للحصول على معلومات دقيقة عن المدى الذي يمكن لليبراليين الوصول إليه في الممارسة، أي إلى أي مدى كانت صناديق المال جاهزة للتبرع للمساعدة في تطوير عمل الصحافة غير الشرعية وما إلى ذلك. وكما كان متوقعا جاء الرد غير واضح! لم يكن لدى الكاديت (ولا حلفاؤهم الأوكتوبريون) نية جادة في تحدي النظام أو مساعدة الثورة. كانت نداءاتهم إلى بيروقراطية الدولة "لإصلاح نفسها" تهدف إلى الحفاظ على النظام وليس إسقاطه. لكن المناشفة ارتكبوا خطأ الخلط بين الثورة وبين الثورة المضادة بقناع ديمقراطي. لأنه في مواجهة الطبقة العاملة التحم الليبراليون والرجعيون بشكل حتمي في كتلة رجعية واحدة. كان الفرق الحقيقي الموجود بين الليبراليين وبين الحكومة هو اختلافهم في تحديد أفضل طريقة لهزيمة الطبقة العاملة. ومع ذلك فقد كان من الضروري، كما قال لينين، استخدام هذه الانقسامات بطريقة ماهرة، لكن ليس نشر الأوهام حولها كما فعل المناشفة.

من الناحية الموضوعية كان الوضع ناضجا للثورة، لكن العامل الحاسم هو العامل الذاتي -أي قدرة الطبقة العاملة وقيادتها على الاستفادة من الوضع للإطاحة بالنظام الاستبدادي والاستيلاء على السلطة. كان الحزب آنذاك قد أصبح أقوى من أي وقت مضى، بعد انفصاله عن الانتهازيين. لكن الحرب تدخلت لتقطع السيرورة برمتها. بحلول ربيع عام 1914، كان البرافدا تبيع يوميا حوالي 40.000 نسخة، إلا أن توزيعها في المصانع وقراءتها تجاوزت ذلك الرقم بكثير. في أبريل 1914 بلغ عدد المشتركين في البرافدا 8.858 مشتركا في 740 منطقة في روسيا؛ وبحلول يونيو ارتفع الرقم إلى 11.534 في 944 منطقة. تظهر هذه الزيادة الكبيرة الانتشار السريع للأفكار البلشفية وتغلغلها المتزايد بين صفوف الجماهير. ولم يبدأ التصفويون في إطلاق النداء المخادع إلى "الوحدة" إلا عندما كان البلاشفة قد تمكنوا بالفعل، في الواقع، من كسب أغلبية العمال إلى صفهم. في ربيع عام 1914 -الذكرى الثانية لإصدار البرافدا (22 أبريل)- كانت هناك حملة لجمع الأموال ("يوم الصحافة")، شاركت فيها كل المجموعات الحزبية والخلايا النقابية ومجموعات المصانع والجمعيات الثقافية وغيرها. وقد حصلت الحملة على الترحيب والتبرعات من طرف 1107 مجموعة عمالية. بالإضافة إلى برافدا، كانت هناك أيضا مجلة نظرية، اسمها بروسفيشيني (التنوير)، فضلا عن مجموعة من الصحف الإقليمية والمحلية.

لكن لينين كان قلقا على الرغم من هذا التقدم الملحوظ، عشية النهوض الثوري الجديد. إذ مع اعترافه بالعمل الرائع الذي يتحقق على الأرض، فقد رأى أن اللجنة المركزية تميل إلى التأخر عن الأحداث:

«بينما تم إنجاز قدر هائل من العمل الحزبي في مجال التحريض والدعاية على مدى السنتين أو الثلاث سنوات الماضية من النهوض، فإنه لم يتم إنجاز سوى القليل جدا من العمل حتى الآن في مجال تقوية التنظيم».[1]

انتقاد لينين لم يتوجه إلى اللجنة المركزية وحدها، بل توجه أيضا إلى هيئة تحرير البرافدا. لقد رأى الحاجة إلى ضخ دماء جديدة وتجديد الهيئات القيادية بفئات جديدة من العمال. كان ذلك ينطوي، إلى حد ما، على مقامرة، لكن أي شيء كان أفضل من الركود والاعتماد المفرط على "الأمجاد القديمة"، خاصة وأن بعض القادة القدماء كانوا قد سقطوا في الروتين والنزعة المحافظة. كان من الضروري تحقيق التوازن. كان لينين، بصبره المعتاد ولباقته وإخلاصه تجاه الرفاق القدامى، مستعدا دائما للحفاظ عليهم، لكنه كان يبحث دائما أيضا عن مواهب جديدة، وهي الصفة الأكثر أهمية في فن القيادة. لقد طالب لينين بإصرار بإدماج عمال جدد في الهيئات القيادية. آنذاك كان الإعداد جاريا لعقد مؤتمر جديد للحزب. ومرة أخرى عارضه التصفويون، واصفين إياه بأنه "اجتماع خاص لزمرة لينين". لكن احتجاجاتهم لم تعد لها أي أهمية.

كان التصفويون يائسين بشدة، وصاروا يعلنون عن جميع أنواع الخطط، من قبيل إنشاء لجنة فدرالية تدعو إلى مؤتمر مشترك وما شابه، لكن كل مقترحاتهم قوبلت بالرفض. كان البلاشفة قد أصبحت لهم اليد العليا آنذاك. هم من كانوا يمتلكون القوات على الأرض، بينما لم يكن التصفويون يمتلكون أية قوى. كان من الواضح للغاية أن النزعة التوفيقية لم يعد لها أي أساس. أعلن البلاشفة آنذاك عن رفضهم لمقترحات الوحدة، لكنهم أوضحوا أنه ستتم دعوة أي مجموعة عمالية حسنة النية تعمل داخل روسيا لإرسال مندوبيها إلى المؤتمر، بغض النظر عن التيار الذي تنتمي إليه. كانت مسألة "الوحدة" قد تمت تسويتها في الممارسة. "كتلة غشت"، التي كانت تمزقها التناقضات الداخلية منذ بدايتها، انشقت في نهاية عام 1914. انفصل عنها الاشتراكيون الديموقراطيون اللاتيفيون، الذين كانوا يشكلون المنظمة الجماهيرية الوحيدة داخل الكتلة، فتحولت الكتلة كلها إلى شظايا. كان تروتسكي قد استقال بالفعل من جرائد التصفويين، وفي فبراير 1914 حاول إنشاء جريدة "غير حزبية" جديدة، هي بوربا. لكن الوقت لمثل هذه المحاولات كان قد مضى. وبروحه الفكاهية المعتادة علق لينين على ذلك قائلا: «إن التوحيديين عاجزون حتى عن توحيد صفوفهم». وبسبب يأسهم تحول المناشفة إلى الأممية الثانية لطلب المساعدة. لكن بعد سلوك الأممية الثانية في النزاع السابق، كان لينين قد صار حذرا. اعتبر أن هذه المحاولة للبحث عن وسيط نزيه مجرد مسرحية، لكن وبسبب النفوذ الذي كانت الأممية تمتلكه فقد كان رفض عرض الوساطة سيكون غير مفهوم. قرر البلاشفة، رغم كل شيء، المشاركة في "الاجتماع التوحيدي" الذي دعا إليه المكتب الأممي، من أجل "فضح زيف كتلة غشت".[2]

خلال ذلك الاجتماع تحدث كاوتسكي بكلمات تنبؤية مفادها أنه: «في ألمانيا لا يوجد انقسام، على الرغم من الاختلافات الموجودة بين روزا لوكسمبورغ وبرينشتاين»، وهي العبارة التي سرعان ما سيظهر خطأها المخزي. / صورة: مفتوحة المصدر

في الاجتماع الذي عقد في بروكسل، في يوليو 1914، تم تمثيل البلاشفة بقادة من الصف الثاني. كما حضر الاجتماع كذلك المناشفة التصفويون، وجريدة تروتسكي بوربا، ومجموعة بليخانوف يدينستفو (الوحدة)، والنواب المناشفة في مجلس الدوما، وفبريود، والبوند، والاشتراكيون الديمقراطيون الليتوانيون، وثلاث مجموعات بولندية. أشهرت الأممية أسلحتها في محاولة لفرض زواج قسري بين اتجاهين سياسيين لا يمكن التوفيق بينهما، بوسائل بيروقراطية. كانت هذه الممارسة منطقية تماما بالنسبة لأشخاص كانوا قد أداروا ظهرهم منذ زمن بعيد للسياسة المبدئية لصالح "السياسة الواقعية". كان رئيس الاجتماع هو الزعيم الاشتراكي الديمقراطي البلجيكي فاندرفيلد، إلى جانب هويسمانز وكاوتسكي. خلال ذلك الاجتماع تحدث كاوتسكي بكلمات تنبؤية مفادها أنه: «في ألمانيا لا يوجد انقسام، على الرغم من الاختلافات الموجودة بين روزا لوكسمبورغ وبرينشتاين»، وهي العبارة التي سرعان ما سيظهر خطأها المخزي. وافق الاجتماع على اقتراح كاوتسكي بأنه لا توجد اختلافات بين صفوف الاشتراكية الديمقراطية الروسية يمكنها أن تعرقل الوحدة. لكن البلاشفة وقفوا بحزم رغم الضغوط من جميع الجهات. وخلال الاجتماع، الذي استمر ثلاثة أيام، رفض ممثلو البلاشفة رغبة الأممية لعب دور التحكيم. لم يروا أي سبب لتقديم تنازلات هذه المرة، فهدد فاندرفيلد البلاشفة بالإدانة خلال المؤتمر الأممي القادم. لكن ذلك المؤتمر لم يعقد أبدا، فقد كانت هناك أحداث واسعة النطاق توشك أن تهبّ في سماء الأممية القديمة، وتكشف بقسوة كل الأكاذيب وأنصاف الحقائق والخيانات التي قامت عليها.

ضعف البورجوازية الروسية واعتمادها على الرأسمال الأجنبي حدد بدوره السياسة الخارجية للنظام القيصري، التي وجدت نفسها منخرطة من موقع التابع الصغير في تحالف مع الإمبريالية الأنجلو-فرنسية. منذ عام 1912 صار كل شيء، من الناحية العملية، ينذر باندلاع الحرب. كانت السياسة الخارجية لروسيا القيصرية تمليها مصالح النظام الاستبدادي وكبار مالكي الأراضي، والتي كانت متطابقة مع مصالح أصحاب الأبناك والرأسماليين الروس. كانت سياسة غزو للأراضي الأجنبية والأسواق ومصادر المواد الخام، وهي السياسة الكلاسيكية للإمبريالية. كانت البورجوازية الروسية، بما في ذلك جناحها "الليبرالي"، راضية بلعب دور خادم للحكم الفردي أملا في الحصول على أسواق مربحة من وراء الحرب. لكن عشية الحرب كان النظام الاستبدادي قد بدأ مرة أخرى يرى الثورة قادمة.

عشية الحرب العالمية الأولى كانت الحركة الثورية قد صارت أقوى وأكثر اتساعا مما كانت عليه عام 1905. والأهم من ذلك هو أن وعي الطبقة العاملة كان قد صار أعلى من الناحية النوعية، وهي الحقيقة التي انعكست في تمكن البلاشفة من كسب الأغلبية. وفي وقت لاحق علق تروتسكي على ذلك قائلا:

«من أجل فهم الاتجاهين الرئيسيين داخل صفوف الطبقة العاملة الروسية، من المهم أن نأخذ في الاعتبار أن الاتجاه المنشفي كان قد تبلور بشكل نهائي في سنوات الانحدار والردة الرجعية. كان يعتمد بشكل رئيسي على فئة صغيرة من العمال الذين قطعوا علاقتهم مع الثورة. في حين أن البلشفية، التي كانت قد تحطمت بقسوة في فترة الردة الرجعية، بدأت في النهوض بسرعة مع تجدد المد الثوري خلال السنوات التي سبقت الحرب. "إن العناصر الأكثر حيوية وجرأة والجاهزة للنضال الدؤوب والمقاومة والتنظيم المستمر، هي تلك العناصر وتلك المنظمات وأولئك الناس الذين يتحلقون حول لينين"، بهذه الكلمات وصفت إدارة الشرطة عمل البلاشفة خلال السنوات التي سبقت الحرب».[3]

لقد ظهر تفوق البلاشفة من خلال سلسلة كاملة من المعطيات، فخلال انتخابات مجلس الدوما الرابع فاز البلاشفة بستة مقاعد عمالية من أصل تسعة. وفي الحملة السياسية من أجل إنشاء فريق مستقل في مجلس الدوما، حصل النواب البلاشفة على أكثر من 69% من توقيعات العمال. بعد إنشاء الفريق البلشفي المستقل في الدوما، في أكتوبر 1913، حصل التصفويون على دعم 215 مجموعة من العمال فقط، في حين حصل النواب البلاشفة على دعم 2995 مجموعة (85,7%!). كما تشير إحصاءات أخرى إلى التفوق الساحق للبلاشفة. في عام 1913 حصلت جريدة التصفويين على دعم 661 مجموعة عمالية، في حين حصلت البرافدا على دعم 2181 مجموعة (77%). وبحلول عام 1914 (حتى 13 ماي)، صارت الأرقام هي 671 إلى 8773 (أي 81٪). وهكذا فبالرغم من صعوبة الوصول إلى أرقام دقيقة في ظل ظروف العمل السري وغير الشرعي، فإنه من الممكن أن نقول بدرجة كبيرة من اليقين إن البلاشفة حصلوا على الأقل على دعم ثلاثة أرباع الطبقة العاملة المنظمة.

كانت قوة الحركة العمالية في تصاعد مستمر. وكانت مناطق جديدة تنجذب باستمرار إلى النضال. في ماي 1914 بدأ إضراب 50 ألف عامل نفط في باكو. وتم تنظيم إضرابات تضامنية مع عمال باكو في سان بيترسبورغ وموسكو وخاركوف وكييف وروستوف ونيكولاييف. في الأول من يوليوز، دعت لجنة الحزب في سان بيترسبورغ العمال إلى النضال بشعار: "أيها الرفاق في باكو نحن معكم! إن انتصار عمال باكو هو انتصارنا!". كانت حرارة النضال ترتفع بسرعة. في ذلك اليوم قامت الشرطة بتفريق اجتماع جماهيري ضم 12 ألف عامل من عمال بوتيلوف، مما خلف 50 جريحا ومقتل عاملين. هزت الأخبار القادمة من بيترسبورغ البلاد بأسرها. وبحلول الرابع من يوليوز أضرب 90.000 عامل عن العمل. وجّهت اللجنة المركزية البلشفية دعوة للعمال لتنظيم إضراب عام لمدة ثلاثة أيام في محاولة منها لاختبار قوتها. وبحلول السابع من يوليوز، كان الإضراب شبه عام بمشاركة 130 ألف عامل.

عندما كان العمال يخوضون إضراباتهم كان الرئيس الفرنسي بوانكاريه في بيترسبورغ لمناقشة بعض الأمور الحساسة المتعلقة بالوضع الدولي مع القيصر / صورة: gettyimages

عندما كان العمال يخوضون إضراباتهم كان الرئيس الفرنسي بوانكاريه في بيترسبورغ لمناقشة بعض الأمور الحساسة المتعلقة بالوضع الدولي مع القيصر. وبينما كان الرجلان يناقشان بهدوء الحرب القادمة، اندلع نوع آخر من الحروب في شوارع سان بيترسبورغ. كان وسط العاصمة محتلا من طرف الشرطة والجنود الذين اشتبكوا مع العمال. وعلى الرغم من أن الدعوة إلى الإضراب كانت لثلاثة أيام فقط، فإن موجة الإضراب صارت في الواقع بلا انقطاع.

تكشف الأرقام التالية عن عدد العمال المضربين الوضع الحقيقي خلال الأشهر التي سبقت الحرب:

08 يوليوز: 150.000

09 يوليوز: 117.000

10 يوليوز: 111.000

11 و12 يوليوز: أكثر 130.000.[4]

ردت الحكومة بالقمع، فتم منع البرافدا في 08 يوليوز وألقي القبض على البلاشفة في كل مكان. تم إغلاق مقرات النقابات ونوادي العمال. كان ذلك بمثابة اعتراف رسمي بأن روسيا كانت مرة أخرى، خلال يوليوز 1914، في خضم وضع ثوري. لم يكن من الممكن تغيير هذه الحقيقة ببعض الاعتقالات. فبحلول فصل الصيف كانت حركة الإضرابات قد تجاوزت بالفعل نظيرتها عام 1905. انخرط مليون ونصف المليون من العمال في الإضرابات التي كانت في معظمها إضرابات سياسية. لكنه كانت هناك أيضا نقاط ضعف: فقد تركزت الحركة بشكل رئيسي في سان بيترسبورغ وموسكو والمراكز الصناعية الرئيسية الأخرى. في عام 1905، عندما كانت الحركة في ذروتها كانت أكثر انتشارا. في عام 1905، شكلت الإضرابات في بيترسبورغ 20% من إجمالي الإضرابات، أما في 1912-1913 فقد كانت 40%، وفي عام 1914 أكثر من 50%.

تظهر هذه الإحصائيات أن هناك فجوة واسعة بين الطليعة البروليتارية، التي تتركز في سان بيترسبورغ والمراكز الصناعية الأخرى، وبين الجماهير الأكثر تخلفا، خاصة في المدن الصغرى، والفلاحين. كان من الضروري توفر قدر معين من الوقت والخبرة حتى يتسنى لتلك المدن الصغرى اللحاق بالركب. كان من السابق لأوانه الدخول في معركة حاسمة، بالرغم من وجود قدر كبير من نفاد الصبر والميول اليسراوية المتطرفة بين الشباب البلشفي. كانت فئات من الشباب في بيترسبورغ تطالب بشن الهجوم. وقامت مجموعة يسراوية متطرفة، بقيادة فئة من نقابة الخبازين، بتشكيل "لجنة بلشفية يسارية" وطالبت بشن نضال المتاريس. تسبب هؤلاء الشباب المتهورون في نكسة خطيرة. كانوا قد نظموا اجتماعا لـ 123 مندوبا من لجان المصانع والذين اعتقلتهم الشرطة جميعا. وفي 14 يوليوز، وصل الإضراب إلى نهايته. كان من الواضح أن الأمور قد وصلت إلى نقطة حرجة، على الرغم من أن لينين كان يؤيد تأجيل المواجهة الحاسمة لفترة أطول قليلا. لقد فهم أن موقف الفلاحين كان حاسما في تحديد الموقف الذي سيتخذه الجيش. أما أولئك الذين كانوا يضغطون من أجل مواصلة الإضراب ونضال المتاريس فقد كانوا يدفعون في اتجاه الانتفاضة قبل أن تصبح شروطها ناضجة. كان يمكن لأحداث يوليوز، في ظل الظروف العادية، أن تتحول إلى وضع ثوري، لكن الأحداث الدرامية على المستوى الدولي قطعت ذلك التطور.

وبينما كانت أوروبا بأسرها ترتجف على حافة الهاوية، كان النظام القيصري الروسي يخاف من الثورة الاجتماعية أكثر من خوفه من الحرب. في 28 يونيو (بالتقويم الجديد)، تعرض ولي العهد النمساوي فرانز فرديناند للاغتيال في سراييفو. وعلى الفور تم الإعلان عن التعبئة العامة في روسيا. وعندما قدمت الحكومة النمساوية في 10 يوليوز (بالتقويم الجديد) تحذيرا نهائيا مهينا لصربيا، سارعت سان بيترسبورغ إلى ممارسة الضغط على "إخوانها" الصربيين للاستجابة لجميع المطالب ما عدا تلك التي تنتهك حقوقهم كدولة ذات سيادة. وكان ذلك بالضبط هو ما فعله الصرب في ردهم على مذكرة 10 يوليوز. لكن ذلك لم يحدث أي فرق، فقد اعتبرت حكومة فيينا أن الرد الصربي "غير كاف". في تلك المرحلة كان أي رد من صربيا سيكون غير كاف. في 15 يوليوز بدأ النمساويون في قصف بلغراد. وفي وقت متأخر من مساء 18 يوليوز، استدعى الكونت بورتاليس* وزير الخارجية الروسي، سازونوف، وأبلغه "والدموع في عينيه" أنه ابتداء من منتصف الليل صارت ألمانيا في حالة حرب مع روسيا. كانت المذبحة الكبرى على وشك أن تبدء.

هوامش:

1: Voprosy Istoriya KPSS, 1957, no. 4, 117.

2: Lenin, Collected Works,[بالروسية] vol. 24, 289.

3: Trotsky, The History of the Russian Revolution, 58.

4: Istoriya KPSS, vol.2, 463.

*: الكونت فريدريخت بورتاليس: ديبلوماسي ألماني كان سفيرا لالمانيا في روسيا سنة 1914 -المترجم

عنوان النص بالإنجليزية:

Bolshevism: The Road to Revolution

الصفحة التالية

الفهرس

الصفحة السابقة


أعلى الصفحة

  الصفحة الرئيسية


التيار الماركسي الأممي


اقتصاد وعولمة


المرأة والماركسية


ثقافة وفن


الفلسفة والعلم


Audio & Video


حملات تضامنية


تاريخ وتحليلات نظرية


إفريقيا


آسيــا


أوروبا


الشرق الأوسط


أمريكا الشمالية


أمريكا اللاتينية


مواقع أممية


هدفنا


إتصل بنا