marxy.com

مؤلفات

كارل ماركس
وفريديريك انجلز

 فلاديمير إيليتش لينين

ليون تروتسكي

تيد غرانت

المغرب

إعلان المبادئ

البرنامج الانتقالي

كتب


البلشفية طريق الثورة

الفصل الثالث: مرحلة الردة الرجعية

المقاطعة، أم عدم المقاطعة؟


Bookmark and Share

آلان وودز
ترجمة: هيئة تحرير موقع ماركسي

في مؤتمر تمرفورس البلشفي، الذي انعقد في حين كانت انتفاضة موسكو تقترب من نهايتها الدموية، ناقش القادة البلاشفة الموقف الذي عليهم اتخاذه من الانتخابات المقبلة لمجلس الدوما. كان المزاج العام يؤيد بأغلبية ساحقة موقف المقاطعة، لكن لينين كان حذرا. وعند التصويت، صوت اثنان ضد اقتراح المقاطعة، وهما لينين وغوريف. أثار ذلك موجة من السخط من جانب المندوبين الآخرين، مما أجبر لينين على التخلي عن معارضته. لم تكن تلك هي المرة الأولى أو الأخيرة التي أجبر فيها لينين على أن يأخذ في الاعتبار مزاج الفئة القيادية داخل حزبه ضد موقفه الأفضل. وقد استقبل موقفه الجديد بتصفيق عاصف، على الرغم من أنه قال ساخرا بأنه تراجع "بنظام عسكري كامل".[1]

كان المقاطعون يشكلون أغلبية بين تلك الفئة من أعضاء اللجان، بمن فيهم ستالين، الذي كان آنذاك يحضر اجتماعه الأول للحزب في الخارج، والذين اعتبروا أن معرفتهم العملية بالوضع داخل روسيا كانت كافية لوضعهم في مستوى متفوق على منظري الحزب، بمن فيهم لينين نفسه. وفي جلسة أخرى صوت مؤتمر تمرفورس لصالح إعادة توحيد صفوف الحزب الاشتراكي الديمقراطي العمالي الروسي. توجب عقد مؤتمر رابع للحزب، واتخاذ التدابير الأولية فورا لتوحيد التيارين على أساس التكافؤ. كان على اللجان المحلية أن توحد أنشطتها، وأن تنتخب اللجان في كل مكان من الأسفل وأن تكون مسؤولة أمام القواعد. ومع ذلك، ينبغي تطبيق المركزية الديمقراطية، حيث أنه بمجرد انتخابها، ينبغي أن تمنح للجان "كامل السلطة في مسألة القيادة الأيديولوجية والعملية".[2]

ومباشرة بعد ذلك عقدت اجتماعات بين ممثلي كلا التيارين، حضرها كل من لينين ومارتوف، لتذليل العقبات أمام الوحدة وعقد المؤتمر الرابع للحزب. وفيما يتعلق بمقاطعة مجلس الدوما، تبنى المناشفة موقف المقاطعة، الذي طرحه البلاشفة بإصرار. لقد كانوا ما يزالون تحت تأثير الأحداث الأخيرة، وكانوا هم أنفسهم، على أي حال، فاقدين للثقة في الدوما. لكن مع اقتراب موعد المؤتمر كانوا قد بدأوا يبردون. بعد هزيمة دجنبر كان من الضروري بلا شك إعادة النظر في تكتيكات الحزب لمراعاة الوضع الجديد. فبعد الفشل في القضاء على الأعداء عن طريق الهجوم المباشر، كان من الضروري اللجوء إلى تكتيكات الحصار، والاستفادة من جميع الإمكانيات القانونية لحشد العمال حول البرنامج الثوري. ومقاطعة البرلمان في مثل هذه الظروف كان خطأً فادحا. وفي هذا السياق قال تروتسكي إنه لا يجوز مقاطعة المؤسسات التمثيلية إلا إذا كانت الحركة الجماهيرية قوية بما يكفي للإطاحة بتلك المؤسسات أو تجاهلها، لكن عندما تتراجع الجماهير فإن تكتيك المقاطعة يفقد معناه الثوري.[3]

كانت هناك نقاشات داخلية حادة حول التكتيكات فيما يتعلق بمسألة المقاطعة. وقد بينت هذه النقاشات بشكل جلي الفجوة التي تفصل بين البلشفية والمنشفية. فالمناشفة بميلهم الطبيعي نحو الانتهازية سرعان ما استنتجوا أن الثورة قد انتهت وأن الوقت قد حان للانتقال إلى الساحة البرلمانية. لكنهم واجهوا صعوبة كبيرة في إقناع قواعد الحزب. كما رفضوا في البداية المشاركة في الانتخابات، ولكنهم غيروا موقفهم إلى تبني موقف "شبه مقاطع"، والذي يرتبط بشعار "الحكم الذاتي الثوري"، الذي لا معنى له. لقد ندد لينين باحتقار بتذبذبهم، وقال: "إنهم لا يؤمنون بالثورة ولا يؤمنون بالدوما". أما بليخانوف، الذي كان قد انتقل إلى الجناح اليميني من المناشفة، فقد دعا إلى المشاركة دون تحفظ.

على الرغم من القمع الشرس المتزايد، كان الحزب ما يزال قادرا على العمل. كانت الاجتماعات ما تزال تعقد، حيث كانت المسائل التكتيكية موضع نقاش ساخن. وكان المزاج العام لأعضاء الحزب ما يزال معارضا بشدة للمشاركة في انتخابات مجلس الدوما في هذه المرحلة. في 11 فبراير، خلال اجتماع حزبي موحد في بيترسبورغ، ضم البلاشفة والمناشفة، سيَّر لينين النقاش حول موقف الحزب من الدوما. دان ومارتوف، اللذان تحدثا باسم المناشفة، تبنيا موقف المعارضة. ووافق اجتماع ثان على موقف لينين المتمثل في "المقاطعة النشطة". وفي السنوات اللاحقة اعترف لينين بنزاهة بأن هذا الموقف كان خطأ، لكنه في ذلك الوقت كان يعكس بلا شك المزاج السائد بين المناضلين. كانت الطبيعة الرجعية للدوما واضحة، ليس فقط بالنسبة للبلاشفة بل بالنسبة لغالبية الاشتراكيين الديمقراطيين. ويبدو أن مزاج غالبية الاشتراكيين الديمقراطيين في جميع أنحاء البلاد كان يميل بشدة إلى المقاطعة. لم تكن حمم الثورة قد هدأت بعد، وبالتالي ليس فقط البلاشفة، بل أيضا الاشتراكيين الديمقراطيين البولنديين واللاتفيين والليتوانيين، بل وحتى البوند، المحافظين بطبيعتهم، تبنوا تكتيك المقاطعة. وكان أغلب المناشفة مترددين. لكن مزاج مناضلي الحزب هذا كان غير متوافق مع مزاج الجماهير.

وفيما يتعلق بالخلاف حول المشاركة في انتخابات الدوما في عام 1906، تتذكر إيفا برويدو كيف اصطدم الحزب بمجلس الدوما بشكل غير متوقع تقريبا:

«كان البلاشفة ضد المشاركة بينما كان المناشفة مع المشاركة. واتفقوا في النهاية على أن يشارك الحزب فقط في المرحلة الأولى من الانتخابات (لم يكن هناك تصويت مباشر). وبهذه الطريقة كان الحزب يأمل في استغلال الانتخابات لأغراض الدعاية والتحريض، ولا سيما بين العمال. لكن في الممارسة سارت الأمور بشكل مختلف. ففي المناطق التي كان للمناشفة فيها أغلبية كبيرة، كما في القوقاز، ذهب الحزب بعيدا في الانتخابات وأوصل عدة أعضاء إلى الدوما. وبالإضافة إلى ذلك، انضم العديد من الأعضاء، الذين انتخبوا كمستقلين، إلى الاشتراكيين الديمقراطيين. وهكذا صار الحزب ممثلا في مجلس الدوما وكان عليه أن يحدد موقفه إزاء الأحداث السياسية الراهنة».

وتضيف:

«وعلاوة على ذلك، وبشكل متعارض مع توقعات البلاشفة، أصبح الدوما بسرعة محط اهتمام الجماهير، حتى بين الطبقة العاملة. ولم يعد ممكنا ببساطة تجاهل الدوما، وكنا نحن المناشفة مقتنعين بأنه يجب علينا أن نستفيد إلى أقصى حد ممكن من هذه الفرصة للدفاع العلني عن رسالتنا الاشتراكية أمام البلد بأسره».[4]

في ربيع عام 1906، أجريت الانتخابات لأول دوما. وبالنظر إلى الانفتاح الواسع نسبيا الذي قدمه بيان أكتوبر، كانت هناك إمكانية للقيام بحملة ناجحة من جانب الاشتراكيين الديمقراطيين. وبموجب ذلك النظام، كما رأينا، كان العمال يصوتون بشكل منفصل من خلال نظام اللجان الانتخابية المعروفة باسم "الجماعة"، والتي كانت تنتخب الممثلين على النحو التالي: أجريت الانتخابات على ثلاث مراحل: أولا ينتخب العمال ممثليهم على مستوى المصنع؛ ثم ينتخب هؤلاء الأخيرون "الناخبين"؛ وأخيرا ينتخب "الناخبون" نواب مجلس الدوما. كانت المصانع التي تشغل من 50 إلى 1000 عامل تنتخب ممثلا واحدا. بينما كانت المصانع الكبيرة تنتخب ممثلا واحدا لكل 1000 عامل، واستبعدت المصانع التي يقل عدد العاملين فيها عن 50 عاملا. ومن المفارقات أن كون الانتخابات غير مباشرة، والذي كان في حد ذاته إجراء غير ديمقراطي، قد أعطى الاشتراكيين الديمقراطيين فرصة لم يكونوا ليتمتعوا بها في ظل نظام تصويت أكثر طبيعية، لأنهم تمكنوا من تركيز طاقاتهم في حملة جماعات العمال، التي هي "أوساطهم الطبيعية".

استند موقف البلاشفة على توقع حدوث تحول ثوري جديد وشيك. لكن ذلك كان خطأ في قراءة الوضع. فهم العمال الأكثر تقدما الحاجة إلى حزب ثوري، لكن الجماهير كانت تغرق بشكل متزايد في اللامبالاة والسلبية. ومن الحقائق الراسخة أن مزاج الفئة الأكثر نشاطا والأشد كفاحية يمكن أن يكون في كثير من الأحيان متناقضا مع مزاج باقي الطبقة. يمكن للفئة الطليعية أن تتحرك أبعد جدا عن بقية الطبقة. وهذا خطأ فادح في الصراع الطبقي مثلما هو خطأ في التكتيكات العسكرية. إذا سارت الفئة الطليعية بعيدا جدا وفقدت الاتصال مع المؤخرة، تصبح مكشوفة على نحو خطير وتتعرض لخطر السحق. يصدق هذا أيضا بنفس القدر عندما تسيء الفئة الأكثر كفاحية، بسبب نفاد الصبر، تقييم مزاج العمال، أو تخلط بين مستوى وعيها هي وبين مستوى وعي الأغلبية. وذلك ما حدث في هذه الحالة.

كان البلاشفة قد أساءوا تقييم الوضع، ولم يتمكنوا من تقدير أن الثورة كانت في تراجع. وكما هو الحال في الحرب، فحتى خلال الثورة أو حتى إضراب، من الضروري أن نكون قادرين على التراجع بشكل منظم عندما يتطلب الوضع ذلك. إن الدعوة إلى التقدم عندما تتطلب الظروف الموضوعية التراجع هو وصفة للكارثة. وفي تلك الحالة لم يسفر تكتيك المقاطعة النشطة عن أي تأثير. لم تكن الطبيعة الحقيقية للدوما واضحة بأي حال من الأحوال للجماهير. وكانت الأوهام الدستورية قوية بشكل خاص بين الفلاحين الذين آمنوا بأنهم سيحصلون على الأرض. لكن انتصار الثورة المضادة وانحسار الحركة الجماهيرية كان يعني بالنسبة لفئات واسعة من الجماهير البرجوازية الصغيرة الحضرية والفلاحين وحتى لقسم من الطبقة العاملة، أن الدوما هي الأمل الوحيد، وإن كان أملا ضعيفا، لتحسين الأوضاع. وحقيقة أن هذه الآمال كانت بدون أي أساس لم تجعلها أقل رسوخا.

وطالما واصل لينين الاعتقاد باقتراب حدوث تحول ثوري جديد، وضع كل تركيزه على هدف الانتفاضة المسلحة:

وقد كتب في أكتوبر 1906: «يجب على الحزب الاشتراكي الديمقراطي الثوري أن يكون أول من يأخذ مكانه في النضال الأكثر حزما والأكثر مباشرة وآخر من يلجأ إلى طرق النضال غير المباشرة».

وبعبارة أخرى، إن موقفه من المشاركة حتى في أكثر البرلمانات رجعية لم تكن تمليه مبادئ مجردة أو دوغمائية، بل تمليه حاجيات الثورة. وطوال الفترة الممتدة من 1906 حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى، كانت مسألة ما إذا كان يجب على الاشتراكيين الديمقراطيين المشاركة في انتخابات الدوما القيصرية، المنتخبة على أساس ما وصفه لينين بأنه أكثر القوانين الانتخابية رجعية في أوروبا، في قلب الجدل الذي هز الحزب حول التكتيكات والإستراتيجية. بعد سنوات، وفي كتابه الكلاسيكي "مرض اليسارية الطفولي في الشيوعية"، شرح لينين موقفه في ذلك الوقت:

«فعندما أعلن القيصر، في غشت سنة 1905، عقد "برلمان" استشاري أعلن البلاشفة مقاطعته - على النقيض من جميع الأحزاب المعارضة ومن المناشفة - وبالفعل كنست ثورة أكتوبر 1905 ذلك "البرلمان". كانت المقاطعة آنذاك موقفا صحيحا، وذلك ليس بسبب أن عدم الاشتراك في البرلمانات الرجعية بوجه عام هو أمر صحيح، بل لصحة تشخيص الظروف الموضوعية التي كانت تؤدي إلى تحول الإضرابات الجماهيرية بسرعة إلى إضراب سياسي، ثم إلى إضراب ثوري وبعد ذلك إلى انتفاضة. وعلاوة على ذلك كان النضال يجري آنذاك حول ما إذا كانت دعوة أول مؤسسة تمثيلية تبقى في يد القيصر، أو أنه يتوجب بذل الجهد لانتزاعها من يد النظام القديم. وطالما لم تكن، وما كان ممكنا أن تكون، هناك ثقة بتوفر ظروف موضوعية مماثلة، وكذلك بتطورها في ذلك الاتجاه نفسه وبتلك السرعة نفسها، فإن المقاطعة لم تعد موقفا صحيحا.

لقد أغنت المقاطعة البلشفية "للبرلمان" سنة 1905 البروليتاريا الثورية بخبرة سياسية قيمة جدا، وبينت أنه عند الجمع بين أشكال النضال العلنية وغير العلنية والبرلمانية وغير البرلمانية، يكون من المفيد أحياناً، بل ومن اللازم، الامتناع عن الأشكال البرلمانية. بيد أنه سيكون من أسوء الأخطاء تطبيق هذه الخبرة تطبيقاً أعمى وعن تقليد ودون تمحيص في ظروف أخرى وموقف آخر. لقد كانت مقاطعة البلاشفة للدوما سنة 1906 خطأ، على الرغم من أنه كان خطأ غير خطير وقابلا للتصحيح بسهولة. أما المقاطعة في سنتي 1907 و1908 والسنوات التي تلتهما فقد كانت خطأ أشد خطورة ومن العسير إصلاحه، لأنه، من جهة، لم يكن ممكناً توقع صعود سريع جداً لموجة ثورية وتحولها إلى انتفاضة، ولأنه، من جهة أخرى، كان كامل الوضع التاريخي برمته، المصاحب لتجديد النظام الملكي البرجوازي، يستدعي ضرورة الجمع بين النشاط العلني وغير العلني».[5]

وقد عبر تروتسكي عن نفس الموقف قائلا:

«إن المقاطعة هي إعلان حرب صريحة ضد الحكومة القديمة، وهي هجوم مباشر ضدها. لكن في حالة انعدام انتعاش ثوري على نطاق واسع... لا يمكن الحديث عن نجاح المقاطعة». وفي وقت لاحق، في عام 1920، كتب: «لقد كان خطأ... من جانب البلاشفة مقاطعة الدوما في عام 1906». وأضاف: «كان ذلك خطأ، لأنه بعد هزيمة دجنبر كان من المستحيل توقع هجوم ثوري في المستقبل القريب؛ لذلك كان من غير المعقول إهمال منبر الدوما كوسيلة لتعبئة الصفوف الثورية».[6]

ووراء كل هذه المناقشة حول مجلس الدوما كان السؤال الأكثر أهمية بكثير هو موقف حزب العمال من الليبراليين. في أعقاب أحداث دجنبر، كانت هناك مؤشرات واضحة على حدوث تحول في مزاج الطبقات المنخرطة في الصراع. أجبر العمال في كل مكان على التحول إلى موقع الدفاع، وأدت أحداث دجنبر أيضا إلى حدوث تحول حاسم في موقف الليبراليين. كان الكاديت قد أداروا بالفعل ظهورهم للثورة منذ أكتوبر 1905. وقد أدت انتفاضة موسكو إلى اجتثاث أي ذرة تعاطف بقيت لهم مع البروليتاريا الثورية، وظهروا بألوانهم الحقيقية. لقد وقفت البورجوازية صفا واحدا في معارضة "جنون" دجنبر. ولم تكن هذه طبعا هي المرة الأولى في التاريخ التي شهدنا فيها مثل هذه الظاهرة. فقد حدث بالضبط نفس الشيء خلال ثورة 1848، كما أوضح ماركس وإنجلز.

الموقف التقليدي لليبراليين خلال مرحلة الردة الرجعية هو الدفاع عن الإصلاح للحيلولة دون وقوع الثورة، داعين الدولة إلى "إنقاذ نفسها". وغني عن القول أن هذه النصيحة الحسنة النية قد قوبلت بقهقهات الازدراء من طرف معسكر الأوكتوبريين. ولم يكن نحيب الليبراليين المنافق حول "تجاوزات" الثورة المضادة سوى نصيحة ودية للنظام الاستبدادي حول أفضل طريقة لخنق الثورة. من الواضح تماما أنه من الأفضل بكثير خنق شخص بطريقة تجعله يصدر أقل قدر ممكن من الضجيج. لكن لكي تتم عملية الخنق، لا يمكن أن يكون هناك رأيان اثنان! كان هذا، في جوهر الأمر، هو الفرق بين قسمي البرجوازية المعادية للثورة. بدأ الكاديت يطلقون على أنفسهم اسم "حزب حرية الشعب"، باعتباره أفضل طريقة لخداع الشعب ووضع حد للثورة التي أرعبتهم. كان الموقف من الكاديت هو الخط الفاصل الأساسي بين الاشتراكيين الديمقراطيين، فالمناشفة دعوا إلى التكتل والاتفاق مع الكاديت داخل الدوما، في حين احتفظ لينين بأقصى قدر من الانتقاد ضد هؤلاء الليبراليين المعادين للثورة.

لم يكن سلوك الليبراليين المضاد للثورة من قبيل الصدفة، فقد كانت البرجوازية الروسية الضعيفة مرتبطة بألف رابط بالارستقراطية الإقطاعية، من خلال الزواج أو الأصل الاجتماعي أو الملكية المباشرة للأرض. ووفقا لدراسة معاصرة، قام بها ن. أ. بورودين، يظهر تكوين مجلس الدوما بالأرقام، فمن أصل 153 كاديتي في الدوما الأول، كان هناك 92 من النبلاء. ومن بينهم كان هناك ثلاثة ملاكين عقاريين يملكون ما بين 5000 و10.000 ديسياتين؛ وثمانية ملاكين عقاريين يملكون ما بين 1000 إلى 2000 ديسياتين؛ و30 ملاكا عقاريا يملكون ما بين 500 إلى 1000 ديسياتين. وهكذا، كان ثلث نواب الكاديت بالفعل ملاكين كبار للأرض[7]. كيف يمكن لهؤلاء الناس أن يقدموا حلا للمشكلة الأكثر إلحاحا التي تواجه روسيا، أي المسألة الزراعية؟ على الرغم من احتجاجاتهم "التقدمية"، على جميع القضايا الأساسية، كان الليبراليون في الدوما أقرب إلى النظام القيصري مما هم إلى العمال والفلاحين.

لقد انقسم الليبراليون البرجوازيون بالفعل إلى معسكرين داخل الدوما، يمثل "الأوكتوبريون" يمينهم، بينما شكل "اليسار" (الديمقراطيون الدستوريون، أو الكاديت كما أصبحوا معروفين شعبيا). لكن وعلى الرغم من أنهم انشقوا رسميا إلى "رجعيين" و"ليبراليين"، فإن الاختلافات بينهما كانت شكلية فقط. ففيما يتعلق بالموقف من البروليتاريا الثورية والفلاحين، وقفوا متحدين في كتلة واحدة معادية للثورة تمثل مصالح النظام والملكية الخاصة. وفي حين دعموا بحماس سحق الثورة، فإنهم لم يتورعوا عن التمسك بالحركة الجماهيرية للضغط على النظام لمنحهم بعض التنازلات، لكن ليس عندما تبدأ الجماهير بمنافستهم على السلطة. إن الليبراليين البرجوازيين الذين كانوا قد باعوا بالفعل روحهم إلى النظام الاستبدادي (بزعم أنه قد تحول بأعجوبة إلى "ملكية دستورية") سرعان ما أخذوا مكانهم الصحيح في معسكر الردة الرجعية "البرلمانية"، باعتبارهم معارضة جلالة الملك الأوفياء، وكمجرد ورقة تين للثورة المضادة. ومنذ ذلك الحين أصبحت مسألة موقف الاشتراكيين الديمقراطيين من الأحزاب البرجوازية المسألة المركزية بالنسبة للثوريين.

هوامش:

1: Robert Service, Lenin, a Political Life, 149.

2: KPSS v rezoluitsiakh, vol. 1, 136.

3: Trotsky, Stalin, 98.

4: E. Broido, Memoirs, 130–1.

5: LCW, “Left-Wing” Communism: an Infantile Disorder, vol. 31, 35–36.

6: Trotsky, Stalin, 93.

7: See LCW, vol. 12, 532.

عنوان النص بالإنجليزية:

Bolshevism: The Road to Revolution

الصفحة التالية

الفهرس

الصفحة السابقة


أعلى الصفحة

  الصفحة الرئيسية


التيار الماركسي الأممي


اقتصاد وعولمة


المرأة والماركسية


ثقافة وفن


الفلسفة والعلم


Audio & Video


حملات تضامنية


تاريخ وتحليلات نظرية


إفريقيا


آسيــا


أوروبا


الشرق الأوسط


أمريكا الشمالية


أمريكا اللاتينية


مواقع أممية


هدفنا


إتصل بنا