marxy.com

مؤلفات

كارل ماركس
وفريديريك انجلز

 فلاديمير إيليتش لينين

ليون تروتسكي

تيد غرانت

المغرب

إعلان المبادئ

البرنامج الانتقالي

كتب


البلشفية طريق الثورة

الفصل الثالث: مرحلة الردة الرجعية

النضال ضد البطالة


Bookmark and Share

آلان وودز
ترجمة: هيئة تحرير موقع ماركسي

طوال عام 1906، وجدت الطبقة العاملة نفسها في موقف صعب على نحو متزايد، حيث لم تواجه القمع الجسدي فقط، بل أيضا الإرهاب الاقتصادي. فبعد أن استعاد أرباب العمل رباطة جأشهم، انتقلوا إلى الهجوم، وشرعوا في الانتقام من الرعب الذي تعرضوا له. صارت إغلاقات المصانع وعمليات الطرد على رأس جدول الأعمال، وبدأ الرأسماليون يستعيدون المكاسب التي انتزعت منهم خلال الفترة السابقة. في ظل تلك الظروف، كان من الضروري البحث عن أي انفتاح، مهما كان محدودا، واستغلال كل ثغرة قانونية. كان على الحزب أن يولي اهتماما جديا لأي منظمة شرعية من شأنها أن توفر منبرا لممارسة التحريض والدعاية، من قبيل منظمات التأمين والجمعيات التربوية والثقافية، وما إلى ذلك. كان العمل في النقابات مسألة في غاية الأهمية. قام العمال، الذين صاروا في موقف دفاعي، بالالتفاف حول النقابات الشرعية. وحدثت زيادة كبيرة في عضوية النقابات. في أوائل عام 1907، كان هناك أكثر من 600 نقابة عمالية في روسيا، تضم 245.000 عضو. ومن ناحية أخرى، أدى انتشار البطالة، نتيجة الأزمة الاقتصادية، إلى وضع مسألة العمل بين العاطلين على رأس جدول الأعمال.

شن أرباب العمل انتقاما وحشيا من أجل تدمير المكاسب التي حصل عليها العمال أثناء الثورة. وفي خضم حملات الطرد الجماعي، التي ضربت جميع القطاعات في الفترة ما بين 1907 و1909، تعرض 36% من العاملين في الصناعات الهندسية للطرد مع حلول يناير 1908. وأغلَق مصنع التعدين بسان بيترسبورغ مخزن القذائف؛ وطرَدت أحواض بناء السفن في نيفا 300 عامل عام 1908، إضافة إلى 700 آخرين عام 1909. أعنف الضربات كانت هي تلك التي تلقاها العمال الأكثر تأهيلا، وخاصة أولئك المتأثرون بالفكر الاشتراكي الديمقراطي. كانت هذه المجموعة قد أثارت انتباه أرباب العمل خلال إغلاقات أكتوبر 1905، واستمر ذلك حتى أبريل 1906. كانت حملة الإغلاقات، التي تم تنظيمها من قبل أرباب العمل في سان بيترسبورغ بتعاون وثيق مع السلطات القيصرية، تهدف إلى تلقين عمال سان بيترسبورغ، وبخاصة قياداتهم الطبيعية، درسا قاسيا.

في ظل ظروف التسريحات الجماعية، التي أعقبت هزيمة دجنبر، صار للنضال ضد البطالة أهمية كبرى. نجح الاشتراكيون الديمقراطيون في تنظيم حركة ناجحة ضد البطالة، خاصة في سان بيترسبورغ، لكن أيضا، إلى حد ما، في مراكز صناعية أخرى، مثل موسكو وأوديسا. وفي حين أن معظم المراكز الأخرى كانت قد قمعت بحلول نهاية عام 1906، فإن الشرطة السرية والدرك لم يتمكنوا من القضاء على الحركة في سان بيترسبورغ نهائيا إلا في عام 1908. في بيترسبورغ أسس الاشتراكيون الديمقراطيون المحليون "مجلس العمال العاطلين عن العمل" (سوفييت بيزرابوتنيخ)، لكن تم ربطه منذ البداية بالعمال المشتغلين. أرسل العمال الذين يشتغلون في المصانع الكبيرة مندوبين إلى هذا السوفييت. وتم تشكيل مجالس أخرى للعمال العاطلين في تفليس وموسكو وتفير وكوستروما وخاركوف وباكو وتاغونروغ. لكن المجلس الذي كان يحدد مسار المجالس الأخرى كان هو مجلس سان بيترسبورغ للعاطلين عن العمل.

واجهة النسخة الانجليزية من كتاب العامل البلشفي سيرغي ماليشيف "مجالس العاطلين عن العمل في سان بيترسبورغ عام 1906"

وقد تم توثيق عمل مجلس سان بيترسبورغ للعاطلين عن العمل في كتيب "مجالس العاطلين عن العمل في سان بيترسبورغ عام 1906"، الذي كتبه العامل البلشفي سيرغي ماليشيف، الذي لعب دورا نشيطا في حركة العاطلين، وانتخب رئيسا لسوفييت كوستروما لمندوبي العمال، في عام 1905. ترجع أصول هذه الحركة إلى الأحداث العاصفة التي شهدها عام 1905، عندما استخدم أرباب العمل سلاح الإغلاقات لمكافحة حركة الإضراب. وإدراكا منه بأن السبيل الوحيد للنضال من أجل قضية العاطلين عن العمل يمر عبر الربط الوثيق بين نضالهم وبين نضالات العمال في المصانع، أسس سوفييت سان بيترسبورغ لنواب العمال لجنة للعاطلين عن العمل بأجهزة مفتوحة في جميع مناطق تواجد الطبقة العاملة بسان بيترسبورغ. وفي وقت لاحق اعتمدت اللجنة قرار سوفييت نواب العمال باقتطاع نسبة 1% من أجور جميع العاملين في المعامل والورشات والمؤسسات الأخرى، لصالح العاطلين عن العمل. كما نظم عمليات تبرع تطوعية في جميع الاجتماعات والتجمعات. وهكذا فإن نضال العاطلين عن العمل كان مرتبطا ارتباطا وثيقا بنضال إخوانهم وأخواتهم الذين بقوا في العمل. كان هذا الموقف، الذي يشكل حجر الزاوية في تكتيكات الماركسية في النضال ضد البطالة، من اقترح لينين، ومن المثير للاهتمام أن نلاحظ موقف لينين تجاه حملة العاطلين عن العمل. عندما سمع لينين عن مبادرة اتخذت بشأن هذه المسألة كانت لديه، في البداية، بعض الشكوك حول ما إذا كان في مقدور مجلس العاطلين عن العمل وحده أن ينفذ برنامجه بجهوده الخاصة:

قال لينين: «لا يمكنكم أن تؤثروا على البرجوازية بواسطة هذه المنظمة وحدها؛ لن تكونوا أقوياء بما فيه الكفاية، وقد لا يكون العمال العاطلون عن العمل أنفسهم قادرين على تطوير هذا العمل على أساس طبقي بروليتاري واسع. ولذلك يجب عليكم أن توسعوا على الفور مجلس العاطلين عن العمل ليضم ممثلين للعمال المشتغلين في جميع المصانع والورشات في سان بيترسبورغ. عليكم الآن أن تبدأوا في التحريض داخل المصانع والورشات لهذا الغرض، وترتبوا فورا لانتخاب هؤلاء الممثلين. يجب أن يتألف مجلس العاطلين عن العمل، ليس فقط من 30 ممثلا للعاطلين، بل من 100 أو 150 ممثلا من جميع المناطق، من جميع المصانع والورشات. سوف يوفر هذا للعاطلين عن العمل جهازا قياديا بروليتاريا حقيقيا سيكون قادرا حقا على ممارسة الضغط بنجاح على مجلس دوما المدينة وعلى البرجوازية بوجه عام». وافق المجلس على اقتراح لينين بربط نضال العاطلين عن العمل بالعمال الذين ما زالوا في العمل، وشكل أساس تكتيكاته.

أخذ مجلس سان بيترسبورغ للعاطلين عن العمل على كاهله مسؤولية حركة العاطلين، بدءا من تسجيل جميع العمال ضحايا الإغلاقات. وعلى حد تعبير ماليشيف: «كشف هذا التسجيل واقعة مثيرة للاهتمام، وهي أن 54% من العمال الذين تم طردهم كانوا عمالا ذوي مهارات عالية، في قطاع التعدين والصلب؛ وكان 18% منهم نجارون وعمال بناء وغيرها من المهن التي تتطلب المهارة. وكان 21% منهم فقط من العمال العاديين. أظهرت هذه الأرقام أن الرأسماليين نفثوا حقدهم على أولئك العمال الذين قاتلوا في الصفوف الأمامية للطبقة العاملة»[1]. إن استهداف عمليات الهجوم لأمهر العمال حقيقة موثقة جيدا. أظهر استطلاع أجرته نقابة عمال المعادن أن أرباب العمل في عام 1908 استخدموا ذريعة الأزمة الاقتصادية للتخلص من أمهر عمال التعدين، والذين يتقاضون أجورا مرتفعة، والذين اشتغلوا أطول مدة، والذين كانوا القطاع الاكثر كفاحية. إستنادا إلى هذه المعطيات وغيرها استخلص روبرت ماكين ما يلي:

«ألقوا إلى الشوارع بالمسنين والمرضى و"خربي النظام الداخلي" كذلك. وخلال 1908 امتدت الإغلاقات وحملات تسريح العمال إلى قطاعي الطباعة والنسيج. بين سنتي 1907 و1911 عرفت تخفيضات الأجور، بنسبة 30% أو أكثر، أبعاد واسعة في جميع قطاعات الصناعة الثقيلة والخفيفة. وفي ورشة قياس الضغط والمسبوكات المعدنية، لانجينزيبين، تم تخفيض الأجور بمعدل النصف؛ وفي ورشة أفران الصهر بأحواض بناء السفن في البلطيق تم تخفيض الأجور بنسبة 40%. هذا وقد تم منع لجان أو مجالس المصنع (كما هو الحال في أحواض بناء السفن بنيفا)؛ وتعرض مندوبو العمال للاعتقال أو الطرد (مصنع الأنابيب)؛ وصارت الاجتماعات محظورة (سان بيترسبورغ للمعادن). ومنذ أوائل 1907 و1908، عاد فرض الغرامات وعمليات التفتيش، التي كان العمال يكرهونها كثيرا، في العديد من المصانع من بينها الشركة الفرنسية الروسية وأودنير وأحواض السفن بنيفا ومصنع الأنابيب ومصنع أوبوخوف وسان غالي وسان بيترسبورغ للمعادن. لكن لم يحدث الاعتداء المباشر والفوري على يوم العمل من 8 أو 9 ساعات، الذي كان أثمن مكسب للثورة، إلا بشكل أقل تواترا».[2]

خلال عام 1906، صار موقف العاطلين يائسا على نحو متزايد. وقد وصف ماليشيف بشكل دقيق وضع عمال سان بيترسبورغ العاطلين قائلا: «ونحن نتسكع على طول شارع نيفسكي، نشاهد البرجوازيين السعداء المتخمين. بعضهم، من رتبة أعلى، يرتدون معاطف ونياشين ويركبون في عربات رائعة يجرها حصان أو حصانين من الخيول الرائعة؛ وآخرون، حشد من البرجوازيين، من رتبة أدنى، يتجولون على الأقدام على طول شارع نيفسكي، يملؤون وسط المدينة، على طول سادوفايا، وعلى طول طريق غوستين. يدخلون إلى مخازن مليئة بالبضائع، ويخرجون بأكوام من المشتريات، ووراءهم يسير شباب محملون بتلك المشتريات إلى منازلهم. كل البضائع التي في تلك المحلات والرفوف والمستودعات، والتي تنتجها البروليتاريا، متاحة بشكل كامل للبرجوازية. سرنا عبر عدة مبان على طول شارع نيفسكي، لكن كل ما كان يمكننا رؤيته هو متجر سولوفييف فقط. لم يكن يمكن لنا أن ندخل ونشتري ولو حتى ربع رطل من النقانق، لأن باعة متجر سولوفييف المتخمين لا يقبلون بيع مثل هذه الكمية الصغيرة، وعلاوة على ذلك فإن أسعار النقانق لا تتناسب مع حجم جيوبنا. لتخفيف مشاعرنا أطلقنا شتائم بذيئة ووضعنا يدا في يد ورحلنا من هذا الشارع اللعين. ذهبنا على طول الأزقة الضيقة وأخيرا وجدنا، في شارع باسين، أحد المطاعم الرخيصة حيث ملأنا أمعاءنا بطعام بسعر كوبيكين».

وكانت المشكلة الرئيسية بالطبع هي أن معظم العمال المطرودين كانوا مسجلين في القائمة السوداء. طرد العديد من الأفراد، بل ومجموعات كاملة، من "غير المرغوب فيهم" من المصانع والورشات. أضطر هؤلاء العمال العاطلون إلى بيع أو رهن ملابسهم وغيرها من الأشياء الأخرى ذات القيمة. كان وضع العمال العاطلين وأسرهم بائسا. حملة جمع المساهمات، التي نظمها سوفييت نواب العمال، راكمت بعض الأموال، لكنها كانت مبالغ صغيرة جدا بحيث لم تغير الشيء الكثير. تم فتح غرف الطعام من قبل سوفييت نواب العمال وبعض الجماعات الليبرالية، في بعض المناطق العمالية، لتوفير بضع عشرات الآلاف من الوجبات. لكن بعد بيان أكتوبر بدأ الليبراليون يديرون ظهورهم لهذه الأنشطة العمالية وغيرها. ترك العمال لمصيرهم. ولمكافحة مشكلة البطالة بدأت المجموعة البلشفية في النضال لأجل برنامج للأشغال العامة النافعة والتعويض عن البطالة.

ويوضح ماليشيف تصور البلاشفة للنضال ضد البطالة من خلال استشهاده بما قاله متحدث في أحد المؤتمرات: «قال الرفيق: "المجموعة البلشفية، التي أتحدث الآن باسمها، تدعم حركة العاطلين وتساعدنا على تنظيم أنفسنا في منظمة قوية. من الضروري تنظيم جميع العاطلين وانشاء هيئة قيادية: مجلس للعاطلين عن العمل. على هذا المجلس، بمساعدة من العاطلين عن العمل، أن يبدأ النضال من أجل تحسين وضع العاطلين، ليس فقط من خلال توزيع وجبات الغذاء و30 كوبيكا يوميا، بل أساسا عن طريق دفع مجلس دوما المدينة لتنظيم برنامج للأشغال العامة على نطاق واسع لتشغيل العاطلين. العاطلون ليسوا عالة، إنهم لا يريدون الصدقات. إنهم يطالبون بالخبز والعمل. بهذه الطريقة علينا عرض مطالبنا أمام مجلس دوما المدينة وكسب تأييد جميع العاملين في المصانع والورشات. يجب على المدينة تنظيم برنامج للأشغال العامة. هناك ما يكفي من هذا النوع من العمل الذي يمكن القيام به في المدينة، والذي يعطى الآن لمختلف المقاولين الذين يقدمون رشاوى كبيرة لمسؤولي المدينة. بين صفوف العاطلين عن العمل يمكن إيجاد أكثر العمال مهارة في جميع القطاعات. يمكنهم أن يقوموا بكل أنواع العمل. المدينة لديها عدد من المشاريع الضرورية للمصلحة العامة؛ على سبيل المثال، بناء خط للترام (Tramways). لقد قررت المدينة تعويض قوة الأحصنة بالسيارات الكهربائية، وهو ما لا يمكن القيام به إلا إذا تم تعبيد الشوارع. وهذا يفتح إمكانية توفير أشغال عامة للعاطلين. علينا اتخاذ خطوات لكي توفر المدينة هذه الأشغال العامة، لذلك أقترح أن يتم قبول جميع المقترحات التي طرحتها والمصادقة عليها في الاجتماع، والشروع في تنفيذها على الفور ، لأن الجوع والفقر لن ينتظرا".»[3]

من أجل تنظيم حملة العاطلين تقرر تنظيم مجلس للعاطلين من خلال عقد الانتخابات في غرف الطعام حيث كان العاطلون يحصلون على الوجبات، وحيث قام مجموعة من العمال البلاشفة بالتحريض لأجل ذلك وإجراء الانتخابات. وجه المجلس نداء لدوما المدينة. وتقرر إشراك 30 مندوبا من المصانع الكبيرة والورشات في مجلس العاطلين عن العمل وجرت الانتخابات بين العمال في جميع المعامل والورشات وأماكن العمل. تم انتخاب المندوبين من قبل العاطلين في جموعات عامة، على أساس مندوب واحد لكل 250 عاملا، وفي المصانع والأحياء العمالية. وشكلت هذه مجالس المناطق، التي كانت تشرف على تسيير غرف الطعام وجمع المال في المصانع والورشات وتسجيل العاطلين عن العمل وتقديم المساعدة المادية، وقادت بشكل عام الحملة ضد البطالة على أساس شعار: "من أجل الخبز والعمل!". وتمت صياغة عريضة موجهة إلى مجلس مدينة سان بيترسبورغ من طرف مجلس العاطلين، استعملت فيها أشد العبارات قوة. ثم طرحت العريضة للنقاش داخل مجلس العاطلين عن العمل وتم التصويت عليها وإرسالها إلى جميع مصانع وورشات سان بيترسبورغ ونواحيها لتتم مناقشتها من قبل العمال الذين طلب منهم بعد ذلك التوقيع عليها.

جاء نص العريضة على النحو التالي:

«بسبب البطالة، العديد من أسر العمال هي الآن بدون خبز. العمال لا يريدون الصدقات أو الإحسان. إننا نطالب بالعمل. السادة يرفضون توفير العمل لنا. يقولون إنه ليس لديهم مشاريع. لكن المدينة لديها مشاريع ويمكنها أن توفر العمل للعاطلين. نعتقد أن الطريقة التي تصرف المدينة بها المال العام فاضحة. ينبغي استخدام الأموال العامة لتلبية الاحتياجات العامة وحاجتنا اليوم هي: العمل. ولذلك فإننا نطالب مجلس دوما المدينة بأن يعمل فورا على تنظيم أشغال عامة لجميع المحتاجين. إننا لا نطلب الصدقة، بل نطالب بحقوقنا ولن نرض بالصدقات. الأشغال العامة التي نطالب بها يجب أن تبدأ على الفور. يجب أن يسمح لجميع العاطلين في سان بيترسبورغ بالقيام بهذا العمل؛ يجب أن يحصل كل عامل عاطل على أجر كاف. لقد تم تفويضنا للإصرار على تحقيق مطالبنا. والجماهير التي أرسلت هذه العريضة لن تقبل بأقل من ذلك. فإذا لم تستجيبوا لمطالبنا سوف نقدم تقريرا عن رفضكم للعاطلين وعندها لن نكون نحن من عليكم التعامل معه، بل أولئك الذين أرسلونا: جماهير العاطلين عن العمل».[4]

تم بعث المحرضين إلى جميع المصانع الرئيسية للدفاع عن العريضة، فكانوا يتحدثون أثناء استراحة الغداء وأثناء تغيير المناوبات، كما كانوا يعقدون لقاءات أمام أبواب المصانع لنقاش مسألة البطالة. وعلى الرغم من حقيقة أنه بعد حملات الطرد الجماعية، لم يتبق في العمل سوى العمال الأقل وعيا، فقد تلقت العريضة تأييدا وتعاطفا واسعي النطاق. قامت خطة النضال ضد البطالة بشكل كامل على الربط بين العمال العاطلين وبين إخوانهم وأخواتهم الذين بقوا في العمل والذين هم وحدهم من لديهم القوة لمساعدتهم على حل مشكلتهم. وبالإضافة إلى ذلك، حاول المجلس الحصول على الدعم من عند القطاعات المتعاطفة بين صفوف الطبقة الوسطى.

تكتيكات ثورية

في حين قارب البلاشفة نضال العاطلين من وجهة نظر ثورية وطبقية، حاول المناشفة، كما هي عادتهم، تمييع مطالب الحركة من أجل عدم إخافة أصدقائهم الليبراليين. لقد طالبوا بحذف الفقرة الأخيرة من العريضة التي تحمل نبرة تهديد، وطالبوا أيضا بألا يقتحم وفد العاطلين عن العمل مجلس دوما المدينة. كما عارضوا بشدة انتخاب ممثلين من المصانع والورشات إلى مجلس العاطلين. لكن ظهرت تصدعات في صفوف المناشفة مما أدى إلى حدوث انقسام أعطى الأغلبية لأنصار العريضة. في 12 أبريل 1906، تقدم وفد من العمال العاطلين، مكون من 30 شخصا (15 من العاطلين و 15 من المصانع)، أمام دوما مدينة سان بيترسبورغ. في تلك المرحلة لم تكن الموجة الثورية قد تراجعت بما يكفي لإعطاء مجلس الدوما الثقة اللازمة بالنفس لرفض اللقاء مع أعضاء الوفد. وخوفا من رد فعل الجماهير، قرر دوما المدينة الاعتراف بالوفد والاستجابة لمطالبه قدر الإمكان. لكن الوفد لم يكن يعرف هذا القرار عندما دخل غرفة المجلس. وقد تحققت أسوء مخاوف المناشفة، إذ تكلم ممثلو العاطلين في قاعة المجلس بأشد العبارات، قال أحد المتحدثين: «"نحن لا نلتمس منكم شيئا؛ نحن نطالبكم!"، وقال متحدث آخر: "إننا نعتقد أن كل هذه الأموال التي تحت تصرفكم هي حق لنا. فإذا لم توفروا العمل للعاطلين لن يتبق لنا سوى أن ننهب ممتلكاتكم". وصرخ أحد ممثلي الوفد، وهو عامل شاب: "أنتم لم تروا العاطلين عن العمل، أنا أعيش معهم، ويمكنني أن أقول لكم كيف يعيشون، استطيع ان اقول لكم ما الذي قاله هؤلاء الذين أرسلوني إلى هنا، لقد قالوا: اذهب وتحدث الى أعضاء مجلس البلدية ودوما المدينة، فإذا لم يستمعوا إليك، سوف نذهب نحن بأنفسنا ونأخذهم من أعناقهم".»[5]

وخوفا من احتمال حدوث اضطرابات، كان أعضاء مجلس البلدية مجبرين على الاستماع في صمت لمثل هذه الخطب النارية. وعندما أنهى "الضيوف" كلامهم اقترحوا على المندوبين مغادرة القاعة. لكن هؤلاء الأخيرين أعلنوا أنهم لن يغادروا حتى يتلقوا جوابا عن مطالبهم. عندها أعلن أعضاء مجلس البلدية فترة استراحة، وأخرجوا الجمهور ثم استؤنفت جلسة العمل مع وفد العاطلين. وأخيرا، وتحت ضغط النضال الجماهيري المباشر، قرر السادة أعضاء دوما المدينة التراجع والاعتراف بكل المطالب الرئيسية للعاطلين. وجد عدد كبير من العاطلين أنفسهم مرميين في الشوارع أو سكنوا في ملاجئ مؤقتة، إلا أنهم أرسلوا أطفالهم للعيش مع الرفاق الذين استمروا في العمل. وهكذا تفرقت الأسر، فتقرر أنه يتعين القيام ببعض الإجراءات لمساعدة العاطلين على دفع الإيجار. كما تمت في مجلس الدوما مناقشة مسألة مساعدة العاطلين على تخليص متعلقاتهم من محلات الرهن، وخاصة آلات الخياطة والملابس الداخلية، وتمت الاستجابة لها.

لم يكن كرم دوما المدينة منزها تماما عن المصلحة. إذ حتى في تلك الفترة كانت هناك حركة إضرابات جديدة تتطور في سان بيترسبورغ. كانت الإضربات ذات طابع سياسي أساسا، أكثر من كونها ذات طابع اقتصادي. أثمر تضامن العمال مع العاطلين نتائج مهمة، إذ شارك هؤلاء الأخيرين بنشاط في نضال العمال المضربين. وفي مقابل التضامن الذي أبداه العاملون خلال الأشهر السابقة، نظم العاطلون، جنبا إلى جنب مع المضربين في منطقة فيبورغ، عملية جمع المساعدات المالية لصالح المضربين. لكن مع انحسار حركة الإضرابات، استعاد المئات السود والليبراليون رباطة جأشهم وبدأوا بشكل ممنهج في تخريب الاصلاحات التي منحت سابقا. تمت عرقلة برنامج الأشغال العامة إلى أقصى حد ممكن وبدأ التقليص تدريجيا في الميزانية. عند ذلك قدم مجلس العاطلين قائمة جديدة من المطالب لدوما المدينة:

1) يوم العمل من ثماني ساعات. 2) حظر العمل الإضافي. 3) إقرار أجر يومي. 4) مراعاة جميع الشروط الصحية والنظافة اللازمة في العمل. 5) إعطاء المناصب للعاطلين المسجلين بإشارة من مجلس العاطلين. 6) حق ممثلي العمال في مراقبة جميع الشؤون الداخلية في ورشات العمل.

وقد نظم البلاشفة التحريض من أجل هذه المطالب بواسطة جريدتهم فولنا (الموجة) والتي قامت بشكل ممنهج بفضح سلوك الكاديت والليبراليين. لكن مجلس الدوما رفض تقديم أي تنازلات جديدة. كانت هناك شائعات بأن وزارة الداخلية أرسلت تعليمات إلى مجلس دوما المدينة بعدم تقديم الكثير من التنازلات للعاطلين عن العمل. تصاعد نفاد الصبر والغضب بين صفوف العاطلين. وفي 10 يونيو 1906، أصدر مجلس العاطلين نشرة تستنكر هذه الحالة:

«إن مجلس العاطلين لا يخفي عن الجماهير أن مجلس الدوما يماطل فقط ويتلاعب بالعاطلين وليست لديه أية نية في الوفاء بوعوده. لكن المجلس لم يخرق العقد الذي أبرمه مع الدوما لأن القيام بذلك يعني خدمة مصالح أولئك الذين يريدون استفزاز العمال للقيام بعمل سابق لأوانه. هذا بالضبط هو ما ينتظره أعداء الطبقة العاملة، المتعطشون لدماء البروليتاريا.

في الوقت الحاضر، ازداد استفزاز العاطلين إلى أعلى درجة. وقد أعطى وزير الداخلية أوامر خاصة لمجلس الدوما ولأعضاء المجالس البلدية بعدم تقديم أي تنازلات للعاطلين عن العمل. هدفه واضح جدا، إنه استفزاز العاطلين للقيام بعمل سابق لأوانه في الوقت الذي رفاقهم العاملون ليسوا على استعداد لمساعدتهم، ومجلس الدوما، بطبيعة الحال، يطبق بخنوع ما تريده الوزارة. ومع ذلك، يجب ألا نسمح لأنفسنا بأن نسقط ضحايا لاستفزازات الدوما».[6]

كان الهدف من هذا القرار النضال ضد نفوذ العناصر اليسارية المتطرفة (الفوضويون والاشتراكيون الثوريون) الذين كانوا يستغلون الإحباط الذي كان يشعر به العاطلون عن العمل من أجل الدعوة لأعمال استفزازية قد تكون نتائجها كارثية. ومرة أخرى بواسطة ممارسة الضغط على مجلس الدوما، من خلال العمل الجماهيري، نجح مجلس العاطلين في الحصول على المزيد من التنازلات. العمل الجماهيري الذي تحقق ساعد على إبقاء صفوف الطبقة العاملة موحدة ومنع المزيد من التفكك، في الوقت الذي وصل فيه هجوم الردة الرجعية ذروته. وفي نفس الوقت ساعدت التكتيكات الصحيحة التي نهجها البلاشفة في تطوير الوعي الثوري للطبقة العاملة. لكن وبالضرورة لم تكن مثل هذه الانتصارات لتدوم طويلا. في النصف الثاني من عام 1907، حققت الردة الرجعية النصر التام. ألقي القبض على معظم البلاشفة، واضطر آخرون إلى الفرار إلى الخارج، كما ألقي القبض أيضا على معظم منظمي وقادة مجلس العاطلين أو أجبروا على الاختباء. ومن زنزانته، في النصف الأول من عام 1908، علم سيرجي ماليشيف أن الحكومة القيصرية قد وضعت نهاية لبرامج الأشغال العامة في سان بيترسبورغ. وعندما شرعت الحكومة في إغلاق ورشة العمل العامة في كاغارينسكي وارف، وقبل شروع رجال الدرك في عملهم، استدعيت بطارية مدفعية خفيفة، تحسبا لحدوث أي طارئ.

هوامش:

[1] S. Malishev, The Unemployed Councils in St Petersburg 1906, pp. 16 and 8.

[2] R.B. McKean, St Petersburg between the revolutions, pp. 8-9.

[3] S. Malishev, The Unemployed Councils in St. Petersburg 1906, pp. 11-2 and 14.

[4] Malishev, op. cit., p. 18.

[5] Ibid., p. 23.

[6] Ibid., p. 40.

عنوان النص بالإنجليزية:

Bolshevism: The Road to Revolution

الصفحة التالية

الفهرس

الصفحة السابقة


أعلى الصفحة

  الصفحة الرئيسية


التيار الماركسي الأممي


اقتصاد وعولمة


المرأة والماركسية


ثقافة وفن


الفلسفة والعلم


Audio & Video


حملات تضامنية


تاريخ وتحليلات نظرية


إفريقيا


آسيــا


أوروبا


الشرق الأوسط


أمريكا الشمالية


أمريكا اللاتينية


مواقع أممية


هدفنا


إتصل بنا