marxy.com

مؤلفات

كارل ماركس
وفريديريك انجلز

 فلاديمير إيليتش لينين

ليون تروتسكي

تيد غرانت

المغرب

إعلان المبادئ

البرنامج الانتقالي

كتب


البلشفية طريق الثورة

الفصل الثالث: مرحلة الردة الرجعية

مسألة حرب العصابات


Bookmark and Share

آلان وودز
ترجمة: هيئة تحرير موقع ماركسي

في الفترة ما بين 1905 و1906، استعملت الحركة الثورية شكلا من أشكال "حرب العصابات" وميليشيات الأنصار والسطو المسلح، وغيرها من أشكال الكفاح المسلح. لكن فرق القتال كانت دائما مرتبطة ارتباطا وثيقا بالمنظمات العمالية. وهكذا، فإن اللجنة العسكرية في موسكو لم تضم فقط أعضاء الحزب الاشتراكي الديمقراطي العمالي الروسي، بل ضمت أيضا الاشتراكيين الثوريين والنقابيين (عمال المطابع) والطلاب. كما سبق لنا أن رأينا، تم استخدام ميليشيات الأنصار لغرض الدفاع الذاتي ضد منظمي المذابح وعصابات المائة السود، كما ساعدت أيضا على حماية الاجتماعات ضد مداهمات الشرطة، حيث كان وجود ميليشيات العمال المسلحين، في كثير من الأحيان، عاملا هاما في منع العنف. في بعض الأحيان كان يمكن لهذه المجموعات أن تنتقل إلى الهجوم، على الرغم من أن هدفها لم يكن هو الاصطدام مع الجيش (الذي لم يكن في إمكانها أن تأمل في الانتصار عليه في معركة مباشرة)، بل كانت تستهدف كاسري الإضرابات والفاشيين. فعلى سبيل المثال شنت مجموعة من العمال المسلحين هجوما على مجموعة المائة السود في فندق تفر في بيترسبورغ في يناير 1906. وعندما تقع مواجهات مع الشرطة كان السبب يكون عادة محاولة الإفراج عن السجناء السياسيين، كما هو الحال في الغارة الجريئة على قسم شرطة في ريغا من أجل الإفراج عن الثوار اللاتيفيين المعتقلين. وفي لاتفيا بالخصوص وصلت حركة حرب العصابات إلى أعلى درجاتها في دجنبر 1905 حين صارت عدد من البلدات عمليا تحت سيطرة فصائل مسلحة من العمال المتمردين والعمال الزراعيين والفلاحين، قبل أن تتعرض الانتفاضة في لاتفيا للقمع بوحشية على يد حملات عقابية بقيادة جنرالات القيصر.

وشملت المهام الأخرى الاستيلاء على الأسلحة واغتيال الجواسيس ورجال الشرطة، وكذلك الغارات على الأبناك للحصول على الأموال. غالبا ما كانت مبادرة إنشاء جماعات حرب العصابات هذه تأتي من العمال أنفسهم. لقد سعى البلاشفة إلى كسب قيادة هذه الجماعات وإعطائها شكلا منظما ومنضبطا وتزويدها بخطة عمل واضحة. كان ذلك ينطوي بالطبع على مخاطر جدية، حيث يمكن لجميع أنواع المغامرين والمتحللين طبقيا والصعاليك أن ينظموا لهذه المجموعات، والتي بمجرد ما تنعزل عن حركة الجماهير، تميل إلى الانحطاط في مسارات إجرامية إلى درجة أنها تصير غير قابلة للتمييز عن مجموعة من قطاع الطرق. وبالإضافة إلى ذلك كانت أيضا مفتوحة على نطاق واسع للاختراق من طرف العملاء الاستفزازيين. وكقاعدة عامة، يكون من الأسهل بكثير على العملاء الاستفزازيين التسلل إلى التنظيمات العسكرية والإرهابية من التسلل إلى الأحزاب الثورية الحقيقية، ولا سيما حين تتألف من كوادر مثقفين ثوريين يرتبطون ببعضهم البعض بعلاقات أيديولوجية قوية، على الرغم من أن حتى هذه الأخيرة ليست في مأمن من الاختراق، كما سنرى لاحقا. ومع ذلك، فقد كان لينين يدرك جيدا مخاطر الانحطاط التي يشكلها وجود الجماعات المسلحة. إن الانضباط الصارم والرقابة الحازمة من قبل المنظمات الحزبية والكوادر الثورية ذوي الخبرة يشكلان جزئيا حصانة ضد تلك الاتجاهات. لكن الرقابة الحقيقية الوحيدة كانت هي رقابة الحركة الجماهيرية الثورية.

سيمينو أرشاكوفيتش تير بيتروسيان - كامو (ولد في 27 مايو 1882 في مدينة غوري في جورجيا، وتوفي في مدينة تبليسي في14 يوليو 1922)

لقد لعبت مجموعات حرب العصابات دورا مفيدا وتقدميا طالما كانت تعمل كقوة مساعدة للحركة الجماهيرية (أي في سياق الانتفاضة الثورية). لكن حيثما انفصلت تلك المجموعات عن الحركة الثورية الجماهيرية، كانت تميل حتما إلى الانحطاط. ولهذا السبب فقد اعتبر لينين أنه من غير المقبول نهائيا إطالة أمد وجودها، بعدما صار من الواضح أن الحركة الثورية قد دخلت في حالة جزر لا رجعة فيه. وبمجرد الوصول إلى هذه المرحلة، دعا على الفور إلى حل جميع مجموعات حرب العصابات. لكن في المراحل الأولى لعبت دورا إيجابيا وشارك فيها العديد من الناس الذين تميزوا بالبطولة والتضحية بالنفس، والذين كانوا يعملون تحت الرقابة الصارمة للحزب. أحد هؤلاء كان المناضل الثوري الأرميني الشهير سيمينو أرشاكوفيتش تير بيتروسيان (كامو).

وكان أحد الأسباب الرئيسية لاستمرار التكتيك، بعد هزيمة انتفاضة دجنبر، هو ببساطة أن الحزب كان بحاجة إلى الأموال. حتى ذلك الوقت، كان الحزب يعتمد إلى حد كبير على التبرعات الضخمة من متعاطفين أثرياء. ففي فترة التحريض الدستوري قبل عام 1905، وخلال الفترة الأولى من الثورة، كان جزء كبير من البرجوازيين "التقدميين" والمثقفين ينظرون بتعاطف، بل وبإعجاب، إلى الحركة الاشتراكية الديمقراطية، إذ كانوا يميلون إلى اعتبارها مجرد تعبير أكثر جذرية عن الحركة الديمقراطية البرجوازية. كانوا ينظرون بتساهل إلى أنشطة الطلاب والعمال الثوريين، بل وحتى بنوع من الإعجاب الذي يعود إلى الحنين إلى مرحلة الشباب الماضية. وكما هو طبيعي بالنسبة لأشخاص يجيدون حساب المال مثلهم، فقد كانت تعاطفهم محسوبا. كانت البرجوازية تأمل في استخدام الحركة الثورية ورقة مساومة في مفاوضاتها مع الحكم المطلق للحصول على حصة في الحكومة. لكن بعد أكتوبر 1905، بدأ موقف البرجوازية الليبرالية في التغير. كان بيان القيصر قد استجاب لمطالبهم الأساسية، وبدأ حماسهم يفتر بسرعة. وقد أقنعتهم انتفاضة موسكو في نهاية المطاف أن العمال يمثلون خطرا. كانت مناورتهم لعبة خطرة! كشرت الردة الرجعية عن أسنانها، ومثل بيلاطس النبطي (Pontius Pilate)[1]، غسل الليبراليون أيديهم من القضية برمتها، وكان لسان حالهم يقول: "قلنا لكم ألا تذهبوا بعيدا جدا! قلنا لكم ألا تستفزوا الردة الرجعية! لماذا لا نقبل بما عرض علينا؟ فعلى كل حال نصف رغيف أفضل من عقوبة السجن".

النقص المفاجئ في الأموال وضع الحزب في موقف صعب. وفي الوقت الذي كان يتعرض فيه للهجوم من جميع الأطراف، كان الحزب يفتقر للموارد، خاصة وأن الليبراليين البرجوازيين كانوا قد تحولوا ضد الثورة. والعديد من رجال الأعمال الأثرياء من رفاق نصف الطريق السابقين، الذين كانوا في وقت سابق مستعدين لإعطاء المال للحركة الثورية، مدفوعين في ذلك بمجموعة متنوعة من الدوافع، ابتعدوا على عجل، وتذكروا فجأة أن لديهم مشاغل مهنية وأسرية. لكن بالنسبة للطبقة العاملة، لم يكن هناك أي مجال للتراجع. كانت المعركة آنذاك صراع حياة أو موت. كانت تلك هي اللحظة حين اتخذت مسألة السطو أهمية حاسمة. كان لدى كامو سجل طويل من النشاط الثوري، بما في ذلك الاعتقال والهروب من سجن باكو، قبل أن يشتهر بدوره في الكفاح المسلح. وبأعصابه الباردة وشجاعته وكفاءته، كان كامو تجسيدا لأفضل خصال المناضل البلشفي.

بعد التمرد في سفيابورغ وكرونشتاد، نمت حركة الفلاحين بشدة. كان يبدو أن هناك احتمالا بأن تدخل الثورة مرحلة جديدة. فاكتسبت مسألة الحصول على الأسلحة طابعا استعجاليا. كان كامو مسؤولا عن الحصول على الأسلحة، لكن الحزب كان يعاني من مشكلة جدية في ماليته. وفي مؤتمر ستوكهولم، كان المناشفة قد سيطروا على اللجنة المركزية، ولم يكونوا متحمسين لفكرة التسليح. «كانت الرسائل والبرقيات الموجهة إلى اللجنة المركزية لا تلاقي أي رد. وظلت طلبات الحصول على المال مثل صرخة في الصحراء»[2].

لم يتراجع كامو عن اتخاذ الإجراءات اللازمة لتسليح الحزب. وفي سلسلة من الغارات المذهلة على الأبناك، والتي أصابت الشرطة بالسعار، تمت "مصادرة" مبالغ كبيرة من المال. رغم ذلك فقد عاش كامو نفسه حياة متواضعة جدا بأجرة تبلغ 50 كوبيكا في اليوم. ومثله مثل بقية المغاوير البلاشفة، كانت حياته مكرسة تماما للحزب ولقضية الطبقة العاملة. وقد ظهرت شجاعته الأسطورية وجرأته في الغارة على بنك تيفليس، في صيف 1907. فكامو الذي سافر بجواز سفر مزور، منتحلا لهوية نبيل جورجي معروف، ذهب إلى تيفليس لتنظيم عملية سطو كبيرة. وفي صباح يوم 23 يونيو، لبس كامو بزة ضابط بالجيش. وعلى الرغم من أنه كان يعاني من جروح ناجمة عن انفجار عرضي، فقد قاد هجوما مذهلا واستولى على مبلغ 250 ألف روبل - وهو مبلغ ضخم- من بنك الدولة. إن عملياته اللاحقة تبدو مثل واحدة من روايات المغامرات. وبعد هروبه إلى ألمانيا، ألقي القبض عليه في برلين وبحوزته حقيبة مليئة بالديناميت. كان قد تعرض للخيانة من طرف العميل الاستفزازي زيتوميرسكي.

اتهم وحكم عليه بالسجن بكونه "فوضوي إرهابي"، فاستمر طيلة أربع سنوات يتظاهر بالجنون. وعقابا له على سلوكه، وضع عاريا في زنزانة قبو، لمدة تسعة أيام، في درجات حرارة تحت الصفر. بعدها أرسل إلى سجن المجانين، حيث استمر في ادعاء الجنون. بقي أربعة أشهر دون أن يتمدد إذ كان يقف ووجهه إلى الزاوية، وكان يقف على ساق ثم على أخرى. وشملت المعاملة الوحشية التي تعرض لها التغذية بالقوة، والتي تعرض خلالها لكسر العديد من أسنانه. وقد حاول في مناسبتين الانتحار شنقا وبقطع عروقه بقطعة عظم حادة. في البداية اعتقدت السلطات أنه كان يتظاهر بالجنون، لكن بعد ستة أشهر من التعذيب، بدأوا يعتقدون أن جنونه كان حقيقيا. وأخيرا، في مارس 1909، قرر الأطباء أن الحالة الذهنية "للفوضوي الإرهابي" تير بيتروسيان كانت جيدة، وأنه صار هادئا وعقلانيا، بل وحتى قادرا على ممارسة الحرف اليدوية والبستنة. وبعد إعادته إلى السجن، واصل كامو ادعاء الجنون، وتعرض لمزيد من التعذيب. كان الأطباء الألمان "المتحضرون" يدخلون الإبر تحت أظافره، ويحرقون جسده بمكواة حامية، لكن دون جدوى. كان جسد كامو يعاني من ألم دائم، لكنه استمر في ادعاء الجنون حتى قررت السلطات في النهاية أن إطعام هذا المجنون الأجنبي لا ينبغي أن يكون على حساب الشعب الألماني، وأمرت بتسليمه إلى روسيا. وأخيرا، تمكن من تنظيم عملية هروب جريئة من مستشفى الأمراض العقلية في تيفليس.

وتذكر كروبسكايا في سيرتها عن لينين كيف زارهما كامو في باريس:

«لقد أعرب عن أسفه الشديد لسماع حدوث انشقاق بين إليتش وبوجدانوف وكراسين. لقد كان مرتبطا بهم كثيرا. وإلى جانب ذلك، لم يتمكن من فهم الوضع الذي تطور خلال السنوات التي قضاها في السجن. لقد أخبره إليتش كيف سارت الأمور.

طلب مني كامو أن أشتري له بعض اللوز. جلس في مطبخنا في باريس يأكل اللوز، كما لو كان في موطنه في جورجيا، وأخبرنا عن اعتقاله في برلين، وعن الطريقة التي كان يحاكي بها الجنون، وعن العصفور الذي كان يربيه في السجن، وما إلى ذلك. إليتش الذي كان يستمع إلى قصصه، كان يشعر بالأسف الشديد لهذا الرجل الشجاع المخلص والذي يتميز بسذاجة الأطفال والقلب الدافئ، والذي كان حريصا جدا على القيام بأعمال جريئة، لكنه لا يعرف الآن ما الذي ينبغي عليه فعله. كانت مخططاته خيالية، إلا أن إليتش لم يجادل معه، لكنه حاول أن يعيده إلى الواقع باقتراحات حول تنظيم نقل الأدبيات وما إلى ذلك. وفي النهاية تقرر أن يتم إرسال كامو إلى بلجيكا، حيث سيجري عملية على عينيه هناك (كان أحول العينين، وهذا ما كان يفضحه دائما مع جواسيس الشرطة)، ومن هناك أخذ طريقه إلى روسيا والقوقاز. فحص إليتش معطف كامو وقال: "أليس لديك معطف دافئ؟ ستشعر بالبرد بملابسك هذه وأنت تتجول على سطح السفينة". كان إليتش نفسه يتنزه دائما على سطح السفينة عند السفر عن طريق البحر. وبعد أن سمع أن كامو لم يكن لديه معطف آخر، أخرج إليتش معطفه الرمادي الناعم الذي أهدته له والدته في ستوكهولم والذي كان مولعا جدا به، وأعطاه لكامو. بفضل حديثه مع إليتش، ولطف هذا الأخير معه، شعر كامو بالطمأنينة نوعا ما»[3].

ومثله مثل العديد من الذين لعبوا دورا نشطا في الثورة، وجد كامو نفسه في مرحلة الردة الرجعية كسمكة خارج الماء. أدى الخمول والعزلة وضغوط حياة المنفى إلى إصابته بالاكتئاب والإحباط. وسرعان ما عاد إلى النشاط السري في مسقط رأسه بالقوقاز، حيث كانت الحركة الثورية على مشارف صحوة جديدة. أعيد اعتقاله، وحكم عليه بأربعة أحكام بالإعدام، خففت فيما بعد إلى 20 عاما من الأشغال الشاقة كدليل على طيبوبة القيصر بمناسبة الاحتفال بالذكرى الثلاثمائة لحكم سلالة آل رومانوف.

تم إرسال كامو إلى السجن في خاركوف حيث كان يخيط بزات الحرب والملابس الداخلية والأحذية، إلى جانب مجرمي الحق العام الذين تعلموا احترام الرجل الذي كانوا يطلقون عليه اسم إيفان العظيم. وحتى في ذلك المكان الجهنمي لم تمت فيه روح الثورة. فلكي لا يضطر إلى رفع قبعته في وجود الحراس، كان يسير عاري الرأس حتى أثناء الطقس البارد. لم يطلق سراح كامو من هذا المكان إلا بفضل ثورة فبراير، وبعد ذلك عاد على الفور إلى صفوف الحزب البلشفي ولعب دورا بطوليا في الحرب الأهلية. ومن المفارقات أنه بعد أن نجا من كل تلك التجارب والمحن، توفي في حادثة دراجة نارية في عام 1922.

هوامش:

1: بيلاطس النبطي: هو الحاكم الروماني الذي أشرف على محاكمة المسيح، وأصدر الحكم بصلبه. تقول الرواية المسيحية إنه بعد أن أصدر الحكم بصلب يسوع غسل يديه بالماء وصاح: "أنا برئ من دم هذا البار". فصار رمزا لمن يرتكب جرما ويتنصل منه بادعاء البراءة. -المترجم-

2 : S.F. Medvedeva, Kamo, The Life of a Great Revolutionist, 18.

3 : Krupskaya, Reminiscences of Lenin, 212–13.

عنوان النص بالإنجليزية:

Bolshevism: The Road to Revolution

الصفحة التالية

الفهرس

الصفحة السابقة


أعلى الصفحة

  الصفحة الرئيسية


التيار الماركسي الأممي


اقتصاد وعولمة


المرأة والماركسية


ثقافة وفن


الفلسفة والعلم


Audio & Video


حملات تضامنية


تاريخ وتحليلات نظرية


إفريقيا


آسيــا


أوروبا


الشرق الأوسط


أمريكا الشمالية


أمريكا اللاتينية


مواقع أممية


هدفنا


إتصل بنا