marxy.com

مؤلفات

كارل ماركس
وفريديريك انجلز

 فلاديمير إيليتش لينين

ليون تروتسكي

تيد غرانت

المغرب

إعلان المبادئ

البرنامج الانتقالي

كتب


البلشفية طريق الثورة

الفصل الثاني: الثورة الروسية الأولى

لينين و"أعضاء اللجنة"


Bookmark and Share

آلان وودز
ترجمة: هيئة تحرير موقع ماركسي

حاول البعض العثور على جذور الستالينية في نظام المركزية الديمقراطية اللينيني. في الواقع ليست للأساليب التنظيمية البلشفية، المشبعة كليا بروح الديمقراطية، أية علاقة مع ذلك المسخ البيروقراطي الوحشي. إن المركزية مسألة ضرورية في أي منظمة جدية، سواء كانت إدارة للسكك الحديدية أو حزبا ثوريا. كل حزب سياسي، كل منظمة مستقرة، لديهما بالضرورة جانب محافظ. إن الحاجة إلى توفير الوسائل المادية للانتقال من حقل النظرية إلى الممارسة تتطلب إنشاء جهاز تنظيمي. مبدأ حياة الجهاز هو الروتين، أي تلك المهام التنظيمية الكثيرة من جمع المال وتنظيم توزيع وبيع الأدبيات وهلم جرا، والتي تتطلب الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة. بناء الحزب مسألة مستحيلة بدون تلك المهام. ومنذ البداية يجب تخصيص عدد من الناس لهذه المهام. ومع نمو الحزب يزداد عددهم. لكن ما لم يتم اتخاذ تدابير خاصة للرفع باستمرار من المستوى النظري لهؤلاء الرفاق وتوسيع آفاقهم، فإنه يمكن أن يتسلل إليهم نوع من ضيق الأفق التنظيمي، والذي يمكن أن يلعب دورا ضارا في ظل ظروف معينة. يمكن أن يسود، بشكل غير واع أو بشكل شبه واع، الانطباع بأولوية التنظيم، في حين يتم اعتبار الأفكار والمبادئ والنظريات على أنها ذات أهمية ثانوية. وتبدو آراء العمال والقواعد ومبادرتهم وانتقاداتهم، كما لو أنها عبء لا لزوم له، تتعارض مع مبدأ المركزية، أو الرقابة من فوق.

وجود عناصر من هذا القبيل في الحزب البلشفي (كما هو الحال في أي حزب آخر) واقع لا يمكن إنكاره. لكن محاولات المؤرخين البرجوازيين الذين لا ضمير لهم، لربط ذلك بالجرائم الستالينية وإلقاء اللوم على "المركزية القاسية" اللينينية هو تشويه بشع للحقيقة. مع الأسف كانت فئة من أعضاء التنظيم البلاشفة في روسيا، أو ما يسمى بأعضاء اللجنة، تتصرف، في بعض الأحيان، بطريقة تطابق التهمة التي اخترعها المناشفة. لقد فسروا أفكار لينين التنظيمية كما لو أنها صيغ ثابتة وغير قابلة للتغيير، معدة لكي يتم تطبيقها ميكانيكيا، بغض النظر عن احتياجات اللحظة. حتى أكثر الأفكار صحة يمكنها، عندما تتجاوز حدا معينا، أن تتحول إلى نقيضها. ومن خلال تحويلهم للأشكال التنظيمية إلى صنم، وتخليهم عن الطريقة الجدلية في تطبيق هذه الأفكار في ظل الظروف المتغيرة بسرعة، وعلى الرغم من استعدادهم غير المشكوك فيه للتضحية بالنفس والعمل الجاد، كان أعضاء اللجنة يلعبون، في كثير من الأحيان، دورا سلبيا في تطور الحزب، حتى يتم تصحيحه من خلال تدخل لينين. لخص تروتسكي في نهاية حياته موقف لينين في تلك الفترة على النحو التالي:

«لقد فهم لينين، أفضل من أي شخص آخر، الحاجة إلى وجود منظمة مركزية. لكنه رأى فيها، قبل كل شيء، رافعة لتعزيز نشاط العمال المتقدمين. لم تكن فكرة تحويل الأداة السياسية إلى صنم غريبة فحسب عن طبيعته، بل وبغيضة كذلك... كانت العادات الغريبة عن الجهاز السياسي قد بدأت تتشكل في العمل السري. وصار البيروقراطي الثوري الشاب بالفعل هو النموذج. لم تسمح ظروف العمل السري إلا بنطاق ضيق للشكليات الديمقراطية من قبيل الانتخاب والمساءلة والرقابة. نعم، بلا شك، قام أعضاء اللجنة بتضييق هذه الحدود أكثر بكثير مما كان ضروريا وكانوا أكثر تصلبا وحِـدّة مع العمال الثوريين مما كانوا مع أنفسهم، مفضلين الاستبداد حتى خلال المناسبات التي كانت تستدعي حتما الاستماع لصوت الجماهير».[1]

يمكن رؤية الميل نحو الروتين والنزعة المحافظة في أي جهاز، مثلما يعلم أي نقابي من خلال تجربته المريرة. هذه العناصر، كما قلنا، كانت موجودة في الحزب البلشفي، لكنها كانت أقل أهمية داخل الحزب البلشفي مما هي عليه في أي حزب سياسي آخر في التاريخ، وبالتأكيد أقل مما هي عليه في الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية والنقابات الإصلاحية التي توجد تحت السيطرة المطلقة لأسوأ أنواع الآلات البيروقراطية والزمر البرلمانية، الذين باعوا، منذ فترة طويلة، أرواحهم للطبقات المالكة. إن السياسيين، مثل توني بلير أو فيليبي غونزاليس، الذي يرفعون أصواتهم، في رعب مزعوم، ضد نظرية المركزية الديمقراطية "اللينينية"، يسيرون أحزابهم على أساس أشد أنواع المركزية البيروقراطية والديكتاتورية. وتعكس هذه المركزية، من جهة، مصالح ورواتب وامتيازات أعضاء الجهاز، ومن جهة أخرى تعكس ضغط البرجوازية التي ترغب في إخضاع الحركة العمالية لنظامها. أن يتجرأ هؤلاء الناس على توجيه أصابع الاتهام إلى لينين هو أقصى أنواع النفاق.

رد تروتسكي على تلك الهجمات الكلبية على لينين والبلاشفة قائلا:

«إنه من المغري، في هذا الصدد، الزعم بأن بذور الانحطاط الستاليني المستقبلي موجودة بالفعل في المركزية البلشفية أو، بشكل أكثر شمولا، في هرمية العمل السري للثوريين المحترفين. لكن هذا الزعم يتحول إلى غبار عند إخضاعه للتحليل، كاشفا عن افتقار مذهل للمحتوى التاريخي. بطبيعة الحال هناك نوع من المخاطر في عملية الاختيار الصارم لأشخاص ذوي وجهات نظر متقدمة وانتخابهم وتجميعهم في منظمة ممركزة بإحكام. لكن جذور هذه المخاطر لن يتم العثور عليها في ما يسمى "مبدأ" المركزية، بل ينبغي البحث عنها في عدم تجانس العمال وتخلفهم، أي في الظروف الاجتماعية العامة التي تجعل من الحتمي حاجة الطبقة إلى القيادة من طرف طليعتها. إن مفتاح ديناميكية القيادة موجود في العلاقة المتبادلة الفعلية بين الجهاز السياسي وبين الحزب، بين الطليعة وبين الطبقة، بين المركزية وبين الديمقراطية. لا يمكن لتلك العلاقات المتبادلة، بطبيعتها، أن تنشأ مسبقا وتبقى ثابتة. إنها تعتمد على الظروف التاريخية الملموسة، وينتظم توازنها المتغير من خلال النضال الحي للتيارات التي تتأرجح، ممثلة بأجنحتها المتطرفة، بين استبداد الآلة السياسية وبين الثرثرة العقيمة».[2]

وكما هو الحال مع العديد من المؤلفين البرجوازيين الآخرين، يشوه سليمان شوارتز أفكار لينين حول التنظيم إلى حد بعيد. إنه يحاول أن يصور لينين كمدافع عن الانتلجينسيا البيروقراطية ضد العمال، من خلال الاقتباس من محاضر المؤتمر الثالث، في حين أن تلك الاقتباسات تثبت بالضبط عكس ما يرمي إليه. وقد اضطر المؤلف نفسه إلى أن يعترف بأن مشاكل مشابهة توجد في تنظيم المناشفة. وهذا واضح من المناقشات حول إعادة التنظيم التي جرت في مؤتمرهم في جنيف، أبريل 1905، وفي مراسلات مناشفة بارزين. في كتيب شهير تحت عنوان "العمال والانتلجينسيا في منظماتنا"، بتوقيع "عامل"، نشر عام 1904، مع مقدمة كتبها أكسلرود، يقول المؤلف: «من الأفضل ألا نمتلك أوهاما لا لزوم لها حول الانتلجينسيا المارتوفية كذلك».

في مارس 1905، كتب جوسيف، سكرتير لجنة بيترسبورغ ومكتب لجان الأغلبية، إلى القيادة في الخارج ما يلي:

«هناك حاجة إلى تعميم بشأن المسائل التنظيمية، ولا سيما في مسألة ادماج العمال في اللجان. من الضروري التأكيد على أهمية الظروف التي يمكن فيها القيام بذلك. لا ينبغي أن تكون معايير إدماج العمال مبنية على مستوى ثقافتهم، بل على مستوى ثوريتهم وإخلاصهم وحيويتهم وتأثيرهم. في الوقت الحاضر هناك العديد من هؤلاء [الناس]، وخاصة بين العمال غير المنظمين، معظمهم من الشباب الصغار ويفتقرون لصفات القادة السياسيين، إلا أنهم مطلعون بشكل جيد على الأدب الاشتراكي الديمقراطي. وعلاوة على ذلك، لقد سبق لي أن كتبت لكم عن نقل قاعدة منظمتنا، والعمل السري، إلى منازل العمال. وهذا يعني، بشكل ملموس، أن جزءا من أفضل قوانا التي تشتغل في السرية يجب أن تصبح مبلترة».[3]

كان جوهر المشكلة التي تواجه الحزب هو: كيفية إقامة علاقة راسخة بين قوى الطليعة الثورية القليلة نسبيا وبين جماهير العمال والشباب الذين كانوا ينهضون إلى النضال. لا تندلع الثورة بشكل منظم ومحدد مسبقا، مثل استجابة الأوركسترا لعصا القائد. إنها صراع حي بين القوى، ومعادلة أكثر تعقيدا حتى من الحرب بين الدول. شكلت أحداث الأحد الدامي وما تلاها، التعبئة العامة للطبقة العاملة، إذا ما أردنا مواصلة التشبيه العسكري. لكن تلك الطبقة، التي كانت ما تزال تتخلص من أوهامها الساذجة وتسعى لايجاد الطريق إلى تغيير كامل للمجتمع، كانت تتعثر باستمرار بالعقبات الكثيرة الموضوعة في طريقها، كانت ما تزال تفتقر إلى هيئة أركان عامة قادرة على توضيح الطريق نحو النصر. حتى الجيش الأكثر شجاعة لا يفوز أبدا بالحرب دون جنرالات جيدين، لكن بدون جيش لا أهمية لأفضل الجنرالات.

في ذلك الوقت لم يكن أي من القادة الرئيسيين البلاشفة أو المناشفة قد عادوا بعد إلى روسيا. لم يعد مارتوف إلى روسيا إلا بعد 17 أكتوبر، بينما عاد لينين بعده بقليل، 04 نوفمبر. كان الاستثناء الوحيد هو تروتسكي، الذي وصل الى كييف في فبراير. وهناك خلق علاقات وثيقة مع ليونيد كراسين، الذي كان أبرز القادة البلاشفة في روسيا في ذلك الوقت. كان كراسين هو المسؤول عن مطبعة سرية كبيرة ومجهزة تجهيزا جيدا في مكان ما في منطقة القوقاز. لكن دوره كان أبعد من ذلك. فذلك المهندس الشاب الكفؤ كان من نواح كثيرة نموذجا للمنظم البلشفي. وقد أثبت أنه منظم وتقني متميز.

يتذكر تروتسكي في سيرته الذاتية:

«في مرحلة الشباب تلك التي كان الحزب، مثله مثل الثورة، يمر منها، كانت يظهر دائما نوع من قلة الخبرة وقلة النضج عند المناضلين وفي ممارساتهم بشكل عام. وبدوره كراسين لم يكن، بطبيعة الحال، يخلو كليا من هذا الضعف. لكنه كان يتميز، بشكل قل نظيره، بالحزم والصرامة و"النزعة الإدارية". كان مهندسا ذا خبرة، كان يشغل وظيفة جيدة ويؤديها بإتقان؛ كان محترما من طرف رؤسائه في العمل؛ وكانت له شبكة علاقات أكبر وأكثر تنوعا بكثير مما امتلكه أي من الثوريين الشباب الآخرين آنذاك. كان كراسين يمتلك علاقات في غرف العمال وفي شقق المهندسين وفي قصور الصناعيين الليبراليين بموسكو وداخل حلقات الأدباء، وفي كل مكان. وقد أدار تلك العلاقات بمهارة كبيرة، وبالتالي فإن الفرص العملية التي كانت مغلقة تماما في وجه الآخرين كانت مفتوحة أمامه. في عام 1905، وبالإضافة إلى مشاركته في العمل العام للحزب، كان كراسين المسؤول عن أخطر المهام، مثل الوحدات المسلحة وشراء الأسلحة وإعداد مخزونات المتفجرات، وما شابه ذلك. لكنه وعلى الرغم من نظرته الواسعة، فقد كان في المقام الأول رجل الإنجازات الفورية، في السياسة كما في الحياة. كانت تلك نقطة قوته، لكنها كانت أيضا نقطة ضعفه».[4]

كان لينين يعامل بتقدير كبير هؤلاء الناس من أمثال كراسين الذين يعملون بصبر وكفاءة ودون ضجيج. لقد بقي عمل كراسين سريا، لكنه لعب دورا لا يقدر بثمن في بناء الحزب في تلك الفترة العاصفة. من الناحية السياسية كان كراسين من دعاة التوفيقية. إلا أن النزعة التوفيقية كانت شائعة بين مناضلي الحزب في روسيا، وخاصة بين العمال، كما انعكس بوضوح في تقرير وفد بيترسبورغ إلى مؤتمر الحزب: «في الفترة الأخيرة صارت الدعوة إلى إنهاء الانقسام مطلبا واسع الانتشار. العمال البلاشفة والمناشفة يعقدون اجتماعات مشتركة، سواء مع أو بدون المثقفين، وفي كل مكان يتم الضغط من أجل تحقيق الوحدة».[5] كان يجب، بشكل أو بآخر، إيجاد حل لانقسام الحزب.

كان الحل البديهي هو عقد مؤتمر للحزب. كان البلاشفة قد بدأوا منذ شهور الدعاية لصالح عقد المؤتمر الثالث، لكن المناشفة، الذين كانوا يخافون من أن يصيروا أقلية، استمروا يعرقلون الخطوة. في بداية فبراير أدت حملة للشرطة على شقة الكاتب ليونيد اندرييف، في موسكو، إلى إلقاء القبض على جميع أعضاء اللجنة المركزية (أساسا من المناشفة والتوفيقيين). بينما أولئك الذين لم يلق القبض عليهم اتصلوا بـ"مكتب لجان الأغلبية"، التابع للبلاشفة، بهدف التوصل إلى اتفاق لعقد المؤتمر.

على الرغم من أن ذلك كان رسميا مسؤولية مجلس الحزب، فإن غالبية منظمات الحزب داخل روسيا كانت مؤيدة بشكل واضح للقرار. وإذا طالبت ثلثا لجان الحزب بعقد المؤتمر، فإن المجلس كان ملزما وفقا للقوانين الداخلية بعقده. في بداية أبريل كان البلاشفة قادرين على أن يثبتوا بشكل قاطع أن ما مجموعه 21 منظمة داخل روسيا، بما في ذلك اللجنة المركزية، كانت لصالح عقد المؤتمر[6]. كان ذلك يمثل 52 صوتا من أصل ما مجموعه 75 صوتا سيمثل الحزب كله في المؤتمر.أي أكثر مما كان مطلوبا في قوانين الحزب. وقد نشرت رسالة مفتوحة إلى بليخانوف، رئيس مجلس الحزب، كتبها لينين باسم اللجنة المركزية، في بداية ابريل. لكن المجلس، ضاربا عرض الحائط بالقواعد بكل صراحة وفي ازدراء للإجراءات الديمقراطية، رفض الدعوة إلى المؤتمر. وبالنظر إلى السلوك غير المسؤول وغير المشروع للمجلس، لم يكن للبلاشفة خيار سوى عقد المؤتمر بأنفسهم، باسم اللجنة المركزية وباسم غالبية منظمات الحزب في روسيا. على الرغم من تلقي المناشفة الدعوة لحضور المؤتمر، فإنهم فضلوا البقاء بعيدا ونظموا كونفرانس خاص بهم في جنيف. وفي 12 أبريل عام 1905، اجتمع المندوبون في لندن لأكثر من أسبوعين من المناقشات المكثفة حول المشاكل الأساسية للثورة.

هوامش:

[1] Trotsky, Stalin, pp. 62 and 61.

[2] Ibid., pp. 61-2.

[3] Schwarz, op. cit., pp. 214 and 216. (خط التشديد من عندي: آ و)

[4] Trotsky, My Life, pp. 169-70.

[5] Tretiy s’yezd RSDRP (Protokoly), p. 549.

[6] مارتوف نفسه اعترف بصحة هذه الأرقام. انظر: مارتوف وآخرون، Obshchestvennoe Dvizhenie v Rossii v Nachale 20 Veka, vol. 3, p. 557.

عنوان النص بالإنجليزية:

Bolshevism: The Road to Revolution

الصفحة التالية

الفهرس

الصفحة السابقة


أعلى الصفحة

  الصفحة الرئيسية


التيار الماركسي الأممي


اقتصاد وعولمة


المرأة والماركسية


ثقافة وفن


الفلسفة والعلم


Audio & Video


حملات تضامنية


تاريخ وتحليلات نظرية


إفريقيا


آسيــا


أوروبا


الشرق الأوسط


أمريكا الشمالية


أمريكا اللاتينية


مواقع أممية


هدفنا


إتصل بنا