marxy.com

مؤلفات

كارل ماركس
وفريديريك انجلز

 فلاديمير إيليتش لينين

ليون تروتسكي

تيد غرانت

المغرب

إعلان المبادئ

البرنامج الانتقالي

كتب


البلشفية طريق الثورة

الفصل الثاني: الثورة الروسية الأولى

الأب غابون


Bookmark and Share

آلان وودز
ترجمة: هيئة تحرير موقع ماركسي

كانت "نقابة" غابون، التي أنشئت في أبريل 1904، في الواقع جمعية ودية نظمت أنشطة التأمين والمكتبات والأنشطة الاجتماعية مثل الأمسيات الموسيقية التي كان يحضرها العمال مع أسرهم. كانت بمثابة صمام أمان حيث يمكن للعمال، إلى حد ما، التعبير عن شكواهم، لكن كل ذكر للسياسة كان محظورا بشكل صارم. من بين أهدافها المعلنة كان التأكيد على نشر "الوعي القومي" بين العمال وتشجيع "المواقف العقلانية" بخصوص حقوقهم، و"النشاط لتسهيل التحسينات القانونية لأوضاع العمال العملية والحياتية". وبما أن قادة الجمعية فعلوا كل ما في وسعهم لاستبعاد الثوريين، فإنه لم يكن من المستغرب أن العمال والمثقفين الثوريين نظروا إلى المنظمة الجديدة بعين الشك والعداء الشديدين.

ومع ذلك، فإن جهود الشرطة وعملائها داخل النقابة لكبح الحركة العمالية بقيود الأطر القانونية باءت بالفشل. فتصاعد موجة الاستياء، التي طالت جميع شرائح المجتمع في سياق الحرب الروسية-اليابانية، بدأت تؤثر حتى على الفئات الأكثر تخلفا بين صفوف الطبقة العاملة. حتى تلك اللحظة كانت معارضة النظام القيصري تأتي أساسا من بين المثقفين الليبراليين والطلاب. وكان يبدو أن أوسع شرائح الطبقة العاملة تقف بعيدة عن ذلك الصراع. لكن، وعلى الرغم من مظاهر الهدوء، كانت المصانع والأحياء العمالية تغلي بالاستياء. وكان كل ما هو مطلوب هو إيجاد نقطة ارتكاز من شأنها أن تمكن هذه السيرورة، التي تحدث تحت السطح، من أن تجد لها صوتا ووعيا وتعبيرا منظما.

بعد اغتيال وزير الداخلية المكروه، بليهف، يوليوز 1904، حاول النظام، الذي كان في وضع ميؤوس منه بسبب الهزائم العسكرية ويشعر بالأرض تهتز تحت قدميه، (حاول) إحباط الثورة من تحت من خلال تقديم تنازلات من فوق. الانفتاح النسبي، الذي قام به النظام في خريف 1904، أعطى العمال مساحة أكبر للتنفس. وابتداء من شتنبر 1904 عقدت سلسلة من الاجتماعات الجماهيرية في مصانع بيترسبورغ، تحت رعاية جمعية غابون، التي أصبحت ذات شعبية متزايدة بين العمال. فئات جديدة من العمال، بدون خبرة في النضال، بدأت تتنظم. صار تنظيم غابون آنذاك يضم حوالي 8000 عضو وفروعا في 11 حيا على الأقل من أحياء المدينة. كان هذا العدد أكبر بكثير من عدد العمال الذين شاركوا في أي وقت مضى في المنظمات الاشتراكية الديمقراطية، والذين بلغ عددهم 500 أو 600 عضو على أقصى تقدير.

لم يكن العمال الذين انضموا إلى نقابة غابون عمالا اشتراكيين ديمقراطيين واعين، مثل العمال القدامى، بل كانوا عمالا بسطاء تماما، جماهير ساذجة سياسيا، جلبوا معهم كل الأحكام المسبقة التي تشربوها طيلة ألف سنة في الأوساط الفلاحية المتخلفة. وبقدر ما تزايد الظلم، كان الفلاح الروسي يعتبر أن ذلك كان خطأ "خدام القيصر"، وليس القيصر نفسه الذي كان "حامي الشعب". ولم يكن من قبيل الصدفة أن النقابة كانت برئاسة كاهن. لم يكن للماركسيين أي نفوذ حقيقي داخل الجمعية، على الرغم من وجود فئة كبيرة من العمال الذين سبق لهم أن مروا خلال المنظمات الاشتراكية الديمقراطية في العقد السابق، ثم تراجعوا إلى الوراء والآن عادوا إلى الظهور في هذا الوسط الجديد. من المهم أن نضع هذا في الاعتبار عندما نقرأ تلك المزاعم المعتادة حول أن ثورة 1905 كانت "حركة عفوية". بطبيعة الحال كان عنصر العفوية موجودا، لكن وفي نفس الآن كانت الأحداث التي أدت إلى 09 يناير، في الواقع، بتخطيط مسبق من طرف مجموعة رائدة داخل منظمة غابون، تعمل تحت ضغط العمال، والذين كان الكثير منهم قد سمع الدعاية الماركسية خلال الإضرابات الكبيرة التي شهدها عقد التسعينيات من القرن 19.

شخصية غابون نفسها يكتنفها الغموض. وكان الرأي السائد في الأوساط الماركسية في ذلك الوقت هو أنه كان مجرد عميل للشرطة، وأنه في الغالب خطط عمدا لمذبحة 09 يناير 1905 مع السلطات. وينص التاريخ الموجز سيء الذكر الذي كتبه ستالين على أنه «في عام 1904، وقبل إضراب بوتيلوف، استخدمت الشرطة عميلا استفزازيا، هو كاهن اسمه غابون ... قام غابون بمساعدة الأوخرانا القيصرية [الشرطة السرية] من خلال تمكينها من الذريعة لإطلاق النار على العمال وإغراق حركة الطبقة العاملة في الدم»[1]. مما لا شك فيه أن غابون تعامل مع الشرطة عندما تم إنشاء النقابة، بل وكانت له اتصالات مع كبار أعضاء الحكومة. إلا أنه كان شخصية متناقضة جدا. في 09 يناير، عندما نجا من الموت على أيدي القوات القيصرية، سار جنبا إلى جنب مع الاشتراكي الثوري بنشاس روتنبرغ. وفي وقت لاحق اختبأ عند مكسيم غوركي، وأجرى مناقشات مع لينين في جنيف واقترب من البلاشفة. اقتنع لينين بطبع غابون البريء، الشبيه بالأطفال، لكن فهمه للثورة بقي في مستوى بدائي. حياة المنفى دمرته، كما دمرت العديد من الآخرين، وصار محبطا، أدمن على لعب القمار، ثم عاد في الأخير إلى روسيا حيث، على ما يبدو، حاول استئناف اتصالاته مع الشرطة، حيث كتب رسالة إلى وزير الداخلية دورنوفو. وأخيرا تم اغتياله في مارس 1906. ومن المفارقات، أن الرصاصة التي قتلته أطلقها عليه نفس الاشتراكي الثوري الذي كان قد سار إلى جانبه ذلك الأحد المشؤوم في يناير.

إن فكرة أن غابون دفع بوعي العمال للذبح خاطئة بشكل واضح. طبيعة غابون المتناقضة كانت تعكس عقلية الجيل الجديد من العمال الذين وصلوا حديثا من القرى ولم يتم استيعابهم سوى جزئيا داخل البروليتاريا، والذين جاؤوا حاملين معهم الكثير من الأفكار المسبقة وحتى الأفكار الرجعية. كان منظما بارعا وخطيبا مفوها وقائدا بالفطرة، كان يتحدث اللغة التي يمكن للعمال أن يفهموها. مع خليط غريب بين النضال والدين، وبين الصراع الطبقي والمَلَكية، كان ينسجم مع الخطوات الأولى المترددة والمشوشة التي كانت تخطوها، نحو الوعي، ملايين الشرائح الأكثر انسحاقا داخل المجتمع. غابون الذي هو بدوره ابن فلاح، تأثر في شبابه بالأفكار الثورية، كان يعبر بأمانة عن الوعي المشوش عند تلك الفئة الاجتماعية التي كانت رغبتها في الكفاح من أجل حياة أفضل في هذا العالم ما تزال متشابكة مع الأمل في الآخرة والإيمان بقدسية القيصر. لا أحد كان يعبر عن مشاعر الجماهير أفضل من غابون. ولهذا السبب عشقته الجماهير. كتب ليونيل كوشان: «خلال أوائل أيام يناير عام 1905 المتوترة، كانت له هالة زعيم ونبي... وكما كتب أحد المراقبين، كان الناس على استعداد للتضحية بحياتهم مقابل كل كلمة يقولها. وكان رداؤه الكهنوتي وصليبه بمثابة المغناطيس الذي جذب هذه المئات الآلاف من المعذبين.».[2]

مهما كانت دوافع غابون فإنه كان يثير قوى لم يكن، لا هو ولا أي شخص آخر، في إمكانه السيطرة عليها. وفي حين وصفه الثوريون بكونه عميلا استفزازيا، كانت السلطات تعتبره ثوريا خطيرا. وبغض النظر عن نواياه الذاتية، فإن الوصف الأخير كان أقرب ما يكون إلى الحقيقة. لكن غابون كان غير مجهز للتعامل مع القوى التي ساعد على بعثها. كان يعطي الانطباع على طول الخط بأنه مدفوع بأحداث خارجة عن سيطرته أو فهمه. وعشية المجزرة، عبر "زعيم الرجال" هذا عن حيرته قائلا: «ما الذي سينتج عن هذا؟ يا إلهي، أنا لا أعرف. شيء كبير، لكن ما هو بالضبط، لا أستطيع أن أقول. من الذي يمكنه أن يفهم كل هذا؟».[3]

أخيرا انفجر الغضب والمرارة المتراكمين بين صفوف عمال المصانع في إضراب عمال مصنع بوتيلوف للأسلحة ، والذي كان معقلا استراتيجيا لبروليتاريا سان بيترسبورغ، شهر دجنبر. ابتداء من شهر شتنبر 1904، كانت تجمعات عمالية جماهيرية قد بدأت تنظم في المصانع تحت رعاية النقابة، والتي أعطت العمال فرصة للتعبير عن مظالمهم والبدء في تكوين فكرة عن قوتهم. أصيب أرباب العمل بالفزع وقرروا اتخاذ إجراءات صارمة. وكانت الشرارة التي أشعلت برميل البارود هي إقالة أربعة نشطاء ينتمون لنقابة غابون. ويوم 28 دجنبر، عقدت نقابة غابون لقاء جماهيريا لعمال 11 مصنعا. كان المزاج الكفاحي المتزايد بين العمال يدفع ببطء حتى القادة الغابونيين إلى تبني مواقف أكثر كفاحية. مؤشر تغير المزاج كان هو دعوة ممثلي الحزب الاشتراكي الديمقراطي والاشتراكيين الثوريين لحضور الاجتماع. في ذلك الاجتماع تقرر إرسال وفد مع ملتمس إلى الإدارة ومفتشي الشغل والسلطات في سان بيترسبورغ، لشرح شكاوى العمال. ومع حلول يوم 03 يناير كان جميع العمال، البالغ عددهم 13.000 عامل، منخرطون في الإضراب. لم يبق داخل المصنع سوى اثنان من عناصر الشرطة. كانت مطالب المضربين هي يوم عمل من ثماني ساعات وفرض حظر على العمل الإضافي وتحسين ظروف العمل والخدمات الطبية المجانية ورفع أجور النساء العاملات والسماح بتنظيم لجنة تمثيلية وأداء الأجور عن أيام الإضراب.

هوامش:

[1] Stalin, History of the Communist Party of the Soviet Union [Bolsheviks], p. 94.

[2] L. Kochan, Russia in Revolution, p. 87.

[3] Martov and others, Obshchestvennoe Dvizhenie v Rossii v Nachale 20 Veka, vol. 2, p. 43.

عنوان النص بالإنجليزية:

Bolshevism: The Road to Revolution

الصفحة التالية

الفهرس

الصفحة السابقة


أعلى الصفحة

  الصفحة الرئيسية


التيار الماركسي الأممي


اقتصاد وعولمة


المرأة والماركسية


ثقافة وفن


الفلسفة والعلم


Audio & Video


حملات تضامنية


تاريخ وتحليلات نظرية


إفريقيا


آسيــا


أوروبا


الشرق الأوسط


أمريكا الشمالية


أمريكا اللاتينية


مواقع أممية


هدفنا


إتصل بنا