marxy.com

مؤلفات

كارل ماركس
وفريديريك انجلز

 فلاديمير إيليتش لينين

ليون تروتسكي

تيد غرانت

المغرب

إعلان المبادئ

البرنامج الانتقالي

كتب


البلشفية طريق الثورة

الفصل الثاني: الثورة الروسية الأولى

"الزوباتوفية"


Bookmark and Share

آلان وودز
ترجمة: هيئة تحرير موقع ماركسي

تزامن ضعف الحزب مع نهضة جديدة للحركة العمالية، التي كانت بالتالي مجبرة على التعبير عن نفسها من خلال قنوات أخرى. خلال الفترة ما بين 1900 و1902، خطرت على ذهن رئيس الأوخرانا بموسكو (الشرطة السرية)، س. ف. زوباتوف، فكرة إنشاء نقابات شرعية، تحت رقابة الشرطة، يسمح لها بالعمل وحتى انتخاب اللجان وتخضع لتدقيق الشرطة، وتقوم بالأنشطة، شريطة أن تكون ذات طبيعة اقتصادية بحتة وليس سياسية. لم يعمل زوباتوف فقط على إنشاء نقابات شرعية، تحت سيطرة الشرطة (وهو التكتيك الذي أطلق عليه الثوريون بسخرية اسم "الاشتراكية البوليسية")، بل ذهب أبعد من ذلك إلى تجنيد بعض الثوريين عملاء له. كان يقوم بزيارتهم في السجن، ويظهر لهم اهتماما أبويا براحتهم، ويجلب لهم الشاي والبسكويت وحتى الأدب الماركسي للقراءة. لم يكن ينظم جلسات الاستجواب في السجن بل في منزله، حيث كان يحاول إقناعهم بأن أفضل وسيلة للدفاع عن مصلحة العمال كانت هي المشاركة في "الحركة" التي أنشأها. ومن خلال الجمع بين القسوة وبين مثل هذه الأساليب، تورطت بعض العناصر الضعيفة أو الساذجة في نهاية المطاف وأصبحوا مخبرين بعد الإفراج عنهم. وبمجرد ما يتورطون يصبح تقريبا من المستحيل عليهم الهروب. لم يكن الثوريون يعاملون بلطف العملاء الاستفزازيين المعروفين.

كان زوباتوف أكثر ذكاء من قادة الشرطة القيصرية العاديين، ولمدة من الزمن كانت أساليبه ناجحة، بل كانت في الواقع ناجحة جدا! في مناخ من الاضطرابات العمالية العامة وفي ظل غياب منظمات شرعية جماهيرية حقيقية دخل العمال في نقابات البوليس بأعداد كبيرة. ومن اجل الحفاظ على ثقة العمال، لجأ ضباط الشرطة الأكثر حماسا حتى إلى تنظيم الإضرابات. كانت تلك النقابات تضم الآلاف من العمال، أكثر بكثير من الأعداد الصغيرة نسبيا التي كانت تنشط داخل اللجان الاشتراكية الديمقراطية. وقد تمكن العمال، بفضل مبادرتهم المعهودة، من قلب الطاولة على البوليس وانتهزوا الفرصة للضغط من أجل تحقيق مطالبهم وخلق تنظيمات قانونية في أماكن العمل. أعطت نقابات زوباتوف للعمال فرصة لتنظيم والتعبير عن مظالمهم. فبرز السؤال حول ما الموقف الذي ينبغي على الحزب الاشتراكي الديمقراطي اتخاذه تجاه هذه النقابات البوليسية الرجعية. بعد سنوات عديدة، وعندما كان العمال الروس قد تمكنوا بالفعل من حسم السلطة، أعطى لينين الجواب في رائعته عن الاستراتيجية والتكتيكات ثورية: مرض اليسارية الطفولي في الشيوعية:

الرفيق بابوشكين، العامل المشهور في بطرسبورج، شارك بفعالية ونشاط في الجمعيات التي نظمها زوباتوف من أجل اقتناص الثوريين، أعدمه الجنرالات القيصريون في سنة 1906 رميا بالرصاص

«في عهد القيصرية لم تكن لدينا أية "إمكانيات شرعية" قبل سنة 1905، ولكن عندما نظم زوباتوف، عميل البوليس السري، اجتماعات وجمعيات عمالية موغلة في الرجعية من أجل اقتناص الثوريين ومكافحتهم، أرسلنا أعضاء حزبنا إلى تلك الاجتماعات وإلى تلك الجمعيات (وأنا شخصيا أتذكر من جملتهم الرفيق بابوشكين، العامل المشهور في بطرسبورج، الذي أعدمه الجنرالات القيصريون في سنة 1906 رميا بالرصاص) فعملوا على إقامة الروابط مع الجماهير، وتمكنوا من القيام بدعايتهم وانتشال العمال من تأثير عملاء زوباتوف».

لم يحصر لينين ملاحظاته على الظروف الخاصة في روسيا القيصرية، بل أرسى قاعدة عامة تحكم مقاربة الماركسيين تجاه المنظمات الجماهيرية للبروليتاريا. فمن أجل بناء حزب ثوري حقيقي، لا يكفي إعلانه على ناصية الشارع، بل من الضروري إيجاد الطريق نحو الجماهير، بغض النظر عن كل العقبات، من الضروري التوجه نحو الجماهير أينما كانت:

«رفض العمل داخل النقابات الرجعية يعني ترك جماهير العمال غير المتطورة بشكل كاف أو المتخلفة تحت تأثير القيادات الرجعية، وعملاء البرجوازية والأرستقراطيون العماليون، أو "العمال الذين صاروا برجوازيين بشكل كامل..."

إن هذه "النظرية" السخيفة القائلة بأنه على الشيوعيين عدم الاشتراك في النقابات الرجعية تُظهِر بمنتهى الوضوح الموقف الطائش لهؤلاء الشيوعيين "اليساريين" بخصوص مسألة التأثير في "الجماهير"، ومدى إفراطهم في الزعيق بصدد "الجماهير". إذ كنت تريد مساعدة "الجماهير" واكتساب تعاطف "الجماهير" ومؤازرتها وتأييدها، عليك ألا تخاف من الصعوبات، أو من المكائد والمماحكات والإهانات والملاحقات من جانب "الزعماء" (الذين ولكونهم انتهازيين واشتراكيين- شوفينيين هم في أغلب الحالات، على ارتباط مباشر أو غير مباشر بالبرجوازية وبالشرطة)، بل عليك بالضرورة أن تعمل أينما توجد الجماهير. يجب أن تكون قادرا على بذل أية تضحيات، وعلى تذليل أعظم العوائق لأجل القيام بالدعاية والتحريض، بصورة منظمة وبعناد وصلابة وأناة، في تلك المؤسسات والجمعيات والاتحادات بالذات، حتى وان كانت اشدها رجعية، حيث توجد الجماهير البروليتارية أو شبه البروليتارية».[1]

كانت هذه دائما هي السمة المميزة لأسلوب لينين: الحزم المطلق فيما يخص المسائل النظرية والمبدأ، إلى جانب المرونة القصوى فيما يخص المسائل التكتيكية والتنظيمية. حاولت السلطات بناء جدار فاصل بين الماركسيين وبين الجماهير. لكن العمال الاشتراكيين الديمقراطيين نجحوا، بفضل عمل صبور ودقيق وتكتيكات مرنة، في كسر الحواجز واختراق النقابات وتخصيبها بالأفكار الماركسية. وتحت الضغط الهائل في المصانع تحولت نقابات زوباتوف جزئيا إلى أجهزة للنضال. وبعد موجة إضرابات عام 1903، تعرض زوباتوف للإقالة من منصبه بطريقة مهينة. لكن حتى ذلك الحين استمرت هذه الحركة تلعب دورا. وقد كانت النقابة الزوباتوفية النموذجية هي "جمعية عمال المصانع وورشات العمل الروسية" بسان بيترسبورغ ، والتي أنشأها الأب غريغوري غابون بإذن من الشرطة.

فشل العديد من الاشتراكيين الديمقراطيين في فهم ضرورة المشاركة في منظمة غابون من أجل الوصول إلى الجماهير. لقد أثارت معالمها الرجعية نفورهم منها. لم تكن تلك هي المرة الأولى أو الأخيرة التي عجز فيها الثوريون عن فهم الطريقة التي تتطور من خلالها الحركة الواقعية للطبقة العاملة. انطلقوا من فكرة صحيحة مجردة ( "العمال بحاجة إلى حزب ثوري") وفشلوا في أن يأخذوا في الاعتبار التنظيم الحقيقي للعمال الذي تطور من الظروف الملموسة والتي ليس لها أي تشابه مع أفكارهم المسبقة حول كيف يجب على تنظيم العمال أن يبدو. ألم تكن تلك النقابة من صنع البوليس من أجل السيطرة على الطبقة العاملة؟ كيف يمكن للماركسيين أن يشاركوا في مثل هذا الرجس؟ لكن محاولات الحلقات الاشتراكية الديمقراطية الصغيرة كسب الجماهير مباشرة، بالاقتصار على الدعاية والتحريض فقط، أثبتت عقمها. كان العمال المنظمون يتشكلون أساسا من بروليتاريين مؤهلين وذوي خبرة، ومعظمهم أعضاء في نقابة غابون، وكانوا ينظرون بارتياب إلى هؤلاء الشباب اليافعين الذين جاؤوا يحاولون تعليمهم الدروس. كانت دعايتهم تتبدد مثل البخار في الهواء. وصف المنشفي س. سوموف (إ. أ. بوشكين) الوضع في منظمته في سان بيترسبورغ في بداية ذلك العام قائلا:

«ظهرت صورة حزينة جدا. لم يكن من الممكن العثور على منظمات تعمل بصورة جيدة إلا في قطاع نارفا فقط، بعمالها البالغ عددهم 30.000 على سبيل المثال، كانت المنظمة الاشتراكية الديمقراطية تتألف بأكملها من ست أو سبع دوائر من عمال شركة بوتيلوف وعمال مصانع السيارات والسكك الحديدية (كان هناك 5 أو 6 عمال في كل حلقة) وكان العمل يتم وفقا لأساليب قديمة، مع دورات تعليمية طويلة حول الاقتصاد السياسي والثقافة البدائية. صحيح أنه كان هناك أيضا تنظيم لقطاع ممثلي الحلقات، لكن من الصعب تحديد ما الذي كانت تفعله. لم تجد حياة المصنع أي صدى لها على الإطلاق داخل الحلقات. أما الغليان المتصاعد... الذي كان يجد تعبيرا له في حركة غابون النامية بقوة والتي جسدت بشكل واضح رغبة الجماهير العاملة في بناء تنظيم واسع وتحقيق الوحدة الطبقية، فقد تم تجاهله باعتباره نزعة زوباتوفية. وعلاوة على ذلك، فإن معظم العمال الذين كانوا ينتمون إلى حلقتنا كانوا صغار السن جدا، خرجوا للتو من التدريب المهني وبدون أي تأثير على الإطلاق في أماكن عملهم».[2]

كان هؤلاء الذين ينشطون في الحلقات العمالية يتشكلون عموما من الأشخاص الأكثر تأهيلا وتعليما بين العمال، كانوا بارعين في عملهم ولديهم شعور قوي بالفخر به، ليس في مجال السياسة فقط، بل في أماكن العمل أيضا. لقد كانوا وسطا من الصعب اختراقه. كتب أ. م. بويكو، وهو عامل في مصنع بوتيلوف، قائلا: «في تلك الأيام كان هناك شعور أنه إذا لم يكن العامل يتقن مهنته، ولم يصبح حرفيا جيدا، فإنه من ثم ليس زميلا جيدا. كانت وجهة النظر هذه تعود بجذورها إلى أيام حلقات الدعاية، كوستاشينا (kustashchina)، عندما كان الحرفيون كبار السن يعتبرون العمال غير المهرة مجرد دخلاء عليهم... فإذا بدأ شاب محادثة مع عامل تركيب أو خراطة ماهر من كبار السن سيقال له: "تعلم أولا كيف تمسك المطرقة واستخدام الإزميل والسكين، بعدها يمكنك أن تبدأ في الحديث مثل رجل يمكنه أن يعلم الآخرين شيئا ما".»[3]

هوامش:

[1] LCW, vol. 31, pp. 55 and 53.

[2] Schwarz, op. cit., p. 56.

[3] Surh, St Petersburg in 1905, p. 73.

عنوان النص بالإنجليزية:

Bolshevism: The Road to Revolution

الصفحة التالية

الفهرس

الصفحة السابقة


أعلى الصفحة

  الصفحة الرئيسية


التيار الماركسي الأممي


اقتصاد وعولمة


المرأة والماركسية


ثقافة وفن


الفلسفة والعلم


Audio & Video


حملات تضامنية


تاريخ وتحليلات نظرية


إفريقيا


آسيــا


أوروبا


الشرق الأوسط


أمريكا الشمالية


أمريكا اللاتينية


مواقع أممية


هدفنا


إتصل بنا