marxy.com

مؤلفات

كارل ماركس
وفريديريك انجلز

 فلاديمير إيليتش لينين

ليون تروتسكي

تيد غرانت

المغرب

إعلان المبادئ

البرنامج الانتقالي

كتب


البلشفية طريق الثورة

الفصل الثاني: الثورة الروسية الأولى

انتفاضة موسكو


Bookmark and Share

آلان وودز
ترجمة: هيئة تحرير موقع ماركسي

بحلول نهاية أكتوبر بلغ الغليان في القرى مستويات جديدة، إذ شمل 37% من القسم الأوروبي لروسيا، ولاسيما المنطقة الوسطى "الأرض السوداء"، لاتفيا واستونيا وجورجيا وأوكرانيا. وقد امتدت موجة سخط الفلاحين بدورها إلى القوات المسلحة. اندلعت سلسلة من حركات التمرد في الجيش وقوات البحرية، الشيء الذي أكد أهمية العمل بين الجنود والبحارة. وإلى جانب العمل الجماهيري الشرعي، طور البلاشفة أيضا الاستعدادات المادية للانتفاضة المسلحة. كان كراسين المسؤول عن العمل العسكري والتغلغل في الجيش وتنظيم الجماعات المقاتلة. أنشأت اللجان المحلية وحدات متخصصة للحصول على السلاح. وقد تطور هذا العمل في الخريف مع إنشاء ورشات سرية لصنع القنابل ومخازن للأسلحة. ومرة أخرى لعب غوركي دورا رئيسيا في جمع الأموال لهذا العمل، الذي تم تمويله جزئيا من خلال ما كان يعرف بـ "المصادرة"، أو عمليات السطو على البنوك التي كانت تقوم بها جماعات مسلحة تحت رقابة البلاشفة. كانت الشروط الموضوعية للقيام بالعصيان المسلح تنضج بسرعة.

طوال الخريف كانت كل العيون مركزة على سان بيترسبورغ، التي شكلت بؤرة الحركة. لكن عمال العاصمة، الذين تحملوا العبء الأكبر للصراع، طيلة الفترة الممتدة من يناير حتى نوفمبر، كانوا قد استنزفوا قواهم. بعد صدور بيان أكتوبر، أرباب العمل الليبراليون، الذين ظهروا في السابق متعاطفين مع الحركة الثورية، بل وحتى دفعوا أجور العمال المضربين، كشفوا أخيرا عن وجههم الحقيقي. يوم 31 أكتوبر دعا سوفييت سان بيترسبورغ إلى إضراب عام للنضال من أجل يوم عمل من ثماني ساعات. لكن أرباب العمل أبدوا مقاومة شديدة وانتهى الإضراب إلى الفشل. يوم 12 نوفمبر دعا السوفييت إلى إيقاف الاضراب وكانت هذه نقطة تحول. لقد شكل إضراب أكتوبر حقا آخر رمق للحركة في سان بيترسبورغ. عرف إضراب نوفمبر في بيترسبورغ مشاركة أعداد أكبر من العمال مما كان عليه الحال في اكتوبر، لكن هذا كان حقا آخر محاولة يائسة لطبقة عاملة أنهكتها بشدة أشهر طويلة من النضال. أرباب العمل، الذين استشعروا أن الحركة بدأت تفقد قواها، نظموا حملة إغلاقات، في حين شرعت قوات الشرطة والجيش في تفريق اجتماعات العمال بالقوة. كشفت إغلاقات نوفمبر أن أرباب العمل كانوا على علم بالوضع الحقيقي. انطلقت حملة واسعة النطاق من القمع والطرد والاعتقالات. وخوفا من أن تتفكك الحركة الى سلسلة من مواجهات حرب العصابات التي يمكن أن تتعرض للسحق الواحدة تلو الأخرى، قرر سوفييت سان بيترسبورغ التراجع التكتيكي. وفي 12 نوفمبر، بعد نقاش حاد، ألغى الإضراب، من أجل الانسحاب بطريقة موحدة ومنظمة.

انسحاب البرجوازيين الليبراليين أمال موازين القوى لصالح معسكر الرجعية. صار الجنرال تريبوف الآن الحاكم الفعلي لروسيا. الليبراليون الخائفون من "الفوضى" تشبثوا بأذياله. ويوم 26 نوفمبر وجد النظام أنه قوي بما فيه الكفاية لاعتقال خروستاليوف- نوسار في مقر اللجنة التنفيذية للسوفييت. رد السوفييت بخطوة على الصعيد المالي، دعا في بيان، كتبه بارفوس، إلى عدم دفع الضرائب وسحب الودائع المصرفية لتسريع الأزمة المالية للنظام. وحتى في هذا الوقت كانت فئات جديدة طرية تدخل ميدان الصراع في كل يوم: عمال النظافة والبوابون والطباخون وخدم المنازل والنوادل والغسالات وشغيلات الحمامات العامة ورجال الشرطة والقوزاق، بل حتى صغار المخبرين. كان المجتمع قد اهتز حتى الأعماق. لكن التجذر المتزايد للجماهير التي كانت في السابق خاملة سياسيا أخفى حقيقة أن قوات "الكتائب الثقيلة" للعمال كانت قد استنفذت تقريبا. كان الإجماع على إضراب دجنبر، في بيترسبورغ، أقل بكثير مما كان عليه إضراب نوفمبر، والذي ضم حوالي ثلثي عمال العاصمة. أبانت هذه الحقيقة أنه كان قد تم الوصول إلى أقصى نقطة للحركة في بيترسبورغ، وأن المد الثوري قد بدأ بالانحسار. يوم 02 دجنبر حدث تمرد لكتيبة روستوف في موسكو. وفي اليوم التالي ألقي القبض على قادة سوفييت سان بيترسبورغ، بمن فيهم رئيسه: ليون تروتسكي.

انتقلت المبادرة الآن إلى عمال موسكو. تمرد كتيبة روستوف أعطى الأمل في أن الحامية قد تنتفض. لكن البلاشفة المحليين ترددوا، وبما أن الحركة لم تنتشر، فإن القوات فقدت اندفاعتها بسرعة. فتم سحق التمرد خلال بضعة أيام. أصابت هذه الهزيمة الجنود بالإحباط وقللت إلى حد كبير من احتمال انتقالهم إلى جانب العمال. ومن ناحية أخرى كان المزاج العام في مصانع موسكو قد وصل درجة الغليان. كان العمال يريدون بفارغ الصبر الانخراط في النضال. في 04 دجنبر، أصدر سوفييت موسكو تهنئة للجنود على انتفاضتهم وأعرب عن أمله في أن يلتحقوا بصفوف الشعب. لكن لم يكد الحبر يجف حتى كان تمرد الجنود قد سحق. كان لينين قد أعرب مرارا عن قلقه من حدوث انتفاضة سابقة لأوانها. كان يعرف أن قوات الحزب ما تزال ضعيفة، وأن فرق القتال غير مستعدة بعد لتتغلب على قوات الدولة. وقبل كل شيء كانت احتياطيات الفلاحين الهائلة قد بدأت للتو في الدخول إلى ميدان المعركة. وقد أعرب أكثر من مرة عن أمله في أن تتأجل المواجهة النهائية بين العمال وبين النظام حتى فصل الربيع. لكن لينين كان يفهم جيدا أن الثورة لا يمكن أن توجه مثلما يوجه قائد الأوركسترا فرقته. تصف كروبسكايا بوضوح موقف لينين: «وردا على سؤال حول توقيت الانتفاضة قال: "أود تأجيل الانتفاضة حتى الربيع، لكن لا أحد سيأخذ رأينا على أي حال".»[1]

نسجت الكثير من الأساطير حول انتفاضة موسكو، خصوصا من جانب الستالينيين. قيل إن الانتفاضة كانت بمبادرة من البلاشفة. لكن في الواقع لم تندلع انتفاضة موسكو وفقا لخطة محددة. لم يكن هناك أمر مباشر من اللجنة المركزية. جاءت المبادرة من أسفل، من العمال أنفسهم. في المؤتمر الأول لمنظمات القتال التابعة للحزب الاشتراكي الديمقراطي العمالي الروسي، الذي عقد في نوفمبر 1906، بعد عام من الانتفاضة، رفض ممثل اللجنة المركزية، إ. أ. سامر، الفكرة القائلة بأن اللجنة المركزية هي من نظمت كل شيء، واشتكى من أن بعض الرفاق «لديهم مفهوم جد ميكانيكي عن الظروف التي أدت إلى انتفاضة دجنبر في موسكو ويرسمون صورة مبالغا فيها للغاية عن دور اللجنة المركزية في الدعوة لهذه الانتفاضة. قامت اللجنة المركزية على ما يبدو بالضغط على زر فانفجر التمرد. فإذا لم تكن اللجنة المركزية قد فعلت ذلك، فإن الانتفاضة لم تكن لتحدث!». في الواقع كانت القيادة قد غلبتها الأحداث. الزعيم البلشفي، رادوف، اعترف في وقت لاحق، في لحظة حقيقة، بأن قوات الحزب لم تكن مستعدة على الاطلاق: «يجب علينا الآن أن نعترف بصراحة أنه في هذا الصدد، منظمتنا برمتها، وجزئيا نحن، أعضاء اللجنة المركزية، كنا غير مستعدين نهائيا».

ليس هناك من شك في أنه كان هناك تأييد واسع النطاق بين عمال موسكو لمقترح الانتفاضة. كان عمال موسكو، على عكس عمال بيترسبورغ، قد دخلوا حديثا إلى ساحة المعركة ويتحرقون رغبة في الكفاح. اقترحت سلسلة مطردة من اجتماعات المصانع اشعال الانتفاضة. المزاج السائد في المصانع أثر في سوفييت موسكو. كان العمال يضغطون من أجل التحرك. وكانت المصانع تغلي وعلى بينة من اقتراب اللحظة الحاسمة. تتذكر زيمليتشكا أنه عندما أخذ القادة البلاشفة المحليون الكلمة في السوفييت، كانت المسألة لم تعد موضع شك: "كانت مكتوبة على وجوه العمال"[2]. وحدهم مندوبو المصانع الذين يحملون البطاقة الحمراء، من كان لهم الصوت الحاسم، بينما لم يكن للأحزاب، كما في أماكن أخرى، سوى صوت استشاري. وعندما جرى التصويت، رفعت غابة من الأيدي المتصلبة لصالح تنظيم إضراب سياسي عام يوم 07 دجنبر. كان قرار العمال بالإجماع. في ظل تلك الظروف، كان الجميع يعرف أن ذلك التصويت هو تصويت لصالح الانتفاضة. كان لجناح المناشفة اليميني تحفظات حول الانتفاضة، بسبب تأثيرها على الليبراليين، لكنهم ابتلعوا تحفظاتهم وقرروا دعمها. كان الضغط من أسفل قويا لا يقاوم. في الواقع، على الرغم من أن المبادرة جاءت من العمال البلاشفة، فقد شارك في الانتفاضة المناشفة والاشتراكيون الثوريون أيضا. في 05 دجنبر، اقترح المناشفة تنظيم إضراب عام لعمال السكك الحديدية في موسكو. وتم تدعيم القرار في مجلس السوفييت من قبل عمال السكك الحديدية وعمال البريد والعمال البولنديين في موسكو.

جرت محاولة لتنظيم نضال تضامني في بيترسبورغ. دعا سوفييت سان بيترسبورغ، الذي كان قد أعيد تشكيله حديثا، العمال والفلاحين الى دعم إضراب موسكو العام. استنفر عمال سان بيترسبورغ آخر ذرة من قواهم، وحاولوا دعم إخوانهم وأخواتهم في موسكو. في 08 دجنبر خرج أكثر من 83.000 عامل في سان بيترسبورغ. ودعا عمال السكك الحديدية بدورهم إلى إضراب عام. ومع ذلك فإن محاولة تنظيم مثل هذا الحراك في سان بيترسبورغ لم تحقق النتيجة المرجوة. كان الإرهاق، الناتج عن أشهر طويلة من النضال المتواصل، كبيرا جدا. كان العمال قد أضربوا عن العمل ثلاث مرات خلال تسعة أسابيع وكانوا الآن قد تعبوا من الإضرابات. كانت الدولة قد جندت ضدهم كل قواها وكانوا هم قد فقدوا الثقة في قوتهم. بعد فشل الإضراب، اقتصر الدعم من بيترسبورغ على إرسال الأسلحة. لكن الآوان كان قد فات.

يظهر أن الشرارة الأولى للانتفاضة كانت نتيجة استفزاز من جانب الحكومة، التي أرسلت القوات لتفريق بعض اجتماعات العمال. اندلعت مظاهرات واشتباكات بين الجنود والميليشيات. أقيمت المتاريس الأولى وبدأت المواجهات بشكل جدي. يوم 07 دجنبر بدأ إضراب عام شارك فيه أكثر من 100.000 عامل، وارتفع العدد إلى 150.000 في اليوم الموالي. يومي07 و08 دجنبر كانت هناك لقاءات جماهيرية ومظاهرات في الشوارع في موسكو مع وقوع اشتباكات متفرقة مع الشرطة وإضراب عام. أصدر سوفييت موسكو جريدة يومية، "إزفستيا موسكو"، حاولت كسب أوسع فئات السكان إلى النضال. إلا أن قيادة الحركة أبانت عن عدم استعدادها للمعركة الحاسمة. حدث التردد أثناء اللحظة الحاسمة عندما كان من الممكن تحويل الإضراب العام إلى انتفاضة مسلحة. في تلك الأثناء كان النظام يستعد بالفعل للقيام بهجوم مضاد. يوم 08 دجنبر كسرت الشرطة تجمعا جماهيريا وألقت القبض على 37 شخصا. رغم ذلك لم يقم السوفييت بأي رد فعل. في مثل تلك الظروف، كما أوضح ماركس، يكون التردد خطئا قاتلا. إن القاعدة الأولى للانتفاضة، على حد تعبير الثوري الفرنسي العظيم دانتون هي: الجرأة ثم الجرأة والمزيد من الجرأة. وعوض ذلك نشرت إزفستيا، في 09 دجنبر، دعوات غامضة "للحفاظ باستمرار على قواتنا في حالة من التأهب الشديد". كان السوفييت يأمل بأن يعم التردد صفوف الجيش. كان هناك بالفعل تردد بين صفوف القوات، لكن كانت هناك حاجة لتحرك حاسم لكي يترجم ذلك إلى عمل. حاول العمال بشكل فطري التقرب من القوات، لكن التآخي لم يكن كافيا. وكما قال لينين فقد كان الاقتصار على مجرد الدعاية بديلا ضعيفا عن الصراع المادي. في تلك المرحلة، كانت "الدعاية بواسطة الفعل" مهمة آنية. استفادت قوى الثورة المضادة من هذا التردد فشنت هجومها المضاد يوم 09 دجنبر. في سياق الاشتباكات سقط العديد من الجرحى والقتلى والمعتقلين.

آنذاك فقط أدركت الجماهير ضرورة اتخاذ إجراءات حاسمة. لم يكن هناك ما يكفي من الأسلحة، لكن المتمردين اعتمدوا على دعم السكان، ووضعوا أملهم على التحاق عدد كاف من قوات الجيش بصفوفهم لترجيح كفة الميزان لصالحهم. وللحصول على الأسلحة قامت ميليشيات العمال على الفور بتنظيم عمليات الاستيلاء بالقوة على سلاح ليس فقط رجال الشرطة بل أيضا الجنود. تحول الإضراب إلى انتفاضة مسلحة، وقد شاركت الجماهير في بناء المتاريس والاشتباكات مع قوات الشرطة والجيش. تظهر عدم ثقة قادة البلاشفة في قدرة القيادة بموسكو في قرار اللجنة المركزية إرسال أ. إ. ريكوف وم. ف. فلاديميرسكي إلى موسكو لتولي مسؤولية الوضع. كما تظهر من خلال تصريحات لينين في وقت لاحق، حقيقة أن هناك أخطاء ارتكبت. في سياق رده على عبارة بليخانوف الشهيرة: "ما كان ينبغي عليهم حمل السلاح!"، قال لينين: «على العكس من ذلك، كان ينبغي علينا حمل السلاح بحزم أكبر وبنشاط أكبر وبشراسة أكبر: كان يجب علينا أن نوضح للجماهير أنه كان من المستحيل أن نقتصر على إضراب سلمي، وأنه كان لا بد من خوض كفاح مسلح جريء ولا هوادة فيه»[3]. فقط عندما بدأ القتال بالفعل قامت إزفستيا بإعطاء تعليمات واضحة لفرق القتال: «لا تتحركوا بجماعات كبيرة، تحركوا بوحدات صغيرة مكونة من 3 إلى 4 عناصر، لا أكثر!». وأوصت أيضا بعدم إقامة المتاريس. «لا تحتلوا مواقع محصنة! ستتمكن القوات دائما من الاستيلاء عليها، أو ستقوم ببساطة بسحقها بواسطة المدفعية! فلتكن حصوننا هي الأزقة والساحات وجميع تلك الأماكن التي من السهل علينا إطلاق النار منها والفرار بعيدا!»[4]. ونصح العمال أيضا بالابتعاد عن اللقاءات الجماهيرية. «نحن الآن بحاجة للقتال وفقط للقتال».

في ظل الظروف الجديدة لقتال الشوارع لعبت فرق المغاوير الحزبية، المرتبطة بالحركة الجماهيرية والإضراب العام، دورا حاسما بشكل واضح. وجدت قوات الشرطة والجيش نفسها في مواجهة عدو غير مرئي ومنتشر في كل مكان. وكانت الميزة الكبرى لفرق القتال، هو أنها، وبالرغم من صغر حجمها، حصلت على دعم الجماهير. يومي 09 و10 دجنبر نصبت أولى المتاريس. وبناء على نصيحة مجلس السوفييت، لم يعمل المتمردون على الدفاع عن المتاريس، لكنها لعبت دورا مفيدا في إبطاء حركة القوات وعرقلة انتشار سلاح الفرسان. حوصر الجنود في بيئة معادية حيث كان ركن كل بيت قلعة للعدو؛ وفي كل مدخل وكل شارع كمين محتمل. كان الجنود والشرطة يفككون الحواجز في الليل فقط ليجدوها وقد أعيد بنائها في الصباح. وعلى الرغم من تفوق الجيش والشرطة الساحق من حيث العدد والعتاد، فإنهم كثيرا ما واجهوا الصعوبات. كثيرا ما اضطر النظام إلى كتم أنفاسه فزعا من ر ؤية مدينة من مليون نسمة أغلبيتهم العظمى من "الأعداء"، وهو يخوض القتال بجيش من القوات المحبطة وغير الموثوق بها. قاتلت بروليتاريا موسكو مثل النمور. وكان القتال عنيفا خصوصا في منطقة بريسنيا، مركز صناعة النسيج. وكانت ذروة التمرد المسلح يوم 11 دجنبر. عند نقطة معينة اضطرت سلطات موسكو لطلب التعزيزات. لكن الحكومة، التي كانت ما تزال تخشى من اندلاع انتفاضة في سان بيترسبورغ، لم ترسل شيئا في البداية.

على الرغم من كل هذا، لم تكن النتيجة النهائية موضع شك. فإذا لم تلتحق قوات الجيش بالعمال، فإن وضعهم ميؤوس منه سواء من حيث العدد أو العتاد. كان الجانب العسكري التقني غير كاف على الإطلاق. في أوائل دجنبر كان هناك فقط 2000 من الرجال المسلحين إضافة إلى 4000 من رجال الميليشيات لكن من دون أسلحة. من بين هؤلاء كان ما بين 250 و300 في ميليشيا البلاشفة، وما بين 200 و250 في ميليشيا المناشفة، ونحو 150 من الاشتراكيين الثوريين. وبالإضافة إلى ذلك كان للطلاب وعمال التلغراف ومجموعات غير حزبية أخرى أيضا ميليشيات خاصة بهم. لم يكن لديهم ما يكفي من الأسلحة للقتال لكنهم كانوا يعولون على دعم السكان، ويأملون أيضا في تلقي الدعم من قوات الجيش. لقد كان الهدف الرئيسي لتشكيل الميليشيات هو منع المذابح، وهي المهمة الملموسة التي كانت تنطوي على النضال الدفاعي، ولم تكن مهيئة للقيام بمهمة الهجوم. وما زاد الوضع سوءا هو أنه يوم 07 دجنبر اعتقلت القيادة بأكملها. منذ البداية كان واضحا أن الحركة سيئة الاستعداد ويغلب عليها الارتجال إلى حد كبير. كانت فرق القتال تميل إلى التركيز على الدفاع عن مناطقها بدلا من الذهاب إلى الهجوم. وعلى الرغم من بطولة عمال موسكو، فإن مشاكل غياب الأسلحة وضعف التنسيق وغياب المهارة العسكرية، حددت مصير الصراع في نهاية المطاف. بمجرد ما بنيت المتاريس، صار السكان العزل يلعبون دور المتفرجين فقط. عزز دعمهم السلبي معنويات وحدات القتال ومكنها من الصمود لفترة أطول مما كان يمكن لأي شخص أن يتوقع.

يوم 13 دجنبر اقترح مناشفة موسكو الدعوة الى وقف الانتفاضة، لكن البلاشفة قرروا، تحت ضغط العمال، مواصلتها. من الممكن أن نطرح للنقاش مسألة إلى أي مدى كان القادة قادرين فعلا على توجيه الأحداث. لم تكن الميليشيات، ليس فقط التابعة للبلاشفة والمناشفة، بل أيضا تلك التابعة للاشتراكيين الثوريين، مستعدة للتخلي عن القتال. ونتيجة لذلك، أصدرت قيادة البلاشفة والمناشفة اعلانا مشتركا تحت عنوان: ادعموا انتفاضة موسكو! وناشدت الطبقة العاملة في روسيا بأن تمنع الحكومة من سحق التمرد. لكن الوضع كان قد تحول بشكل حاسم ضد التمرد. فشل الحركة في بيترسبورغ مكن الحكومة القيصرية من تركيز قواتها في موسكو. وصول كتيبة سيمونوفسكي، في 15 دجنبر، قلب ميزان القوى بشكل حاسم ضد التمرد. لم يكن أبدا في مقدور قوات المتمردين غير النظامية الدخول في مواجهة مباشرة مع الجيش النظامي. يوم 16 دجنبر لم تعد في أيدي المتمردين سوى منطقة واحدة، هي بريسنيا. في ذلك اليوم صوتت اللجنة التنفيذية للسوفييت لصالح انهاء الاضراب. وكعمل من أعمال التحدي، صوتت لجنة الحزب الاشتراكي الديمقراطي لمنطقة بريسنيا على إنهاء الإضراب في مساء يوم 18 دجنبر. لكنها كانت خطوة دون جدوى. في منطقة بريسنيا كان هناك، في ذروة النضال، حوالي 350 و400 عضو ميليشيا مسلح وما بين 700 و800 في الاحتياطي من دون أسلحة. وقد أخضعت بريسنيا الحمراء بقصف المدافع.

طيلة يومين وليلتين تعرض مصنع بروخوروف للقطن ومصانع شميت للأثاث، التي كان العمال قد حولوها إلى قلاع بدعم من أصحابها اليساريين، للسحق بنيران المدفعية. اجتاحت المنطقة كلها ألسنة اللهب. وبحلول ليلة 17 دجنبر، سقطت بريسنيا في يد القوات الحكومية. وأمام الاختلال الهائل في موازين القوى، اضطرت قيادة موسكو لوقف القتال يوم 18 دجنبر. وفي اليوم الموالي تم أيضا إنهاء الإضراب العام للحيلولة دون خسارة المزيد من الكوادر والحفاظ على كل ما يمكن الحفاظ عليه من الحركة. وصلت انتفاضة موسكو إلى نهايتها. وكان عدد القتلى، وفقا لتقرير نقابة أطباء موسكو، 1059، منهم 137 من النساء و 86 طفلا. كانت غالبية القتلى من المواطنين العاديين. والمثير للدهشة هو أن الخسائر البشرية بين المقاتلين من الجانبين كانت قليلة. لم يقتل سوى 35 جنديا، بينهم خمسة ضباط. ثم بدأ الفصل الدموي من الاعتقالات الجماعية وعمليات إطلاق النار والترحيل. قتل السجناء بدم بارد. وأخذ أطفال العمال إلى مراكز الشرطة وضُربوا دون رحمة. كل الذين تعاطفوا مع قضية العمال كانوا في خطر. نيكولاي شميت، صاحب الشركة الشاب الذي سمح للعمال باستخدام مصنعه كقاعدة، تعرض لمصير مأساوي. اعتقل بعد الانتفاضة، وتعرض لمعاملة وحشية من قبل الشرطة. أخذوه إلى المصنع ليوروه إنجازاتهم، مشيرين بنصر إلى جثث العمال المذبوحين. وتم قتله لاحقا في السجن.

هوامش:

[1] Krupskaya, O Vladimirye Ilyiche, vol. 1, p. 132.

[2] Istoriya KPSS, vol. 2, pp.136, 141-2 and 137.

[3] Lenin, Selected Works, English edition, Moscow 1947, vol. 1. p. 446.

[4] Istoriya KPSS, vol. 2, p. 142.

عنوان النص بالإنجليزية:

Bolshevism: The Road to Revolution

الصفحة التالية

الفهرس

الصفحة السابقة


أعلى الصفحة

  الصفحة الرئيسية


التيار الماركسي الأممي


اقتصاد وعولمة


المرأة والماركسية


ثقافة وفن


الفلسفة والعلم


Audio & Video


حملات تضامنية


تاريخ وتحليلات نظرية


إفريقيا


آسيــا


أوروبا


الشرق الأوسط


أمريكا الشمالية


أمريكا اللاتينية


مواقع أممية


هدفنا


إتصل بنا